Indexed OCR Text

Pages 121-140

ما جاء فى اللعانِ
الموطأ
التمهيد
القبس
ما جاء فى اللَّعانِ
أحاديثُ اللِّعانِ كثيرةٌ ، أَمَّهاتُها حديثان؛ أحدُهما : حديثُ سهلٍ بنِ سعدٍ
فى شأنٍ عُويمٍ، حَسَبَ ما وَرَد فى ((الموطأُ))(١).
والثانى : حديثُ هلالٍ بن أميةً حينَ قَذَف زوجته بشَريكِ ابنِ السَّحماءِ،
فقال النبيُّ وَّهِ: ((البَيْنَةَ وإلا حَدٌّ فى ظَهْرِكُ)). فنزَلت آيةُ اللِّعانِ، كذلك رُوِى
فى الحديثَين، ويَحتمِلُ أن يكونا وقَعا معًا، فكانت الآيةُ بيانًا لهما، ويحتمِلُ
أن يكونَ أحدُهما قبلَ صاحبِهِ، فنزَلَت الآيةُ فى الأول، وقيل: فى الثانى أيضًا
نزلت آيةُ اللِّعانِ. أى فى مثلِه . والنزولُ والبيانُ فى الشىءِ نزولٌ وبيانٌ فی مثلِه،
والذى نزَل هو قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَالَّذِينَ يَمُونَ الْمُحْصَنَتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةٍ
تُهَ﴾ [النور: ٤]. وفى هذه الآيةِ أُمَّهاتٌ من(٢) المسائلِ عشْرٌ، ثم نزَل
المَخْلَصُ منها، فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَرَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّمْ شُهَدَلَهُ إِلَّ أَنْفُسُهُمْ﴾.
إلى آخرِ الآيةِ [النور: ٦]. فشرّع اللهُ عزَّ وجلَّ اللِّعانَ مَخْلَصًا مِن المِخْنةِ بتَلْطيخِ
الفِراشِ، وشافيًا مِن الغَيْظِ فى رُؤْيةِ المكروهِ، وقطعًا لعَلائقِ الَّسَبِ الباطلِ عن
الأب .
(١) الموطأ (١٢٢٢).
(٢) سقط من : ج ، م .
١٢١

الموطأ
التمهيد
القبس
ومسائلُ اللِّعانِ مُشْكِلةٌ جدًّا، حتى إن العلماءَ سَلَفًا وخَلَفًا لم يَتَّفِقوا منها إلا
على أقلِّها ، يَضْبِطُها لكم ستةُ فصولٍ :
الأولُ : فى حقيقتِّه، وبناؤُه(١) فِعالٌ؛ تركيبُ كلِّ فعلٍ يَتَعَلَّقُ باثنين، كالقتالِ
والخِصامِ ، سُمِّى بأشدِ ما فيه وهى لعنةُ اللهِ ؛ فقيل: لِعانٌ. ولم يُقَلْ: غِضابٌ.
مِن الغضبِ ؛ تَغْلِيبًا لجانبِ الرجلِ على المرأةِ لمَّا كان هو المُسَبِّبَ له والمُتَكلِّمَ
به، ولعنةُ اللهِ هى إبعادُه للعبدِ مِن جِوارِهِ، وطَرْدُه له عن قُدُسِه، وغَضَبُ اللهِ
يَحتملُ أن يكونَ إرادتَه لعذابِهِ ، ويَحتمِلُ أن يكونَ نفسَ العذابِ بعينِهِ، فيكونُ
على التأويلِ الأولِ مِن أوصافٍ الذاتِ؛ كقولِنا فيه: إنه(١) سبحانَه عالمٌ قادرٌ.
وعلى التأويلِ الثانى يكونُ مِن أوصافِ الفعلِ .
الثانى: القولُ فى سببِ اللِّعانِ ، وذلك بأن يقصِدَ نَفْىَ النسبِ الباطلِ عن
نفسِه، أو يقصِدَ خَلْعَ الفِراشِ الذى تَلطّخَ بغيرِهِ مِن بيتِه، وكلاهما يَصِحُ اللِّعانُ
فيه؛ لأن الله عزَّ وجلَّ قال: ﴿وَالَّذِينَ يَزَّمُونَ الْمُحْصَنَتِ﴾ [النور: ٤]. يعنى:
يَقْذِفونهنَّ بالزِّنى، فبَيَّنَّ حكمَهم، ثم قال: ﴿وَلَّذِينَ يَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾ [النور: ٦].
يعنى : بِمِثْلِ ذلك، فبيَّنَ حكمَهم أيضًا، وقال فى الحديثِ : أرأيتَ رجلًا وجد
مع امرأته رجلًا. ورجَع إلى النبيِّ وَ لّهِفقال: قد ابْتُلِيتُ بذلك. فليس فى القرآنِ
والحديثِ أكثرُ مِن هذا. وقال علماؤنا: إِنْ رَماها بالزِّنى وصَف الزِّنى كما
(١) فى م: ((بناء)).
(٢) سقط من : ج ، م .
١٢٢
٠

الموطأ
التمهيد
يَصِفُه الشاهدُ ، وإنْ رَماها بنَفْىِ النَّسبِ ، فلا بُدَّ أن يقولَ: قد اسْتَبرأْتُ ولم أَطَأْ القبس
بعدَ الاسْتِراءِ. وهو الثالثُ فى شروطِ اللِّعانِ. والذى عندى أنه إذا قال الرجلُ إن
زوجته قد زَنَتْ ، تَخَلَّصَ مِن هذا القولِ باللِّعانِ، كما إذا قال الرجلُ لأجنبىٌّ إن
زوجته قد زَنَتْ، مِن غيرِ تفسيرٍ ؛ يلزَمُه الحَدُّ .
الرابعُ: أن فائدةَ اللِّعانِ قطعُ النكاح، وسقوطُ الحَدِّ ، ونَفْىُ النَّسَبِ، وتأييدُ
التحريم، ووجوبُ الصَّداقِ؛ أما قطعُ النكاح فلقولِه فى الحديثِ: فكانت تلك
سُنَّةَ المُتلاعنَيْن (١) . ولحديثِ ابنِ عمرَ، أن رجلًا لَا عَن امرأتَه فى زَمَنِ رسولِ اللهِ
منَ، فَانْتَفَى(١) مِن ولدِها، فَقَوّق رسولُ اللهِ وَلَّهِ بينَهما، وأَلْحَق الولدَ بأمّه.
فقُطِعِ النَّسَبُ(٢). وأما سقوطُ الحدِّ فمُجْمَعٌ عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا
اَلْعَذَابَ﴾ [النور: ٨]. وأما تأبيدُ التحريم، فقد اختلف فيه العلماءُ، إذا أكذَب
نفسَه وألحَق النسبَ به، هل تَرجِعُ إليه أم لا؟ والصحيحُ أنها لا تَرجِعُ إليه ؛ لِما
رُوِى فى ذلك "من الآثارِ)، أنهما لا يتناكَحانِ أبدًا (٥)، وللمعنى الظاهرِ فى
النظرِ وهو بأن ما جرَى بينَهما مِنَ الرِّيبةِ يقطَعُ الأُلفةَ، ولأنه قذَفها ، فرَفَقَ(٢) فيه
(١) سيأتى فى الموطأ (١٢٢٢).
(٢) ينظر ما سيأتى ص ١٥٣، وينظر النهاية ٩٩/٥، ١٠٠.
(٣) سيأتى فى الموطأ (١٢٢٣).
(٤ - ٤) فى ج، م: (( فى الأثر)).
(٥) ينظر ما سيأتى ص ١٤٤، ١٤٥، ١٥٧، ١٥٩.
(٦) فى ج، م: ((المعنى)).
(٧) فى ج: ((فرق))، وفى م: ((برفق)).
١٢٣

الموطأ
التمهيد
القبس
فى ٢) دَرْءِ العذابِ عنه، وعُوقِبَ بألا تَرجِعَ إليه، وقد بيَّاها فى ((مسائلِ
الخلاف)). وأما الصّداقُ، ففى الحديث الصحيح أن مُویمِرًا قال للنبيّ أَلاتِ : يا
رسولَ اللهِ، مالى مالى. قال له النبيُّ وَّهِ: ((لا سبيلَ لك عليها، إن كنتَ
صدَقْتَ عليها فهو بما اسْتَحْلَلْتَ مِن فَرْجِها، وإن كنتَ كذَبتَ عليها فذلك أبعَدُ
(٢)
لك منها)) (٢).
الخامسُ: جاء فى اللِّعانِ ذكر الشهادةِ فى (١) اليمين، واختلف العلماءُ، هل
المُغَلَّبُ فيه جهةُ الأيمانِ ، أو المُغَلَّبُ فيه جهةُ الشهادةِ؟ (" فقال أهلُ العراقِ ؛ منهم
أبو حنيفةً: المُغَلَّبُ فيه جهةُ الشهادة٢٤ِ؛ لقولِه: ﴿فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ﴾ [النور: ٦].
ولأنه قولٌ على الغيرِ ، وهذا هو حَدُّ الشهادةِ ، فالإقرارُ ما أخبر به الرجلُ عن نفسِه،
والشهادةُ ما أخبر به الرجلُ عن غيرِهِ، وقال علماؤنا: المُغَلَّبُ فيه جهةُ اليمينِ .
وقد بيّنَّ ذلك فى ((مسائلِ الخلافِ))، والدليلُ عليه قولُ النبيِّ وَل ◌ِ: ((لولا
الأَيْمانُ لكان لى ولها°) شأنٌ))(٦). وقال الله عزَّ وجلَّ فى القرآنِ: ﴿بِاللَّهِ إِنَهُ
لَمِنَ الضَدِّقِينَ﴾ [النور: ٦]، ﴿ِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَذِينَ﴾ [النور: ٨]. ولأنه(٧) يَدْرَأُ
(١) سقط من : م .
(٢) سيأتى تخريجه ص ١٤٤، ١٤٥، ١٥٧.
(٣) فى ج، م: ((و).
(٤ - ٤) سقط من : ج .
(٥ - ٥) فى د: ((لها وله)).
(٦) ينظر ما سيأتى ص ١٧٦ - ١٧٩ .
(٧) بعده فى م: (( لا )).
١٢٤

١٢٢٢ - وحدثنى عن مالك، عن ابنِ شهابٍ، أن سهلَ بنَ سعدٍ الموطأ
مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن سهلٍ بنِ سعدِ الساعدىِّ(١)، أنَّه أخبره أنَّ التمهيد
بيمينه عن نفسِه العقوبةَ، ولو كانت شهادةً لقَبَت بها الحقُّ على غيره. وإذا قَت(١) القبس
أن المغلَّبَ فيه جهةُ اليمينِ، فإنه يُلاعِنُ المسلمُ والكافرُ، والعبدُ والحُؤْ،
والعَدْلُ والفاسقُ، والأعمى والبصيرُ.
السادسُ: أن العلماءَ اخْتَلَفوا: هل اللِّعانُ عقوبةٌ أم لا؟ فقال أبو حنيفةَ وأهلُ
العراقِ : إنه عقوبةٌ . وربما ظهَر هذا يبادى الرأي ؛ لِمَا فيه مِن هَوْلِ المُطَّلَع ، وقد
قال النبيُّ وَلِّ: ((أحَدُكما كاذِبٌ، فهل منكما تائِبٌ؟))(٤). والصحيح أنه ليس
بعقوبةٍ، وإنما هو خَلاصٌ مِن الدَّناءةِ (٥)، كما بيَّنَّه. أمَا إِنَّ الكاذبَ منهما غاوٍ
(٦)
بفجورِهِ، مُتعرّضٌ للعنةِ اللهِ وغضبِهِ، ولكنَّه غيرُ مُتعيِّنٍ عندَنا؛ ولذلك قلنا : إنه
يَبْقَى بعدالتِهِ بعدَ اللعانِ ، وعلى مرتبته فى الإسلامِ، وربُّك أعلمُ بباطنِ الحالِ
وعاقبةِ الأمرِ .
(١) قال أبو عمر: ((أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، قال : حدثنا
أبو الحسين عبد الباقى بن قانع - فى ص ٤: نافع - القاضى ببغداد ، قال : حدثنا بشر بن
موسى ، قال: حدثنا الحميدى، قال : حدثنا سفيان ، قال : كان لفظ الزهرى إذا حدثنا عن أنس
وسهل بن سعد: سمعت، سمعت. قد ذكرنا سهل بن سعد فى كتابنا فى (( الصحابة))، فأغنى
عن ذكره هلهنا)). الاستيعاب ٦٦٤/٢، ٦٦٥، وأسد الغابة ٢/ ٤٧٢.
(٢) فى م: ((أثبت)).
(٣) سقط من : ج .
(٤) سيأتى تخريجه ص ١٥٧ .
(٥) فى ج: ((الزناة)).
(٦) فى ج، م: ((عاصى)).
١٢٥

الموطأ الساعدىَّ أخبره أن عُويمِرًا العَجْلانيَّ جاء إلى عاصم بنِ عدىٌّ
الأنصارىِّ ، فقال له : يا عاصمُ ، أرأيتَ رجلاً وجَد معَ امرأتِه رجلاً ،
أيقتُلُه فتقتُلُونه ، أم كيفَ يفعَلُ ؟ سلْ لى يا عاصمُ عن ذلك رسولَ اللهِ
وَلَه. فسأل عاصمُ رسولَ اللهِ نَّه عن ذلك، فكرِه رسولُ اللهِ وَّ
المسائلَ وعابها، حتى كبر على عاصم ما سمِع من رسولِ اللهِ الَّله،
فلمّا رجع عاصمٌ إلى أهله ، جاءه ◌ُویمرٌ فقال : يا عاصمُ ، ماذا قال لك
رسولُ اللهِ وَلَّ؟ فقال عاصمٌ لعُويمرٍ: لم تأتنى بخيرٍ، قد كرِه رسولُ اللهِ
وَ الّ المسألةَ التى سألتُه عنها. فقال ◌ُويمرٌ: واللهِ لا أنتَهى حتى أسألَه
عنها. فأقبَل ◌ُويمرٌ حتى أتَى رسولَ اللهِ وَ له وسْطَ الناسِ ، فقال : يا
رسولَ اللهِ ، أرأيتَ رجلاً وجَد معَ امرأتِه رجلاً، أيقتُلُه فتقتُلُونه ، أم
كيفَ يفعَلُ؟ فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((قد أُنزلَ فيك وفى صاحبتِكَ ،
فاذهَبْ فَأْتِ بها )) . قال سهلٌ: فَتَلاعَنَا وأنا معَ الناسِ عندَ رسولِ اللهِ
وَهُ، فلمَّا فرَغا من تلاعُنِهما قال عُويمرٌ: كذَبتُ عليها يا رسولَ اللهِ
إن أمسكتُها. فطلَّقها ثلاثًا قبلَ أن يأمُرَه رسولُ اللهِ وَهِ .
قال مالكٌ : قال ابنُ شهابٍ : فكانت تلك بعدُ سُنَّةَ المُتلاعنَيْنِ .
التمهيد ◌ُوَيْمِرَ بنَ أشْقَرَ العَجْلانِيَّ جاء إلى عاصِم بنِ عَدِىِّ الأنصارىِّ، فقال
له : يا عاصِمُ، أرأيتَ رجلًا وَجَد مع امرأتِه رجلًاً، أيقتُه فتقتُلونَه، أم
كيف يفعَلُ ؟ سَلْ لى يا عاصِمُ عن ذلك رسولَ اللهِ وَظله. فسأل
القبس
١٢٦

الموطأ
عاصِمٌ رسولَ اللهِ وَلِّ عن ذلك، فكرِه رسولُ اللهِ وَّ المسائِلَ التمهيد
وعابَها، حتى كَبُر على عاصِم ما سَمِع مِن رسولِ اللهِ مَّر، فلما جاء
عاصِمٌ إلى أهلِه جاء عُوَيْمِرٌ فقال: يا عاصِمُ، ماذا قال لك رسولُ اللهِ
وَلَّ؟ فقال عاصِمٌ: لم تأتِى بخيرٍ، قد كَرِه رسولُ اللهِ وَّةِ المسألَةَ
التى سألتُه عنها. فقال عُوَيْمِرٌ: واللهِ لا أَنتَهِى حتى أسألَه عنها. فأقبَل
عُوَيْمِرٌ حتى أَتَّى رسولَ اللهِ وَلّهِ وهو وَسْطَ الناسِ، فقال: يا رسولَ
اللهِ، أرأيتَ رجلًا وَجَد مع امرأتِه رجلًا، أيقتُلُه فتقتُلُونَه، أم كيف
يفعلُ؟ فقال رسولُ اللهِ وَهِ: ((قد أَنْزِل فيك وفى صاحبتِك، فاذهَبْ
فَأْتِ بها)). قال سهلٌ: فتلاعَنا وأنا مع الناسِ عندَ رسولِ اللهِ وَلَه،
فلمَّا فَرَغَا مِن تلاعُنِهما قال عُوَيْمِرٌ: كذَبتُ عليها يا رسولَ اللهِ إن
أمسَكْتُها. فطَلَّقَها ثلاثًا قبلَ أن يَأْمُرَه رسولُ اللهِ وَهِ. قال مالكٌ: قال
ابنُّ شهابٍ : فكانت تلك بعدُ سُنَّةَ المتلاعتَين(١).
هكذا هو فى ((الموطأُ)) عندَ جماعةِ الرواةِ : قال ابنُ شهابٍ : فكانت
تلك سنةَ المُتلاعنَينِ .
ورَواه مجوَيْرِيَّةُ، عن مالكِ بإسنادِه، عن ابنِ شهابٍ، عن سهلٍ،
وساقَه بنحوِ ما فى ((الموطأُ)) إلى آخِرِه، وقال: فطَلَّقها ثلاثًا قبلَ أن يأْمُرَه
القبس
(١) أخرجه أحمد ٤٩٩/٣٧ (٢٢٨٥١)، والدارمى (٢٢٧٥)، والبخارى (٥٣٠٨) من طريق
مالك به .
١٢٧

الموطأ
التمهيد رسولُ اللهِ وَّلِّهِ، فكان فِرَاقُهُ إِيَّاها سُنَّةً(١). هكذا قال فى نَسَقِ الحديثِ،
جعَلَه مِن قول سهلٍ بن سعدٍ لا مِن قولِ ابنِ شهابٍ .
وكذلك رواه إبراهيمُ بنُ طَهْمانَ ، عن مالكِ بإسنادِه ومعناه، وقال
فى آخِرِهِ: فلمَّا فرَغا مِن تلاعُنِهما طلَّقَها ثلاثًا قبلَ أن يأمُرَه رسولُ اللهِ
وَله. قال: فكانت فُرْقَتُه إياها سُنَّةً بعدُ(١). ومِن رُواةِ إبراهيمَ بنِ
طَهْمانَ مَن يقولُ عنه فيه : فكان طلاقُهُ إِيَّاها سنةً. كلَّ ذلك مُدرَجٌ فى
كلامٍ سَهْلٍ لا مِن قولِ ابنِ شهابٍ .
وهو عندَ جماعةِ رُوَاةِ ((الموطّاً)) مِن قولِ ابنِ شهابٍ،
(٤)
كذلك هو عندَ القَعْنَبِىِّ(١)، ومُطَرِّفٍ، ومَعْنِ بنِ عِيسَى ،
وابنٍ بُكِّرٍ(٥)، وابنِ القاسِمِ(١)، وابنٍ وَهْبٍ(٧)، والشافعيّ(٨)،
القبس
(١) أخرجه الخطيب فى المدرج ١/ ٣٠٢، ٣٠٣ من طريق جويرية به .
(٢) أخرجه الخطيب فى المدرج ١/ ٣٠٣، ٣٠٤ من طريق إبراهيم بن طهمان به، ووقع فى
إسناده خطأ .
(٣) أخرجه أبو داود (٢٢٤٥)، وأبو عوانة (٤٥٤٨)، والطبرانى (٥٦٧٥)، والخطيب فى
المدرج ٣١٢/١ من طريق القعنبى به .
(٤) أخرجه الخطيب فى المدرج ٣١٣/١ من طريق معن بن عيسى به.
(٥) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١١/١٢ و، ١١ ظ - مخطوط).
(٦) أخرجه الخطيب فى المدرج ٣١٣/١، ٣١٤ من طريق ابن القاسم به.
(٧) أخرجه أبو عوانة (٤٥٤٨)، والخطيب فى المدرج ٣١٣/١ من طريق ابن وهب به.
(٨) الشافعى ١٢٥/٥، ٢٨٩.
١٢٨

الموطأ
وأبى مُصْعَبٍ (١)، والتّنِيسِىِّ، ويحيى بن يحيى النَّيْسابُورِىِّ(١) ، وأحمدَ
ابنِ إسماعيلَ المدنىِّ ، وعبدِ اللهِ بنِ نافِعِ الزُّبَيْرِىِّ (٤)، وغيرهم.
التمهید
واختلَف أصحابُ ابنِ شِهابٍ فى ذلك أيضًا، قال الدارقطنى :
وقد روَى حديثَ اللُّعانِ عن الزهرىِّ عن سهلِ بنِ سعدٍ جماعَةٌ مِن
الثِّقاتِ، فاختلَفوا عنه فى قوله: فكان فِرَاقُه إِيَّها سنةَ المُتَلاعنَينِ.
فأدرَجَه جماعَةٌ منهم فى نفسِ الحديثِ ، وجعَلوه مِن قولِ سهلٍ بنِ
سعدٍ ؛ منهم ابنُ جريج، وابنُ أبى ذِئْبٍ، والأوزاعىُ، وعياضُ بنُ
عبدِ اللهِ الفِهرىُّ، وفُلَيْحُ بنُ سليمانَ، وإبراهِيمُ بنُ إسماعيلَ بنِ
مُجَمِّع، وفَصَلَه عُقيلُ بنُ خالِدٍ، وإبراهِيمُ بنُ سَعْدٍ، ومحمدُ بنُ
إسحاقَ، ويزيدُ بنُّ أبى حبيبٍ فيما كتَبَ به إليه الزهرىُّ، قالوا فى
آخِرِه: قال ابنُ شهابٍ: فكانت تلك سنةَ المُتَلاعِنَينِ. كما فى
((الموطأ)).
القبس
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (١٦١٨).
(٢) أخرجه البخارى (٥٢٥٩)، والطبرانى (٥٦٧٥) من طريق عبد الله بن يوسف التنيسى به .
(٣) أخرجه مسلم (١/١٤٩٢)، والبيهقى ٣٩٩/٧ من طريق يحيى بن يحيى النيسابورى
به .
(٤) أخرجه ابن شبة فى تاريخ المدينة ٣٨٦/٢، ٣٨٧، وابن الجارود (٧٣٧)، والخطيب
فى المدرج ٣١٤/١ من طريق عبد الله بن نافع به.
١٢٩
( موسوعة شروح الموطأ ٩/١٥ )

الموطأ
التمهید
وقد حدثنا محمدُ بنُ عُمْرُوسِ (١) إجازَةً، عن أبى الحَسنِ علىٍّ بنِ
عمرَ الحافظِ أنَّه أخبَره ببغدادَ، قال: حدثنا البَغَوِىُّ، قال: قُرِئَ على
سُوَيْدِ بنِ سعيدٍ ، عن مالكِ، عن الزهرىِّ، عن سهلٍ بنِ سعدٍ ، أَنَّ رجلًا
أتى رسولَ اللهِ وَ له فقال: يا رسولَ اللهِ، أرأيتَ رجلًا وجَد مع امرأتِه
رجلًا، فيقتُلُه فيَقْتُلُونه(٢) ، أم كيف يفعَلُ؟ قال: فأَنزَلَ اللهُ فيهما ما ذُكِر
فى القرآنِ مِن التَّلاعُنِ، فقال رسولُ اللهِ وَلِّ: ((قد قُضِى فيك وفى
امرأتِك)). قال: فتلاعَنَا وأنا شاهِدٌ عندَ رسولِ اللهِ وَلَه، فقال:
يا رسولَ اللهِ ، إن أمسَكْتُها فقد كذَبْتُ عليها. ففارَقَها، فكانتِ الشّنَّةُ
فيهما أن يُفَرَّقَ بينَ المُتلاعِنَينِ، وكانت حامِلًا فأنكَرَ حَمْلَها، وكان
ابنُها يُدْعَى إليها، ثم جَرَتِ السنةُ " فى الميراثِ) أن يَرِثَها وتَرِثَ منه ما
فَرَض اللهُ لها (٤) .
وهذه الألفاظُ لم يَروِها عن مالكِ فيما عَلِمِتُ غيرُ سُوَيْدِ بنِ سعيدٍ .
واللهُ أعلمُ .
القبس
(١) فى ص ٤: ((عبد الله)). وينظر الصلة ٤٨٧/٢.
(٢) فى ص ٤: ((أتقتلونه))، وفى مصدر التخريج: ((فتقتلونه)).
(٣ - ٣) سقط من: م.
(٤) أخرجه الخطيب فى المدرج ٣٠٤/١، ٣٠٥ من طريق الدارقطنى به .
١٣٠

الموطأ
وروَى عبدُ اللهِ بنُ إدريسَ هذا الحديثَ عن مالكِ ومحمدٍ بن إسحاقَ التمهيد
جمیعًا ، عن ابن شهاب ، عن سهل بن سعدٍ ، فذكره بطوله، وزاد فيه :
فقال رسولُ اللهِ وَلَهِ: ((قد أَنزَل اللهُ فيكما قرآنًا)). وتَلا ما أَنزَل اللهُ فى
ذلك، ولا عَنَ رسولُ اللهِ وَلَهِ بينَهما بعدَ العصرِ، فلما تَلاعَنا قال:
يا رسولَ اللهِ، ظلَمتُها إن أمسكتُها، فهى الطلاقُ، فهی الطلاقُ، فھی
الطلاقُ(١).
ولم يَذْكُرْ أحدٌ فيما عَلِمتُ فى هذا الحديثِ أَنَّه لاعَنَ بينَهما بعدَ
صلاةِ العصرِ إلَّ ابنُ إدريسَ، وأَظُنُه حمَلَ لفظَ ابنِ إسحاقَ على لفظِ
مالكِ، وقال الدَّارَقُطْنِىُّ: لم يَقُلْ فى هذا الحديثِ عن ابنِ شهابٍ أحَدٌ مِن
أصحابِهِ أَنَّه لاعَنَ بينَهما بعدَ صلاةِ العصرِ غيرُ محمدِ بنِ إسحاقَ .
وفى هذا الحديثِ مِن الفِقْهِ السُّؤَالُ عن الإشكالِ . وفيه أنَّ الاستِفهامَ
بـ: ((أرأيتَ)) عن المسائلِ كان قديمًا فى عصرِ رسولِ اللهِ وَله .
وفيه أنَّ مَن قَتَل رجلاً وادَّعَى أَنَّه إنَّما قتَلَه لأَنَّه وجَدَه مع امرأتِه،
أَنَّه "يُقْتَلُ به٢). وقد بيَّ هذه المسألةَ فى بابِ سُهَيْلِ بنِ أبى صالِحٍ مِن
القبس
(١) أخرجه الخطيب فى المدرج ٣١٨،٣١٧/١ من طريق عبد الله بن إدريس به.
(٢ - ٢) فى ص ٤: ((يقبل منه)).
١٣١

الموطأ
التمهيد هذا الكتاب(١).
وفيه أن يتَوَلَّى السّؤالَ عن مسألتِكَ غيرُك وإن كانت مُهِمَّةً. وفيه
قَبُولُ خبرِ الواحِدِ؛ لأَنَّه لو لم يَجِبْ عليه (٢) قَبُولُ خبرِهِ عندَه ما أرسَلَه
يَسْألُ له .
وفيه كَرَاهِيَةُ سماع الكلامِ إذا كان فيه تَعْرِيضٌ بِقَبِيح ؛ قَذْفًا كان أو
غيرَه. وقد زعم بعضُ الناسِ أنَّ فى هذا الحديثِ دليلاً على أنَّ الحَدَّ
لا يجبُ "فى التَّعْرِيضِ) بالقذفِ. وهذا لا حُجَّةَ فيه؛ لأُنَّ المُعَرَّضَ به
غيرُ مُعَيَّنِ، وإنَّما يجِبُ الحَدُّ على مَن عَرَّضَ بقَذْفٍ رجلٍ يُشِيرُ إليه، أو
يُسَمِّيه فى مُشاتَمةٍ، ويَطلُبُه المُعَرَّضُ به، فحِينَئِذٍ يجبُ فى التَّعْرِيضِ
بالقَذْفِ (٤)الحَدُّ، إذا كان يُعْلَمُ مِن المُعَرِّضِ أَنَّه قصَدَ به قصْدَ القَذْفِ،
وقد صَعَّ عن عُمَرَ أَنَّه كان يَحُدُّ فى التَّعْرِيضِ بالقَذْفُِ) . وهو قولُ مالك
إذا كان مَفهومًا مِن ذلك التَّعْرِيضِ مُرَادُ القاذِفِ، وللكلام فى هذه
المسألةِ مَوْضِعٌ غيرُ هذا .
القبس
(١) سيأتى فى شرح الحديث (١٤٨١) من الموطأ .
(٢) سقط من: م.
(٣ - ٣) فى ص ٤: ((بالتعريض)).
(٤ - ٤) سقط من: ص ٤.
وأثر عمر سيأتى فى الموطأ (١٦١٠).
١٣٢

الموطأ
واختَلَف الفُقهاءُ فى محُكْم مَن قَذَفَ امرأتَه برجل سَمَّاه ؛ فقال التمهيد
مالِكٌ : ليس على الإمامِ أن يُعْلِمَ المقْذُوفَ. وهو أحَدُ قَوْلَي الشافعِىِّ .
والحُجَّةُ لمن ذهَب هذا المذهبَ قولُ اللهِ عز وجل: ﴿وَلَا تَجْسَّسُواْ﴾
[الحجرات: ١٢]. ولأُنُّ العَجْلَانِيَّ رَمَى امرأتَه بشَرِيكِ ابنِ سَحْمَاءَ، فلم
يَبَعَثْ فيه رسولُ اللهِ وَِّهِ، ولا أعلَمَه . وقالت طائفةٌ: عليه أن يُعْلِمَه؛
لأَنَّه مِن حُقُوقِ الْآدَمِيِّين. وقد رُوِى ذلك عن الشافعيّ. واخْتَجَّ مَن قال
بهذا القولِ بقولِ رسولِ اللهِ وَله: ((واغْدُ يا أَنَيْسُ على امرأةٍ هذا، فإنٍ
اعتَرفَتْ فاربجمْها))(١).
وقال مالكٌ: إن ذكّر المرمِيَّ به فى التِعانِهِ حُدَّ له. وهو قولُ أبى
حنيفةً ؛ لأَنَّه قاذِفٌ لمن لم يكنْ به ضَرُورَةٌ إلى قَذْفِه . وقال الشافعى : لا
حَدَّ عليه؛ لأَنَّ اللهَ لم يَجعَلْ على مَن رَمَى زَوْجَتَه بالزِّنَى إِلَّا حَدًّا واحِدًا،
بقولِه: ﴿وَالَّذِينَ يَرَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾ [النور: ٦]. ولم يُفرِّقْ بِينَ مَن ذكَر رجلًا
بِعَيْنِه وبينَ مَن لم يَذْكُرْه، وقد رَمَى العَجْلَانِىُّ زَوْجَتَهَ بِشَرِيكِ ابنِ
سَحْمَاءَ، وكذلك هِلَالُ بنُ أُمَيَّةَ، فلم يُحَدَّ واحِدٌ منهما .
وفيه أنَّ طِبَاعَ البَشَرِ أنْ تكونَ الغَيْرةُ تَحمِلُ على سَفْكِ الدِّماءِ، إِلَّ أنْ
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (١٥٩٤).
١٣٣

الموطأ
التمهيد يَعْصِمَ اللهُ عن ذلك بالعِلْمِ والتَّبُتِ والتَّقَى .
وفيه أنَّ العالِمَ إذا كَرِهِ السّؤالَ ، له أَنْ يَعِيبَهُ ويَنْجَهَ (١) صاحِبَه. وفيه أنَّ
مَن لَقِى شيئًا مِن المكرُوهِ بسببٍ غيرِهِ كان له أنْ يُؤَنِّبَ ذلك الذى لَقِی
المَكْرُوهَ بِسَبِه ويُعاِبَه ؛ لقولٍ (٢) عاصِمٍ لِعُوَيْمِرٍ: لم تَأْنى بخيرٍ .
وفيه أنَّ المحتاجَ إلى المسألَةِ مِن مَسائلِ العِلْم لا يَرْدَعُه عن تَفْهُّمِها
غَضَبُ العالِمِ وكَرَاهِيتُه لها، حتى يَقِفَ على النَّلَجِ() منها .
وفيه أنَّ السُّؤَالَ عمَّا يَلزَمُ عِلْمُه مِن أمْرِ الدِّينِ واجِبٌ فى المحَافِلِ وغيرِ
المحافِلِ، وأنَّه لا حياءَ يَلزَمُ فيه، ألا تَرَى إلى قولِه: فأقْبَلَ عُوَيْمِرٌ حتى أَتَّى
رسولَ اللهِ وَ له وهو وَسْطَ الناسِ، فقال: يا رسولَ اللهِ ، أَرَأْيتَ رجلًا وَجَدَ
مع امرأته رجلًا ، أيقتُلُه فتَقتُلُونه(٤) ، أم كيف يَفعَلُ(٥)؟
القبس
(١) النَّجْهُ: استقبالك الرجل بما يكره ، وردك إياه عن حاجته، وقيل: هو أقبح الرد. اللسان (ن ج هـ).
(٢) فى ص ٤: ((كقول)).
(٣) ثلجت نفسى بالأمر: إذا اطمأنت إليه وسكنت ، وثبت فيها ووثقت به. اللسان (ث ل ج).
(٤) فى ص٤: ((فيقتلونه)).
(٥) بعده فى ص ٤: ((وفى سكوت رسول الله وَّليل على قول عويمر فيقتلونه ولم ينكر ذلك عليه
دلیل علی أن من وجد مع امرأته رجلا فيقتله ولم يجئ على ما ادعاه من ذلك ببينة أن يقتل به وقد بينا
هذه المسألة فى باب سهيل والحمد لله)). وينظر ما سيأتى فى شرح الحديث (١٤٨١) من الموطأ .
١٣٤

الموطأ
وفيه أنَّ المُلاعَنةَ لا تكونُ إلَّا عندَ السلطانِ، وأنَّها ليست كالطلاقِ الذى التمهيد
للرجلِ أن يُوقِعَه حيثُ أحَبَّ، وهذا ما لا خِلافَ فيه. وكذلك لا يَخْتَلِفُونَ أنَّ
اللِّعانَ لا يكونُ إلَّ فى المسجدِ الذى تُجمَعُ فيه الجمعةُ؛ لأنَّ رسولَ اللهِ وَهُ
لاعَنَ بينَ المُتُلاعِنَينِ المذكورينِ فى المسجدِ، ذكر ذلك ابنُ مَسعُودٍ وغيرُه فى
حديثِ اللِّعَانِ . وقد ذكّرنَا حديثَ ابٍ مسعودٍ وغيرِهِ، فى بابِ نافِعٍ، عن
ابنِ عُمَرَ مِن كتابِنا هذا (١) . واستَحَبَّ جماعَةٌ مِن أهلِ العِلْم أن يكونَ اللِّعانُ
فى الجامِعِ بعدَ العَصْرِ، وفى أىِّ وَقْتٍ كان فى المسجِدِ الجامِعِ أَجْزَأْ
عندهم .
وفيه دليلٌ على أنَّ للعالم أن يُؤَخِّرَ الجوابَ إذا لم يَحْضُرْه ورجَاه فيما
بعدُ .
وفيه أنَّ القرآنَ لم يَنْزِلْ مُجُمْلَةً واحدةً إلى الأرضِ ، وإنَّما كان يَنْزِلُ به
جبريلُ عليه السلامُ سورةً سورةٌ، وآيةً آيةً، على حسَبٍ حاجَةِ النبيِّ وَّه
إليه . وأمَّا نُزولُ القرآنِ إلى سماءِ الدنيا ، فَزَل كُلُّه مجملَةً واحدةً ، على ما
رُوِى عن ابنِ عباسٍ وغيرِه فى تفسيرِ قولِ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِى
لَيْلَةٍ مُبَرَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣]. قالوا: ليلَةُ القدرِ، نزَلَ فيها القرآنُ جملَةٌ
القبس
(١) سيأتى تخريجه ص ١٧٢، ١٧٣.
١٣٥

الموطأ
التمهيد واحدةٌ إلى سَماءِ الدنيا (١).
وفيه أنَّ المتلاعِنَينِ يَتلاعَنانِ بحَضْرَةِ الحاكِم، خَلِيفَةً كان أو
غيرَه .
وفى قولِه : أَرَأْيتَ رجلًا وَجَد مع امرأتِه رجلًا . دليلٌ على أنَّ الملاعَنةَ
تجبُ بينَ (٢) كُلِّ زَوجَينٍ؛ لأَنَّه لم يَخُصَّ رجلًا مِن رجلٍ ، ولا امرأةً مِن
امرأةٍ ، ونَزَلَتْ آيَةُ اللَّعانِ على هذا السُّؤَالِ بهذا العُمومِ، فقال: ﴿وَلَّذِينَ
يَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾ [النور: ٦]. ولم يَخُصَّ زَوْجًا مِن زوجٍ . وهذا مَوْضِعٌ اختَلَف
فيه العلماءُ ؛ فقال الثورىُّ وأبو حنيفةَ وأصحابُه: لا لِعانَ بينَ الحُرِّ
والمملوكةٍ، ولا بينَ المملوكِ والحرَّةِ، ولا بينَ المسلم والذِّمِّيَّةِ الكتابيَّةِ .
ولهم فى ذلك حجَجْ "لا تَقُومُ على سَاقٍ)؛ منها حديثُ عمرو بنِ
شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، أنَّ النبيَّ مَّهِ قال: ((لا لِعانَ بينَ مَملُوكَينٍ
ولا كَافرَينِ)»(٤). وهذا حديثٌ ليس دُونَ عمرو بن شعيبٍ مَن يُحتَجّ به .
واحتَجُوا مِن جهةِ النَّظَرِ بأنَّ الأزواجَ لما استُئنُوا مِن مجملَةِ الشهداءِ بقولِه :
﴾ [النور: ٦]. وَجَب ألَّ يُلاعِنَ إِلَّ مَن تجوزُ
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَُّمْ شُهَدَآءُ إِلَّ أَنْفُسُهُمْ﴾
القبس
(١) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ١٨٩/٣ - ١٩١، وتقدم تخريجه فى ٥١٤/٦، ٥١٥.
(٢) فى ص ٤: ((على)).
(٣ - ٣) سقط من: ص ٤.
(٤) ذكره ابن رشد فى بداية المجتهد ١٣٦/٧ عن عمرو بن شعيب به.
١٣٦

الموطأ
شَهادَتُه ؛ لا عبدٌ ، ولا كافِرٌ، ولا يُلاعِنُ عندَهم إلّ الحُرُّ المسلمُ. وقال التمهيد
مالكٌ وأهلُ المدينةِ: اللِّعانُ بينَ كلِّ زَوجَينٍ. وهو قولُ الشافعىِّ،
وأحمدَ، وإسحاقَ، ((وأبى١) عُبَيْدٍ، وأبى ثورٍ، وداودَ. والحَُّةُ لهم أنَّ
اللِّعانَ يُوجِبُ فَسْخَ النكاح، فأشْبَهَ الطلاقَ، وكلَّ مَن يجوزُ طَلَاقُه يجوزُ
لِعَانُه، واللِّعانُ أيمانٌ ليس بشهادةٍ ، ولو كان شهادَةٌ ما سُوِّىَ فيه بينَ الرجلِ
والمرأةٍ ، ولكانتِ المرأةُ على النصفِ مِن الرجلِ، ولا يَشْهَدُ أحَدٌ لنفسِه ،
وقد سَمَّى اللهُ أيمانَ المنافِقِينَ شهادةً، بقولِه: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾
[المنافقون: ١]. وقال: ﴿أَتَّخَذُوَأْ أَيْمَنَهُمْ جُنَّةً﴾ [المجادلة: ١٦، المنافقون: ٢].
ومِن جِهَةِ القِياسِ والنَّظَرِ مُحالٌ أَنْ يَنتَفِىَ عنه وَلَدُ الحرةِ المسلمةِ باللِّعانِ،
ولا يَنْتَفِىَ عنه وَلَدُ الأَمَةِ أو (٢) الكِتَابِيَّةِ باللِّعانِ .
وفيه أنَّ الحاكِمَ يُخْضِرُ مع نفسِه للتلاعُنِ قومًا يَشهَدون(٣) ذلك، أَلَا
تَرَى إلى قولٍ سَهْلٍ بنِ سعدٍ: " فتَلاعَنَا وأنا مع الناسِ عندَ رسولِ اللهِ وَل .
وفى شُهُودٍ سَهْلٍ بنِ سَغدٍ ◌ٌ) لذلك دليلٌ على جوازِ شُهُودِ الغِلمانِ والشَُّانِ
التَّلاعُنَ مع الكَهُولِ والشُّيوخ بينَ يَدَي الحاكِم ؛ لأُنَّ سَهْلًا كان يومَئذٍ
غُلامًا .
القبس
(١ - ١) فى ص ٤: ((بن)).
(٢) فی م: ((و)).
(٣) بعده فى ص ٤: ((على)).
(٤ - ٤) سقط من: ص ٤.
١٣٧

الموطأ
وَلَهُ إلَّا وهو غلامٌ صغيرٌ .
قال أبو عمرَ : ما أدرَكَ سهلُ بنُ سعدِ النبىّ
التمهید
وأخبرنا عبدُ الوارِثِ، حدثنا قاسِمٌ، حدثنا أحمدُ بنُ زهيرٍ، قال :
حدثنا عبيدُ اللهِ بنُ عمرَ ، قال : حدثنا یَزِيدُ بنُ زُرَيْع، قال : حدثنا محمدُ
ابنُّ إسحاقَ ، عن الزهرىِّ قال : قلتُ لسهلٍ بنِ سعدٍ : ابنُ كم أنت يَوْمَئِذٍ ؟
- يعنى يومَ المتلاعِنَينِ - قال: ابنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سنةً .
وقد احتَجَّ بهذا الحديثِ مَن قال: إِنَّ الطلاقَ ثلاثًا بكلِمةٍ واحدةٍ
مُبَاح؛ لأَنَّ رسولَ اللهِ فِ له لم يُنكِرْ على العَجْلانِيِّ أَن طَلَّقَ امرأتَه ثلاثًا
بكلِمةٍ واحدةٍ بعدَ الملاعَنةِ . واختلفوا هل تقَعُ الثلاثُ مُجتمِعاتٍ فى الطُّهْرِ
للسُنَّةِ أم لا؟ وسنَذْكُرُ ذلك فى حديثِ مالكِ، عن نافع، عن ابنٍ عُمَرَ " إن
شاء اللهُ .
واخْتَلَف الفقهاءُ فى فُرْقَةِ المتلاعِنَينِ، هل تَحتاجُ إلى طلاقٍ أم لا ؟
فقال مالكٌ وأصحابُه، والليثُ بنُ سعدٍ ، وهو قولُ زُفَرَ بنِ الهذيلِ : إذا فرَغا
جميعًا مِن اللِّعانِ وَقَعتِ الفُرْقَةُ وإن لم يُفَرِّقِ الحاكِمُ ، ثم لا يَجتمِعان أبدًا .
ومِن حُجَّتِهم فى أنَّ للفُرْقَةِ تَأْثِيرًا فى الْتِعانِ المرأةِ وُمجوبُه عليها ، وقياسًا على
أنَّ تَفاسُخَ البيعِ لا يكونُ إلَّا بتمامٍ تَحالُفِهما جميعًا .
القبس
(١) ينظر ما سيأتى ص٢٩٥ - ٣٠٠.
١٣٨
٠٥

الموطأ
وقال أبو حنيفةً ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدُ بنُ الحسن: لا تقَعُ الفُرْقَةُ بعدَ التمهيد
فَراغِهما مِن اللِّعانِ حتى يُفرِّقَ الحاِمُ بينَهما . وهو قولُ الثورىِّ ؛ لقولِ ابنِ
عمرَ: فَق رسولُ اللهِ وَّهِ بِينَ المتلاعِنَينِ (١). فأضاف الفُرْقَةَ إليه لا إلى
اللِّعَانِ ، ولقولِه عليه السلامُ: ((لا سَبِيلَ لك عليها))(٢). وحُجَّةُ مالكِ أنَّ
تَفْرِيقَه وَلَّهِ إِنَّما كان إعلامًا منه أنَّ ذلكَ شَأْنُ اللِّعَانِ، ومثلُه قولُه: ((لا
سَبِيلَ لك عليها)). ومِن ◌ُحُجَّتِه أيضًا أنَّه لما افتقَرَ اللَّعانُ إلى حُضُورِ الحاكِمِ
افتقَرَ إلى تَفْرِيقِه، كفُرْقَةِ العِنِّينِ. وقال الأُوزَاعُّ نحوَ قولٍ مالكٍ.
وقال الشافعىُ: إذا أُكمَلَ الزوج الشهادةَ والالتِعَانَ فقد زال فِراشُ
امرأتِه ، التَعَنتْ أو لم تَلْتَعِنْ. قال: وإنَّما التِعَانُ المرأةِ لدَرْءِ الحَدِّ لا غيرُ،
وليس لالتِعانِها فى زوالِ الفِراشِ معنًى، ولما كان لِعَانُ الزوج يَنْفِى الوَّلَدَ
ويُشْقِطُ الحَدَّ، رَفَع الفِرَاشَ. وقد ذكرنا ◌َُّتَه فى بابِ نافعٍ، عن ابنِ
عمرَ، مِن كتابِنا هذا(٢) . والحمدُ للهِ .
وكلُّ الفقهاءِ مِن أهلِ المدينةِ ، وسائرِ الحِجازِيِّينَ، وأهلِ الشامِ ، وأهلِ
الكوفةِ ، يقولونَ: إِنَّ اللِّعَانَ مُسْتَغْنٍ عن الطلاقِ، وإنَّ محُكْمَه وسُنَّتَه الفُرْقَةُ
بينَ المُتَلاعِنَينِ . وإنما اختلافُهم الذى قدَّمْنا فى أَنَّ الحاكِمَ يَلْزَمُه أن يُفرِّقَ
بينَهما ، إلَّا عثمانَ البَنِّيَّ فى أهلِ البصرةِ فإِنَّه لم يَرَ التلاعُنَ يَنْقُضُ شيئًا مِن
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (١٢٢٣).
(٢) سيأتى ص ١٤٥، ١٥٧ .
(٣) ينظر ما سيأتى ص ١٦٢، ١٦٣.
١٣٩

الموطأ
التمهيد عِصْمَةِ الزَّوْجَين حتى يُطَلِّقَ. وهو قولٌ لم يَتَقَدَّمْه إليه أحَدٌ مِن الصحابةِ ،
على أنَّ التَِّّيَّ قد استَحَبَّ للمُلاعِنِ(١) أنْ يُطَلِّقَ بعدَ اللِّعَانِ، ولم يَستَحِبَّه قبلَ
ذلك، فدَلَّ على أنَّ اللِّعَانَ عندَه قد أَحدَثَ حُكمًا .
قال أبو عمرَ : معنى قولِ ابنِ شهابٍ فى آخِرِ حديثٍ مالكِ: فكانت
تلك سنةَ المُتَلاعِنَينِ. يعنى الفُرْقَةَ بينَهما إذا تَلاعَنا، لا أَنَّه أَرادَ الطلاقَ ،
وذلك موجودٌ منصوصٌ عليه فى حديث ابنٍ شهابٍ، مع ما يَعضُدُه مِن
الأُصولِ التى ذكّرنا فى هذا الكتابِ .
وروَى ابنُ وهبٍ فى ((مُوَطَّئِهِ))، قال: أخبرنى عِيَاضُ بنُ عبدِ اللهِ
الفِهرِىُّ، عن ابنِ شهابٍ، عن سهلِ بنِ سعدٍ ، أنَّ عُوَيْمِرَ بنَ أَشْقَرَ
الأنصارىَّ أَحَدَ بنى العَجْلانِ جاء إلى عاصِمِ. فذكَر مثلَ حديثِ مالكٍ ،
عن ابنِ شهابٍ، عن سهلٍ، وزادَ فيه: وكانت امرأةٌ عُوَيْمِرٍ محُثْلَى،
فأنكَر حَمَلَها، وكان الغُلامُ يُدْعَى إلى أُمِّه. قال: وجَرَتِ السنةُ فى
الميراثِ أنَّه يَرِثُها، وتَرِثُ منه (٢) ما فرضَ اللهُ للُمّ . قال ابنُ شهابٍ : قال
عُوَيْمِرٌ عندَ(٣) ذلك: (٤بئس عبدُ اللهُِ) إن أنا رُمِيتُ عندَ رسولِ اللهِ وَل
القبس
(١) فى ص ٤: ((للمتلاعنين)).
(٢) فى م: (عنه)).
(٣) فى النسخ: ((عن)). والمثبت من رواية الطبرانى.
(٤ - ٤) فى النسخ: ((ليس بهذا حقا)). والمثبت من رواية الطبرانى.
١٤٠