Indexed OCR Text

Pages 381-400

الموطأ
فقال: يا رسولَ اللهِ، إِنَّها قد كانَت أسلَمَت معى. فَرَدَّها عليه (١). وبعضُهم التمهيد
يَزِيدُ فى هذا الحديثِ أنَّها تَزَوَّجَت، فانتزَعَها رسولُ اللهِ وَّهِ مِن زَوجِها
الآخَرِ ، ورَدَّها إلى الأولِ(٢) .
وقد حَدَّث داودُ بنُ الخُصَيْنِ ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباس قال: رَدَّ
رسولُ اللهِ وَهُ ابنَتَه زينبَ على أبى العاصى بالنكاح الأوَّلِ، ولم يُحدِثْ
شيئًا(٢) . بعضُهم يقولُ فيه: بعدَ ثَلاثٍ سنينَ. وبعضُهم يقولُ : بعدَ سِتِّ
سِنِينَ . وبعضُهم يقولُ: بعد سنتَيْن. وبعضُهم لا يقولُ شيئًا من ذلك .
وهذا الخبرُ وإن صَحَّ، فهو مَترُوكٌ مَنسُوتخٌ عندَ الجميع؛ لأنَّهم لا
يُجِيزُونَ رُجوعَه إليها بعدَ خُروجِها من عِدَّتِها، وإسلامُ زَينبَ كانَ قبلَ أن
يَنْزِلَ كثيرٌ من الفرَائضِ. ورُوِى عن قتادةَ أنَّ ذلك كان قبلَ أن تَنزِلَ سورةُ
((بَراءَةَ)) بقَطْع العهودِ بينَهم وبينَ المشركين (٤) . وقال الزهرىُّ: كان هذا
القبس
(١) أخرجه أحمد ٤٩٠/٣ (٢٠٥٩)، وأبو داود (٢٢٣٨)، والترمذى (١١٤٤) من طريق وكيع
به .
(٢) سيأتى تخريجه ص ٣٩٠، ٣٩١.
(٣) أخرجه أحمد ٣٦٩/٣ (١٨٧٦)، وأبو داود (٢٢٤٠)، وابن ماجه (٢٠٠٩)، والترمذى
(١١٤٣) من طريق داود بن الحصين به .
(٤) أخرجه ابن سعد ٣٢/٨، والطحاوى فى شرح المعانى ٢٦٠/٣.
٣٨١

الموطأ
التمهيد قبلَ أَن تَنزِلَ الفرائضُ . ورَوَى عنه سفيانُ بنُ حُسينٍ أنَّ أبا العاصی بنَ الرَّبيع
أُسِر يومَ بدرٍ، فأُتِى به رسولُ اللهِ وَِّ فِرَدَّ عليه امرأتَهُ(١) . وفى هذا أنَّه رَدَّها
عليه وهو كافِرٌ، فمِن هناك قال ابنُ شهابٍ: إنَّ ذلك كان قبلَ أن تنزِلَ
الفرائضُ .
وقال آخرون: قِصَّةُ أبى العَاصى هذه منسوخَةٌ بقولِه عزَّ وجلَّ: ﴿ فَإِنّ
عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ﴾ الآية. إلى قوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُواْ
بِعِصَمِ اَلْكَوَافِ﴾ [الممتحنة: ١٠]. وممَّا يَدُلِّ على أنَّ قصةً أبى العاصى
مَنسوخَةٌ بقولِه: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَتُ مُهَجِرَتٍ
فَأَمْتَحِثُ هُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَتِهِنٌّ فَإِنْ عَلِمْتُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُغَارِ لَا هُنَّ
◌ِلٌّ لَهُمْ وَلَ هُمْ يَحِلُونَ لَهُنَّ﴾. إلى قوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الْكَوَافِ﴾ .
إجماع العلماءِ على أنَّ أبا العَاصی بنَ الرَّبِيع كان كافِرًا، وأنَّ المسلمةَ لا
يَحِلُّ أن تكونَ زوجةٌ لكافِرٍ، قال اللهُ عزَّ وجلّ: ﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَفِرِينَ
عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]. وقال رسولَ اللهِ وَلَه للمُلاعِنِ: ((لا
سَبِيلَ لكَ عليها))(٢).
٠ـ
روَى سعيدُ بنُ جبيرٍ وعكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ قال: لا يَعْلُو مسلمةً
٦
القبس
(١) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٢٦٠/٣ من طريق سفيان بن حسين به.
(٢) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٢٢٢) من الموطأ .
٣٨٢

الموطأ
مشركٌ، فإنَّ الإِسلامَ يَظهَرُ ولا يُظهَرُ عليه(١).
التمهيد
وفى قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَّمْ وَلَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾. ما يُغْنِى
ويَكْفِى . والحمدُ للهِ .
قال أبو عمرَ : ولم يَختلِفْ أهلُ السِّيَرِ أنَّ هذه الآيةَ المذكورةَ نزَلتْ فى
الحدَيْبِيةِ حين صالَحَ رسولُ اللهِ وَِّ قريشًا على أن يَرُدَّ عليهم مَن جاء بغيرِ
إذنٍ وَلِيِّه، فلمَّا هاجَوْنَ أبَى اللهُ أن يُؤْدَدْنَ إلى المشركين إذا امتُحِنَّ بمحنةٍ
الإِسلام، وعُرِفَ أَنَّهُنَّ جِئنَ رَغبةٌ فى الإسلام . وذكر موسى بنُ عقبةَ أَنَّ أبا
العاصى بنَ الربيع كان قد أذِن لامرأته زينبَ بنتِ رسولِ اللهِ وَ لِ حين خرَج
إلى الشامِ أن تَقْدَمَ المدينةَ فتكونَ مع رسولِ اللهِ وَلَه . ولم يَذْكُرْ متى كان
خروجه إلى الشام . وذكر أنَّه فى رُجوعِه من الشامِ مَرَ بأبی جَندَلٍ وأبی بَصِيرٍ
فى نفرٍ من قريشٍ ، فأخَذوهم ومَن معهم ، ولم يَقتُلوا منهم أحدًا ؛ لصِهْرٍ أبى
العاصى من رسولِ اللهِ وَّله، فقَدِمِ المدينةَ على امرأتِه زينبَ(١). فقد أجمَع
العلماءُ أنَّ الزَّوجَين إذا أسلَما معًا فى حالٍ واحدةٍ ، أنَّ لهما المقامَ على
نكاحِهما ، إلّا أن يكونَ بينَهما نَسَبٌ أو رَضَائعْ يُوجِبُ التحريمَ، وأَّ كلَّ
من كان له العَقْدُ عليها فى الشِّركِ ، كان له المقامُ معها إذا أَسلَما معًا ، وأصْلُ
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٠٠٨٠، ١٢٦٥٤)، والطحاوى فى شرح المعانى ٢٥٧/٣، ٢٥٨،
والبيهقى ١٧٢/٧ من طريق عكرمة به .
(٢) أخرجه ابن عساكر ١٤/٦٧، ١٥.
٣٨٣

الموطأ
التمهيد العَقْدِ معفوٌّ عنه؛ لأنَّ عامَّةَ أصحابِ رسولِ اللهِ وَلَهِ كانوا كُفَّارًا، فأسلموا
بعدَ التَّروِيجِ، وَأُفِرُوا على النكاحِ الأوَّلِ، ولم يُعتَرْ فى أصلٍ نكاحِهم شروطُ
الإسلامِ، وهذا إجماعٌ وتَوقيفٌ، وإنَّما اخْتَلَف العلماءُ فى تَقَدُّم إسلامِ أَحَدٍ
الزوجَينِ، على ما نَذكُرُه ههنا إن شاء اللهُ .
قال أبو عمرَ: لم يَختلِفِ العلماءُ أنَّ الكافِرَةَ إذا أَسلَمت ثم انقَضت
عِدَّتُها، أنَّه لا سبيلَ لزوجِها إليها إذا كان لم يُسلِمْ فى عِدَّتِها، إلّ شىءٌ رُوِى
عن إبراهيمَ النخعيِّ شَذّ فيه عن جماعةِ العلماءِ، ولم يتبَعْه عليه أحدٌ من .
الفقهاءِ إلا بعضُ أهلِ الظاهرِ فإنَّه قال: أكثرُ أصحابِنا لا يَفسَخُ النكاحَ لتَقَّدُّم
إسلامِ الزوجةِ إلا بمُضِىٌّ مُدَّةٍ يتَّفِقُ الجميعُ على فَسْخِه ؛ لصحّةٍ وقوعِه فى
أصلِه، ووجودِ التنازُع فى حَقِّه . واحتَجَّ بحديثِ ابنِ عباسٍ بأنَّ رسولَ اللهِ
وَّ رَدَّ زَینبَ على أبى العاصى بالنكاحِ الأوَّلِ بعدَ مُضِىٌّ سنَتيْنِ لهِجرَّتِها .
وأظُنُه مال فيه إلى قِصَّةٍ أبى العاصى. وقِصَّةُ أبى العاصى لا تَخلُو من أن
يكونَ أبو العاصى كافرًا إِذ رَدَّه رسولُ اللهِ وَلَه إلى ابنَتِهِ زَينبَ على النكاحِ
الأوَّلِ أَو مُسلِمًا، فإن كان كافِرًا، فهذا ما لا شَكَّ فيه أنَّه كان قبلَ نُزولٍ
الفرائضِ وأحكام الإسلام فى النكاح، إذْ فى القرآنِ والسُّنَّةِ والإجماع
تَحرِيمُ فُرُوج المسلماتِ على الكفارِ ، فلا وجهَ ههنا للإكثارِ . وإن كان
مسلمًا ، فلا يَخلُو من أن يكونَ كانت حامِلًا، فتَمَادَى حَمْلُها ولم تَضَعْه
حتى أسلَم زوجها، فرَدَّه رسولُ اللهِ وَلَه إليها فى عِدَّتِها، وهذا ما لم يُنقَلْ
القبس
٣٨٤

الموطأ
فى خبرٍ، أو تكونَ قد خرَجتْ من العِدَّةِ، فيكونَ أيضًا ذلك منسوخًا التمهيد
بالإجماع؛ لأنَّهم قد أجمَعوا أنَّه لا سبيلَ له إليها بعدَ العِدَّةِ ، فكيفَ كان
ذلك، فخبرُ ابنِ عباسٍ فى رَدِّ أبى العاصى إلى زينبَ بنتِ رسولِ اللهِ وَ﴾
خبرٌ متروٌ لا يجوزُ العملُ به عندَ الجميعِ ، فاستُغنِىَ عن القولِ فيه . وقد
يحتمِلُ قولُه: على النكاح الأوَّلِ. يريدُ: على مثلِ النكاحِ الأوَّلِ من
الصَّداقِ. على أنَّه قد رَوَى عمرُو بنُ شعيبٍ ، عن أبيه، عن جدِّه، أنَّ النبيَّ
وَّ رَدَّ زينبَ إلى أبى العاصى بنكاحٍ جديدٍ. وكذلك يقولُ الشعبىُّ على
علمِه بالمغَازِى، أنَّ رسولَ اللهِ وِِّ لم يَرُدَّ أبا العاصى إلى ابنتِه زينبَ إلَّا
بنكاحٍ جديدٍ (١). وهذا يَعضُدُه الأُصولُ.
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ ، قال : حدَّثنا ابنُ
وَضَّاحِ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةَ ، قال: حدَّثنا أبو معاويةً ، عن
حَجَّاجٍ، عن عمرو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، أنَّ رسولَ اللهِ وَ رَدَّ
ابنَتَه زينبَ على أبى العاصى بنِ الربيعِ بنكاحٍ جديدٍ (٢).
وأمّا اختلافُ الفقهاءِ فى الحربيَّةِ تخرُجُ إلينا مسلمةً ؛ فإِنَّ مالكًا قال : إن
أسلَمَ الزَّوجُ قبلَ أن تحِيضَ ثلاثَ حِيَضٍ فهى امرأتُه، وإن لم يُسلِمْ حتى
القبس
(١) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٢٥٦/٣.
(٢) أخرجه ابن ماجه (٢٠١٠)، والترمذى (١١٤٢) من طريق أبى معاوية به، وأخرجه أحمد
٥٢٩/١١ (٦٩٣٨) من طريق حجاج به .
٣٨٥
( موسوعة شروح الموطأ ٢٥/١٤ )

الموطأ
التمهيد حاضَت ثلاثَ حِيَض فقد وقَعتِ الفرقةُ . ولا فرقَ عندَه بينَ دارِ الإسلامِ
ودارِ الحربِ. وهو قولُ الشافعيّ سَوَاءٌ، ولا محكّمَ للدارِ عندَه. وكذلك
قال الأوزاعىُّ، والليثُ بنُ سعدٍ، اعتَبَرا(١) العِدَّةَ. وقال أبو حنيفةً فى
الحربِيَّةِ تخرُجُ إلينا مسلمَةٌ ولها زوجٌ كافرٌ بدارِ الحربِ : فقد وقَّعَتِ
الفُرْقَةُ بينَهما ، ("ولا ◌ِدَّةَ عليها. وقال أبو يوسفَ ومحمدٌ: أمَّ الفُرْقَةُ
فقد وقَعت بينَهما٢) ، ولا سبيلَ له إليها إلَّ بنكاح جديدٍ، ولكنَّ العِدَّةَ
عليها . وهو قولُ الثورىِّ .
وأمَّ اختلافُهم فى الذِّمِِّيْن إذا أسلَم أحدُهما قبلَ صاحبِهِ ؛ فقولُ مالكِ،
والشافعىّ ، والليثِ ، والحسَنِ بنِ حَىٍّ ، والأوزاعىِّ - اعتبارُ العِدَّةِ فى وقوع
الفُرْقَةِ ، على ما ذكّرنا عنهم فى الحريّةِ ، إلّا أنَّ الأوزاعىَّ يقولُ: إذا أسلَمتِ
المرأةُ ولم يُسلِمْ زوجها إلَّ بعدَ انقضاءِ العِدَّةِ ، فهى تطليقةٌ ، وهو خاطِبٌ .
وفى قولِ مالكِ، والشافعىّ ، والليثِ، والحسنِ بنِ حَىٍّ: إذا انقضَت
عِدَّتُها فلا سَبِيلَ له إليها . وليسَتِ الفُرْقةُ عندَهم طلاقًا، وإنَّما هو فَسْخٌ بغيرِ
طلاقٍ . وإذا أسلَمَ فى عِدَّتِها فهو أحَقُّ بها عندَ مالكٍ، والشافعيّ ، والليثِ،
والأوزاعىّ ، والحسنِ بنِ حَىٍّ. وسواء كانتِ المرأةُ قبلَ أن تُسلِمَ (٢) كِتابِيَّةً
أو مَجوسيَّةً ، زوجها أحَقُّ بها أبَدًا إن أسلَمَ فى عِدَّتِها .
القبس
(١) فى النسخ: ((اعتبر)). ولعل المثبت هو الصواب.
(٢ - ٢) سقط من : ى .
(٣) فى النسخ: ((يسلم)).
٣٨٦

٠ ..
الموطأ
التمهيد
فإن كانا مَجُوسيَّيْن وأسلَمَ الرجلُ قبلُ ، فإِنَّ مالِكًا قال : يُعْرَضُ عليها
الإِسلامُ فى الوقتِ ، فإن أسلَمَت ، وإلّ وقَعتِ الفُرْقَةُ بينَهما. قال إسماعيلُ
ابنُ إسحاقَ : إذا أسلَمَ الرجلُ وزوجَتُه مجوسيّةٌ غائبةٌ ، فإِنَّ الفُرْقَةَ تَقَعُ بينَهما
حينَ يُسلِمُ ، ولا يَنْتَظِرُ بها؛ لأَنَّه لو انتظَرَ بها كان متَمسِّكًا بعِصمَتِها ، وقد
قال اللهُ عزَّ وجلّ: ﴿وَلَا تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ اَلْكَوَافِ﴾ [الممتحنة: ١٠]. قال:
والحاضِرَةُ إذا تُرِض عليها الإِسلام فليس الرجلُ مُمسِكًا بعِصمَتِها؛ لأَنَّه لا
يَنتَظِرُ بها شيئًا غيرَ حاضِرٍ، إنَّما هو كلام وجوابٌ، فكأنَّها إذا أسلَمَت فى
هذه الحالِ قد أسلَمَت مع إسلامِه، إذ(١) كان إنَّما يَنتَظِرُ جوابَها، ألا تَرَى
الآيةَ لما نزَلت وقَعتِ الفُرقةُ بينَ المسلمين الذين كانوا بالمدينةِ وبينَ
أزواجِهم اللَّتِى كُنَّ بمكةَ، ولم يُنتظَرْ أن يُعرَضَ عليهنَّ الإسلامُ، وقد كان
ذلك مُمكِنًا فى ذلك الوقتِ ؛ للهُدْنِةِ التى كانت بينَهم إلى أن نقَضوا العَهدَ
بعدَ سنينَ من الصُّلح . قال: والكوافِرُ التى أَنزَل اللهُ عزَّ وجلَّ فيهنَّ هذا هُنَّ
المشركاتُ من العربِ ، فكان سبيلُ المجوسِيَّاتِ سبيلَهنَّ ، فليس(٢) يجوزُ
للمسلم أن يُمسِكَ بعصمة كافرةٍ مِن غیرِ أهلِ الکتاب ، کانت معه فی دارِ
الإسلامِ أو فى غيرِ دارِ الإسلامِ. قال: والفُرِقَةُ بينهَما بغيرِ طلاقٍ؛ لأنَّهما
مَغْلُوبان على الفَسْخِ ، وليس يُراجِعُها فى العِدَّةِ إِن أسلَمَت ، بخِلافِه إذا كان
٠
القبس
(١) فى النسخ: ((إذا)).
(٢) سقط من: ى، وفى الحاشية: ((لعلها: لا يجوز)).
٣٨٧

الموطأ
التمهيد هو المُتقدِّمَ الإِسلام؛ لأنَّ إسلامَه قبلَها أشبهُ بالمفارِقِ يَرتجِعُ، والارتجَاعُ
إنَّما هو بالرجالِ لا بالنساءِ .
وقال الشافعىُّ، والأوزاعى، والليثُ بنُ سعدٍ ، والحسنُ بنُ حىٍّ : لا
فَرِقَ بينَ الرجلِ والمرأةِ فى ذلك، وأيُّهما أسلَم قبلُ ، ثم أسلَمَ صاحبُه فى
العِدَّةِ ، كانا على نِكَاحِهما . وسواءٍ عندَهم أهلُ الكتابِ فى ذلك أو غيرُ أهلِ
الكتابِ ، وكذلك سَواءٌ عندَهم تقَدُّمُ إسلامِ الرجلِ ، أو تقَدُّمُ إسلامِ المرأةِ ؛
لأَنَّ أبا سُفيانَ بنَ حربٍ وحكيمَ بنَ حِزَامٍ أسلما قبلُ ، ثم أسلَمَت امرأتاهما ،
فاستَقَّت كلُّ واحدةٍ منهما عندَ زَوجِها بالنكاح الأولِ ، إذ أسلَمَت فى
العِدَّةِ (١) ، وأسلَمَت امرأةُ صفوانَ وامرأةٌ عكرمةً، فاستَقَرّتا بالنكاح الأول ،
وذلك قبلَ انقضاء العِدَّةِ(٢). وهذا يَدُلُّ على أنَّ قولَه عزَّ وجلَّ: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ
لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَمُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]. فى حالٍ دونَ حالٍ ، وذلك التَّمادِی فی
الإمساكِ بعدَ العِدَّةِ، على ما بيَّنَتْ وأحكَمَتْ فى ذلك الشُنَّةُ .
وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه فى الذمِّيَّيْنِ : إذا أسلَمَتِ المرأةُ عُرِضَ على
الزوجِ الإسلامُ، فإن أسلَمَ ، وإلَّا فُرِّقَ بينَهما. قالوا: ولو كانا حريبَيْنِ
وأَسلَمَتْ هناك، كانت امرأته حتى تحِيضَ ثلاثَ حِيَضٍ، فإن لم يُسلِمْ
وقَعتِ الفُرقَةُ. وفرَّقوا بينَ محكم دارِ الإسلامِ ودارِ الحَربِ . وقال ابنُ شُبرُمَةً
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٢٦٤٩).
(٢) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٢٦٤٦، ١٢٦٤٧، ١٢٦٤٩)، ومصنف ابن أبى شيبة ٩٣/٥.
٣٨٨

الموطأ
فى النصرانيّ تُسلِمُ امرأَتُه قبلَ الدُّخولِ : يُفرَّقُ بينَهما، ولا صَداقَ لها ، ولو التمهيد
كانت المرأةُ مجوسَّةً وأسلَمَ الزوج قبلَ الدُّخولِ ، ثم لم تُسلِم المرأةُ حتى
انقضَتْ عِدَّتُها ، فلها نصفُ الصداقِ ، وإن أُسلَمَت قبلَ أن تنْقَضِىَ عدَّتُها
فهما على نكاحِهما . وقال الثورىُّ كقولٍ أبى حنيفةَ فى عَرْضِ الإسلامِ على
الزوجِ إذا أسلَمَتِ امرأتُه، فإن أسلَمَ ، وإلا فُرِّقَ بينهما . وقال فى المهرِ: إن
أَسلَمَت وأبَى، فلها جميعُ المهرِ إن كان دخَل بها ، وإن لم یکنْ دخَل بها
فلها النّصفُ ، وإن أسلَمَ وأَبَتْ وهى مجوسيَّةٌ ، فلا مَهْرَ إن لم يدخُلْ بها .
وقال مالكٌ فى النصرانيةِ تكونُ تحتَ النصرانيّ فيخرُجُ إلى بعضٍ
الأسفارِ فتُسلِمُ امرأتُه وهو غائِبٌ ، فإِنَّها تُؤْمَرُ بالنكاح إذا انقَضَتْ عِدَّتُها،
ولا يُنتظَرُ بها ، وليس له منها شىءٌ إن قَدِمِ بعدَ انقضاءِ عِدَّتِها وهو مسلمٌ ،
نكَحَت أو لم تنكِخْ ، هذا إذا أسلَمَ بعدَ انقضاءِ عِدَّتِها ، فإن أسلَم قبلَ انقضاءٍ
عِدَّتِها فى غَيِبِه ، فإن نكَحَتْ قبلَ أن يَقدَمَ زوجها أو يبلُغَها إسلامُه فلا سَبِيلَ
له إليها ، وإن أدرَكها قبلَ أن تنكِحَ فهو أحَقُّ بها. قال: وإن كانَت الغَيْبَةُ
قَرِيبَةً استُؤْنِى بِتَزويجِها، وكُتب للسلطانِ(١) ، فلعلَّه قد أسلَمَ قبلَها، وإن
كانَت بعيدةً فلا .
وجملةُ قولِ مالكِ وأصحابِه فى صَداقِ الكتابِيَّةِ والمجوسيَّةِ إذا أسلَمَت
القبس
(١) فى ى: ((السلطان)).
٣٨٩

٠٠
الموطأ
التمهيد قبلَ البِنَاءِ، أَنَّه لا صَداقَ لها ، ولا شىءَ منه مُعجّلٌ ولا مُؤْجَّلٌ، فإِن قِبَضَته
رَدَّته ؛ لأنَّ الفِراقَ من قِبَلِها ، ولو بَنَى بها كان لها صَداقُها كاملًا ، وكذلك
المرتدَّةُ فى الصداقِ . ذكَرَ إسماعيلُ بنُ أبى أُوَيْسٍ، عن مالكِ قال : الأمرُ
عندَنا فى المرأةِ تُسلِمُ وزوجها كافِرٌ قبلَ أن يدخُلَ بها ويَمسَها ، أَنَّه لا صَداقَ
لها ، سَمَّى لها أو لم يُسَمِّ ، وليس لزوجِها عليها رَجْعَةٌ ؛ لأنَّه لا ◌ِدَّةَ عليها ، ولو
دخَل بها كان له عليها الرّجعَةُ ما دامَت فى عِدَّتِها ، وكان لها صَداقُها كاملًا ،
فإن بقِى لها عليه شىءٌ مِن مَهْرِها فلها بقيّتُه، أسلَم فى عِدَّتِها أو لم يُسلِمْ .
قال : وقال مالكٌ فى المجُوسيَّةِ يتزوَّبجها المجُوسِىُّ، ثم يُسلِمُ أحدُهما ، ولم
يدخُلْ بها ، فَرَضَ لها أو لم يَفرِضْ، أَنَّه لا صَداقَ لها إن أسلَمَتْ قبلَه وأَتَى هو
أن يُسلِمَ ، أو أسلَم قبلَها فأبَت هى أن تُسلِمَ ، فى الوَجهَيْنِ .
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ ، قال :
حدَّثنا أبو داودَ ، قال: حدَّثنا نَصْرُ بنُ علىّ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ(١)، عن
إسرائيلَ، عن سِمَاكِ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ قال: أسلَمَتِ امرأةٌ على
عهدِ رسولِ اللهِ وَله وتزوَّجَت، فجاء زوجُها إلى النبيِّ وَلَه فقال: يا نبيَّ
اللهِ، إِنِّى قد أسلَمْتُ وعَلِمَتْ بِإِسلامِى. فانتزَعها رسولُ اللهِ وَلِّ من زوجِها
الآخرِ ، وردَّها إلى زوجِها الأوَّلِ(٢) .
القبس
(١) فى النسخ: ((جعفر)). والمثبت من مصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٢٥/ ٤٧٦.
(٢) أبو داود (٢٢٣٩) - ومن طريقه البغوى فى شرح السنة (٢٢٩٠) - وأخرجه أحمد ١٢١/٥
(٢٩٧٢) عن أبى أحمد به .
٣٩٠

١٠
الموطأ
ورَواه حَفْصُ بنُ مُجمَيْع (١) وسليمانُ بنُ مُعاذٍ(٢) - وهذا لفظُه - عن التمهيد
سِمَاكٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ قال: أسلَمَتِ امرأةٌ على عهدٍ
رسولِ اللهِ وَّه، وهاجَرَت، وتزوَّجَت، وكان زوجها قد أسلم، فردَّها
رسولُ اللهِ وَّهِ إِلى زوجِها. ذكره البَزَّارُ.
وحدُّثنا قاسِمُ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ سعدٍ ، قال: حدَّثنا
أحمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سَنجَرَ، قال: حدَّثنا عبيدُ(٢) اللهِ بنُ
موسى ، قال : أخبرنا إسرائيلُ ، عن سماكٍ، عن عكرمةً ، عن ابنِ عباسٍ
قال: أسلَمَتِ امرأةٌ على عهدِ رسولِ اللهِ وَ لَّ فتزوَّجتْ، فجاء زوجُها إلى
النبيِّ وَّ، فقال: إِنِّى قد أسلَمْتُ معها، وعَلِمَتْ بِإسلامِى. فنزَعَها(٢)
رسولُ اللهِ وَله من زوجِها الآخَرِ، وَرَدَّها إلى زوجِها الأوَّلِ(٥).
قال أبو عمرَ : احتجَّ الطحاوىُّ لأبى حنيفةً وأصحابِه والثورىِّ، بأن
قال : خبرُ ابنِ شهابٍ مُنقطِقٍ، وفى الأصُولِ أنَّ العِدَّةَ إذا وجَبت على سببٍ
القبس
(١) أخرجه ابن ماجه (٢٠٠٨) من طريق حفص بن جميع به .
(٢) أخرجه الطيالسى (٢٧٩٦)، والبيهقى ١٨٩/٧ من طريق سليمان بن معاذ به .
(٣) فى النسخ: ((عبد)). والمثبت من مصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ١٩/ ١٦٤.
(٤) فى م: ((فانتزعها)).
(٥) أخرجه ابن الجارود (٧٥٧)، والحاكم ٢/ ٢٠٠، والبيهقى ١٨٨/٧ من طريق عبيد الله بن
موسی به .
٣٩١

الموطأ
٠
التمهيد غيرِ الطلاقِ، فإنَّما تجِبُ بعدَ ارتفاع النكاح، وأمَّا مع بقاءِ النكاح فلا
عِدَّةَ .
قال أبو عمرَ : لو ارتفَعَ النكاحُ ما كان يُعرَضُ الإسلام على الثانى منهما
معًا، وقد أجمعوا على ذلك فى الفورِ؛ رُوِى عن عمرَ وابنِ عباسٍ ، الفُرْقَةُ
بينَ الزوجَينِ إذا أسلَمَتِ المرأةُ الذِّمِّيَةُ ، وأَتَى زوجُها أن يُسلِمَ، ولم يَعْتَبرا(١)
س =(٢)
العِدَّةَ(٢).
وذَكَرَ ابنُ أبى شيبةً(٢): حدَّثنا معتمرٌ، عن أبيه، عن الحسنِ وعمرَ بنِ
عبدِ العزيزِ، قالا فى النصرانِيَّةِ تُسلِمُ تحتَ زوجِها: أخرَجَها عنه الإسلامُ.
وروَى حُمَّادُ بنُ سَلَمَةَ، عن زِيادِ الأُعلَم ، عن الحسنِ فى النصرانيةِ
تكونُ تحتَ النصرَانيّ، فتُسلِمُ قبلَ الدُّخولِ ، قال: فَرَّق بينَهما الإسلامُ.
ورُوِى عن علىِّ بنِ أبى طالبٍ نحوُ قول مالك والشافعيِّ، وحسبُكَ
بقولِ ابنِ شهابٍ ، أنَّه لم يبلُغْه غيرُ ما حَكَى فى حديثه المذكورِ فى هذا
البابِ ، وأَنَّه أَحَقُّ بها إن أسلَمَ فى عِدَّتِها .
وذكَر حمادُ بنُ سلمةَ، قال: أخبرنا عُبَيْدُ اللهِ بنُ عمرَ ، عن الزهرىِّ،
القبس
(١) فى النسخ: ((يعتبر)). والمثبت هو الصواب.
(٢) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٢٦٥٤، ١٢٦٥٥)، ومصنف ابن أبى شيبة ٥/ ٩٠، ٩١.
(٣) ابن أبى شيبة ٩٠/٥.
٣٩٢

الموطأ
أنَّ امرأةً عكرمةَ بنِ أبي جهلٍ وامرأةً سهيلٍ بنِ عمرٍو ، أسلَمتَا، ( ثم أسلَما١) التمهيد
فى عِدَّتِهما، فأقاما على نكاحِهما .
وذكَر ابن أبى شيبةً (١) ، عن عبدِ السلامِ بنِ حربٍ ، عن إسحاقَ بنِ
عبدِ اللهِ بنِ أبى فَزْوَةَ، عن الزهريِّ، أنَّ امرأةَ عكرمةَ بن أبى جهلٍ أسلَمَت
قبلَه، ثم أسلَم وهى فى العِدَّةِ ، فرُدَّت إليه، وذلك على عهدِ رسولِ اللهِ
وستلم
وذكَر مالكٌ، عن ابنٍ شهابٍ ، أنَّ ابنةَ الوليدِ بنِ المغيرةِ وكانت
تحتَ صفوانَ بنِ أَمَيَّةَ، فَأُسلَمَت يومَ الفتح، ثم أسلم ، واستقرَّت عندَه
بذلك النكاح، وكان بينَ إِسلامٍ صفوانَ بنِ أمَيَّةً وبينَ إسلام امرأته نحوٌ
من شهرٍ . وأنَّ أَمَّ حكيمٍ بنتَ الحارثِ بنِ هِشامٍ كانت تحتَ عكرمةَ بنِ
أبى جهلٍ، فَأسلَمَت يومَ الفتحِ، ثم أسلَم عكرمةُ ، فثبتا على نكاحهما
(٣)
ذلك (٢).
وذكَرَ مالكٌ، عن ابن شهابٍ قال: لم يبلُغْنا أنَّ امرأةً هاجَرت إلى
اللهِ ورسولِه، وزوجُها كافرٌ مقيمٌ بدَارِ الحربِ، إلّا فرَّقت هجرتُها
القبس
(١ - ١) سقط من: م.
(٢) ابن أبى شيبة ٩٣/٥.
(٣) سيأتى حديث عكرمة فى الموطأ (١١٧٢) .
(٤) سقط من النسخ. والمثبت من الموطأ .
٣٩٣
.٤٠

الموطأ
التمهيد بينَها وبينَ زوجِها، إلّا أن يَقدَمَ زوجها مُهاجِرًا قبلَ أن تَنقَضِىّ
عِدَّتُها .
وذكَرَ أبو بكرِ بنُ أبى شيبةً(١) ، حدَّثنَا عَبْدَةُ بنُ سليمانَ، عن سعيدٍ ،
عن قتادةً ، عن مجاهدٍ قال: إذا أسلَمَ وهى فى عِدَّتِها ، فهى امرأتُه . يَغْنِى إذا
كانت أُسلَمَت قبله .
قال(١): وحدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن ابنٍ أبى نَجيحِ ، عن عطاءٍ قال: إن أسلَم
وهى فى العِدَّةِ ، فهو أحقُّ بها .
قال(١): وحدَّثنا عبيدُ(٢) اللهِ بنُ موسى، عن سفيانَ، عن عمرو بنِ
مَيْمُونٍ، عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ قال: هو أحَقُّ بها ما دامَتْ فى العِدَّةِ .
وذكَرِ حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عمرَ قال: إذا أسلَمَ الرجلُ فى
عِدَّةِ امرأتِه، فهو أحَقُّ بها .
وفى حديثٍ ابنٍ شهابٍ المذكورِ أيضًا فى هذا البابِ من الفِقْهِ ، إثباتُ
الأمانِ للكافِرِ ، ودُعاؤُه إلى الإسلام وإن كان "لا شوكَةَ له) وكانت كَلِمةُ
القبس
(١) ابن أبى شيبة ٩٣/٥.
(٢) فى النسخ: ((عبد)). وينظر ما تقدم ص ٣٩١.
(٣ - ٣) فى م: ((له شوكة)).
٣٩٤

الموطأ
التمهيد
الإسلام العاليةَ ، وهذا ما لا خِلافَ فيه على هذا الوجهِ ، ولا سيَّما إذا طُمِعَ
٥
بإسلامِه. وفيه التأمينُ على شُروطٍ تجوزُ، وعلى الخيارِ فيها . وفيه جوازُ
تصحيح الأمارَاتِ فى العُقُودِ ، وأنَّ من صَحَّ عليه شىءٌ منها ، أو صَحَّ عندَه ،
لَزِمَه العملُ بها، وجاز ذلك عليه وله، ألا تَرَى إلى إرسالِ رسولِ اللهِ وَله
برِدائِه أمارةً للأمانةِ . وفيه بيانُ ما كان عليه رسولُ اللهِ وَلَّهِ من الاجتهادِ
٥
والحرص على دخولِ الناسِ فى الإسلامِ. وفيه إجازَةُ تَكْنيةِ الكافِرِ إذا كان
وجهًا ذا شَرَفٍ، وطُمِعَ بإسلامِه . وقد يجوزُ ذلك وإن لم يُطمَعْ بإسلامِه ؛
لأَنَّ الطَّمَعَ ليس بحقيقةٍ تُوجِبُ عملًا، وقد قال بَلّ: ((إذا أتاكم كريم
قومٍ - أو كريمةُ قومٍ - فأكرِمُوه))(١). ولم يقلْ: إن طَمِعتم بإسلامِه. ومِن
الإكرام دعاؤُه بالتكنيةِ، وقد كان الكَلْبِىُّ يقولُ فى قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ :
فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّنَا﴾ [طه: ٤٤]: قال: كَنِّياه .
وأمّا شُهودُ صفوانَ بنِ أُمَيَّةً مع رسولِ اللهِ وَِّ حُنَيّنًا والطَّائِفَ وهو
كافر، فإِنَّ مالكًا قال: لم يكنْ ذلك بأمرِ رسولِ اللهِ وَ له. قال مالك: ولا
أرَى أن يُستَعانَ بالمشركين على قتالِ المشركين ، إلّا أن يكونوا خَدَمًا أو
=(٢)
نَواتِيَّةٌ (٢).
القبس
(١) أخرجه ابن ماجه (٣٧١٢) من حديث ابن عمر، وليس فيه: ((أو كريمة قوم)).
(٢) النواتية: الملاحون فى البحر يديرون السفينة، الواحد نُوتِىُّ. التاج (ن وت).
٣٩٥

الموطأ
التمهيد
(٢)
وروَى مالكٌ، عن الفُضَيل بن أبى عبد ١١ اللهِ ، عن عبدِ اللهِ بنِ ◌ِیاڕٍ
الأسلمِيِّ، عن عُروَةَ، عن عائشةَ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَلِّ قال لرجلٍ أتاه ،
فقال: جئتُ لأَتْبَعَكَ وأُصيبَ معك. فى حينٍ خروجِه إلى بدرٍ: ((إِنَّا لا
نستعِينُ بمشركٍ)) (١). وهذا حديثٌ قد اختُلِفَ عن مالكِ فى إسنادِه ،
وهكذا رَوَاه عنه(٤) أكثرُ أصحابِهِ. وقد رَوَى أبو حُميدِ الساعدىُّ، عن النبيِّ
(٥)
وَرِ مِثْلَهُ (٥).
وسلم
وقال الشافعىُّ، والثورىُّ، والأوزاعىُّ، وأبو حنيفةً، وأصحابُهم: لا
بأسَ بالاستعانةِ بأهلِ الشركِ على قتالِ المشركين ، إذا كان حكمُ الإسلامِ
هو الغالبَ عليهم، وإنَّما تُكرَهُ الاستعانةُ بهم إذا كان حكمُ الشركِ هو
الظاهرَ. وقد رُوِى أَنَّه لما بلَغَ رسولَ اللهِ وَلّهِ جَمْعُ أبى سفيانَ للخروجِ إليه
يومَ أُحُدٍ ، انطلَقَ وبعَثَ إلى بنى النضيرِ - وهم يهودُ - فقال لهم: ((إِمَّا
قاتَلتم معنا، وإمَّا أَعَرْتُمونا سِلاحًا)) (١).
القبس
(١) فى النسخ: ((عبيد))، والمثبت من مصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٢٧٥/٢٣.
(٢) فى النسخ: ((دينار)). والمثبت من مصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٢٣٢/١٦.
(٣) أخرجه أحمد ٤٥٠/٤٠ (٢٤٣٨٦)، والدارمى (٢٥٣٩)، ومسلم (١٨١٧)، وأبو داود
(٢٧٣٢)، والترمذى (١٥٥٨)، والنسائى فى الكبرى (٨٨٨٦، ١١٦٠٠) من طريق مالك به .
(٤) سقط من : م.
(٥) أخرجه الطحاوى فى شرح المشكل (٢٥٨٠)، والطبرانى فى الأوسط (٥١٤٢)، والحاكم ١٢٢/٢.
(٦) أخرجه الطحاوى فى شرح المشكل (٢٥٧٩).
٣٩٦

٠٠٠٠٠٠
الموطأ
قال أبو عمرَ: هذا قولٌ يَحتمِلُ أن يكونَ لضرورةٍ دعَتْه إلى ذلك . وقال التمهيد
الثُورِىُّ والأوزاعُّ: إذا استُعِينَ بأَهلِ الذِّمَّةِ أَسهِمَ لهم. وقال أبو حنيفةً
وأصحابه: لا يُمْهَمْ لهم، ولكن يُرضَخُ. وقال الشافعىُ: يَستأُجِرُهم(١)
الإمامُ من مالٍ لا مالكَ له بعينه، فإن لم يَفْعَلْ أعطاهم من سهم النبيِّ وَّ .
وقال فى موضع آخر: يُرضَحُ للمشركين إذا قاتلُوا مع المسلمين .
قال أبو عمرَ : قد اتفقوا أنَّ العبدَ، وهو ممَّن يجوزُ أُمَانُه، إِذا قاتَل ، لم
يُسهَمْ له، ولكنْ يُرِضَخُّ له ، فالكافرُ أولى بذلك ألا يُسهَمَ له .
وفيه جوازُ العاريَّةِ والاستعارَةِ ، وجوازُ الاستمتاع بما استُعير، إذا كان
على المعهُودِ ممَّا يُستعارُ مثلُه. وحديثُ صَفْوَانَ هذا فى العارِيَّةِ أصلٌ فى
هذا البابِ. وقد اختلف الفقهاءُ(٢) فى ضمانِ العارِيَّةِ؛ فذهَب مالكٌ
وأصحابُه إلى أنَّ العارِيَّةَ أمانةٌ غيرُ مَضمونَةٍ ، إذا كانت حيوانًا أو ما لا يُغابُ
عليه ، إذا لم يَتعَدَّ المستَعِيرُ فيه ولا ضَيَّعَ، وكذلك ما يُغابُ عليه أمانةٌ أيضًا
إذا ظهَرَ هَلاكُه وصَخَّ ، من غيرٍ تَضييعٍ ولا تَعَدِّ ، فإن خَفِىَ هلاكُه ضُمِن،
ولا يُقبَلُ قولُ المستعِيرِ فيه إذا ادَّعَى هلاكَه وذَهابَه ، ولم يُقِمْ على ما قال
بيِّنَةٌ، ويُضمَنُ أبدًا إذا كان هكذا، ولا يُضمَنُ إذا كان هلاكُه ظاهرًا
القبس
(١) فى ى: ((يستأجر)).
(٢) فى ى : ((العلماء».
٣٩٧

الموطأ
التمهيد معروفًا ، أو قامت به بينةٌ بلا تضييع ولا تَفرِيطِ . هذا هو المشهورُ من قولٍ
مالكِ، وهو قولُ ابنِ القاسم . وقال أشهَبُ : يُضمَنُ كلَّ ما يُغابُ عليه ،
قامَت بيّنةٌ بهلاكِه أو لم تَقُمْ ، وسواءٌ هلَكَ بسببِه أو بغيرِ سببِهِ ، يُضمَنُ أبدًا ؛
لأَنَّ رسولَ اللهِ وَلَه قال لصفوانَ حينَ استَعارَ منه السلاحَ، وهو ممَّا يُغابُ
عليه: ((بل عارِيَّةٌ مَضمُونَةٌ مُؤَدَّةٌ))(١) . قال: وأمَّا الحيوانُ وما لا يُغابُ عليه،
فلا ضمانَ عليه. وقولُ عثمانَ البَتِّئُّ(٢) فى هذه المسألةِ نحوُ قولِ مالكٍ،
قال عثمانُ البَتِّىُّ : المستعِيرُ ضامِنٌ لِما استعارَه، إلّ الحيوانَ والعَقارَ،
ويَضمَنُ الحَلىَ والِّيابَ وغيرَها. قال: وإن اشتُرِطَ ضَمانُ الحيوانِ ضَمِنه .
وقال الليثُ بنُ سعدٍ : لا ضَمانَ فى العاريَّةِ ، ولكنَّ أبا العباسِ أميرَ المؤمنين قد
كتَبَ بأن يضمنَها ، فالقضاءُ اليومَ على الضَّمانِ . وقال أبو حنيفةً وأصحابُه،
والثورىُّ، والأوزاعىُّ: العارِيَّةُ غيرُ مَضمونَةٍ ، ولا يُضمَنُ شىءٌ منها إلَّا
بالتعدِّى. وهو قولُ ابنٍ شُبْرُمَةَ. وقال الشافعىُّ: كلُّ عاريَّةٍ مَضمونةٌ .
قال أبو عمرَ: احتَجَّ من قال بأنَّ العارِيَّةَ مَضمُونَةٌ بما حدَّثنا سعيدُ بنُ
نَصرٍ وعبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، حدَّثنا ابنُ
القبس
(١) سيأتى تخريجه ص ٣٩٩ - ٤٠٢ .
(٢) عثمان بن مسلم البتى - وقيل: ابن أسلم، وقيل: ابن سليمان - أبو عمر البصرى، كان
صاحب رأى وفقه ، وأصله من الكوفة ، حدث عن أنس بن مالك، وثقه أحمد. تهذيب الكمال
٤٩٢/١٩، وسير أعلام النبلاء ١٤٨/٦.
٣٩٨

الموطأ
وَضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةً، وحدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ بن التمهيد
عبدِ المؤمِنِ، قال : حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال : حدَّثنا أبو داودَ ، قال: حدّثنا
عبدُ الوهَّابِ بنُ نَجْدَةَ الحَوْطِئُ (١) ، قالا جميعًا: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عَيَّاشِ،
عن شُرَحْبِيلٍ ابنٍ مسلم ، قال: سمِعتُ أبا أمامةَ قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ وَلِيه
يقولُ: ((العارِيَّةُ مُؤدَّةٌ ، والمِنْحَةُ مَردُودةٌ، والدَّينُ مَقضِىٌّ، والزَّعيمُ غَارِمٌ))(١).
ومن قال: إنَّ العارِيَّةَ لا تُضمَنُ. قال فى قولِهِ وَله: ((العارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ)) .
دليلٌ على أنَّها أمانةٌ؛ لأنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يقولُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ
اُلْأَمَنَتِ إِلَىَّ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]. فجعَلَ الأماناتِ مُؤَدَّةً . قالوا : ويَحتمِلُ
قولُه : ((العارِيَّةُ مُؤَدَّةٌ)): إذا وُجِدَت قائمَةَ العَيْنِ. وهذا ما لا يُخْتَلَفُ فيه،
وإنَّما التَّنَازُعُ فيها إذا تَلِفَتْ ، هل يجبُ على المسْتَعِيرِ ضَمانُها ؟
واحتَجَّ أيضًا من قال: إنَّ العَارِيَّةَ مَضمونَةٌ . بما حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ
محمدِ بنِ يحبى ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ ، قال: حدَّثنا أبو داودَ ، قال :
حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ وسلمةُ بنُ شَبِيبٍ ، قالا: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارونَ ،
قال : حدَّثنا شريكٌ ، عن عبدِ العزيزِ بنِ رُفَيِعٍ ، عن أُمَيَّةَ بنِ صفوانَ بِنِ أُمَّةً ،
القبس
(١) فى النسخ: ((الحويطى)). والمثبت من أبى داود، وينظر تهذيب الكمال ٥١٩/١٨.
(٢) ابن أبى شيبة ١٤٥/٦، ٢٠٠/٧، وأبو داود (٣٥٦٥). وأخرجه أحمد ٦٢٨/٣٦
(٢٢٢٩٤)، وابن ماجه (٢٣٩٨، ٢٤٠٥)، والترمذى (١٢٦٥، ٢١٢٠) من طريق إسماعيل بن
عياش به .
٣٩٩

الموطأ
التمهيد عن أبيه، أنَّ النبيَّ مَه استعار منه دُرُوعًا يومَ خيبرَ(١)، فقال: أَغَصْبًا يا
محمدُ ؟ فقال: ((بل عاريَّةٌ مضمونَةٌ))(٢) . قال أبو داودَ: هذه روايةُ يزيدَ
يبَغْدَادَ ، وفى روايتِه بوَاسِطَ غيرُ هذا. قال أبو داودَ : وكان أعارَه قبلَ أن
يُسلِمَ ، ثم أُسلَمَ .
قال أبو عمرَ : حديثُ صفوانَ هذا اختُلِفَ فيه على عبدِ العزيزِ بنِ زُفَيْعِ
اختلافًا يطولُ ذِكرُه؛ فبعضُهم يذكُرُ فيه الضَّمانَ ، وبعضُهم لا يذكُرُّه،
وبعضُهم يقولُ فيه: عن عبدِ العزيزِ بنِ رُفَيْعِ ، عن ابنِ أَبِى مُلَيْكَةَ، عن أُمَّةً بِنِ
صفوانَ، عن أبيه (٢) . وبعضُهم يقولُ: عن عبدِ العزيزِ، عن ابنِ أبِى مُلَئِكَةً ،
عن ابنٍ صفوانَ قال: استعار النبىُ وَِّهِ(٤). لا يقولُ: عن أبيه. ومنهم مَن
يقولُ : عن عبدِ العزيزِ بنِ رُفَيْعِ، عن أناسٍ من آلِ صَفْوانَ، أو من آلِ عبدِ اللهِ
ابنِ صَفْوَانَ. مُرْسَلًا أيضًا(١). وبعضُهم يقول فيه: عن عبدِ العزيزِ بنِ رُفَيْعِ،
:
القبس
(١) كذا فى النسخ، ونسخ المسند الخطية ومطبوعته. وأشار فى حاشية النسخة ((ى)) من التمهيد
إلى أنه فى نسخة: ((حنين)). وكذا غيرها محققو المسند، وهو الذى فى بقية مصادر التخريج،
وينظر كلام أبى داود الآتى عقب الحديث .
(٢) أبو داود (٣٥٦٢). وأخرجه أحمد ١٢/٢٤، ٦٠٦/٤٥ (١٥٣٠٢، ٢٧٦٣٦)، والنسائى
فی الکبری (٥٧٧٩) من طريق يزيد بن هارون به .
(٣) أخرجه الطحاوى فى شرح المشكل (٤٤٥٤)، والطبرانى (٧٣٣٩) من طريق عبد العزيز بن
رفيع به .
(٤) أخرجه الطحاوى فى شرح المشكل (٤٤٥٦) من طريق عبد العزيز بن رفيع به .
(٥) سيأتى تخريجه ص ٤٠١، ٤٠٢.
٤٠٠