Indexed OCR Text

Pages 521-540

الموطأ
قال أبو عمرَ: فهؤلاء كلَّهم لا يَرَوْن الحرامَ طلاقًا، ويَرَونها يمينًا الاستذكار
تُكفَّرُ.
ذكَر عبدُ الرزاقِ (١) ، عن ابن جريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ : الرجلُ يقولُ
لامرأْتِه: أنتِ علىَّ حرامٌ. قال: يمينٌ. ثم تلا: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَآ أَحَلَّ
اللَّهُ لَكٌ﴾. إلى قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَجِلَّةَ أَيْمَلِكُمْ﴾. قلتُ: وإن كان
أراد الطلاقَ؟ قال : قد علِم اللهُ مكانَ الطلاقِ . قلتُ : وإن قال : أنتِ علىَّ
كالميتةٍ ، والدمٍ ، ولحم الخنزيرِ. هو كقوله: أنتِ علىَّ حرامٌ؟ قال : نعم.
وقولُ الحسنِ البصرىِّ فى أن الحرامَ يمينٌ تكفَّرُ كقولٍ عطاءٍ(١) .
وأمَّا مَن قال فى الحرامِ : ليس بشىءٍ ، ولا يلزمُ قائلَ هذا القولِ كفارةٌ
ولا طلاقٌ ، وأن زوجتَه فى ذلك كسائرٍ مالِهِ سواءً؛ مسروقُ بنُ الأجدع،
وأبو سلمةً بنُ عبدِ الرحمنٍ ، والشعبىُّ، وغيرهم.
وروَى معمرٌ، عن عاصم بنِ سليمانَ ، عن الشعبىِّ، أن مسروقًا قال :
ما أُبالى حدَّمتُ امرأتى، أو حرَّمتُ جفْنةً(٣) تريدٍ(٤).
وعن يحيى بن أبي كثير، عن أبى سلمةَ ، أنه قال: ما أَبالى حرَّمتُها ،
القبس
(١) عبد الرزاق (١١٣٥٧).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١١٣٧٣، ١١٣٧٤).
(٣) فى ح، هـ: ((جفنة من))، وفى م: ((حفنة من)).
(٤) أخرجه عبد الرزاق (١١٣٧٥) عن معمر به .
٥٢١

الموطأ
الاستذكار أو حرّمتُ الفراتَ(١).
والثورىُّ، عن صالح بنٍ مسلم ، عن الشعبيّ ، قال: " إن قال) : أنتِ
علىَّ حرامٌ. فهو (٣) أهونُ علىَّ مِن نَغلى(٤).
وأمَّا قولُ مَن قال : كفارةُ الحرامِ كفارةُ الظُّهارِ ؛ فروَى الثورىُّ، عن
منصورٍ ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ ، عن ابنِ عباسٍ فى الحرامِ ، قال : عِتقُ رقبةٍ ،
أو صيامُ شهرين، أو إطعام ستين مسكينًا(٥).
وكذلك روَى خُصيفٌ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ بخلافٍ روايةٍ
يَعْلى بنِ حكيم، وابنِ المسيَّبِ ، وأبى الشَّعْثاءِ، ومُطرّفٍ، عن ابنِ عباسٍ.
ومعمرٌ، عن خُصيفٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، وعن أيوبَ ، عن أبى
قِلابةَ ، وعن سِماكِ بنِ الفضلِ ، عن وهبٍ بنِ منبهٍ ، قالوا: هو بمنزلةِ الظُّهارِ
إذا قال: هى علىَّ حرامٌ() .
واختلف عن قتادةً؛ فرُوِى عنه: فى الحرامِ كفارةُ الظُّهارِ(٧). ورُوى
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (١١٣٧٧) من طريق يحيى بن أبى كثير به .
(٢ - ٢) سقط من النسخ، والمثبت من مصدر التخريج .
(٣) فى النسخ: ((هو))، والمثبت من مصدر التخريج .
(٤) أخرجه عبد الرزاق (١١٣٧٨) عن الثورى به .
(٥) أخرجه عبد الرزاق (١١٣٨٥) عن الثورى به .
(٦) أخرجه عبد الرزاق (١١٣٨٧) عن معمر به .
(٧) أخرجه عبد الرزاق (١١٣٨٩).
٥٢٢

الموطأ
عنه : كفارةُ اليمينِ(١).
الاستذكار
قال(٥) أبو عمرَ: لا يكونُ الحرامُ ظِهارًا عندَ مَن قدَّمنا قولَه مِن الفقهاءِ،
وإن أراد قائلُه الظِّهارَ. وقد رُوِى عن ابنِ عباسٍ وعائشةَ فى تأويلٍ قولِه عزَّ
وجلَّ: ﴿لِمَ تُحُرِّمُ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكٌ﴾. فى حديثِ ابنِ عباسٍ: ((واللهِ لا
أشربُ العسلَ بعدَها))(٢). وفى حديث عائشةَ: ((لن أعودَ أشربُ
العسلَ))(٢) . ولم يذكُرْ يمينًا، فكان التحريمُ المذكورُ فى الآيةِ دالا على أن
ثَمَّ يمينًا كقولِه عزَّ وجلَّ: ﴿قَدْ فَرَضَ اَللَّهُ لَكُمْ غِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ﴾ . وقال نافع :
حرَّم رسولُ اللهِ وَّهِ جاريتَه، فَأَمِرِ بكفارة يمين(٤). وقال مسروقٌ: آلَى
رسولُ اللهِ وَّل﴿ فَجَعَل الحرامَ حلالًا(٥)، فأُمِر بكفارة يمينٍ(١).
قال أبو عمرَ: كأنه يعنى: ﴿لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَا أَحَلَّ اَللَّهُ لَكُمْ
[المائدة: ٨٧]. والحُجَّةُ لمالكِ ومَن ذهَب مذهبَه فى الحرامِ إجماع
العلماءِ، أن مَن طلَّق امرأته ثلاثًا أنها تَحرُمُ عليه، فلما كانت الثلاثُ
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (١١٣٧٤)، وفى تفسيره ٣٠١/٢، وابن جرير فى تفسيره ٨٨/٢٣.
(*) من هنا سقط من المخطوط ، ح ، هـ وينتهى ص٥٢٦ .
(٢) أخرجه الطبرانى (١١٢٢٦)، وفى الأوسط (٨٧٦٤).
(٣) أخرجه البخارى (٥٢٦٧، ٦٦٩١)، ومسلم (١٤٧٤).
(٤) أخرجه ابن حزم ٣٨٦/١١.
(٥) يعنى ما كان قد حرمه رسول الله وَ الله على نفسه من نسائه بالإيلاء، عاد أحله ، وجعل فى
اليمين كفارة. النهاية ٣٧٣/١ . وينظر عمدة القارى ٢٧٦/٢٠.
(٦) أخرجه ابن سعد ١٨٦/٨، وابن أبى شيبة ٢٢٧/٥، وابن جرير فى تفسيره ٨٤/٢٣،
والبيهقى ٧/ ٣٥٢.
٥٢٣

؟
١١٩٠- مالكٌ، عن نافع، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان يقولُ فى
الموطأ
الخلِيَّةِ والبَرِيَّةِ : إنها ثلاثُ تطليقاتٍ ؛ كلَّ واحدةٍ منهما .
١١٩١ - مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن القاسم بن محمدٍ ، أن
رجلًا كانت تحتَه وليدةٌ لقومٍ ، فقال لأهلِها: شأَتَكم بها . فرأَى الناسُ
أنها تطليقةٌ واحدةٌ .
١١٩٢ - مالكٌ، أنه سمِع ابنَ شهابٍ يقولُ فى الرجلِ يقولُ لامرأته:
الاستذكار تحريمًا كان تحريمَ ثلاثٍ . واللهُ أعلمُ .
مالكٌ، عن نافع، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان يقولُ فى الخَلِيَّةِ والبَرِيَّةِ : إنها
ثلاثُ تطليقاتٍ ، كلَّ واحدةٍ منهما(١).
مالكٌ ، عن يحيى بن سعيدٍ ، عن القاسم بنٍ محمدٍ ، أن رجلًا كانت
تحتَه وليدةٌ لقوم، فقال لأهلِها: شأنكم بها. فرأى الناسُ أنها تطليقةٌ
** (٢)
واحدة
مالكٌ ، أنه سمِع ابنَ شهابٍ يقولُ فى الرجلِ يقولُ لامرأتِه: بِرِئتِ
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٥٩٩)، وبرواية يحيى بن بكير (٨/١٢ظ- مخطوط)،
وبرواية أبى مصعب (١٥٧٤). وأخرجه الشافعى ٢٥٦/٧ عن مالك به .
(٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٦٠٠)، وبرواية يحيى بن بكير (٨/١٢ظ- مخطوط)،
وبرواية أبى مصعب (١٥٧٧، ١٦٩٨). وأخرجه الشافعى ٤/ ٦٤، ٢١٦/٧ عن مالك به .
٥٢٤

الموطأ
بَرِئتِ مِنِّى وبَرِئتُ منكِ . أنها ثلاثُ تطليقاتٍ بمنزلةِ البَّةِ .
قال يحيى : قال مالكٌ فى الرجلِ يقولُ لامرأته: أنتِ خَلِيَّةٌ أو بَرِيَّةٌ أو
بائنةٌ . أنها ثلاثُ تطليقاتٍ للمرأةِ التى قد دخَل بها ، ويُدَيَّنُ فى التى لم
يدْخُلْ بها؛ أواحدةً أرادَ أم ثلاثًا؟ فإن قال : واحدةً . أُحلِفَ على ذلك،
وكان خاطبًا من الخُطَّابِ؛ لأنه لا يُخْلِى المرأةَ التى قد دخَل بها زوجها
ولا يُبِينُها ولا يُتْرِيها إلا ثلاثُ تطليقاتٍ، والتى لم يَدخُلْ بها تُخْلِيها
وتُبْرِيها وتُبِينُها الواحدةُ .
قال يحيى : قال مالكٌ: وهذا أحسنُ ما سمِعتُ فى ذلك .
مِّى وبرِئتُ منك. أنها ثلاثُ تطليقاتٍ بمنزلةِ البَّةِ(١).
الاستذكار
قال مالكٌ فى الرجلِ يقولُ لامرأته: أنت خلِيَّةٌ أو برِيَّةٌ أو بائنةٌ . أنها ثلاثُ
تطليقاتٍ للمرأةِ التى قد دخَل بها ، ويُدَيَّنُ فى التى لم يَدْخُلْ بها ؛ أواحدةٌ أراد
أو ثلاثًا ؟ فإن قال: واحدةً (٢) . أَحلِف على ذلك، وكان خاطبًا مِن
الخُطَّابِ؛ لأنه لا يُحْلِى المرأةَ التى قد دخَل بها زوجها ولا يُبِينُها ولا يُثْرِيها
إِلَّا ثلاثُ تطليقاتٍ، والتى لم يَدْخُلْ بها تُخْلِيها وتُثْرِيها وتُبِينُها الواحدةُ .
قال مالكٌ : وهذا أحسنُ ما سمِعتُ فى ذلك .
قال أبو عمرَ : قولُ الليثِ بنِ سعدٍ فى ذلك سواء فى المدخولِ بها وغيرِ
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٨/١٢ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٥٧٥).
(٢) فى الأصل: (( ثلاثا)). والمثبت من الموطأ .
٥٢٥

الموطأ
الاستذكار المدخولِ . وقال ابنُ أبى ليلَى فى: حرامٌ، وخلِيَّةٌ، وبرِيَّةٌ، ويَيْنونيّةٌ(١): كلُّها
ثلاثٌ ثلاثٌ ، ولا يُنَوَّى فى شىءٍ منها . وقال الأوزاعىُّ: أما البائنةُ والبرِيَّةُ
فثلاثٌ ، وأما الخَلِيَّةُ ، فسمِعتُ الزهرىَّ يقولُ: واحدةٌ أو ما نَوى . وقال أبو
حنيفةً وأصحابُه، والثورىٌّ فى: خَلِيّةٌ ، وبَرِيَّةٌ ، وبائنٌ : إن أراد طلاقًا فواحدةٌ
بائنٌ ، إلا أن يَنْوىَ ثلاثًا ، وإن نوَى واحدةً أو اثنتين ، فهى واحدةٌ بائنةٌ . وقال
زُفَرُ: إن أراد اثنتين كانت اثنتين. وقال عثمانُ البِّىُّ نحوَ قولِ الثورىِّ. وقال
الشافعىُّ فى الخلِيَّةِ ، والبَريَّةِ ، والبائنٍ، والبتَّةِ: هو ما نوَى ؛ فإن نوَى أقلَّ
مِن(٢) ثلاثٍ كان رَجْعِيًّا. قال: ولو طَلَّقها واحدةً بائنةٌ كانت رَجْعِيَّةٌ .
قال(٥) أبو عمرَ: رُوِى عن علىٌّ بن أبى طالبٍ، وعبدِ اللهِ بنِ عمرَ" ،
وزيدِ بنِ ثابتٍ ، رضِى اللهُ عنهم ، فى الخَلِيَّةِ ، والبَرِيَّةِ ، والبائنِ ، والبَّةِ ، أنها
ثلاثٌ. رُوِى ذلك عنهم مِن وُجُوهٍ فى كتابٍ ((ابنٍ أبى شيبةً))،
و ((عبد الرزاقٍ))، وغيرهما(٤). وهو قولُ مكحولٍ (١) . وقاله ابنُ شهابٍ فى
القبس
(١) فى م: ((بينونته)).
(٢) فى الأصل: ((و)). والمثبت يقتضيه السياق، وينظر مختصر اختلاف العلماء ٤٢٢/٢.
(*) هنا ينتهى السقط من ح، هـ، والمشار إليه ص ٥٢٣.
(٣ - ٣) فى ح، هـ: ((وابن عباس))، وبعده فى م: ((وابن عباس)).
(٤) ينظر مصنف عبد الرزاق (١١١٧٨، ١١١٨٤، ١١١٨٦)، وسنن سعيد بن منصور
(١٦٧٨، ١٦٧٩)، ومصنف ابن أبى شيبة ٦٦/٥، ٦٨ - ٧١ .
(٥) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٦٨/٥، ٦٩، ٧١.
٥٢٦

الموطأ
البَرِيَّةِ والبائنِ (١) . وقولُه: برِئتِ مِنِّى وبرِئتُ منكِ. هو مِن البَرِيَّةِ. وكان الاستذكار
بعضُ أصحابٍ مالكٍ يرى المُبَارأةَ مِن البَرِيَّةِ ويجعلُها ثلاثًا . وتحصيلُ
مذهبٍ مالكِ عندَ جمهورٍ أصحابِهِ ، أن المُباراةَ مِن بابِ الصُّلْح، والفديةِ ،
والخُلْعِ ، وذلك كلُّه عندَهم واحدةٌ بائنةٌ .
وأمَّ قولُ القاسمِ بنِ محمدٍ فى قولِ الرجلِ لأهلِ امرأته : شأتكم بها : إن
الناسَ رَأْوها تطليقةً واحدةً . ورُوِى عن مالكٍ مثلُ ذلك ، إلا أن يَنوىَ ثلاثًا .
ورُوِى عنه أنها ثلاثٌ إلا أن يَنْوِىَ واحدةً . وقال عيسى، عن ابنِ القاسمِ،
عن مالكٍ : هى ثلاثٌ فى المدخولِ بها، وواحدةٌ فى التى لم يُدْخَلْ بها ،
ولا يُتَوَّى فى شىءٍ مِن ذلك. وقال أبو حنيفةَ ، والثورىُّ ، والشافعىُّ: إن أراد
بذلك الطلاقَ، فهو ما أراد مِن الطلاقِ، وإن أراد أقلِّ مِن ثلاثٍ ، فهو رجعىٍّ
عندَ الشافعيّ ، وعندَ الكوفيِين بائنٌ، وإن لم يُرِدْ طلاقًا فليس بطلاقٍ .
قال أبو عمرَ : أصلُ هذا البابِ فى كلِّ كنايةٍ عن الطلاقِ ما رُوِى عن
النبيِّ وَّلَه، أنه قال للتى تزوَّجها فقالت: أعوذُ باللهِ منك: ((قد عُذْتِ
بمَعاذٍ ، الْحَقِى بأهلِك))(٢). فكان ذلك طلاقًا. وقال كعبُ بنُ مالكِ
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (١١١٨٧).
(٢) أخرجه أحمد ٢٥/ ٤٦٠، ٥١١/٣٧ (١٦٠٦١، ٢٢٨٦٩)، والبخارى (٥٢٥٥) من
حديث أبى أسيد وسهل بن سعد الساعدى .
٥٢٧

الموطأ
الاستذكار لامرأتِه حينَ أمره رسولُ اللهِ وَلَّهِ باعتزالها: الْحَقِى بأهلِك(١) . فلم يكنْ
ذلك طلاقًا ، فدلَّ بما وصَفنا مِن هذين الخبرين على أن هذه اللفظةَ مُفتقِرةٌ
إلى النيةِ ، وإنما لا يُقْضَى فيها إلَّا " بما يَنْوى٢) اللافِظُ بها ، فكذلك سائرُ
الكِناياتِ "المُحتمِلاتِ للفراق٣ِ) وغيرِهِ. واللهُ أعلمُ.
ومِن الكناياتِ بعدَ ما تقدَّم، قولُ الرجل لامرأتِه: اعتدِّى، وأنتِ
حرةٌ. أو: اذهَبِى فانكِحِى مَن شئتِ. أو: لستٍ لى بامرأةٍ . أو: قد
وهَبتُك لأهلِك. أو: حَلَّيتُ سبيلَك. أو: الْحَقِى بأهلِكِ. وما كان مِثْلَ
هذا كُلِّه مِن الألفاظِ المُحتمِلةِ للطلاقِ. وقد اختَلف السلفُ والخلفُ
فيها ، فواجبٌ أن يُسألَ عنها قائلُها، ويُلْزَمَ مِن ذلك ما نواه وأراده وقصدَه .
وأما الألفاظُ التى ليست مِن ألفاظِ الطلاقِ، ولا يُكْنَى بها عن الفراقِ ،
فأكثرُ العلماءِ لا يُوقِعون شيئًا منها طلاقًا وإن قصَده القائلُ. وقال مالكٌ :
كلُّ مَن أراد الطلاقَ بأىِّ لفظةٍ كان، لزِمه الطلاقُ حتى بقولِه: كُلِى. و:
اشربى. و: قُومِى. و: اقعُدِى. ونحوِ هذا، ولم يُتَابَع مالكٌ على هذا (٤).
القبس
(١) أخرجه أحمد ٦٦/٢٥ - ٧٦ (١٥٧٨٩)، والبخارى (٤٤١٨)، ومسلم (٢٧٦٩)، وأبو
داود (٢٢٠٢) ، والنسائى (٣٤٢٢ - ٣٤٢٦) من حديث کعب.
(٢ - ٢) فى الأصل: ((لفظ)).
(٣ - ٣) فى ح، هـ: ((المفتقرات إلى الطلاق)).
(٤) فى الأصل، م: ((ذلك إلا أصحابه)) .
٥٢٨

الموطأ
ما يُبينُ من التمليكِ
١١٩٣ - مالكٌ، أنه بلغه أن رجلاً جاء إلى عبدِ اللهِ بنِ عمرَ فقال:
يا أبا عبد الرحمنِ ، إنى جعَلتُ أمرَ امرأتى فى يدِها ، فطلَّقتْ نفسَها،
والأصلُ أن العِصْمةَ المُتَيقَّةَ لا تزولُ إلَّا " بيقينٍ مِن نِيَّة١ٍ) وَقَصْدٍ، أو (٢) الاستذكار
إجماع على مُرادِ اللهِ مِن ذلك. وهذا عندِى وَجْهُ الاحتياطِ (٢) للمُفْتِى،
وبالله التوفيقُ. قال رسولُ اللهِ وَةِ: ((الأعمالُ بالنيةِ، وإنما لامرئٌّ
ما نوَى))(4) . والذى أقولُ به فى الذى يَهَبُ امرأته لأهلِها: إنه قد كَثُر
الاختلافُ بينَ الصحابةِ ومَن بعدَهم فيها . والصوابُ عندى فيها، واللهُ
أعلمُ ، أنه إن أراد بذلك طلاقًا، فهو ما نوَى مِن الطلاقِ ، قبلوها أو
ردُّوها، وإن لم يُرِدْ طلاقًا، فليس بشىءٍ، قبِلوها أو رَدُّوها، واللهُ
أعلمُ.
بابُ ما يُبينُ من التمليكِ
مالكٌ ، أنه بلغه أن رجلاً جاء إلى عبدِ اللهِ بنِ عمرَ فقال: يا أبا عبدٍ
الرحمنِ ، إنى جعَلتُ أمرَ امرأتى فى يدِها، فطَلَّقَتْ نفسَها، فماذا ترى ؟
القبس
(١ - ١) فى ح، هـ: ((بنية)).
(٢) فى م: ((و)).
(٣) فى ح، هـ: ((الاستنباط)).
(٤) تقدم تخريجه فى ٣٢/٥، وسيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٩٣٢) من الموطأ .
٥٢٩
( موسوعة شروح الموطأ ٣٤/١٤)

الموطأ فماذا تَرَى؟ فقال ابنُ عمرَ: أُرَاه كما قالت . فقال الرجلُ : لا تَفعَلْ يا أبا
عبد الرحمنِ . فقال ابنُ عمرَ : أنا أُفعَلُ ؟! أنتَ فعَلتَه .
١١٩٤ - مالكٌ، عن نافعٍ، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان يقولُ: إذا
ملَّك الرجلُ امرأته أمرَها ، فالقضاءُ ما قضَتْ ، إلا أن يُنكِرَ عليها فيقولَ :
لم أُرِدْ إلا واحدةٌ. فَيَحِلِفَ على ذلك، ويكونَ أملَكَ بها ما كانت فى
عِدَّتِها .
الاستذكار فقال ابنُ عمرَ: أُراه كما قالت . فقال الرجلُ : لا تفعَلْ يا أبا عبدِ الرحمنِ .
فقال ابنُ عمرَ : أنا أفعلُه(١)؟! أنت فعلتَه(٢).
مالكٌ، عن نافعٍ ، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان يقولُ: إذا مَلَّك الرجلُ امرأته
أمرَها ، فالقضاءُ ما قَضَتْ ، إلا أن يُنْكِرَ عليها فيقولَ: لم أُرِدْ إلا واحدةٌ .
فيحلِفَ على ذلك، ويكونَ أملكَ بها ما كانت فى عِدَّتِها(٣).
قال أبو عمر : هذا قول مالك وأصحابه ، أن له أن يُنا کِرَها ويحلفَ ،
فإن نكَل عن اليمينِ لزِمه ما طلَّقتْ به نفسَها .
وفى هذه المسألةِ للسلفِ أقوالٌ ؛ أحدُها ، أن القضاءَ ما قضَتْ ، ولا
القبس
(١) فى ح: ((ما فعلت))، وفى هـ: ((فعلت)).
(٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٨/١٢ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٥٥٨).
(٣) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٥٧٠)، وبرواية يحيى بن بكير (٨/١٢ظ - مخطوط)،
وبرواية أبى مصعب (١٥٥٩). وأخرجه الشافعى ٢٥٤/٧، والبيهقى ٣٤٨/٧ من طريق مالك
به .
٥٣٠

الموطأ
تنفعُه مُناكَرتُهُ إِيَّاها. والثانى ، أن ذلك مردودٌ فى عِدَّةِ الطلاقِ إلى ◌ِيَّتِه ، فإن الاستذكار
قال : أردتُ واحدةً . كانت واحدةً رجعيةً ، وله أن يُنْكِرَ عليها أن تُوقِعَ أكثرَ
مِن واحدةٍ ؛ لإرادتِه للواحدةِ ، ويحلفُ أنه ما أرادَ إلا واحدةً . والثالثُ ، أن
طلاقَها لا يكونُ إلا واحدةً على كلِّ حالٍ ، وهو أملكُ بها ما دامَتْ فى
عِدَّتِها . والرابعُ، أنه لا يكونُ بيدِ المرأةِ طلاقُ الرجلِ ، وليس قولُها
لزوجِها: قد طَلَّقْتُ نفسى منك. بشىءٍ، كما لو قالت له: أنت مِنِّى
طالقٌ . لم يكنْ شيئًا . وهو قولٌ شادٌّ رُوِى عن ابنِ عباسٍ وطاوسٍ . والقولُ
الأولُ رُوِى عن علىٍّ وعن ابنِ المسيَّبِ. وبه قال الزهرىُّ، وعطاءٌ،
وطائفةٌ .
روَى الثورىُّ، عن منصورٍ، عن الحكم، عن علىِّ قال: إذا جعَل أمرَها
بيدِها، فالقضاءُ ما قَضَتْ، هى وغيرُها سواءٌ(١).
وابنُ جريجٍ ، قال: أخبرنى ابنُ شهابٍ، قال: سمِعتُ الحارثَ بنَ
عبدِ اللهِ بنِ أبى ربيعةً يقولُ: أَيُّما امرأةٍ جعَل زوجها أمرَها بيدِها أو بيدٍ
وَلِيِّها ، فطَلَّقَتْ نفسَها ثلاثَ تطليقاتٍ ، فقد برئت منه(٢) .
ومعمرٌ، عن الزهرىِّ، قال: إن طَلَّقَتْ نفسَها فالقضاءُ ما قضَتْ ؛ إن
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (١١٩١٠) عن الثورى به .
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١١٩٠٧) عن ابن جريج به .
٥٣١
٠

الموطأ
الاستذكار نوَى واحدةٌ فواحدةً، وإن ثنتين فثنتين، وإن ثلاثًا فثلاثًا (١).
وعن الزهرىِّ، عن ابنِ المسيَّبِ مثلَه(٢).
وابنُ جريجٍ ، عن عطاءٍ مثلَه(٣) .
فإن قيل : إنه قد رُوِى عن ابنِ عمرَ مِثْلُ ذلك، ولم يَذْكُرْ مُناكرةً(٤).
فالجوابُ أن روايةَ مالكِ قد فَشَرَتْ ما أجمَل غيرُه بقولِه : إلا أن يُنْكِرَ عليها
فيقولَ : لم أُرِدْ إلَّ واحدةً . فهذا هو القولُ الثانى.
وأما القولُ الثالثُ فقولُ عمرَ وابنٍ مسعودٍ .
روَى الثورىُّ، عن منصورٍ، "عن إبراهيمْ)، عن علقمةَ أو الأسودِ،
عن ابن مسعودٍ ، أنه جاءه رجلٌ فقال : كان بينى وبينَ امرأتى بعضُ ما يكونُ
بينَ الناسِ ، فقالت : لو أن الذى بيدِك مِن أمرِى بيدى لعلمتَ كيف أصنعُ .
فقال: فإن الذى بيدِى مِن أمرِك بيدِك. قالت: فأنتَ طالقٌ ثلاثًا . قال :
أَراها واحدةً ، أنت أحقُّ بها ما دامَتْ فى عِدَّتِها، وسألقَى أميرَ المؤمنين
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (١١٨٩٨) عن معمر به .
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١١٩٠٣) من طريق الزهرى وقتادة ، عن ابن المسيب.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١١٩٠١) عن ابن جريج به .
(٤) عبد الرزاق (١١٩٠٩، ١١٩١١، ١١٩١٢).
(٥ - ٥) ليس فى: الأصل، ح، هـ. والمثبت من مصدر التخريج.
٥٣٢

الموطأ
عمرَ. ثم لَقِيه فقصَّ عليه القصةَ، فقال: فعَل اللهُ بالرجالٍ وفعَل ! يَعْمِدون الاستذكار
إلى ما جعَل اللهُ فى أيدِيهم فيجعَلونه فى أيدِى النساءِ ! ◌ِفِيها الترابُ ، ماذا
قلتَ فيها؟ قال: قلتُ: أُراها واحدةً ، وهو أحقُّ بها. قال: وأنا أرَى ذلك،
ولو رأيتَ غيرَ ذلك لرأيتُ أنك لم تُصِبْ(١).
وروَى الثورىُّ، عن الأعمشِ، عن أبى الضُّحى، عن مسروقٍ ، أن
رجلًا جعَل أمرَ امرأتِه بيدِها، فطَلَّقَتْ نفسَها ثلاثًا، فسأل عمرُ عنها ابنَ
مسعودٍ : ماذا ترى فيها؟ قال: أراها واحدةً ، وهو أحَقُّ بها. قال عمر : وأنا
(٢)
أرى ذلك(٢) .
وژُوِی عن زیدِ بنِ ثابتٍ مِثْلُ ذلك ؛ رواه ابنُ عیینةَ ، عن أبی الزنادِ ، عن
القاسم بنٍ محمدٍ ، عن زيدِ بنِ ثابتٍ ، أنه قال فى رجلٍ جعَل أمرَ امرأتِه
بيدِها ، فطَلَّقَتْ نفسَها ثلاثًا، قال: هى واحدةٌ(٢).
وأما قولُ ابنِ عباسٍ وطاوسٍ ؛ فروَى ابنُ جريج، قال : أخبرني أبو
الزبيرِ، أن مجاهدًا أخبره، أن رجلًا جاء ابنَ عباسٍ فقال: مَلَّكتُ امرأتى
أمرَها، فطَلَّقَتْنى ثلاثًا. قال: خطَّأُ اللهُ نوءَها (٤) ، إنما الطلاقُ لك عليها،
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (١١٩١٤) عن الثورى به .
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١١٩١٥) عن الثورى به .
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١١٩١٧)، وسعيد بن منصور (١٦٢١) عن ابن عيينة به .
(٤) هو دعاء عليها، كما يقال: لا سقاه الله الغيث. وأراد بالنوء الذى يجىء فيه المطر =
٥٣٣
مە

الموطأ
الاستذكار وليس لها عليك(١).
قال ابنُ جریج : وأخبرنی ابنُ طاوسٍ ، عن أبيه، وقلتُ له: كيف كان
أبوك يقولُ فى رجلٍ مَلَّك امرأته أمرَها ، أَتَهْلِكُ أن تُطَلِّقَ نفسَها؟ فقال : كان
يقولُ : ليس إلى النساءِ طلاقٌ(٢).
قال أبو عمرَ: قد رُوِی خیرُ ابنِ عباسٍ علی غیرِ ما ذھَب إلیه طاوسٌ .
روَى ابنُ جريجٍ، عن عطاءٍ ، عن ابنِ عباسٍ ، أن امرأةً ملَّكها زوجُها أمرَ
نفسِها ، فقالت : أنتَ الطلاقُ ، وأنتَ الطلاقُ ، وأنتَ الطلاقُ . فقال ابنُ
عباسٍ: خطَّأ اللهُ نوءَها، ألَا قالت: أنا طالقٌ، أنا طالقٌ(١٢).
وهذه مسألةٌ أخرى قد ذهَب إليها طائفةٌ مِن الفقهاءِ فى المُمَلَّكةِ ؛
قالوا : إذا قالت لزوجِها : أنتَ طالقٌ . لم يقع طلاقٌ حتى تقولَ : أنا منكَ
طالقٌ . وذهَب جماعةٌ إلى أن ذلك بمعنَّى واحدٍ ، وأنه يقَعُ الطلاقُ بقولِها
لزوجها : أنتَ طالقٌ. كما يقَعُ بقولها : أنا طالقٌ منكَ.
القبس
= والمعنى: لو طلقت نفسها لوقع الطلاق، فحيث طلقت زوجها لم يقع، فكانت كمن يخطئه
النوء فلا يُطَر. ينظر النهاية ١٢٢/٥، ١٢٣.
(١) أخرجه عبد الرزاق (١١٩١٨) عن ابن جريج به.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١١٩١٣) عن ابن جريج به .
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١١٩١٩) عن ابن جريج به.
٥٣٤

الموطأ
وأمَّا أقاويلُ أئمةِ الفَتْوى بالأمصارِ فى التمليكِ ؛ فقولُ مالكِ ما ذكره فى الاستذكار
((موطئِه)) مما قد ذكرناه فى هذا البابِ ، ومذهبه فى التَّخييرِ خلافُ مذهبِه
فى التمليكِ، ويأتى فى بابِ الخيارِ مِن هذا الكتاب، وهناك نذكر
مذاهبَ السلفِ فى الخيارِ إن شاء اللهُ تعالى ) . وقال الشافعىُّ : اختارِى .
و: أمرك بيدِك. سواءٌ، ليس شىءٌ مِن ذلك بطلاقٍ ، إلا أن يريدَ الزوج بقولِه
ذلك الطلاقَ ، فإن أراد الطلاقَ فهو ما أراد مِن الطلاقِ، ١ فإن أراد واحدةً
فهى رجعيَّةٌ، ولو أراد الطلاقَ ، فقالت : قد اخترتُ نفسى. فإن أراد
الطلاقَ ، فهو طلاقٌ ، وإن لم يُرِدْه فليس بطلاقٍ . وقال أبو حنيفةً وأصحابُه
فى : أمرك بيدِك . إذا طلَّقَت نفسَها فهى واحدةٌ بائنةٌ ، إلا أن تَنوىَ ثلاثًا ،
فيكونَ ثلاثًا . قال: والخيارُ لا يكونُ طلاقًا وإن نَواه . وقال الثورىُّ: أمرُك
بيدِك . مثلُ الخيارِ ، فإن اختارَتْ نفسَها فواحدةٌ بائنةٌ. وكلُّ هؤلاء،
التمليكُ والتخييرُ، عندَهم سواءٌ. وقال عثمانُ البَتِّىُّ فى : أمرُك بيدِك :
القضاءُ ما قضَتْ ، إلا أن يحلفَ أنه لم يُرِدْ إلّا واحدةً أو اثنتين. نحوُ قولٍ
مالكِ ، وهو قولُ عبيدِ اللهِ بنِ الحسنِ . وقال ابنُ أبى ليلى فى: أمرك بيدِك:
هى ثلاثٌ، ولا يُسألُ الزوج عن نفسِه١) . وقال الأوزاعىُّ فى : أمرك بيدِك:
القضاءُ ما قضَتْ؛ واحدةً ، أو اثنتين، أو ثلاثًا. وقال إسحاقُ : إذا ملَّكها
القبس
(١ - ١) سقط من: ح، هـ.
٥٣٥

الموطأ
ما يجبُ فيه تطليقةٌ واحدةٌ من التمليكِ
١١٩٥ - مالكٌ ، عن سعيدِ بنِ سُليمانَ بنِ زیدِ بنِ ثابتٍ ، عن
خارجةَ بنِ زيدِ بن ثابتٍ ، أنه أخبره أنه كان جالسًا عندَ زيدِ بنِ ثابتٍ ،
فأتاه محمدُ بنُ أبى عَتِيقٍ وعيناه تَدمَعان ، فقال له زيدٌ : ما شأْتُكَ ؟
فقال : ملَّكتُ امرأتى أمرَها ففارَقَتْنى. فقال له زيدٌ: ما حمَلَكَ على
ذلك ؟ فقال : القَدَرُ . فقال له زيدٌ: ارتَجِعْها إن شئتَ ، فإنما هى
واحدةٌ ، وأنت أملَكُ بها .
الاستذكار أمرّها ؛ فإن قال: لم أُرِدْ إلا واحدةً. حلَف على ذلك، ويكونُ أملكَ بها.
وقال أحمدُ : إن أنكَر لم يُقْبَلْ منه، والقضاءُ ما قَضَتْ .
قال أبو عمرَ: كلُّ هؤلاء يقولون: إذا رَدَّت الأمرَ إلى زوجِها ولم يَقْضِ
بشىءٍ، ولم يُرِدْ طلاقَها، فلا طلاقَ . واللهُ الموفِّقُ .
بابُ ما يجبُ فيه طلقةٌ واحدةٌ مِن التمليكِ
مالكٌ ، عن سعيد بن سليمان بن زيد بن ثابتٍ ، عن خارجةً بنِ زیدِ بنِ
ثابتٍ ، أنه أخبره أنه كان عندَ زيدِ بنِ ثابتٍ ، فأتاه محمدُ بنُ أبی عَتِيقٍ وعَيْناه
تَدْمَعان، فقال له زيدٌ : ما شأنُك؟ فقال: مَلَّكتُ امرأتى أمرَها ففارَقَّتْنى.
فقال له زيدٌ: ما حمَلك على ذلك؟ فقال له : القَدَرُ. فقال زيدٌ: ارتجِعْها إِن
القبس
٥٣٦

الموطأ
الاستذكار
شئتَ ؛ فإنما هى واحدةٌ ، وأنت أملكُ بها(١).
قال أبو عمرَ: هو مذهبُ مالك والشافعيِّ، أن الطلقةَ الواحدةَ فى
التمليكِ رجعيَّةٌ ، يملِكُ الزوج فيها رجعةَ امرأتِه . وعندَ الكوفيِين الطلقةُ
بائنةٌ ، وقد تقدَّم ذلك فى البابِ قبلَ هذا . ولا حُجَّةَ فى هذا البابِ مِن جهةٍ
الرأي إلا أن يُعارِضَها مثلُها، ولا أثرَ فيه يجبُ التسلِيمُ له؛ للاختلافِ بينَ
السلفِ فيه . وأَوْلى ما قيل به فى ذلك، أن كلَّ طلقةٍ على ظاهرِ الكتابِ
فواجبٌ أن تكونَ رجعيَّةً ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿لَا تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ
بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]. ولقولِه عزَّ وجلَّ: ﴿وَبُعُولَهُنَّ أَحَقُّ بِرَّهِنَّ فِي
ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. وهو الرجعةُ ، حتى تكونَ ثلاثًا ، فلا تَحِلُّ له حتى
تنكحَ زوجًا غيرَه ، إلا أن مَن اشتَرط مِن النساءِ فى حينٍ عقدِ نكاحِها : إنك
إن تزوَّجتَ علىَّ، أو تَسَرَّيتَ، أو كذا، أو كذا، فأمرى بيدِى . فالطلاقُ
هلهنا بائنٌ، واحدةٌ لا رجعةَ له فيها إلّ برضاها. وكذلك الخيارُ عندَ
جمهورِ العلماءِ فى الأُمَةِ تَغْتِقُ تحتَ ("العبدِ، أن طلاقَها واحدةٌ بائنةٌ ؛
لأنها(٢) لو كانت رجعيَّةً لم تكنِ الأَمَةُ المُعتَقةُ تنتفعُ باختيارِها ، ولا المرأةُ( ١)
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٥٦٧)، وبرواية يحيى بن بكير (٨/١٢ظ - مخطوط)، وبرواية
أبى مصعب (١٥٦١). وأخرجه الشافعى ٢٤٤/٧، ٢٥٤، ٢٥٥، والبيهقى ٣٤٨/٧، وابن
بشكوال فى غوامض الأسماء ٥٨٥/٢ من طريق مالك به .
(٢ - ٢) سقط من: ح ، هـ .
(٣) فى الأصل، م: ((لأن)). والمثبت يقتضيه السياق.
٥٣٧

١
الموطأ ١١٩٦- مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، أن رجلًا
مِن ثَقِيفٍ ملَّك امرأتَه أمرَها ، فقالت : أنتَ الطلاقُ . فسكَت ، ثمّ
قالت : أنتَ الطلاقُ . فقال: بفِيكِ الحَجَرُ. ثمَّ قالت : أنت الطلاقُ .
فقال : بِفِيكِ الحجرُ. فاختَصَما إلى مروانَ بنِ الحكم ، فاستحلَفه ما
ملَّكها إلا واحدةً ، وردّها إليه .
الاستذكار التى اشترَطت طلاقَها عندَ عقدِ نكاحِها، لم تكنْ أيضًا تنتفِعُ بشرطِها ،
وكذلك المختلِعةُ(١)؛ لأنها ابتاعَتْ عصمتَها مِن زوجِها بمالِها ، فلو كانت
له الرجعةُ لذهَب مالُها، ولم تنتفِعْ بذلك . وعلى هذا جمهور العلماءِ،
وستَرى ذلك فى بابِ الخُلع إن شاء الله تعالى .
مالكٌ ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ القاسم ، عن أبيه ، أن رجلًا مِن ثقيفٍ ملَّك
امرأتَه أمرَها ، فقالت : أنتَ الطلاقُ. فَسَكَت ، ثم قالت : أنتَ الطلاقُ.
فقال: بفِيكِ الحجرُ(٢) . ثم قالت: أنتَ الطلاقُ. فقال: بِفِيكِ الحجرُ.
فاختَصما إلى مروانَ بنِ الحكم، فاستحلَفه ما مَلَّكها إلّ واحدةً، ورَدَّها
إليه .
القبس
(١) بعده فى الأصل: ((بخلافها)).
(٢) قال اليفْزُنى التلمسانى: ومن بديع لغة العرب قولهم: بفيه الحجر. إذا صدر منه كلام يُنكره
السامع، فيخصون الدعاء بالموضع الذى جرى منه الحنا خاصة ، فإذا لم يختص ذلك بعضو منه
قالوا: له الحجر، وللعاهر الحجر. الاقتضاب فى غريب الموطأ ١٢٣/٢.
٥٣٨

الموطأ
قال مالكٌ : قال عبدُ الرحمنِ : وكان القاسمُ يُعجِبُه هذا القضاءُ ،
ويراه أحسنَ ما سَمِع فى ذلك .
قال مالكٌ: وهذا أحسنُ ما سمِعتُ فى ذلك وأحبُّه إلىَّ .
قال مالك : قال عبدُ الرحمنِ : فكان القاسمُ يُعجِبُه هذا القضاء، ويراه الاستذكار
أحسنَ ما سمِع فى ذلك(١) .
قال مالِكٌ : وهذا أحسنُ ما سمِعتُ فى ذلك وأحَتُه إلىّ.
قال أبو عمرَ : قد مضى فى البابِ قبلَ هذا، وقد ذكرنا ما للمُمَلِّكِ مِن
المُناكرةِ ، وأن ذلك مردودٌ إلى قولِه ونِيَّتِه، وما للعلماءِ فى ذلك مِن
التنازع، ما يُغْنِى عن إعادتِهِ . وإنما للمُملِّكِ أن يُناكِرَ امرأْتَه إذا أُوقَعت أكثرَ
مِن واحدةٍ ، إذا كان التمليكُ منه لها فى غيرِ عقدٍ نكاحِها ، وأما إذا جعَل لها
فى عقدِ نكاحِها أن أمرَها بيدِها إن أخرَجها مِن دارِها ، أو تَزَوَّجَ عليها ، أو
غابَ عنها ، ونحوَ ذلك، ثم فعَل، فطَلَّقَتْ نفسَها ما شاءت (١) مِن الطلاقِ،
فلا نُكرةَ له فى ذلك . هذا قولُ مالك .
- وأما قولُ المرأةِ فى هذا الخبرِ لزوجِها : أنتَ الطلاقُ . فقد اختلّف
الفقهاءُ فى الرجلِ يُخَيِّرُ المرأةَ ، فتقولُ: قد طلَّقْتُكَ. ولم تَقُلْ: قد طَلَّقْتُ
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٨/١٢ظ، ٩و- مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٥٦٢).
وأخرجه الشافعى ٢٥٥/٧، والبيهقى ٣٤٩/٧ من طريق مالك به .
(٢) فى م: ((شاء)).
٥٣٩

الموطأ
الاستذكار نفسى. أو يقولُ الرجلُ لامرأتِه: (١أنا منك١ِ) طالقٌ. فقال مالكٌ والشافعىُّ:
تُطَلَّقُ المرأةُ بذلك كلِّه. وقال أبو حنيفةَ، والثورىُّ، والأوزاعىُ: لا يَلْحَقُ
بذلك طلاقٌ . واحتجَّ بعضُ مَن يقولُ بقولِ الكوفيّين فى ذلك بقَولِ اللهِ عزَّ
وجلَّ: ﴿وَإِذَا ◌َلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ﴾ [البقرة: ٢٣١، ٢٣٢]. ولم يَقُلْ: إن طَلَّقَكم
النساءُ. وبمثلِ هذا مِن آي القرآنِ . قال : ومَن قال لامرأتِه : أنا منكِ طالقٌ .
فإِنما طلَّق نفسَهِ ، ولم يُطَلِّقْ زوجته .
قال أبو عمرَ : الذى يَحْضُرُنى فى هذا للحجازيِّين أن الطلاقَ إنما يُرادُ
به الفِراقُ، وجائزٌ أن يُقالَ فى كلام العربِ : فارَقتُك ، وفارَقِنى. فعلى هذا
يَصِحُ: فارقَتْنِى زوجتى وفارقتُها. كما يَصِحُ: بانَتْ مِنِّى وبِنْتُ منها ، وهى
علىَّ حرامٌ وأنا عليها حرامٌ. فعلى هذا المعنى يَصِحُ قولُ أهلِ
الحجازِ: "طَلَّقَتْنى زوجتىٌ). واللهُ أعلمُ .
٦
ملا
القبس
(١ - ١) فى الأصل، م: ((أنت)). وينظر المدونة ٤٠١/٥.
(٢ - ٢) فى الأصل، م: ((لا على طلقتنى زوجتى))، وفى ح، هـ: ((على طلقنى لا على
زوجتنى)». والمثبت يقتضيه السياق .
٥٤٠