Indexed OCR Text

Pages 141-160

الموطأ
بكَذِبٍ. قال: فمضَتِ السُّنَّةُ فى المُتلاعِنَين أن يُفَرَّقَ بينَهما، ولا التمهيد
يجتَمِعانِ أبدًا (١) .
فهذا نَصِّ عن ابنِ شهابٍ فى ذلك . وجمهورُ الفُقهاءِ على أنَّه لا يجوزُ
للمُلاعِنِ أن يُمسِكَها، ويُفَرَّقُ بينَهما، وقد ثَبَت عن النبيِّ وَِّ أَنَّه فَّق بينَ
المُتلاعِنَينِ .
حدثنى سعيدُ بنُ نَصرٍ ، قال: حدثنا قاسِمُ بنُ أصْبَغَ، قال : حدثنا
إسماعيلُ بنُ إسحاقَ ، قال: حدثنا حَجَّاجْ، قال: حدثنا هَمَّام، قال :
حدثنا أيوبُ، أنَّ سعيدَ بنَ جبيرٍ حدَّثه، عن ابنِ عمرَ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَلَّهِ
فَرَّق بِينَ أُخَوَىْ بنى العَجْلانِ(١) .
وروَى ابنُ عيينةَ، عن الزهرىِّ، عن سهلٍ بن سعدٍ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَله
فَرَّق بينَ المُتلاعِنَيْنِ() .
القبس
(١) أخرجه ابن شبة فى تاريخ المدينة ٣٨٧/٢، ٣٨٨، وأبو داود (٢٢٥٠)، وأبو عوانة
(٤٦٧٦)، والطبرانى (٥٦٨٤)، والدارقطنى ٢٧٥/٣، والبيهقى ٤٠١/٧، والخطيب فى
المدرج ٣٠٨/١، ٣٠٩ من طريق ابن وهب به مطولا ومختصرا. وعندهم قوله: ((فمضت
السنة ... )) من كلام سهل بن سعد. وينظر ما تقدم ص ١٢٧ - ١٣٠.
(٢) ذكره ابن حزم ٤٢٢/١١ من طريق حجاج به، وأخرجه عبد الرزاق (١٢٤٥٤)، ومسلم
(٦/١٤٩٣)، وابن شبة فى تاريخ المدينة ٣٩٠/٢ من طريق أيوب به.
(٣) ينظر ما سيأتى ص ١٥٤ - ١٥٧.
١٤١

الموطأ
وروَى مالكٌ(١)، عن نافعٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أَنَّ رجلًا لا عَنَ امرأْتَه
التمهيد
فِى زَمَنِ النبيِِّ لَّهِ وَانتَفَى مِن وَلَدِها، ففرّقَ رسولُ اللهِ وَّ بينَهما،
وألحق الولدَ بأُمّه .
ولم يذكر أحدٌ مِن أصحاب ابن شهابٍ عنه ، عن سهل بن سعدٍ فی
هذا الحديثِ، أَنَّ رسولَ اللهِ بَّهِ فَوَّقَ بينَ المتلاعِنَينِ غيرُ ابنِ عيينةَ
وحدَه ، وهو محفوظٌ مِن حديثٍ ابنِ عمرَ. ويقولون: إنَّه لم يقلْ أحَدٌ فى
حديثِ ابنِ عمرَ: وألحَق الولدَ بأُمِّه . إلَّا مالكُ بنُ أنسٍ. وسنذكُرُ حديثَه
فى بابٍ نافعٍ مِن كتابِنا هذا١) إن شاء اللهُ.
واختلفوا فى الزوج إذا أتَى مِن الالتِعانِ؛ فقال أبو حنيفةً: لا حَدَّ عليه؛
لأَنَّ اللهَ جعَلَ على الأجنَبِيِّ الحَدَّ، وعلى الزوجِ اللِّعانَ، فلمَّا لم يَنْتَقِلِ
اللِّعانُ إِلى الأجنَبِيِّ ، لم يَنتَقِلِ الحَدُّ إلى الزوجِ، ويُسجَنُ أَبَدًا حتى يُلاعِنَ؛
لأَنَّ الحُدُودَ لا تُؤَخَذُ قياسًا. وقال مالكٌ، والشافعىُّ، ومجمهورُ الفقهاءِ:
إن لم يَلْتَعِنِ الزوجُ حُدَّ؛ لأَنَّ اللِّعانَ له بَراءَةٌ، كما الشُّهودُ للأجنبىِّ، وإن لم
يَأْتِ الأجنبىُ(٢) بأربعَةِ شُهَداءَ حُدَّ، فكذلك الزوجُ(١) إن لم يَلْتَعِنْ حُدَّ.
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (١٢٢٣).
(٢) سقط من: ص ٤.
(٣) بعده فى ص ٤: ((و)).
١
١٤٢
٠

الموطأ
وجائزٌ عندَ مَن احتَجَّ بهذه الحَّةِ القِياسُ فى الحدُودِ . وفى حديثِ التمهيد
العَجْلانيّ ما يَدُلُّ على ذلك؛ لقوله: إن سكَتُّ سكَتُّ على غيظٍ ، وإن
قَتَلتُ قُتِلْتُ، وإِن نَطَفْتُ جُلِدْتُ(١). وقولِ رسولِ اللهِ وَلَِّ له: ((عَذابُ
الدُّنيا أهوَنُ مِن عذابِ الآخرةِ))(٢). ومِن جِهةِ القِياسِ أيضًا أنَّه لما لَحِق
الزوجةَ مِن العَارِ بقَذفِ الزوج لها مثلُ ما لَحِقَ الأجنَبِيَّةَ، وجَبتِ التَّسويَةُ
بينهما .
واختلفوا هل للزوج أن يُلاعِنَ مع شُهودِه ؟ فقال مالكٌ والشافعىُ :
يُلاعِنُ، كان له شُهودٌ أو لم يكنْ؛ لأنَّ الشُّهودَ ليس لهم عَملٌ إلَّ دَرءُ
الحدِّ، وأمَّا رَفعُ الفِرَاشِ ونَفْئُ الوَلَدِ فلا بُدَّ فيه مِن اللِّعانِ. وقال أبو حنيفةً
وأصحابُه: إنَّما جُعِل اللِّعانُ للزوج إذا لم يكنْ له شُهداءُ غيرَ نفسِه .
واختلفوا إذا أكذَبَ نفسَه المُلاعِنُ، هل له أنْ يُراجِعَها إذا جُلِد الحدَّ؟
فأجاز ذلك حَمَّادُ بنُ أبي سليمانَ، وأبو حنيفةً، ومحمدُ بنُ الحسنِ .
قالوا: يكونُ خاطِبًا مِن الخُطَّابِ . وقال مالكٌ، والثورىُّ، والأوزاعىُّ،
والحسنُ بنُ حَىٍّ، والليثُ بنُ سعدٍ، والشافعىُّ، وأبو يُوسُفَ، وزُفَرُ،
وأحمدُ ، وإسحاقُ ، وأبو ثورٍ ، وأبو عبيدٍ: لا يَجتمِعانِ أبدًا ، سواءٌ أْذَب
نفسَه أو لم يُكْذِبْها، ولكنَّه إن أْذَب نفسَه جُلِد الحدَّ، وَلَحِق به الولدُ،
القبس
(١) سيأتى تخريجه ص ١٧٢، ١٧٣.
(٢) سیأتی تخريجه ص ١٥٨.
١٤٣

الموطأ
التمهيد ولا يَجتَمِعانِ أبدًا. ورُوِى ذلك عن عمرَ بنِ الخطابِ، وعلىٍّ بنٍ أَبی
طالِبٍ ، وابنٍ مسعودٍ (١) ، وبه قال أكثرُ علماءِ التابعين بالمدينةِ . ورُوِى مثلُ
قولٍ أبى حنيفةً فى هذه المسألةِ عن سعيدِ بنِ جبيرٍ ، وسعيدِ بنِ المسَيَّبِ ،
وإبراهيمَ، وابنٍ شهابٍ (١) ، على اختِلافٍ عن إبراهِيمَ وابنٍ شهابٍ فى
ذلك؛ لأنَّه قد رُوِى عنهما أنَّ المتلاعِنَيْنِ لا يتناكَحانِ أبدًا . وكذلك قال
الحسنُ البصرىُّ(٢) . وقال الشعبىُ، والضحاكُ: إِذا أَكْذَبَ نفسَه مجلد
الحدَّ ورُدَّتْ إليه امرأَتُه(٤) . وهذا عندى قولٌ ثالِثٌ خِلافُ مَن قال: يكونُ
خاطِبًا مِن الخطّابِ . وخِلافُ مَن قال: لا يَجتمِعانِ أبدًا .
قال أبو عمرَ : التلاعُنُ يَقْتَضِى التباعُدَ ، فإذا حصَلا مُتَباعِدَینٍ لم يَجُزْ
لهما أن يَجتَمِعا أبدًا، وقد قال رسولُ اللهِ وَهِ: ((لا سبيلَ لكَ عليها)).
وفى قولِه هذا إعلامُ أنَّ الفُرْقَةَ تقَعُ باللِّعانِ ، وأَنَّ السبيلَ عنها مُرتَفِعةٌ ؛ لأنَّ
قولَه: ((لا سبيلَ لك عليها)). مُطلَقٌ غيرُ مُقيَّدٍ بشىءٍ.
حدَّثنا سعيدُ بنُ نَصرٍ وعبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ ، قالا : حدثنا قاسِمُ بنُ
أصبغَ، قال: حدثنا محمدُ بنُ إِسماعيلَ، قال: حدثنا الحمَيْدِىُّ ، قال :
القبس
(١) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٢٤٣٣، ١٢٤٣٤، ١٢٤٣٦)، ومصنف ابن أبى شيبة ٤/ ٣٥١،
وسنن البيهقى ٧/ ٤١٠.
(٢) ينظر كتاب الآثار لمحمد بن الحسن (٥٢٦)، ومصنف عبد الرزاق (١٢٤٣٠، ١٢٤٤٠،
١٢٤٤٣)، ومصنف ابن أبى شيبة ٩/ ٥٥٦.
(٣) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٢٤٣٧، ١٢٤٣٨)، وسنن البيهقى ٤١٠/٧.
(٤) سيأتى ص١٧٤، ١٧٥ .
١٤٤

الموطأ
حدثنا سفيانُ بنُّ عيينةً ، عن عمرٍو ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ ، عن ابنِ عمرَ قال: التمهيد
فَرَّق رسولُ اللهِ وَ لَه بينَ المتلاعِنَينِ، وقال: ((حِسابُكما على اللهِ،
أحدُ كما كاذِبٌ، لا سبيلَ لك عليها)). قال: يا رسولَ اللهِ، مَالی،
مالى(١) . قال: (((٢لَا مالَ لك٢)، إِن كُنتَ صادِقًا (٣) فهو بما استَحلَلْتَ مِن
فَرجِها، وإن كنتَ كَذَبتَ فهو أبعدُ لك))(٤) .
وقال بعضُ أصحابِنا ، وهو الأبْهَرِىُّ: ومِن جهةِ المعنى ، فإِنَّما تُوقِبَ
الملاعِنُ بمَنعِ التراجع؛ لِما أُدخَلَ مِن الشبهةِ فى النَّسَبِ، كما ◌ُوقِب
القاتِلُ عمدًا أَلا تَرِثَ. واحتَجَّ أيضًا لمذهَبِ مالكِ فى الناكح فى العِدَّةِ،
أنَّه يُفَرَّقُ بينَهما ولا يَتناكَحانِ أبدًا، بمَنعِ المتلاعِنَينِ مِن ذلك عُقُوبَةً لهما ؛
لِما قطَعَا مِن نَسَبِ الولدِ ، ولم يتَصادَقا فيه. قال: فكذلك المتزَوِّجُ فى
العِدَّةِ، لَمَّا أَدخَل الشبهةَ فى النَّسَبِ عُوقِب بالمنعِ مِن الاجتماعِ، ورُفِع
فِرَاشُهما؛ لأَنَّهِ افْتَرش(٦) غيرَ فِراشِه .
قال أبو عمرَ : الأُصولُ عندَ أهلِ العِلْمِ مُسْتَغِيبَةٌ عن الاحتجاجِ لها،
القبس
(١) سقط من النسخ. والمثبت من مسند الحميدى.
(٢ - ٢) فى ص ٤: ((مالك)).
(٣) عند الحميدى: ((صدقت عليها)).
(٤) الحميدى (٦٧١). وأخرجه البخارى (٥٣١٢)، ومسلم (٥/١٤٩٣)، والنسائى
(٣٤٧٦) من طريق سفيان بن عيينة به .
(٥) فى م: ((النكاح)).
(٦) فى م: ((أفرش)).
١٤٥
( موسوعة شروح الموطأ ١٠/١٥)

الموطأ
التمهيد والزانى قد افتَرشَ غيرَ فِراشِه ولم يُمنَعْ مِن النكاحِ بعدَ الاستِبراءِ. ولأهلِ
العِلم فى هذه المسألةِ أقوالٌ واعتِلالٌ ليس هذا موضِعَ ذِكْرِ ذلك. وقولُ
مالكٍ فى مسألةِ التَّاكِح فى العِدَّةِ هو مَذْهَبُ عمرَ بنِ الخطابِ (١) . وقد
رُوِى عن علىٍّ، وابنٍ مسعودٍ، فى المُتلاعِنَينِ مثلُ ذلك، (٢ وخالفاه فى
النكاحِ فى العِدَّةِ) .
ومِن حُجَّةٍ أبى حنيفةً ومَن ذهَب مَذهبَه فى هذه المسألةِ ، عمومُ قولٍ
اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]. فلما لم يُجمِعُوا
على تَحرِيمِها دخلَتْ تحتَ عمومِ الآيةِ . ومِن جهةِ النظرِ؛ لمَّا لَحِقِ الوَلَدُ
وجَب أن يَعُودَ الفِراشُ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يَقتضِيه عقدُ النكاح ويُوجِبُه .
قال أبو عمرَ: ذكّر إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن ابنِ شهابٍ فى هذا
الحديثِ ، عن سهل بن سعدٍ ، أنَّ المرأةَ كانت حاملًا، وأنَّها جاءَتْ بعدَ
ذلك بولدٍ (١) . وتابَعَه على ذلك ابنُ جريج، فقال فى دَرْجِ حديثه عن ابنِ
القبس
(١) تقدم فى الموطأ (١١٥٢).
(٢ - ٢) فى م: ((ولا مخالف لهم من الصحابة)).
وينظر أثر على وابن مسعود فى الأم ٢٣٣/٥، ومصنف عبد الرزاق (١٠٥٣٢ - ١٠٥٣٤)،
وسنن سعيد بن منصور (٦٩٩)، وسنن البيهقى ٤٤١/٧، ٤٤٢. وينظر ما تقدم فى ٢٤٨/١٤ -
٢٥٥.
(٣) أخرجه الشافعى ٢٨٩،١٢٥/٥، وابن شبة فى تاريخ المدينة ٣٨٤/٢ - ٣٨٦، والبيهقى ٣٩٩/٧،
والخطيب فى المدرج ٣١٦/١ من طريق إبراهيم بن سعد به.
١٤٦

الموطأ
شهابٍ، عن سهل، أنَّ النبيَّ وَ لَ قال: ((إن جاءَتْ به أحمَرَ قَصِيرًا كأَنَّه التمهيد
وَحَرَةٌ(١) ، فلا أَرَاهَا إِلَّ قد صَدَقتْ وكَذَب عليها، وإِن جَاءَتْ به أسودَ ،
أَعْيَنَ(٢)، ذا أليَتَينِ، فلا أُرَاه (٣) إِلَّا قد صَدَق عليها)). فجاءَتْ به على
المكروهِ مِن ذلك. فقال ابنُ جريج: قال ابنُ شهابٍ : فكانتِ الشُّنَّةُ
بعدَهما(٤) أن يُفرَّقَ بينَ المُتَلاعِنَينِ، وكانت حامِلًا، وكان ابنُها يُدْعَى
لِأُمّه . قال: ثم جَرَتِ السُّنَّةُ أَنَّه يَرِثُها وتَرِثُ منه ما فَرَض اللهُ لها (٥).
وستَذْكُرُ هذا المعنَى بما فيه للعلماءِ مِن التنازُعِ، فى بابِ نافِعٍ، عن
ابن عمرَ(١)؛ لأَنَّه أَوْلَى به ؛ لقولِ ابنِ عمرَ فى حديثه: وانتَفَى مِن وَلِدِها .
وليس للحَمْلِ ولا للوَلَدِ ذِ کرٌ فی حدیثِ مالك، عن ابنِ شهابٍ هذا،
فلذلك أخَّرناه إلى بابٍ نافِعٍ إن شاء اللهُ .
القبس
(١) الوحرة: وزغة تكون فى الصحارى، أصغر من العَظَاءة، على شكل سام أبرص، تعدو فى
الجبابين، لها ذنب دقيق تضرب به إذا عدت، لا تطأ شيئا من طعام أو شراب إلا سمته، ولا
يأكله أحد إلا مشى بطنه وأخذه قىء، وربما هلك، وهى بيضاء منقطة بحمرة، وهى قذرة عند
العرب لا تأكلها. الوسيط (وح ر )، وينظر ما سيأتى ص ١٧٤ .
(٢) الأعين: واسع العينين. ينظر النهاية ٣٣٣/٣.
(٣) فى م: ((أراها)).
(٤) فى ص ٤: ((بينهما)).
(٥) أخرجه البخارى (٥٣٠٩)، والبيهقى ٤٠٠/٧، والخطيب فى المدرج ٣١٥/١، ٣١٦ من
طريق ابن جريج به .
(٦) ينظر ما سيأتى ص ١٦١ - ١٧٣، ١٨١ - ١٨٤.
١٤٧

الموطأ
التمهيد
وأمَّا كيفيَّةُ اللِّعَانِ ، فإنَّ ابنَ القاسِم ذكَر عن مالكِ أَنَّه يَحلِفُ أربَعَ
شهاداتٍ - يُرِيدُ أربعَ أيمانٍ - يقولُ: أَشهَدُ باللهِ لَرأيتُها تَزَنِى. وإن نَفَى
حَمْلَها زاد: ولقد استَبْرَأَتُها، وما الحملُ منِّى. يقولُ ذلك أربَعَ مَرَّاتٍ ،
والخامسةَ(١): لَعنَةُ اللهِ علىَّ إن كنتُ مِن الكاذبِينَ. ثم تقومُ هى فتقولُ:
أَشهَدُ باللهِ ما رَآنِى أَزْنِى، وإِنَّ حَمْلى لمنه(٢) . تقولُ ذلك أربعَ مَرَّاتٍ ،
والخامِسَةَ: غَضَبُ اللهِ عليها إن كان مِن الصادقين. وقد ذكرنا كَيفِيةً
اللَّعَانِ فى نَفْي الحملِ ، عن مالكٍ وأصحابِهِ، فى بابٍ نافعٍ مِن كتابِنا
هذا (٣) . وكان مالكٌ يقولُ: لا يُلاعِنُ إلَّا أن يقولَ: رأيتُكِ تَزِنِى. أو يَنِفِىَ
حملاً أو ولدًا منها. قال: والأَعْمَى يُلاعِنُ إذا قذَف. وقولُ أبى الزِّنادِ،
ويحيى بنٍ سعيدٍ ، والليثِ بنِ سعدٍ ، والبِّيٌّ، مثلُ قولٍ مالكٍ، أنَّ الملاعَنةَ
لا تجِبُّ بالقذفِ ، وإنَّما تجبُ بادِّعاءِ الرُّؤْيَةِ، أو نفي الحملِ مع دَعوَى
الاستبراءِ. وعندَهم أنَّه إذا قال لزَوْجَتِه: يا زانِيَةُ. جُلِد الحَدَّ .
والحُجَّةُ لهذا القولٍ قائمةٌ مِن الآثارِ ؛ فمنها حديثُ مالك هذا، عن
ابنِ شهابٍ ، عن سهلٍ بنِ سعدٍ ؛ قولُه فيه: أرأيتَ رجلًا وجَد مع امرأتِه
رجلًا؟ وكذلك ما حدثنا عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ وسعيدُ بنُ نصرٍ، قالا :
القبس
(١) بعده فى ص٤: ((أن)).
(٢) بعده فى ص ٤: ((ثم)).
(٣) ينظر ما سيأتى ص ١٦٦.
١٤٨

الموطأ
حدثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال : حدثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ ، قال : حدثنا التمهيد
ـر
إسماعيلُ بنُ أبى أَوَيْسٍ، قال : حدثنى سليمانُ بنُ بلالٍ ، عن يحيى بنِ
سعيدٍ، قال : أخبرنى عبدُ الرحمنِ بنُ القاسمِ ، عن القاسمِ بنِ محمدٍ ، عن
ابنِ عباسٍ، أَنَّه ذُكِر المتلاعِنانِ عندَ رسولِ اللهِ وَلِّ، فقال عاصِمُ بنُ عَدِىٌّ
فى ذلك قولًا ، ثم انصَرَف ، فأتاهُ رجلٌ مِن قومِه فذكَر أنَّه وَجَد مع امرأتِه
رجلاً . وذكر الحديثَ(١).
وحدثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال : حدثنا محمدُ بنُ بکر ، قال : حدثنا
أبو داودَ ، قال: حدثنا الحسنُ بنُ علىٍّ، قال: حدثنا يزيدُ بنُ هارونَ ،
قال : أنبأنا عَبَّادُ بنُ منصورٍ، عن عكرمةً، عن ابنِ عباس قال: جاء هلالُ
ابْنُ أَمَيَّةَ - وهو أحَدُ الثلاثةِ الذين تاب اللهُ عليهم - فجاء مِن أرضِه ◌ِشاءً،
فوجَد عندَ أهلِه رجلًا، فَرَأى بعَينِهِ، وسمِع بأُذُنِهِ ، فلم تِهِجْه(٢) حتى
أصْبَح، ثم غَدا على رسولِ اللهِ نَّه فقال: يا رسولَ اللهِ ، إِنِّى جِئتُ أهلى
عشاءً، فوجَدتُ عندَهم رجلًا ، فرأيتُ بعَيْنِى، وسَمِعتُ بُذْنِى. فكَرِه رسولُ اللهِ
وَ لَّهِ ما جاء به، واشْتَدَّ عليه، فَنزَلَت: ﴿وَلَّذِينَ يَرَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَُّمْ شُهَدَآءُ
إِلََّ أَنْفُسُهُمْ﴾ الآيَتَيْنِ كلتَيهما [النور: ٧،٦]. فسُرِّى عن رسولِ اللهِ لَّهِ،
القبس
(١) أخرجه البخارى (٥٣١٦)، ومسلم (١٤٩٧)، والذهبى فى تذكرة الحفاظ ٤١٠/١ من
طريق إسماعيل بن أبى أويس به، وأخرجه البخارى (٥٣١٠)، ومسلم (١٤٩٧)، والنسائى
(٣٤٧٠) من طریق یحیی به .
(٢) لم يهجه: لم يزعجه ولم ينفره. النهاية ٢٨٦/٥.
١٤٩

الموطأ
التمهيد فقال: ((أبشِرْ يا هِلَالُ، فقد جعَلَ اللهُ لك مَخرَجًا)). وذكر الحديثَ
بطُولِه(١).
وروَى جَرِيرُ بنُ حازِم، عن أيُّوبَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ قال :
لما قذَف هِلالُ بنُ أَمَّةَ امرأته، قيل له: واللهِ ليَجلِدَنَّكَ رسولُ اللهِ وَه
ثمانين. فقال: اللهُ أعدَلُ مِن أن يَضرِبَنى وقد عَلِم آنِّى رأيتُ حتى
اسْتَبَنْتُ، وسَمِعْتُ حتى اسْتَيْقَنْتُ . فنزَلَتْ (٢) آيَةُ المُلاعَنةِ(٢).
فهذه الآثارُ كلُّها تَدُلُّ على أنَّ الملاعَنةَ التى قَضَى بها رسولُ اللهِ وَه
إِنَّما كانت بالوُؤْيَةِ ، فلا يجبُ أن تتَعَدَّى ذلك ، ومن قذف امرأته ولم يَذْكُرْ
رُؤْيَةً، حُدَّ بِعُمُومٍ قولِه: ﴿وَالَّذِينَ يَمُونَ الْمُحْصَنَتِ﴾ [النور: ٤] الآية . ومن
جهةِ النظرِ ، فإن ذلك قياسٌ على الشهودِ، ولأنَّ المَعنَى فى اللِّعَانِ إِنَّما هو
مِن أجلِ النَّسَبِ ، ولا يَصِحُ ارتفاعُه إلّ بالرُّؤيةِ أو نَفيِ الوَلَدِ ، فلهذا قالوا :
إِنَّ القذفَ المجرَّدَ لا لِعَانَ فيه، وفيه الحَدُّ ؛ لعُموم قولِ اللهِ عزَّ وجلّ:
القبس
(١) أبو داود (٢٢٥٦). وأخرجه أحمد ٣٣/٤ - ٣٦ (٢١٣١)، وأبو يعلى (٢٧٤٠) من
طريق يزيد به، وأخرجه الطيالسى (٢٧٨٩)، وابن شبة فى تاريخ المدينة ٣٧٩/٢ - ٣٨٢،
وابن جرير فى تفسيره ١٨٠/١٧ - ١٨٢، والبيهقى ٣٩٤/٧ من طريق عباد به .
(٢) فى ص ٤: ((فأنزل الله)).
(٣) أخرجه أحمد ٢٧٤/٤ (٢٤٦٨)، وابن جرير فى تفسيره ١٨٢/١٧، والحاكم ٢٠٢/٢،
والبيهقى ٣٩٥/٧ من طريق جرير به .
١٥٠

الموطأ
﴿وَالَّذِينَ يَرَّمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾. وقِيَاسًا على الشهادةِ التى لا تَصِحُ إِلَ برُؤْيَةٍ . التمهيد
واللهُ أعلمُ .
وقال الشافعىُّ، وأبو حنيفةَ ، والثورىُّ، وأبو عُبَيْدٍ ، وأحمدُ بنُ حنبلٍ،
وداودُ ، وأصحابُهم : إذا قال لها: يا زانيةُ. وجَبَ اللِّعَانُ إن لم يَأْتِ بأربعةٍ
شُهَداءَ . وسَواءٌ عندَهم قال: يا زانيةُ. أو: رأيتُكِ تَزِنِين. أو: زَنَيتِ . وهو
قولُ مجمهور العلماءِ، وعامةِ الفقهاءِ، وجماعةِ أصحابِ الحديثِ ، وقد
رُوِى أيضًا عن مالكِ مثلُ ذلك. وحُجَّتُهم أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قال: ﴿وَالَّذِينَ يَرَّمُونَ
أَزْوَجَهُمْ﴾. كما قال: ﴿وَالَّذِينَ يَزَّمُونَ الْمُحْصَنَتِ﴾. ولم يقُلْ فى واحِدَةِ
منهما بُرُؤيَةٍ ولا بغيرِ رُؤيَةٍ، وسَوَّى بينَ الرَّميَينِ بلفظٍ واحدٍ ، فمَن قَذَف
مُحصَنةً غيرَ زَوجِه(١) ولم يَأْتِ بأربعَةِ شُهداءَ جلِد الحَدَّ ، ومَن قذَف زوجتَه
ولم يَأتِ بأربعةِ شُهداءَ لَا عَنَ ، فإن لم يُلاعِنْ حُدَّ. وقد أجمَعوا أنَّ الأعمَى
يُلاعِنُ إذا قذَف امرأتَه، ولو كانتِ الرُؤْيةُ مِن شرطِ اللِّعَانِ مَا لَا عَنَ
الأعمَى . ولهم فى هذا حُجَجٌ يطُولُ ذِكرُها .
واخْتَلَفوا فى مُلاعَنةِ الأخرَسِ ؛ فقال مالكٌ والشافعىُ: يُلاعِنُ؛ لأنَّه
ممَّن يَصِحُّ طلاقُه وظِهارُه وإيلاؤُه إذا فُهِم ذلك عنه ، ويَصِحُ يمينُه للمُدَّعِى
عليه . وقال أبو حنيفةً: لا يُلاعِنُ؛ لأَنَّه ليس مِن أهل الشَّهادَةِ، ولأنَّه قد(٢)
القبس
(١) فى م: ((زوجته)).
(٢) فى ص ٤: ((لا)).
١٥١

١٢٢٣ - وحدثنى عن مالك، عن نافع، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ،
الموطأ
أن رجلاً لا عَن امرأته فى زمانِ رسولِ اللهِ وَلَّهِ وَانتَفَلَ من ولدِها ، ففَّق
رسولُ اللهِ وَه بينَهما، وألحَق الولدَ بالمرأةِ .
التمهيد يَنطلِقُ لِسانُه فيُنكِرُ اللِّعَانَ ، فلا يُمكِّنُنَا إِقامَةُ الحدِّ عليه .
وقال الشافعىُّ : يقولُ الملاعِنُ : أَشهَدُ باللهِ إِنِّى لمن الصادقينَ فيما
رَمَيتُ به زوجتى فلانةَ بنتَ فلانٍ. ويُشِيرُ إليها إن كانت حاضِرةً ، يقولُ
ذلك أربعَ مَرَّاتٍ. ثم يُقْعِدُه الإمامُ ويُذكِّرُه اللهَ، ويقولُ له : إِنِّى أخافُ إن
لم تكنْ صدَقتَ أن تَبُوءَ بلَعنةِ اللهِ . فإِن رَآه يُرِيدُ أَنْ يَمضِىَ على ذلك أمَر مَن
يضَعُ يَدَه على فيه، ويقولُ: إِنَّ قولَكَ: وعلَىَّ لعنةُ اللهِ إن كنتُ مِن
الكاذِبينَ. مُوجِبَةٌ إن كنتَ كاذِبًا . فإن أبى ترَكَه يقولُ: ولعنةُ اللهِ علىَّ إن
كنتُ مِن الكاذِبِينَ فيما رَمَيتُ به فلانةَ مِن الزِّنَى .
قال أبو عمرَ: أَخَذ الشافعىُّ هذا مِن حديثٍ سفيان بن عيينةً، عن
عاصِم بنِ كُلَيْبٍ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَهِ أَمَر رجلًا
- حيثُ أَمَر المتلاعِنَينِ أن يَتَلاعَنا - أن يضَعَ يَدَه على فيه عندَ الخامسةِ ،
يقولُ: ((إِنَّها مُوجِبَةٌ))(١).
٠
مالكٌ ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، أَنَّ رجلًا لاعَن امرأتَه فى زمنٍ رسولٍ
اللهِ وَله وانتفَل من ولدِها، ففرّق رسولُ اللهِ وَلَه بينَهما، وألحَقَ الولدَ
القبس
(١) أخرجه الحمیدی (٥١٨)، وأبو داود (٢٢٥٥)، والنسائى (٣٤٧٢) من طريق سفيان به .
١٥٢

الموطأ
قال مالكٌ: قال اللهُ تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ
لَّمْ شُهَدَآءُ إِلَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَدَاتٍ لِلَلَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ
٧
الضَدِقِينَ ﴾ وَاَلْخَمِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اَللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَذِبِينَ
وَيَدْرَؤُأْ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَدَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ اُلْكَذِبِنَ
وَالْخَمِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصََّدِقِينَ﴾ [النور: ٦ - ٩].
٨
بالمرأة (١) .
التمهيد
هكذا قال: وانتفَل من ولدِها. وأكثرُهم يقولون: وانتفَى من ولدِها .
والمعنَى واحدٌ، وربَّما لم يَذكُرْ بعضُهم فيه: انتفَى، ولا : انتفَل . واقتصر
على الفُرْقَةِ بينَ المُتلاعِنَيْنِ، وإلحاقِ الولدِ بأمّه، "فهذا أعظمُ" فائدةٍ
حديث ابنِ عمرَ هذا .
حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، حدثنا أحمدُ بنُ الحسنِ(٢) بنِ إسحاقَ الرَّازِىُ
وأبو أحمدَ الحسينُ بنُ جعفرِ الزَّيَّاتُ ، قالا: حدثنا يوسفُ بنُ يزيدَ ، قال :
حدثنا سعيدُ بنُ منصورٍ ، حدثنا مالك، عن نافع، عن ابنِ عمرَ قال: فرّق
رسولُ اللهِ وَلَّ بِينَ المُتلاعِنَيْن، وألحَق الولدَ بِأَمِّه(٤) .
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٥٨٧)، وبرواية يحيى بن بكير (١١/١٢ظ - مخطوط)،
وبرواية أبى مصعب (١٦١٩). وأخرجه أحمد ١٢٤/٨، ٢٢٦/٩ (٤٥٢٧، ٥٣١٢)، والدارمى
(٢٢٧٨)، والبخارى (٥٣١٥)، ومسلم (١٤٩٤)، وأبو داود (٢٢٥٩)، والترمذى (١٢٠٣)،
والنسائى (٣٤٧٧)، وابن ماجه (٢٠٦٩) من طريق مالك به .
(٢ - ٢) فى م: ((فهذه)).
(٣) فى م: ((الحسين)). وينظر سير أعلام النبلاء ١١٣/١٦.
(٤) سعيد بن منصور (١٥٥٤) - ومن طريقه مسلم (١٤٩٤)، وأبو عوانة (٤٦٩٩)،=
١٥٣

الموطأ
التمهيد
وقد قال قومٌ فى هذا الحديثِ عن مالكٍ أَنَّ الرجلَ قذَف امرأته . ولیس
هذا فى ((الموطّأُ))، ولا يُغْرَفُ من مذهبِه .
حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم ، حدثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ أحمدَ القاضِی ،
حدثنا ابنُ الأعرابيّ، حدثنا إبراهيمُ بنُ راشدٍ، حدثنا (١) عاصمُ بنُ مِهْجَعِ
خالُ مُسدَّدٍ ، حدثنا مالك، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، أَنَّ رجلًا انتفَى من
ولدِهِ، وقذَف امرأته، فلاعَن رسولُ اللهِ بَلّهِ بينَهما، وألحَق الولدَ بأَمّه.
وحدثنا خلفٌ ، حدثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ القاضى، حدثنا البغوىُّ،
حدثنا جَدِّى، حدثنا يحيى بنُ أبى زائدةَ والحسنُ بنُ سَوَّارٍ ، قالا : حدثنا
مالكٌ، عن نافع ، عن ابنٍ عمرَ، أَنَّ رجلاً انتفَى من ولدِه، وقذَف امرأتَه،
فلاعَن رسولُ اللهِ وَ لَهبينَهما، وألحَق الولدَ بأُمّه(٢) .
وأمَّا قولُه: ففرّق رسولُ اللهِ وَلِّ بينَهما. فهو عندى محفوظٌ من
حديثِ ابنِ عمرَ ، صحيح. وقال ابنُ عُبينةً ، عن ابن شهاب ، عن سهلٍ بنِ
سعدٍ، أنَّ رسولَ اللهِ وَ لّهِ فِرَّق بينَ المُتَلاعِنَيْن. وأنكروه على ابنٍ عُيينةَ
فی حدیث ابن شهاب ، عن سهل . وقد ذكرتُ ذلك فى بابِ ابنِ شهابٍ ،
عن سهلِ بنِ سعدٍ من كتابِنا هذا (٣).
القبس
= والطحاوى فى شرح المشكل (٥١٣٥).
(١) بعده فى م: ((أبو)). وينظر الثقات ٥٠٦/٨.
(٢) أخرجه أحمد ١٨/٩ (٤٩٥٣) عن يحيى بن أبى زائدة به مختصرًا.
(٣) ينظر ما تقدم ص ١٤١، ١٤٢.
١٥٤

الموطأ
وقد كان ابنُّ معينٍ يقولُ فى ذلك ما حدثنا به عبدُ الوارثِ بنُّ سفيانَ ، التمهيد
قال: حدثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال : حدثنا أحمدُ بنُ زهيرٍ ، قال : سُئِل
يحيى بنُ معينٍ عن حديثٍ ابنٍ عُيينةَ (١) أنَّ النبيَّ وَ لَّهِ فِرَّق بينَهما. فقال:
أُخْطَأ، ليس النبىُّ وَّهِ فَرَّق بينَهما. هكذا ذكره ابنُ أَبِى خَيْثَمَةً فى
((التاريخ))(٢) ، عن ابنٍ معينٍ.
فإن صحَّ هذا ولم يكنْ فيه وهمّ، فالوجهُ فيه أنْ يُحْمَلَ كلامُ ابنٍ معينٍ
على أن ليس النبيُّ نَّهِ فِرَّق بينَهما من حديثِ ابنِ شهابٍ، عن سهلِ بنِ
سعدٍ. وأمَّا ظاهر كلام ابنٍ معينٍ فإنَّه يُوجبُ أنَّ النبيَّ ◌َله لم يُفَرِّقْ بينَ
المُتَلاعِنَيْن، وهذا خطأ من ابنٍ معينٍ إن كان أراده؛ لأنَّه قد صحَّ عن ابنِ
عمرَ من حديثٍ مالكِ وغيرِهِ، أنَّ النبيَّ وَِِّّ فَرَّق بينَ المُتَلَاعِنَيْن. وقد
يحتمِلُ أن يكونَ أرادَ بقولِه: ليسِ النبيُّ وَلِّ فِرَّق بينَهما. أى أنَّ اللِّعانَ
فرّق بينَهما ، فإن كان أرادَ هذا فهو مذهبُ مالكِ وأكثرِ أهلِ العلمِ . وقد
ذكَرنا هذا المعنَى فى بابِ ابنِ شهابٍ ، عن سهلٍ بنِ سعدٍ ، من کتابِنا
(٣)
هذا(٣) .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال :
القبس
(١) بعده في ك١، م: ((و)).
(٢) تاريخ ابن أبى خيثمة (١٠١١).
(٣) ينظر ما تقدم ص١٣٨ - ١٤٢ .
١٥٥

الموطأ
التمهيد حدثنا محمدُ بنُ شاذانَ ، قال: حدثنا مُعَلَّى، قال : حدثنا سفيانُ ، عن
الزهرىِّ، سمِع سهلَ بنَ سعدٍ يقولُ: شَهِدْتُ النبىَّ وَِّ وكنتُ ابنَ خمسَ
عشرةَ سنةً فرَّق بينَ المُتلاعِنَيْن (١).
وحدثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، قال: حدثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال :
حدثنا أبو داودَ ، قال: حدثنا مُسَدَّدٌ ، ووهبُ بنُ بيانٍ ، وأحمدُ بنُ عمرو
ابنِ السَّرْحِ، وعمرُو بنُ عثمانَ ، قالوا: حدثنا سفيانُ ، عن الزهرىِّ، عن
سهلٍ بنِ سعدٍ ، قال مُسَدَّدٌ : قال: شَهِدْتُ المُتلاعِنَيْن على عهدِ رسولِ
اللهِ وَّ وأنا ابنُ خمسَ عشرةَ سنةً، ففرّق بينَهما رسولُ اللهِ وَه .
وقال الآخرون أنَّه شهِد النبيَّ نَّهِ فَرَّق بينَ المُتَلاعِنَيْن. فقال
الرجلُ : كَذَبْتُ عليها يا رسولَ اللهِ إِن أَمْسَكْتُها. وبعضُهم لم يقلْ:
عليها. قال أبو داودَ: ولم يُتابع أحدٌ ابنَ عيينةَ على قولِه أنَّه فرَّق بينَ
المُتَلاعِنَيْن(٢) .
قال أبو عمرَ: معنَى قولٍ أبى داودَ هذا عندى أنَّه لم يُتَابِعْه أحدٌ على
ذلك فى حديثِ ابنِ شهابٍ ، عن سهلِ بنِ سعدٍ ؛ لأَنَّ ذلك محفوظٌ فی
القبس
(١) أخرجه أبو عوانة (٤٦٨٢) عن ابن شاذان به، وأخرجه ابن أبى شيبة ٣٥١/٤، ١٧٢/١٤،
والبخارى (٦٨٥٤، ٧١٦٥)، والطحاوى فى شرح المعانى ١٥٥/٤، والطبرانى (٥٦٨٧،
٥٦٩١)، والبيهقى ٤٠١/٧ من طريق سفيان به .
(٢) أبو داود (٢٢٥١).
١٥٦

الموطأ
حديثِ ابنِ عمرَ من وجوهٍ ثابتةٍ ، وأظنُّ ابنَ عيينةَ اختلط عليه لفظُ حديثِهِ التمهيد
عن ابن شهاب ، عن سهل بن سعد ، بلفظ حديثه عن عمرو بنِ دینارٍ ، عن
سعیدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عمرَ .
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال : حدثنا محمدُ بنُ بکر ، قال : حدثنا
أبو داودَ ، قال: حدثنا أحمدُ بنُ حنبلِ، قال : حدثنا إسماعيلُ ، يعنى ابنَ
عُلَيَّةَ ، قال : حدثنا أيُّوبُ ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: قلتُ لابنِ عمرَ :
رجلٌ قذَف امرأتَه؟ فقال: فرّق رسولُ اللهِ وَ لَهِ بِينَ أُخَوَىْ بنى العَجلانِ ،
وقال: ((اللهُ يعلمُ أنَّ أحدَكما كاذبٌ، فهل منكما تائبٌ؟)). يُرَدِّدُها
ثلاثَ مَّاتٍ ، فَأَبَيا ، ففرَّق بينَهما (١) .
قال : وحدثنا أحمدُ بنُّ حنبلِ، قال: حدثنا سفيانُ بنُ عيينةً، قال :
سمِع عمرٌو سعيدَ بنَ جبيرٍ، سمِع ابنَ عمرَ يقولُ: قال رسولُ اللهِ وَله
للمتلاعِنَين: ((حسابُكما على اللهِ، أَحدُ كما كاذبٌ، لا سبيلَ لك عليها)).
فقال: يا رسولَ اللهِ، مالى. قال: ((لا مالَ لك، إن كنتَ صدَقْتَ علیھا فهو
بما استحلَلْتَه من فرجِها، وإن كنتَ كذَبتَ عليها فهو أبعدُ لك))(٢) .
وأخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال :
القبس
(١) أبو داود (٢٢٥٨)، وأحمد ٥٣/٨ (٤٤٧٧). وأخرجه البخارى (٥٣١١، ٥٣٤٩)،
والنسائى (٣٤٧٥) من طريق إسماعيل ابن علية به .
(٢) أبو داود (٢٢٥٧)، وأحمد ١٩٢/٨ (٤٥٨٧).
١٥٧

الموطأ
التمهيد حدثنا محمدُ بنُّ شاذانَ ، قال: حدثنا مُعَلَّى، قال: حدثنا يحيى بنُ أبى
زائدةً، أخبرنا ابنُ أبى سليمانَ ، يعنى عبدَ الملكِ ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ ،
قال : قلتُ لابنِ عمرَ : أرأيتَ المُتَلاعِنَيْن، أيْفَرَّقُ بينَهما ؟ فقال : سبحانَ
اللهِ ! نعم، كان أوَّلَ من سألَ عن هذا فلانٌ، فسكت عنه النبيُّ وَلِّ، ثم جاء
فقال: أرأيتَكَ الذى سألتُ عنه، فقد ابْتُلِيتُ به . فنزَلَت عليه الآياتُ فى سورةِ
((النورِ))، فتلاها عليه ووعَظه وذكّره، وأخبره أنَّ عذابَ الدُّنيا أهونُ من عذابٍ
الآخرةِ، فقال: والذى بعثَك بالحقِّ ما كَذَبْتُ . ثم دَعا المرأةَ فقال لها مثلَ
ذلك، فقالت: والذى بعثَكَ بالحقِّ إنَّه لكاذبٌ. فبدأ بالرجلِ فشهِد أربعَ
شهاداتٍ باللهِ إِنَّه لمن الصادقِين، والخامسةَ أنَّ لعنةَ اللهِ عليه إنْ كان من
الكاذِبين، ثم دَعا بالمرأةِ فشهِدتْ أربعَ شهاداتٍ باللهِ إِنَّه لمن الكاذِبين،
والخامسةَ أَنَّ غضبَ اللهِ عليها إن كان من الصادقين، ثم فرَّق بينَهما (١).
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال :
حدثنا بکرُ بنُ حمّادٍ ، قال : حدثنا مُسدّدٌ ، قال : حدثنا عیسی بنُ یونسَ ،
قال : حدثنا عبدُ الملكِ بنُ أبي سليمانَ ، قال : سمِعتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ
يقولُ : سُئِلتُ عن المُتَلاعِنَيْن زمنَ مصعبِ بنِ الزبيرِ، فلم أدْرِ ما أقولُ ،
القبس
(١) أخرجه أحمد ٣١٩/٨، ٥٢/٩ (٤٦٩٣، ٥٠٠٩)، والدارمى (٢٢٧٧)، ومسلم
(٤/١٤٩٣)، والترمذى (١٢٠٢، ٣١٧٨)، والنسائى (٣٤٧٣) من طريق عبد الملك بن أبى
سليمان به .
١٥٨

الموطأ
وأتَيْتُ ابنَ عمرَ فقلتُ : أَرَأيْتَ المُتَلاعِنَيْنِ، أَيُفَوَقُ بينَهما ؟ فذكَر مثلَه التمهيد
سواءً إلى آخرِه(١) .
فهذا عن ابنٍ عمرَ من وجوهٍ صحاح، أنَّ رسولَ اللهِ وَلِّ فِرَّق بينَ
المُتلاعِنَيْن كما روَى مالكٌ، وهذا يَدُلُّكَ على أنَّه إنَّما أَنكِر على ابنِ عيينةَ
ذلك فى حديثٍ سهلٍ بنِ سعدٍ (١) . واللهُ أعلمُ .
وقد زعم قومٌ أَنَّ مالكًا أيضًا انفرَد فى حديثه هذا بقولِه فيه : وألحَق
الولدَ بالمرأةِ. أو: ألحق الولدَ بأَمِّه. قالوا: وهذا لا يقولُه أحدٌ غيرُ مالكٍ،
عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ .
قال أبو عمرَ : حديثُ نافع عن ابنِ عمرَ فى هذا البابِ رواه عُبيدُ اللهِ
ابنُّ عمرَ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، أنَّ النبيَّ وََّ لا عَنَ بينَ رجلٍ وامرأتِه
وفرّقَ بينَهما(٢) . وهكذا رواه كلُّ مَن رواه عن نافع، ذكَروا فيه اللِّعانَ
والفُرقةَ، ولم يَذْكُروا أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ أَلْحَقِ الولدَ بالمرأةِ. وقالَه مالكٌ
عن نافعٍ كما رأيتَ، وحسبُكَ بمالك حفظًا وإتقانًا. وقد قال جماعةٌ من
أئمةِ أهلِ الحديثِ : إنَّ مالكًا أثبتُ فى نافعٍ وابنٍ شِهابٍ من غيرِه .
القبس
(١) أخرجه مسلم (١٤٩٣) من طريق عيسى بن يونس به .
(٢) بعده فى ك١، م: ((عندى).
(٣) أخرجه أحمد ٢١٠/٨، ١٧٤/٩ (٤٦٠٤، ٥٢٠٢)، والبخارى (٥٣١٣، ٥٣١٤)،
ومسلم (٩/١٤٩٤) من طريق عبيد الله به .
١٥٩

الموطأ
التمهيد
حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، قال: حدثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال :
حدثنا محمدُ بنُ شاذانَ ، قال: حدثنا مُعَلَّى، قال: حدثنا مالكُ بنُ أنسِ،
عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، أنَّ رسولَ اللهِ وَ لَ لا عَنَ بينَ رجل وامرأتِه انتَفَى
من ولدِها، ففرَّقَ رسولُ اللهِ وَهِ بينَهما، وألحقَ الولدَ بأَمّه.
هكذا قال: بأُمَّهُ. وفى ((الموطَّأُ)): وألحَق الولدَ بالمرأةِ . وذلك كلُّه
سَواءٌ . وهذه اللفظةُ: وألحق الولدَ بأمِّه، أو: بالمرأة . التى زعَموا أنَّ مالكًا
انفرد بها ، هی محفوظةٌ أيضًا من ۇجوهٍ؛ منها ، أنَّ ابن وهب ذکر فی
(مُوطَئِه))، قال: أخبرنی یونسُ، عن ابن شهاب، عن سهل بن سعد
الساعدىّ قال: حضَرْتُ لِعانَهما عندَ رسولِ اللهِ وَ لّهِ وأنا ابنُ خمسَ عشرةَ
سنةٌ. وساق الحديثَ؛ قال(١) فيه: ثم خرَجتْ حاملًا، فكان الولدُ إلى
أمّه(٢) .
وذكَره الفِزیابِىُّ، عن الأوزاعيّ، عن الزهرىِّ، عن سهلِ بنِ سعد
الساعدىٌّ فى هذا الخبرِ خبرِ المُتلاعنَيْنِ، وقال فيه: فكان يُدْعَى الوَلَدُ
(٣)
لأمّه(٣) .
٤٠
القبس
(١) بعده فى النسخ: ((و)) . والمثبت من إحدى نسختى م .
(٢) أخرجه الطبرانى (٥٦٨٥) من طريق ابن وهب به .
(٣) أخرجه البخارى (٤٧٤٥)، وابن الجارود (٧٥٦)، وأبو عوانة (٤٦٧٧)، والطبرانى
(٥٦٧٧)، والبيهقى ٤٠٠/٧ من طريق الفريابي به .
١٦٠