Indexed OCR Text
Pages 561-580
١٢٩٧ - مالك، عن ضَعْرةَ بنِ سعيدِ المازنىِّ، عن الحجّاج الموطأ ابنِ عمرٍو بنِ غَزِيَّةً، أنه كان جالسًا عندَ زيدِ بنِ ثابتٍ، فجاءَه ابنُ قَهْدٍ ؛ رجلٌ مِن أهلِ اليمنِ، فقال: يا أبا سعيدٍ، إن عندِی جوارىَ لى، ليسَ نسائِى الَّلاتى أُكِنُّ بأعجبَ إلىَّ منهنَّ، وليس كلُّهنَّ يُعجِبُنى أن تَحمِلَ مَنِّى، أفأعزِلُ ؟ فقال زيدٌ: أَفِه يا حجَّاجُ . قال: فقلتُ: يَغفِرُ اللهُ لكَ، إنما نَجلِسُ عندَك لنتعلّمَ منكَ . قال: أَفْتِه . قال: فقلتُ: هو حَرْثُكَ ؛ إن شِئتَ سقَيتَه، وإن شِئتَ أعطَشتَه . قال: وكنتُ أسمَعُ ذلك من زيدٍ. فقال زيدٌ: صدَق . ٠ ١٢٩٨ - مالكٌ، عن محُميدِ بنِ قيسٍ المكْىٌّ ، عن رجلٍ يُقالُ له : ذَفِيفٌ . أنه قال: سُئل ابنُ عباسٍ عن العزلِ، فدعا جاريةً له فقال : أخبرِيهم . فكأنها استَحيَتْ ، فقال: هو ذلك؛ أمّا أنا فأفعَلُه . يعنى أنه يَعْزِلُ . قال يحيى : قال مالكٌ: لا يَعزِلُ الرجلُ عن المرأةِ الحُرَّةِ إلا بإذنِها ، وفى هذا الحديثِ عن عمرَ خلافُ ما رواه سعيدُ بنُ المسيَّبِ ، أن عمرَ الاستذكار وعثمانَ كانا يكرّهان العَزْلَ . وأما أقاويلُ الفقهاءِ فى العَزْلِ عن الزوجةِ ، الحرةِ والأمةِ ؛ فقال القبس ٥٦١ ( موسوعة شروح الموطأ ٣٦/١٥) الموطأ ولا بأسَ أن يَعزِلَ عن أمَتِه بغيرِ إذنها . قال مالكٌ : ومَن كانت تحتَه أمَّةُ قومٍ فلا يَعزِلُ إلا بإذنِهم . ے. الاستذكار مالكٌ: لا يَعْزِلُ عن الحرةِ إلا بإذنها، ولا بأسَ أن يعزِلَ عن أمتِهُ بغيرِ إذنها . قال مالكٌ: ومَن كانت عنده أمةُ قوم، فلا يَعْزِلُ عنها إلا پإذنهم . قال أبو عمرَ: لا أعلمُ خلافًا أن الحرةَ لا يَعْزِلُ عنها زوجها إلا بإذنها ، وأن له أن يَعْزِلَ عن أمتِه بغيرِ إذنِها، كما له أن يمنعَها الوطءَ جملةً . واختلفوا فى العَزْلِ عن الزوجةِ الأمةِ ؛ فقال أبو حنيفةَ وأصحابُه : الإذنُ فى العَزْلِ عن الزوجةِ الأمةِ إلى مولاها. كقولٍ مالكٍ . وقال الشافعىُّ : له أن يَعْزِلَ عن الزوجةِ الأمةِ دونَ إذنِها ، ودونَ إِذنِ مولاها، وليس له العَزْلُ عن الحرةِ إلا بإذنِها . : القبس ٥٦٢ الموطأ ما جاء فى الإحداد ١٢٩٩ - مالكٌ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبى بكرِ بنِ محمدِ بنِ عمرو بنِ حزمٍ، عن حُميدِ بنِ نافع ، عن زينبَ بنتِ أبى سلمةً ، أنها أخبَرتْه بهذه الأحاديثِ الثلاثةِ؛ قالت زينبُ: دخَلتُ على أَمِّ حَبيبةَ زوج النبيِّ وَله حينَ تُؤُفِّىَ أَبوها أبو سفيانَ بنُ حربٍ، فدعَتْ أَمُّ حَبيبةَ بطِيبٍ فيه صُفْرَةٌ ؛ حَلُوقٌ أو غيرُه، فدهَنتْ به جاريةً ، ثمَّ مسَحتْ بعارضَيْها ، ثمَّ قالت: واللهِ ما لى بالطّيبِ مِن حاجةٍ، غيرَ أنى سمِعتُ رسولَ اللهِ وَلَه يقولُ: ((لا يَحِلَّ لامرأةٍ تُؤمِنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ أن تُحِدَّ على مَيِّتٍ فوقَ ثلاث ليالٍ، إلا على زوجٍ أربعةً أشهُرٍ وعشْرًا)). قالت زينبُ: ثمّ مالكٌ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبى بكرٍ، عن حميدِ بنِ نافع، عن زينبَ التمهيد بنتِ أبى سلمةَ، أنها أخبرَته بهذه الأحاديثِ الثلاثةِ ؛ قالت زينبُ : دَخَلتُ على أمّ حبيبةَ زوج النبيِّ بَ لَه حين توفّىَ أبوها أبو سفيان بنُ حربٍ، فدعَتْ أُمُّ حبيبةَ بطيبٍ فيه صفرةٌ ؛ حَلوقٌ أو غيرُه، فدهَنتْ به جاريةً، ثم مسَحتْ بعارضَيها، ثم قالت: واللهِ ما لى بالطّيبِ من القبس القولُ فى الإحدادِ [البقرة: ٢٣٤]. وأفادت أما القرآنُ، فأفاد وجودَ التَّرَبُّصِ بقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ ٥٦٣ الموطأ دخلتُ على زينبَ بنتِ جحشٍ زوجِ النبيِّ بَ لَ حينَ تُؤُفِّىَ أخوها، فدعَتْ بطِيبٍ فمَسَّتْ منه، ثمّ قالت : واللهِ ما لى بالطّيبِ من حاجةٍ ، غيرَ أنى سمِعتُ رسولَ اللهِ وَّلَهِ يقولُ: ((لا يَحِلُّ لامرأةٍ تُؤمِنُ باللهِ التمهيد حاجةٍ، غيرَ أنى سمِعتُ رسولَ اللهِ وَلَهِ يقولُ: ((لا يحلُّ لامرأةٍ تُؤْمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ تُحِدُّ على ميّتٍ فوقَ ثلاث ليالٍ، إلّا على زوجٍ، أربعةً أشهرٍ وعشرًا)). قالت زينبُ: ثم دخَلتُ على زينبَ بنت جحشٍ زوجِ النبيِّ بَّه حين توفِّىَ أخوها، فدعَتْ بطيبٍ، فمسَّتْ منه، ثم قالت: واللهِ ما لى بالطّيبِ من حاجةٍ، غيرَ أَنِّى سمِعتُ رسولَ اللهِ القبس الشُنَّةُ الإِحدادَ، وهى هيئةٌ) فى التَّرَبُّصِ، وأذِن لهنَّ فى غيرِ الأزواجِ بثلاثة أيامٍ ؛ لِما يغلِبُ النِّسوانَ مِن الجَزَعِ، ويَسْتولی علیھن مِن الگۆپ، وما وراءه حرامٌ فى غيرِ الزوجِ، واجبٌّ فى الزوجِ، وليس ذلك بزيادةٍ على النصِ، وإنما هو تفسيرٌ لكيفيةِ التربُّصِ كما قدَّمنا، وقد كان هذا شرعًا لمَن كان قبلَنا، وعادةً فى الجاهليةِ ، وكانت المرأةُ تقيمُ فى الجاهليةِ على هذه الحالِ من الإحدادِ سَنَةً ، وقد كان اللهُ عزَّ وجلَّ أَمَر بمتاع التربُّصِ حولًا فى الآيةِ الآخِرةِ (١) ، ثم ثبت الحكمُ بنفى (٢) الآيةِ الأولى مِن الأربعةِ الأشهرِ والعشرِ، وهدَم اللهُ ما كان فى الجاهليةِ، ونسَخ متاعَ الحَوْلِ بهذه الآيةِ قبلَها. واللهُ أعلمُ . (١) فى ج: (هبته)). (٢) فى م: (( الأخيرة)). (٣) فى م: ((بنص)) .. ٥٦٤ واليومِ الآخِرِ تُحِدُّ على مَيِّتٍ فوقَ ثلاثٍ ليالٍ إلَّ على زوج أربعةَ أشهُرٍ الموطأ وعشْرًا)). قالت زينبُ: وسمِعتُ أُمِّى أَمَّ سلمةَ زوجَ النبيِّ ◌َلَه تقولُ: جاءَت امرأةٌ إلى رسولِ اللهِ وَ له فقالت: يا رسولَ اللهِ ، إِن ابنتى تُؤُفِّىَ عنها زوجُها وقد اشتكَتْ عينَيْها، أفتكحُلُهما ؟ فقال رسولُ اللهِ وَّةٍ: ((لا). مَرَّتينٍ أو ثلاثًا. كلَّ ذلك يقولُ: ((لا)). ثمّ قال: ((إنما هى أربعةَ أشهُرٍ وعشْرًا، وقد كانت إحداكنَّ فِى الجاهليَّةِ تَرمِى بالبَعَرَةِ على رأسِ الحولِ )) . قال حُميدُ بنُ نافع : فقلتُ لزينبَ : وما ((تَرِمِى بالبَعَرَةِ على رأسِ الحولِ)) ؟ فقالت زينبُ: كانت المرأةُ إذا تُؤُفِّىَ عنها زوجُها دخَلت حِفْشًا، ولبستْ شرَّ ثيابِها ، وَه يقولُ: ((لا يحلُّ لامرأةٍ تُؤمنُ باللهِ واليوم الآخرِ تُحِدُّ على مَيِّتٍ التمهيد فوقَ ثلاث ليالٍ ، إلا على زوجٍ، أربعةً أشهرٍ وعشرًا)). قالت زينبُ : وسمِعتُ أُمّى أمَّ سلمةَ زوجَ النبيِّ وَلَّهِ تقولُ: جاءَت امرأةٌ إلى رسولِ اللهِ وَلَّهِ، فقالت: يا رسولَ اللهِ ، إن ابتَتى توفِّىَ عنها زوجها، وقد اشتكَتْ عينيها أفتكْحُلُهما؟ فقال رسولُ اللهِ وَله: (( لا)) مرّتين أو ثلاثًا، كلَّ ذلك يقولُ: ((لا)). ثم قال: ((إنما هى أربعة أشهر وعشرًا، وقد كانت إحداكُنَّ فى الجاهليةِ ترمى بالبعرةِ على رأسِ الحولِ)). قال حميدُ بنُ نافعٍ: فقلتُ لزينبَ: وما ((ترمى بالبعرةِ على رأسِ الحولِ))؟ فقالت زينبُ: كانت المرأةُ القبس ٥٦٥ الموطأ ولم تَمَسَّ طِيبًا ولا شيئًا حتى تَمُوَّ بها سنةٌ، ثمَّ تُؤْتَى بدايَّةٍ ؛ حمارٍ أو شاةٍ أو طائرٍ، فَتَفْتَضُّ به، فقَلَّما تَفْتَضُّ بشىءٍ إلا مات، ثمّ تخرُجُ فتُعطَى بِعَرَةً فتَرِمِى بها، ثمَّ تُراجِعُ بعدُ ما شاءت من طِيبٍ أو غيره . قال يحيى : قال مالكٌ: والحِفْشُ البيتُ الردىءُ. وَتَفْتضُّ: تمسَخُ به جلدَها كالنُّشْرةِ . التمهيد إذا توفّىَ عنها زوجها دخَلتْ حفشًا، ولبستْ شرّثيابِها، ولم تمسَّ طيبًا ولا شيئًا حتى تمرّ بها سنةٌ ، ثم تُؤتَى بدائَّةٍ ؛ حمارٍ أو شاةٍ أو طائرٍ، فتفتضُّ به ، فقلما تفتضُّ بشىءٍ إلا مات ، ثم تخرج فتعطی بعرً ، فترمی بھا ، ثم تُراجُ بعدُ ما شاءَتْ من طيبٍ أو غيرِه(١) . قال مالك: الحِفْشُ: البيتُ الرَّدِىءُ، وتفتضُّ: تمسحُ به جلدَها كالنُّشْرَةِ(٢) . القبس (١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٦/١٢ظ، ١٧ و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٧١٩). وأخرجه البخارى (٥٣٣٤ - ٥٣٣٦)، ومسلم (١٤٨٦ - ١٤٨٩)، وأبو داود (٢٢٩٩)، والترمذى (١١٩٥ - ١١٩٧)، والنسائى (٣٥٣٣ - ٣٥٣٥) من طريق مالك به . (٢) النشرة : ضرب من الرقية والعلاج، سميت نشرة لأنه ينشر بها عنه ما خامره من الداء، أى : يكشف ويزال . النهاية ٥٤/٥. ٥٦٦ الموطأ قال أبو عمرَ : حميدُ بنُ نافع هذا هو أبو أفلحَ بنِ حُميدٍ ، وهو مولَى التمهيد صفوانِ بنِ خالدٍ ، ويقالُ: مولَى أبى أيوبَ الأنصارىِّ، يقالُ له(١): حميدٌ صَغِیرًا() . روَی عن أبی أیوب، وحجّ معه، وروى عن ابنِ عمرَ، وعن زينبَ بنتِ أبى سلمةَ. وهو ثقةٌ مأمونٌ ، وهذه الجملةُ من خبرِه عن أحمدَ ابن حنبلٍ، ومصعبٍ الزُّبيرىِّ، ولم يسمَعْ مالكٌ منه شيئًا ، ولا الثورىُّ ، وهما يرويان عن عبدِ اللهِ بنِ أبى بكرٍ عنه، وقد سمِع منه شعبةُ هذا الحدیثَ وغيره . أخبرنا أحمدُ بنُ قاسم بنِ عيسى قراءةً منى عليه، أن عُبَيْدَ اللهِ بنَ محمدِ بنِ حَبَابَةَ حدَّثُهم ببغدادَ ، قال : حدثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ البغوىُّ ، قال : حدثنا إبراهیمُ بنُ هانئ، قال: حدثنا أحمدُ بنُ حنبل ، قال : حدثنا حجَّائجُ بنُ محمدٍ ، قال: قال شعبةُ: سأَلتُ عاصمًا عن المرأةِ تُحِدُّ، فقال: قالت حفصةُ بنتُ سيرينَ: كتَب حميدُ بنُ نافع إلى محُميدٍ الحميرىِّ. فذكر حديثَ زينبَ بنتٍ أبى سلمةَ. قال شعبةُ: فقلتُ لعاصم: أنا قد سمِعتُه من حميدِ بنِ نافع. قال : أنت ؟ قلتُ : نعم، وهو القبس (١) فى الأصل، م: ((إنه)). (٢) فى ص: ((صفرا)). وينظر تهذيب الكمال ٧/ ٤٠٠. ٥٦٧ الموطأ التمهيد ذاك حىٍّ. قال شعبةٌ: وكان عاصم يرى أنه قد مات منذُ مائةٍ سنةٍ(١) أخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيان، قال: حدثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال : حدثنا أحمدُ بنُ زهیرٍ ، قال : حدثنا أحمدُ بنُ حنبل ، قال : حدثنا حجاج ابنُ محمدٍ ، قال: قال شعبةُ: سألتُ عاصمًا الأُحولَ عن المرأةِ تُحدٌّ، فقال: قالت حفصةُ بنتُ سيرينَ: كتَب حميدُ بنُ نافعٍ إلى محُميد الحميرىّ. فذكر حديثَ زينبَ بنتٍ أُمَّ سلمةَ . قال شعبةُ : قلتُ لعاصمٍ : قد سمِعتُه أنا من حميدِ بنِ نافعٍ. قال: أنت؟ قلتُ : نعم، وهو ذاكَ حىٍّ . قال شعبةُ: وكان عاصمٌ يَرى أنه قد مات منذُ مائةٍ سنةٍ(٢). أخبرنا أحمدُ بنُ قاسم، قال: حدثنا عُبيدُ اللهِ بنُ حَبابَةً ، قال: حدثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ العزيزِ البغوىُّ، قال: حدثنا علىُّ بنُّ الجعدِ ، قال : أخبرَنا شعبةُ، عن حميدِ بنِ نافع قال : سمِعتُ زينبَ بنتَ أبى سلمةَ تحدِّثُ، عن أَمِّها، أن امرأةً توفِّىَ عنها زوجها، فرمِدتْ عينُها، فأتَوُا النبيَّ وَّله، فاستأذَنوه فى الكحل، فقال: ((لا)). وقال: القبس (١) البغوى فى الجعديات (١٥٨١). وأخرجه الفسوى فى المعرفة ٢٨٣/٢، ٢٨٤ من طريق أحمد به ، وأخرجه ابن سعد ٣٠٥/٥، والطبرانى ٣٤٨/٢٣ (٨١٤) من طريق حجاج به. (٢) تاريخ ابن أبى خيثمة (٢٦١٨). ٥٦٨ الموطأ التمهيد ((أربعة أشهر وعشرًا))(١). قال البغوىُّ(٢): روَى هذا الحديثَ عن شعبةً؛ النَّضْرُ بنُ شُمَيْلٍ، ويحيى بنُ أبى بكيرٍ، وأبو النَّصْرِ، فزادوا فيه كلامًا ليس فى حديثٍ علىٍّ ابنِ الجعدِ ؛ حدثناه جدِّى ، قال : حدثنا أبو النَّضْرِ، وحدثنا خلادٌ ، قال : أخبرَنا النضرُ بنُ شُمَيْلٍ، وحدثنا يعقوبُ ، قال : حدثنا يحيى بنُ أبى بكيرٍ ، وهذا لفظُ حديثٍ يعقوبَ، قال: أخبرَنا شعبةُ، قال: حميدُ بنُ نافع أخبرَنى ، قال: سمِعتُ زينبَ بنتَ أمّ سلمةَ تحدِّثُ، عن أَمِّها ، أن امرأةً توفِّىَ عنها زوجها ، فاشتكَتْ عينَها ، وخشُوا على عينها ، فسئل عن ذلك النبئ ێ، فقال: «قد كانت إحدا گُنَّ تمكثُ فى شر أحلاسِها فى بيتِها إلى الحولِ ، فإذا كان الحولُ فمرَّ كلبٌ رمَته ببعرةٍ ، ثم خرَجتْ ، فلا، أربعة أشهرٍ وعشرًا)). قال البغوىُّ(١): ورَواه يحتِى بنُ سعيدِ الأنصارىُّ، عن حميدِ بنِ نافعِ ، وزاد فيه : أمّ حبيبةَ . حدثناه جدى ويعقوبُ ، قالا : حدثنا يزيدُ بنُ هارونَ ، وحدثنا أبو خيثمةً ، قال: حدثنا جريرٌ، جميعًا عن يحيى بن سعيدٍ ، عن القبس (١) البغوى فى الجعديات (١٥٧١). وأخرجه أحمد ٣٤٩/٤٤ (٢٦٧٦٦)، والبخارى (٥٣٣٨)، ومسلم (١٤٨٨)، والنسائى (٣٥٠١) من طريق شعبة به . (٢) البغوى فى الجعديات (١٥٧٢). (٣) البغوى فى الجعديات (١٥٧٣). ٥٦٩ الموطأ التمهيد حميدٍ بن نافع، أنه سمِع زينبَ بنتَ أبى سلمةَ تحدِّثُ ، عن أم سلمةَ وأمّ حبيبةَ، تذكُّرَانِ أن امرأةٌ أَتَتْ رسولَ اللهِ وَهِ، فذكَرَتْ أن ابنةً لها توفِّىَ عنها زوجها، فاشتَكتْ عينَها . وذكر الحديثَ . قال(١) : وحدَّثنى جدى، حدثنا أبو قطَنِ، حدثنا شعبةُ، عن حميدٍ ابنِ نافعٍ ، عن زينبَ بنتِ أمِّ سلمةً ، عن أمّ حبيبةَ ، أن نسيًا لها أو حميمًا توفِّىَ ، وأنها دعَتْ بصفرةٍ ، فمسحتْ يديها ، وقالت: إنما أصنعُ هذا لأن رسولَ اللهِ وَّله قال: (( لا يحلُّ لامرأةٍ أن تُحدَّ على ميِّتٍ فوقَ ثلاثٍ ، إلا علی زوج)) . قال(٢): وحدَّثنيه يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدثنا يحيى بنُ أبى بكيرٍ، قال: حدثنا شعبةُ بإسنادِه مثلَه، وزادَ فيه: ((أربعةً أشهرٍ وعشرًا)). قال البغوىُّ(٢): وأخبرَنا مصعبُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: حدَّثنی مالكٌ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبی بکرِ بنِ محمدِ بنِ عمرو بن حزمٍ ، عن حميدِ بنِ نافعٍ . فذگر الأحادیثَ الثلاثةَ عن زینب ، عن أمّ حبيبةً ، وزينب بنت جحشٍ ، وأمّ سلمةً ، سواءً . . القبس (١) البغوى فى الجعديات (١٥٧٥). (٢) البغوى فى الجعديات (١٥٧٦). (٣) البغوى فى الجعديات (١٥٧٨، ١٥٧٩) عن زينب، عن أم حبيبة وزينب بنت جحش . ٥٧٠ الموطأ قال أبو عمرَ : أما صفرةُ الخَلوقِ فمعروفةٌ ، وأما الإحدادُ فتركُ المرأةِ التمهيد للزِّينةِ كلِّها عندَ موتٍ (١) زوجِها ما دامَتْ فى عدَّتِها، يقالُ لها حينَئِذٍ : امرأةٌ حادٌّ ومُحِدٌّ. لأنه يقالُ: أحَدَّتِ المرأةُ تُحِدُّ، وحَدَّتْ تَحِدُّ، فهى مُحِدٌّ وحَادٌّ، إذا تركَتِ الزينةَ لموتٍ زوجِها. هذا كلُّه قولُ الخليلِ(٢) وغيرِهِ . وأما الإحدادُ عندَ العلماءِ، فالامتناعُ من الطّيبِ والزِّينَةِ ؛ بالِّيَابِ والحَلْي، وما كان من الزِّينةِ كلِّها الداعيةِ إلى الأزواج. وجملةُ مذهبٍ مالكِ فى ذلك أن المرأةَ المُحِدَّ لا تلبَسُ ثوبًا مصبوغًا، إلّا أن يُصْبَغَ بسوادٍ ، وتلبسُ البياضَ كلَّه رقيقَه وغليظَه ، ولا تلبسُ رقيقَ ثيابِ اليَمَنِ، وتلبسُ غليظَها إِن شاءَتْ ، وتلبَسُ الكَثَّانَ كلَّه رقيقَه وغليظَه، ما لم يكنْ مَصْبُوغًا، وكذلك القطنُ، ولا تلبَسُ خزًّا ولا حريرًا ، ولا تلبَسُ خاتمًا من ذهبٍ، ولا من فضَّةٍ ، ولا مِن حديدٍ أيضًا ، ولا حَلْيًا، ولا قُرْطًا، ولا خَلخَالًا ، ولا سِوارًا، ولا تمَسُّ طيبًا بوجهٍ من الوجوهِ، ولا تحنِّطُ ميتًا ، ولا تدَّهِنُ بَنبقٍ(٣)، ولا خِيرِىٌّ(٤)، ولا بَنَفْسَجِ، ولا بأسَ أن تدَّهنَ · القبس (١) سقط من: م. (٢) العين ٢٠/٣. (٣) فى ص: ((مر سردق))، وفى م: ((بزئبق)). والزنبق: دهن الياسمين. الوسيط (زنبق). (٤) الخيرى: نبات من الفصيلة الصليبية، له زهر، وغلب على أصفره، لأنه الذى يستخرج دهنه، ويدخل فى الأدوية . الوسيط (خ ی ر). ٥٧١ الموطأ التمهيد بالشَّيْرقِ(١) والزيتِ، ولا تختضِبُ بحِنَّاءٍ، ولا كتَم(٢)، ولا بأسَ أن تمتشِطَ بالسِّدرِ وما لا يختمِرُ فى رأسِها ، ولا تكتحِلُ إلا من ضرورةٍ ، فإن كانت ضرورةٌ ، فقد أرخصَ لها مالكٌ وأصحابُه فی الکُحلِ تجعلُه بالليلِ ، وتمسَحُه بالنَّهارِ . ومن قولِ مالك والشافعيّ أن الإحدادَ على كلِّ زوجةٍ ، صغيرةٌ كانت أو كبيرةً، أمةٌ كانت أو حرّةً، مسلمةٌ كانت أو ذمِّيَّةً ، وكذلك المكاتَبةُ والمدبّرةُ إذا كانت زوجةً ، وكذلك امرأةُ المفقودِ، الإحدادُ عليها عندَه . وقال ابنُ الماجشون: لا إحداد عليها . وذكر ابنُ عبدِ الحكم، عن مالك قال : الإحدادُ على الكتابيَّةِ فى زوجها المسلمِ . وقال أشهبُ : لا إِحدادَ عليها. ورَواه عن مالكِ أيضًا . وقال ابنُ نافع : لا إحدادَ على الذميَّةِ. وهو قولُ أبى حنيفةً؛ لقولِهِ وَلَهِ: (( لا يحلَّ لامرأةٍ تُؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ أن تحدَّ على ميِّتٍ )). قال أبو عمرَ : هذا لا حَّةَ فيه؛ لأن العلَّةَ حرمةُ المسلم الذى تعتدُّ من مائِه ، وجاء الحديثُ بذكرٍ من يُؤْمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ ؛ لأن الخطابَ إلى من هذه حاله کان یتوجّهُ، فدخل المؤمناتُ فى ذلك بالذ کرٍ ، ودخَل غیرُ القبس (١) الشيرق لغة فى الشيرج: معرب شيره، وهو دهن السمسم. المصباح المنير (ش رج)، وينظر العين ١٥/٥. (٢) الكتم: جنبة من الفصيلة المرسينية ، قريبة من الآس، تنبت فى المناطق الجبلية بإفريقية والبلاد الحارة المعتدلة، ثمرتها تشبه الفلفل، وبها بزرة واحدة، وتسمى فلفل القرود، وكانت تستعمل قديما فى الخضاب وصنع المداد. الوسيط (ك ت م). ٥٧٢ الموطأ المؤمناتِ بالمعنَى الذى ذكَرنا، كما يقالُ: هذا طريقُ المسلمينَ . التمهيد ويدخُلُ فى معناه أهلُ الذِّمَّةِ، وقال ◌َ: (( لا يبع أحدُكم على بيعِ أخيه))(١) . يعنى المسلمَ، فدخَل فى ذلك الذُّمِّئُ بالمعنى، وقد أوجَبَ رسولُ اللهِ وَّرَ الشُّفعةَ للمسلم، وهى واجبةٌ لأُهلِ الذُّمَّةِ، كما تجبُ للمسلم ، إلى أشياءَ يطولُ ذكرُها من هذا البابِ، ولا خلافَ أن الزوجةَ الذميةَ فى النفقةِ والعدَّةِ وجميع أحكامِ الزَّوجاتِ كالمسلمةِ، وكذلك الإِحدادُ ، ألا ترَى أنه حقٌّ للزوجِ الميتِ من أجلِ ما يلحَقُه من النسبِ ؟ فأشبهَ الحكمَ بين المسلمِ والذمىِّ بحكمِ الإسلامِ . ولا خلافَ عن مالكِ وأصحابِهِ أن المطلقةَ المبتوتةَ وغيرَها لا إِحدادَ عليها، وكذلك أمُّ الولدِ لا إحدادَ عليها عندَ وفاةٍ سيدِها، وإنما الإحدادُ عندَهم على المتوفَّى عنها زوجها على حسَبٍ ما ذكرنا . وقال الشافعىُّ : الإحدادُ فى البدنِ ، وهو تركُ زينةِ البدنٍ ، وذلك أن يدخُلَ على البدنِ شىءٌ من غيرِهِ بزينةٍ ، من ثيابٍ يُتَزِيَّنُ بها ، وطيبٍ يظهَرُ على المرأةِ فيدعُوها (١) إلى شهوتِها، فمن ذلك الدُّهنُ كلَّه فى الرأسِ؛ وذلك لأن الأدهانَ كلَّها سواءٌ فى ترجيلِ الشَّعَرِ وإذهابِ الشَّعَثِ ، أَلَا تَرَى القبس (١) سيأتي تخريجه فى شرح الحديث (١٤٢٠) من الموطأ . (٢) كذا فى النسخ، وفى الأم ٢٣١/٥: ((فتدعو)). ٥٧٣ الموطأ التمهيد أن المحرِمَ يفتدِى إِن دهَن رأسَه ولحيتَه بزيتٍ ؛ لما وصَفتُ. قال : وكلُّ كُحل كان زينةً فلا خيرَ فيه ، فأما الفارسىُّ وما أشبهه إذا احتاجَتْ إليه ، فلا بأسَ ؛ لأنه ليس بزينةٍ ، بل يزيدُ العينَ مرَهَا(١) وقُبْحًا، وما اضطرّتْ إِليه مما فيه زينةٌ من الكحل ، اكتحَلَتْ به ليلاً ، وتمسَحُه نهارًا ، دخَل رسولُ اللهِ وَّ على أمّ سلمةً وهى حادٌّ على أبى سلمةَ، فقال: ((ما هذا يا أُمّ سلمةً؟)) فقالت: إنما هو صبِرٌّ. فقال رسولُ اللهِ وَله: « اجعَلیه بالليلِ، وامسحِیه بالنهارِ ))(٢) . قال أبو عمرَ : حديثُ أَمّ سلمةَ هذا فى ((الموطّاً )) من بلاغاتِ مالكٍ ، وسنذكر ذلك فى موضعه من كتابنا هذا إن شاءَ اللهُ، ونذكُرُ من طرقِه ما يصِحُ عندَنا مثَّصِلًا مسندًا بعونِ اللهِ . وحديثُ أَمِّ سلمةَ هذا المرسلُ ظاهرُه مخالفٌ لحديثٍ أَمّ سلمةَ المسندِ المذكورِ فى هذا البابِ ؛ لأن حديثَ أمّ سلمةً فى هذا البابِ على ما رواه مالكٌ وغيرُه، عن عبدِ اللهِ بنِ أبى بكرٍ ، عن حميدِ بنِ نافعٍ ، عن زينبَ بنتِ أمّ سلمةً ، عن أمّ سلمةَ . يدُلُّ على أن المتوفَّى عنها زوجها لا تكتَحِلُ أصلًا؛ لأنه اشتكَتْ إليه امرأةٌ عينها ، فلم يأْذَنْ لها فى(٣) الكُحلِ، لا ليلًا ولا نهارًا، لا من ضرورةٍ ولا من غيرِها، القبس v' (١) فى ص: ((شرها)). والمره: مرض فى العين لترك الكحل. اللسان (م ر هـ). (٢) سيأتى فى الموطأ (١٣٠٤). (٣) فى م: ((من)). ٥٧٤ الموطأ وقال: ((لا )). مرّتين أو ثلاثًا، ولم يقلْ: إلا أن تُضطرّ. وأصلُ المسألةِ التمهيد كان على أنها اشتكَتْ عينيها، وهذه ضرورةٌ. وقد حكَى مالك، عن نافعٍ، عن صفيَّةً ابنةِ أبى عُبيدٍ ، أنها اشتكَتْ عينَها وهى حادِّ على زوجها عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، فلم تكتحِلْ حتى كادَتْ عيناها ترمَصانٍ (١) . وقد قال بهذا طائفةٌ من أهل العلم ، أن المرأةَ الحَادَّ لا تكتحِلُ بحالٍ من الأحوالِ . على هذا الحديثِ، كما صنَعتْ صفيَّةُ . وأما حديثُ أمّ سلمةَ المرسلُ ، فإِن فيه أن امرأةٌ سألَتها وهى حَادِّ عن الكُحلِ، وقد اشتكَتْ عينَها ، فبلَغ ذلك منها ، فقالت لها أم سلمةَ : اكتحلى بكحلِ الچِلاءِ بالليلِ، وامسحيه بالنهارِ (١) . وهذا عندى، وإن كان ظاهرُه مخالفًا لحديثِ هذا البابِ ؛ لما فيه من إباحتهِ بالليلِ، وقولِه فى هذا الحديثِ: ((لا)). مرّتين أو ثلاثًا ، على الإِطْلاقِ ، فإن ترتيبَ الحديثِ ، واللهُ أعلمُ، على أن الشَّكاةَ التى قال فيها رسولُ اللهِ وَلِّ: (( لا)). لم تبلُغْ، واللهُ أعلمُ، منها مبلغًا لابدَّ لها فيه من الكحلِ، بقولِه هلهنا، ولو كانت محتاجةٌ إلى ذلك مُضطرّةً ، تخافُ ذهابَ بصرِها ، لأَباح لها ذلك، والله أعلمُ ، كما صنَع بالتى قال لها : ((اجعَليه بالليلِ، وامسَحيه بالنهارِ)). والنَّظرُ يشهَدُ لهذا التأويل؛ لأن الضَّروراتِ تنقُلُ المحظورَ إلى حالِ المباحِ فى الأصولِ. وكذلك جعَل القبس (١) سيأتى فى الموطأ (١٣٠٣). (٢) سيأتى فى الموطأ (١٣٠١). ٥٧٥ الموطأ التمهيد · مالكٌ فتوَى أَمِّ سلمةً هذه تفسيرًا للحديثِ المسندِ فى الكحل؛ لأن أُمَّ سلمةَ رَوته، وما كانت لِتُخالفَه إذا صحَّ عندَها، وهى أعلمُ بتأويلِه ومخرَجِه، والنَّظرُ يشهدُ لذلك؛ لأن المضطرّ إلى شىءٍ لا يُحْكَمُ له بحكم المترفِّهِ المتزيِّنِ، وليس الدَّواءُ والتَّداوى من الزِّينةِ فى شىءٍ، وإنما نُهيَتِ الحادُّ عن الزِّينةِ لا عن التداوى، وأُمّ سلمةَ أعلم بما رَوتْ، مع صَّّتِه فى النظرِ، وعليه أهلُ الفقهِ . وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ، وأكثرُ الفقهاءِ. وقد ذكَر مالكٌ فى ((موَطَّئِهِ))(١)؛ أنه بلَغه عن سالمٍ بنِ عبدِ اللهِ وسليمانَ بنِ يسارٍ ، أنهما كانا يقولانٍ فى المرأةِ يتوفَّى عنها زوجها : إنها إذا خشِيتْ على بصرِها من رمدٍ بعينها ، أو شكوَى أصابتها ، أنها تكتحِلُ وتتداوی بالکحلِ وإن کان فيه طيب . قال أبو عمرَ : لأن المقصِدَ إلى التداوى لا إلى التَّطيُّبِ(١)، والأعمالُ بالنياتِ . وقال الشافعىُّ : الصَّبِرُ يُصفِّرُ، فيكونُ زينةً ، وليس بطيبٍ ، وهو كحلُ الجِلاءِ، فأذِنتْ فيه أُمُّ سلمةَ للمرأةِ بالليلِ حيثُ لا يُرَى، وتمسّحُه بالنهارِ حيثُ يُرَى، فكذلك ما أشبهه. وقال: فى الثيابِ زِينَتانِ ؛ إحداهما ، جمالُ الثيابِ على اللابِسين، والسَّترُ للعورةِ ، فالثيابُ زينةٌ لمن لبِسها ، وإنما نُهيَتِ الحَادُّ عن زينةِ بدنِها، ولم تُنْهَ عن سترِ عورتِها ، فلا القبس (١) الموطأ (١٣٠٢). (٢) فى ص: ((الطيب)). ٥٧٦ الموطأ بأسَ أن تلبَسَ الحادُّ كلَّ ثوبٍ من البياضِ؛ لأن البياضَ ليس بمُزَيِّنٍ، التمهيد وكذلك الصّوفُ والوبَرُ، وكلَّ ما نُسِج على وجْهِه، ولم يدخُلْ عليه صِبْغٌ (١) مِن خزٍّ أو غيرِهِ، وكذلك كلُّ صِبغٍ لم يُرَدْ به التزيُُّ، مثل السوادِ ، وما صُبغ ليقبِّح ، أو لنفي الوسخ عنه، فأما ما كان من زينةٍ ، أو وشي فى ثوبٍ أو غيرِهِ ، فلا تلبسُه الحَادُّ ، وذلك لكلِّ حُرّةٍ وأمةٍ ، وكبيرةٍ وصغيرةٍ ، مسلمةٍ أو ذمِّيَّةٍ . وقال أبو حنيفةً: لا تلبَسُ ثوبَ عَصْبٍ (١) ولا خَزّ وإن لم يكن مصبوغًا ، إذا أرادَتْ به الزينةَ ، وإن لم ترِدْ فليس الثوبُ المصبوغُ من الزينةِ ، فلا بأسَ أن تلبَسَه ، وإذا اشتكَتْ عينَها اكْتَحَلَت بالأسودِ وغيرِهِ، وإذا لم تشتَكِ عينَها لم تكتَحِلْ. وقال أحمدُ ، وإسحاقُ: المتوفَّى عنها لا تختضِبُ، ولا تكتحِلُ، ولا تبيتُ عن بيتِها، ولا تلبَسُ ثوبًا مصبوغًا . وقالا : والمتوفَّى عنها والمطلّقةُ فى الزينةِ سواءٌ للاحتياطِ . قال أبو عمرَ : قولُ الشافعيّ فى هذا البابِ نحوُ قولٍ مالكِ ، إلا أنه اختلَفَ قولُه فى وجوبِ الإحدادِ على المطلَّقةِ التى لا تُمْلَكُ رجعتُها ؛ فمرّةً قال: عليها الإِحدادُ. وهو قولُ الكوفتّين؛ لأنها كالمتوفَّى عنها فى أنهما غيرُ ذواتَىْ زوجٍ، وليست ممن تُمْلَكُ رجِعتُها . ومرَّةً قال: لا يبينُ عندى القبس (١) فى الأصل، م: ((صنع)) . . (٢) العصب: بُرد يصبغ غزله، وقال السهيلى: العصب صبغ لا ينبت إلا باليمن. المصباح المنير (ع ص ب). ٥٧٧ ( موسوعة شروح الموطأ ٣٧/١٥) الموطأ التمهيد أن أُوجِبَ عليها (١) الإحدادَ ؛ لأنهما قد تختلفانٍ فى حالٍ وإنِ اجتمَعَتا فى غيرِه . قال أبو عمرَ: فى قولٍ رسولِ اللهِ وَله: « لا يحلّ لامرأةٍ تُؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ تُحدُّ على ميِّتٍ، إلا على زوج)). دليلٌ على أن الإحدادَ إنما يجبُ على الموتى ومن أجلِهم، لا على المطلَّقاتِ . واللهُ أعلمُ . وأجمعوا أن لا إِحدادَ على المطلّقةِ الرجعيَّةِ ، والمبتوتةُ أشبهُ بها منها بالمتوفَّى عنها . والله أعلمُ . وأجمعوا أن الإحدادَ واجبٌ على ما ذكرنا ، إلا الحسنَ البصرىَّ ، فإنه قال: ليس الإحدادُ بواجبٍ (١). قال أبو عمرَ : أما قوله : دخَلتْ حِفشًا ، ولبستْ شرّ ثيابِها . فالحِفْشُ البيتُ الصغيرُ. ذكره ابنُّ وهب عن مالكِ. وكذلك قال الخليلُ(٣) ، قال: الحِفْشُ البيتُ الصغيرُ. قال: والحِفْشُ أيضًا الشىءُ البالى الخلَقُ، والحِفْشُ أيضًا الفرج، والحِفْشُ الدُّرجُ الذى يكون فيه البخورُ، كالقارورة للطّيبِ . وقال ابنُ وهب: قولُه: تفتَضُّ به. قال: تُؤْتَى بداَّةٍ فتمسَحُ على القبس (١) فى الأصل، م: ((عليهما)). (٢) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٢٨١/٥، وتفسير ابن جرير ٢٥٤/٤ . (٣) ينظر العين ٩٦/٣. ٥٧٨ . الموطأ ظهرِها بيدِها، وتُؤْتَى ببعرةٍ من بعرِ الغنم ، فترمى بها من وراءِ ظهرِها ، ثم التمهيد يكونُ إِحلالاً لها بعدَ السنةِ . وقال ابنُ بكيرٍ : تفتضُّ به : تتمسَّخُ به. وقد قيلَ فى معنَى ((تمسحُ به)): تمرُّ به. وقال الأخفشُ: أصلُ الافتضاضِ التفرُقُ ، يقالُ: قد افتضَّ القومُ عن فلانٍ . إذا تفرَّقوا عنه، وانفضّوا عنه أيضًا، وكذلك: انفضَّ السَّيلُ عن الجبلِ، وافتضَّ، إذا انصَدعَ فصارَ فرقتَيْنِ، ويقالُ: افتضَّ الجاريةَ واقتضَّها . بالفاءِ وبالقافِ أيضًا، ومنه: فضضتُ الخاتمَ ، إذا كسَرتَه. قال: فلعلَّ قولَه: ((تفتضَّ بالدَّايَّةِ)). أى: تنفرِيجُ بها من الغمِّ الذى كانت فيه إذا تمسَّحتْ بها . قال : وأجودُ من ذلك عندى أنَّ ((تفتضَّ)) ترجِعُ إلى الفضَّةِ، فكأنه يُريدُ: تتمسَّحُ بتلك الدَّائَّةِ حتى تتنقَّى من درنِها ذلك، فتصيرَ كأنها فضَّةٌ، ليس أن تلك الدابةَ تغسِلُها ، ولكنَّها إذا تمشَّحت بذلك الطائرِ أو الدَّابَّةِ خرَجتْ فاغتسلَتْ ، وتنظّفَتْ ، وتطيِّبَتْ، وليستْ ثيابَها النظيفةَ، وتعرَّضَتْ للأزواج، فتصيرُ نقيّةٌ كأنها الفضَّةُ. قال: هذا عندَنا حتى يأتيَكَ غيرُه . قال أبو عمرَ: أما الخليلُ، فذكَر فى الافتضاضِ ما ذكَر الأخفشُ وغيرُه، قال(١) : والفَضَضُ ماء عذبٌ تفتضُّه، والفضاضُ ما كُسِرَ من عظمٍ، ودِرٌ فضفاضةٌ، والفضضُ والفضيضُ: المتفرّقُ. وقال أبو القبس (١) العين ١٣/٧. ٥٧٩ الموطأ التمهيد عبيدٍ (١) : الحِفْشُ الدُّريج، وجمعُه أحفاشٌ، يشبّهُ به البيتُ الصغيرُ. قال أبو عمرَ: وأما قولُهُ وَلِّ فى حديثٍ شعبةً ويحيى بنِ سعيد المذكورِ فى هذا البابِ ، عن حميدِ بنِ نافعٍ، عن زينبَ بنتِ أمِّ سلمةً، عن أمّ سلمةَ: ((قد كانت إحداكُنَّ تمكُّثُ فى شرٌّ أحلاسِها فى بيتها إلى الحولِ ، فإذا كان الحولُ فمرَّ كلبٌ ، رمَته ببعرةٍ ، ثم خرَجتْ، فلا، أربعةً أشهرٍ وعشرًا)). فإن الخليلَ رحِمه اللهُ قال(٢): الحِلْسُ واحدُ أحلاسٍ البيتِ، وهو كالمِسح، وحَلَستُ البعيرَ(١) أجلِسُه حَلْسًا، إذا غشَّيتَه بحِلسٍ، وهو ما ولىَّ ظهرَ البعيرِ، ورجلٌ متحلِّس، إذا لزم المكانَ، ومحلِّش أيضًا، وأرضّ مُحلِسَةٌ، إذا صار النباتُ على الأرضِ كالحِلْسِ لها. وذكر فى الاستحلاسِ والأحلاسِ وجوهًا كثيرةٌ . وقال أبو عبيدٍ(٤): قولُه: ((فمرّ كلبٌ رمَته ببعرةٍ)). بمعنَى أنها كانت فى الجاهليةِ تعتدُّ على زوجِها إذا ماتَ عنها ، عامًا ، لا تخرج من بيتها ، ثم تفعَلُ ذلك فى رأسِ الحولِ ؛ لتُرىَ الناسَ أن إقامتها حولًا بعدَ زوجِها أهونُ عليها مِن بعرةٍ يُؤْمَى بها كلبٌ. قال: وقد ذكَروا هذه الإقامةَ عامًا فى القبس (١) غريب الحديث لأبى عبيد ١٩٦/٣. (٢) العين ١٤٢/٣. (٣) فى الأصل، م: ((الشعر)) . (٤) غريب الحديث لأبى عبيد ٩٦/٢. ٥٨٠