Indexed OCR Text

Pages 81-100

الموطأ
١١٢٨ - مالكٌ، أنه بلغه عن سعيد بن المسيَّبِ أنه قال: قال عمر
ابنُ الخطابِ : لا تُنكَحُ المرأةُ إلا بإذنٍ ولِيِّها ، أو ذى الرأيِ من أهلِها ، أو
السلطانِ .
يطولُ ذكرُه، وفيما ذكرنا منه كفايةٌ ، وقد أتَينا بجميع أصولِه التى منها التمهيد
تقومُ فروعُه . وباللهِ التوفيقُ .
مالكٌ ، أنه بلغه عن سعيد بن المسيبِ أنه قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ: الاستذكار
لا تُنكحُ المرأةُ إلا بإذنٍ وَلِيِّها، أو ذى الرأيِ من أهلِها، أو السلطانِ (١).
قال أبو عمرَ : قولُ عمرَ هذَا اختلف فيه أصحابُنا على قولين ؛ فمنهم
مَن قال : إن قولَه : وليّها، أو ذى الرأيِ من أهلِها، أو السلطانِ . أن كلّ
واحدٍ من هؤلاءٍ جائزٌ إِنكاحه، ونافذٌ فعلُه إذا أصاب وجه النكاح(٢) من
الكِفاءِ(٣) والصلاح. وقال آخرون : أراد بقولِه: وليّها. أقربَ الأولياءِ
وأقعدَهم بها . وأراد بقولِه : أو ذى الرأي من أهلِها . عصَبَتَها ذوى الرأي
وإِن بَعُدوا منها فى النسبِ ، إذا لم يكنِ الولىُّ الأقربُ . وكذلك السلطانُ
إذا لم يكن ولىٌّ قريبٌ ولا بعيدٌ، وحمَلوا(*) قولَ عمرَ هذا على الترتيبِ لا
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٥٤٢)، وبرواية يحيى بن بكير (٢/١٢و - مخطوط)، وبرواية
أبى مصعب (١٤٧٠). وأخرجه الشافعى ٢٢٢/٧ عن مالك به .
(٢) فى ح، هـ، م: ((الصواب)).
(٣) فى الأصل: ((الكفء))، وفى م: ((الكفاءة)). وكافأ فلانًا مكافأةً وكفاءً: ماثله. التاج (ك ف أ).
(٤) فى ح، هـ، م: ((جعلوا)).
٠٢٠
٨١
( موسوعة شروح الموطأ ٦/١٤ )

الموطأ
الاستذكار على التخييرِ، كنحوٍ اختلافٍ العلماءِ فى معنى قولِ اللهِ عزَّ وجلٌ فى
المحارِبِين: ﴿أَنْ يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِ يهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ
خِلَفٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣].
وهذا كلُّه من قولِهم تصريح أنه لا نكاح إلا بوليٌّ. واختلفوا فى
حكم الوليّ ومعناه، على ما نوضّحُه عنهم وعن غيرِهم من العلماءِ
إن شاء اللهُ .
قال أبو عمرَ: رُوِى عن النبيِّ بَّر: (( لا نكاح إلا بوليٌ)). من حديثٍ
أبى موسى الأشعرىِّ، عن النبيِّ وَّلَهَ، إلا أنه حديثٌ وصَله جماعةٌ عن
أبى إسحاقَ، عن أبى بُْدَةَ بنٍ (١) أبى موسى، عن أبيه، عن النبيِّ وَلِ؟
منهم أبو عوانةً ، ویونسُ بنُ أبی إسحاق ، وإسرائيلُ بنُّ یونسَ. وقد ذكرنا
الطرقَ عنهم فى ((التمهيدِ ))(٢). وأرسَله شعبةُ والثورىُّ، فروَياه عن أبى
(٣)
إسحاقَ، عن أبى بُرْدَةً، عن النبيِّ وَلُّ
وروَى ابنُ جريجٍ، عن سليمانَ بنِ موسى ، عن الزهرىِّ، عن عروةَ ،
عن عائشةَ، قالت: قال رسولُ اللهِ وَلَهِ: ((أَيُّما امرأةٍ نكَحت بغيرِ إذنِ
ولِّھا ، فنكاحها باطلٌ - ثلاثَ مراتٍ - فإن دخل بها فالمغْرُ لها بما أصاب
القبس
(١) فى م: ((عن)).
(٢) ينظر ما تقدم ص ٥٢، ٥٣ .
(٣) تقدم تخريجه ص٥٣، ٥٤ .
٨٢

الموطأ
منها، فإن اشتجَروا فالسلطانُ ولُّ مَن لا ولىَّ له))(١) .
الاستذكار
روَى هذا الحديثَ عن ابنِ جريج جماعةٌ لم يذكروا فيه عِلَّةً . ورواه
ابنُ عُليَّةَ(١) ، عن ابن جريج بإسنادِه مثلَه، وزاد : قال ابنُ جريج : فسألتُ
عنه الزهرىَّ فلم يعرِفْهُ(١) . ولم يروٍ أحدٌ هذا الكلامَ عن ابن جريج فى هذا
الحديثِ غيرَ ابنِ عُلَيَّةً، فتعلَّق به مَن أجاز النكاح بغيرِ ولىِّ وقال : هو
حديثٌ واهٍ ، إِذ قد أَنكَره الزهرىُّ الذى عنه رُوِى. وطعَنوا بذلك على
سليمانَ بنِ موسى فى حفظِهِ، قالوا : لم يُتَابِعه عليه أحدٌ مِن حفاظِ
أصحابِ الزهرىِّ. وقال (٤) مَن لم يُجِزِ النكاحَ إلا بإذنِ ولىٍّ: هو حديثٌ
صحيح ؛ لأنه نقَله عن الزهرىِّ ثِقَاتٌ .
قالوا : وسليمانُ بنُ موسى إمامُ أهلِ الشامِ وفقيهُهم(١).
وقد رواه عن الزهرىِّ كما رواه سليماتُ بنُ موسى ، جعفرُ بنُ ربيعةً
والحجائجُ بنُ أَرطاةَ ، ولا يضُرُّ إنكارُ الزهرىِّ له؛ لأنه مَن نسِى شيئًا بعدَ أن
حفِظه، لم يضُرَّ ذلك مَن حفظه عنه .
قال أبو عمرَ : حديثُ جعفرٍ بنِ ربيعةً، عن الزهرىٌّ، عن عروةَ، عن
القبس
(١) تقدم تخريجه ص٤٩، ٥٠ .
(٢) فى م: ((عيينة)).
(٣) تقدم تخريجه ص ٥٠ .
(٤) بعده فى م: ((به)).
(٥) بعده فى م: ((عن الزهرى)).
٨٣

الموطأ
الاستذكار عائشةً، عن النبيِّ وَلَّهِ: (( أيُّما امرأةٍ نَكَحت بغيرِ إذنٍ وَلِيِّها، فنكاحها
باطلٌ)) الحديث. لا أحفظُه إلا مِن حديثٍ ابنٍ لهيعةً، عن جعفرٍ بن ربيعةً .
ورواه عن ابن لهيعةً (١)؛ القَعْنبِىُّ، وعبدُ الغفارِ بنُ داودَ الحَّانِىُّ، والمُعَلَّى بنُ
منصورٍ ، وغيرُهم (١) .
واحتجُوا أيضًا بما حدَّثنى أحمدُ بنُ قاسم وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ،
قالا : حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال: حدَّثنى الحارثُ بنُ أبي أسامةَ(٣)، قال :
حدَّثنى إسحاقُ بنُ عيسى، قال: حدَّثنى هُشَيمٌ، عن الحجاجِ، عن
الزهرىِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ، قالت: قال رسولُ اللهِ وَله: (( لا نكاح
إلا بولىٌّ، والسلطانُ ولُ مَن لا ولىَّ له ))(٤).
فإن قيل : إن الحجاجَ بنَ أرطاةَ ليس فى الزهرىِّ بحُبَّةٍ . وأجمعوا على
أنه كان يُدلِّسُ، ويحدِّثُ عن الثقاتِ بما لم ( يسمعْه منهم" إذا سمِعه
عنهم(٩) . قيل له : قد رواه ابنُ أبى مُلَيكةً، عن أبى عمرٍو مولی عائشةً،
عن عائشةً بإسنادٍ كلُّهم ثقاتٌ وعدولٌ .
القبس
(١) بعده فى ح، هـ، م: ((ابن وهب و)).
(٢) تقدم تخريجه ص ٥١، ٥٢ .
(٣) بعده فى الأصل، م: (( قال حدثنى إسماعيل بن موسى)).
(٤) تقدم تخريجه ص٥٢ .
(٥ - ٥) فى الأصل، م: ((يسمع عنهم)).
(٦) فى الأصل، م: (( منهم)).
٨٤
٠

الموطأ
حدَّثنى سعيدُ بنُ نَصرٍ، قال: حدَّثنى قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال: حدَّثنى الاستذكار
محمدٌ ، قال : حدّثنی ابو بكر ، قال : حدَّثنی عبدُ الله بن إدريس ، عن ابنِ
جريج، عن ابنٍ أبى مُليكةً، عن أبى عمرٍو مولى عائشةً، عن عائشةً،
قالت: قال رسولُ اللهِ وَ له: ((تُستأمَرُ النساءُ فى أَبْضاعِهنَّ)). قلتُ:
يا رسولَ اللهِ، إنهن يَشْتَحْيِينَ. قال: «الأُيُمُ أحَقُّ بنفسِها، والبكر
تُستأمرُ، وسُكوتُها إِقرارُها))(١).
وقد تكلَّمنا على (٢علل أحاديث" هذا الباب وتصحيحِها فى
((التمهيدِ )) بما يطولُ ذكرُه (٣).
وأجمَع العلماءُ على أن الوَليَّ المذكورَ بالإشارةِ إليه فى هذا الحديثِ هو
الولىُّ مِن النسبِ والعَصَبةِ . واختلفوا فى غيرِ العَصَبةِ مثلَ وَصِئ الأب ، وذی
الرأي، و(٤) السلطانِ، إلا أنهم أجمَعوا أن السلطانَ وَلِيُّ مَن لا وَلِيَّ له؛ لأن
الولايةَ بعدَ عدمِ التعصيبِ تنصرفُ إلى "الدِّينِ، فقفْ) على هذا الأصلِ.
قال أبو عمرَ : كان الزهرىُّ يقولُ - وهو راويةُ هذا الحديثِ -: إذا
تزوَّجت المرأةُ بغيرِ إذنٍ وَلِّيّها كفئًا جاز. وهو قولُ الشعبىِّ(٦). وبه قال
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٦٦ .
(٢ - ٢) فى ح، هـ: ((الأحاديث فى)).
(٣) ينظر ما تقدم ص٤٩ - ٥٤ .
(٤) فى ح، هـ، م: ((من)).
(٥ - ٥) فى ح، هـ، م: ((الذى يقف)).
(٦) تقدم تخريجه ص ٥٦ .
٨٥

الموطأ
الاستذكار أبو حنيفةً وزُفَرُ. وقال أبو يوسفَ ومحمدٌ: لا يجوزُ النكاح إلا بوليٍّ، فإن
سلّم الولُ جاز، وإن أتَى أن يُسلِّمَ والزوجُ كُفءٌ أجازه القاضى . ونحوُ
هذا مذهبُ الأوزاعيِّ. وأما مالكٌ فتحصيلُ مذهبِه أنه لا نكاح إلا بوليِّ ،
هذه جملتُه . وروَى أشهبُ عن مالكِ أن الشريفةَ، والدَّنِيَّةَ، والسوداءَ،
والمسالمةَ ، ومَن لا خَطْبَ لها، فى ذلك سواءٌ. هذا معنى روايةِ أشهبَ عن
مالكِ . وقال ابنُ القاسم عنه: إذا كانت المرأةُ مُعتَقةً ، أو مسكينةً دنيةً ، أو
تكونُ فى قريةٍ لا سلطانَ فيها ، فلا بأسَ أن تستخلِفَ رجلاً يُزوِّيجُها ،
ويجوزُ ذلك ، وإن كانت ذاتَ حَسَبِ لها حالٌ وشرفٌ ، فلا ينبغى لها أن
يُزُوِّجَها إلا وَلِيُّها أو السلطانُ .
وقال مالكٌ فى الوليّ الأُبعدِ يزوِّجُ ولِيَّتَه بإذنِها، وهناك مَن هو أقربُ
إليها : إن النكاحَ جائزٌ إذا كان للناكح صلاح وفضلٌ. هذا قولُه فى
((المدونةِ)). وقال سُحنونٌ: أكثرُ الرواةِ يقولون: لا يُزُوِّمُها وَلِيٌّ وَثَمّ أقربُ
منه ، فإن فعَل نظَر السلطانُ فى ذلك .
قال : وروَى آخرون أن للأقربِ أن يَرُدَّ أو يُجيزَ، إلا أن يطولَ مُكْثُها
عندَ الزوج ، وتَلِدَ أولادَا. قال: وهذا فى ذاتِ المنصبِ والقدْرِ. وذكر ابنُ
حبيبٍ عن ابنٍ (١) الماجشونِ ، قال : النكاح بيدِ الأُقعدِ ؛ فإن شاء فسخه ،
وإن شاء أجازهُ ، إلا أن يدخُلَ بها الزوجُ. وقال المغيرةُ: لا يجوزُ أن يُزوّجَها
القبس
(١) سقط من: ح، هـ، م. وينظر سير أعلام النبلاء ٣٥٩/١٠.
٨٦

الموطأ
وَلِىٌّ وَثَمَّ أولَى منه، ويُفسخُ نكاحُه. والمسائلُ فى هذا البابِ عن مالكِ الاستذكار
وأصحابِه كثيرةُ الاضطرابِ . وقال مالكٌ وجمهورُ أصحابِه : الأخُ وابنُ
الأخِ أُولَى مِن الجدِّ بالإِنكاحِ. وقال المغيرةُ: الجَدِّ أَولى مِن الأخِ. وروى ابنُ
القاسم، عن مالكِ : الابنُ أولى مِن الأبِ. وهو تحصيلُ المذهبِ عندَ
المصريين مِن أصحابِهِ. وروَى المدنيُّون عن مالكِ أن الأبَ أُولَى. وقال
إسماعيلُ بنُ إسحاقَ : قال مالكٌ فى هذا البابِ أقاويلَ يظنُّ مَن سمِعها أن
بعضَها يخالفُ بعضًا. قال : وجملةُ هذا البابِ أن الله تباركَ وتعالى أمَر
بالنكاحِ، وحَضَّ عليه رسولُه وَله، وجعَل اللهُ المؤمنين بعضَهم أولياءَ
بعضٍ، وبذلك يتوارثون، ثم تكونُ ولايةٌ أقربَ مِن ولايةٍ ، كما قرابةٌ أقربُ
مِن قرابةٍ، فمَن كان أولَى بالمرأةِ كان أولَى بإنكاحِها، فإن تشاجروا نظَر
الحاكمُ فى ذلك إذا ارتفَعوا إليه. ثم أتَى بكلام قد ذكَّرناه عنه فى
((التمهيدِ)) (١) أكثرُه لا حُجَّةَ فيه، ثم قال: فإن نكَحت المرأةُ بغيرِ ولىّ فُسخ
النكاح، فإن دخَل وفاتَ الأمرُ بالدخولِ وطولِ الزمنِ والولادةِ لم يُفسَحْ؛
لأنه لا يُفسخُ مِن الأحكام إلا الحرامُ البَيِّنُ ، أو يكونُ خطأ لا شكَّ فيه ، فأما
ما يجتهدُ فيه الرأىُ وفيه الاختلافُ فلا يُفسخُ . قال : ويُشبِهُ على مذهبٍ
مالكٍ أن يكونَ الدخولُ فوقًا وإن لم يتطاولْ، ولكنه احتاطَ فى ذلك .
قال : والذى يُشبِهُ عندى على مذهبٍ مالكٍ فى المرأةِ إذا تزوَّجت بغيرِ ولىٍّ
ثم مات أحدُهما - أنهما يتوارثان ، وإن كان مالكٌ يستحِبُّ ألا يُقامَ على
القبس
(١) ينظر ما تقدم ص٥٩ - ٦١ .
٨٧

الموطأ
الاستذكار ذلك النكاح. قال : وذكّر ابنُ القاسم عن مالك ، أنه كان يرى بينَهما
الميراثَ .
قال أبو عمرَ : مذهبُ الليثِ بنِ سعدٍ فى هذا البابِ نحوُ قولٍ مالكِ .
وأما الشافعىُّ فالنكاحُ عندَه بغيرِ وليّ مفسوخٌ، قبلَ الدخولِ وبعده، طال
الأَمَدُ أو لم يَطُلْ ، ولا يتوارثان إن مات أحدُهما ، والولُ عندَه مِن فرائضٍ
النكاحِ ؛ ولُّ القرابةِ لا وَلُّ الديانةِ وحدَها دونَ القرابةِ ، ثم الولايةُ عندَه على
الأقربِ فالأقربِ، (١ والأقعدِ فالأقعدِ ١) ، ولا مدخلَ عندَه للأبعدِ مع الأقرب
فى إنكاحِ المرأةِ ، إلا أن يكونَ الأقربُ سفيهًا أو غائبًا غَيِيةٌ يضُرُ بالمرأةِ انتظارُه
لطولها، ولا ولايةَ عندَه لأحدٍ مع الأبِ من الأولياءِ، فإن مات الأبُ،
فالجدُّ ، ثم أبو الجدِّ، ثم أبوه أبدًا هكذا. والبِكْرُ والَّيِّبُ فى ذلك سواءٌ، لا
تُنكحُ واحدةٌ منهما بغيرِ وليّ، إلا أن الثيّبَ لا يُنكحُها أبّ ولا غيرُه إِلا
بإذنِها، ويُنكحُ البكرَ مِن بناتِه بغيرِ أمرِها . واحتجَّ بقولِ اللهِ عزَّ وجلّ :
﴿ وَأَنْكِحُواْ الْأَيَمَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]. وقوله تعالى فى الأيَامَى: ﴿فَاَنكِحُوهُنَّ
بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٥]. وقال تعالى مُخاطِبًا للأولياءِ: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ
أَن ینکِحْنَ آَزواجهُنَ﴾ [البقرة: ٢٣٢] . نزلت هذه الآيةُ فی عَضْلِ مَعْقِلٍ بنِ یسارٍ
أختَه، وكان زوجها طلَّقها ثم أراد رجعتَها، فخطَيها، فأَتَى مَعْقِلٌ أَن يَرُدَّها
إلى زوجِها (١) . وقال رسولُ اللهِ وَلَه: ((لا نكاح إلا بوليٍّ)).
القبس
(١ - ١) فى الأصل، م: ((والأقعد فى الأقعد))، وفى ح، هـ: ((والأُبعد فالأبعد)). والمثبت
يقتضيه السياق .
(٢) تقدم تخريجه ص٥٤ - ٥٦ .
٨٨

الموطأ
قال : فإن لم يكنْ ولُ القرابةِ مِن العصبةِ ، فليس بوليٌّ، والسلطانُ ليس الاستذكار
بولىٌّ إلا لمن لا ولىَّ له مِن العصبةِ؛ لقولِهِ وَّهِ: ((السلطانُ ولُّ مَن لا ولىَّ
(١)
له))(١).
وقال الثورىُّ: الأولياءُ العَصَبَةُ . كقولٍ الشافعىِّ. وقال أبو ثورٍ : كلُّ
مَن وقَع عليه اسمُ وليّ فله أن يُنكِحَ. وهو قولُ محمدِ بنِ الحسنِ. وقال
أحمدُ ابنُ حنبلِ وإسحاقُ فى النكاحِ بغيرِ ولىٍّ نحوَ قولِ الشافعىِّ .
وقال إسحاقُ بنُ منصورٍ : قلتُ لأحمدَ بنِ حنبل : إذا تزوَّجها بغيرِ ولىِّ
ثم طلَّقها؟ قال : أحتاطُ لها(٢) وأُجيزُ طلاقَه . قال إسحاقُ: كلَّما طلَّقها
وقد عقَد النكاحَ بغيرِ وليّ لم يقعْ عليها طلاقٌ ، ولا يقعُ بينَهما ميراثٌ ؛
لأن النبيَّ وَّه قال: ((فنكاحُها باطلٌ))(١). ثلاثًا، والباطلُ مفسوخٌ، فلا
يحتاج إلى فسخٍ حاكمٍ ولا غيرِه .
وأما أبو حنيفةً وأصحابُه، فليس الولىُ عندَهم مِن أركانِ النكاح ولا
مِن فرائضِه، وإنما هو مِن كمالِ النكاح وجَمالِه ؛ لئلا يلحَقَه عارُها ، فإذا
تزوَّجت كُفْئًا جاز، بكرًا كانت أو تَّبًا. وقالوا: فى قولِ رسولِ اللهِ وَله :
((الأيُمُ أَحَقُّ بنفسِها مِن وَلِيِّها )). دليلٌ على أن لها أن تُزَوِّجَ نفسَها؛ لأنه لم
يَقُلْ: ("إنها أحَقُّ بنفسِها) فى الإذنِ دونَ العَقْدِ. قالوا: ومَن ادَّعى أن النبىَّ
:
القبس
(١) تقدم تخريجه ص٤٩ - ٥٢ .
(٢) فى الأصل: ((لهما)).
(٣ - ٣) فى النسخ: ((إنه أحق بها)). والمثبت مما تقدم ص٦٤ .
٨٩

الموطأ
الاستذكار عليه السلامُ أراد الإذنَ دونَ العقدِ فعليه الدليلُ. قالوا: والأيُّمُ كلُّ امرأةٍ لا
زوجَ لها، بِكْرًّا كانت أو ثَبًا . قالوا : والمرأةُ إذا كانت رشيدةً جاز لها أن
تَلِىَ عُقْدَةَ نكاحِها؛ لأنه عقدٌ أكسبها مالاً، فجاز أن تَلِيَه بنفسِها كالبيعِ
والإجارةِ. قالوا: وقد أضافَ اللهُ عزَّ وجلَّ النكاحَ إليها بقوله: ﴿حَتَّى
تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]. وبقوله: ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ﴾ . وقولِه:
﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِيَّ أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٤].
ورَوَوا عن علىٍّ أنه كان يُجيزُ النكاحَ بغيرِ ولىٍّ.
ذكر أبو بكرٍ بِنُّ أبى شيبةَ(١) ، قال: حدَّثنى ابنُ فُضيل، عن أبيه ، عن
الحكم، قال : كان علىِّ رضِى اللهُ عنه إذا رُفِع إليه رجلٌ تزوَّج امرأةً بغيرِ
وَلِيِّ فدخَل بها أمضَاه .
قال(١) : وحدّثنی یحیی بُ آدم ، قال: حدّثنی سفيان ، عن أبی قیس ،
عن هُزَيلِ (١) ، قال: رُفِعت إلى علىِّ امرأةٌ قد زوَّجها خالُها وأمّها ، فأجاز
علىّ النكاحَ. قال يحيى: وقال سفيانُ: لا يجوزُ؛ لأنه غيرُ وَلِيٍّ. وقال
علىُّ (١) بنُ صالح : هو جائزٌ لأن عليًّا حينَ أجازه كان بمنزلةِ الوَلِيِّ .
قال أبو عمرَ : لهذه المسألةِ فى إنكاح المرأةِ نفسَها وعقدِها ذلك -
موضعٌ فى كتابِنا غيرُ هذا، نذكُرُه هناك بأبلغَ مِن الذِّكْرِ ههنا إن شاء اللهُ
القبس
(١) ابن أبى شيبة ١٣٤/٤.
(٢) فى النسخ: ((هذيل)). والمثبت من مصدر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ١٧٢/٣٠.
(٣) فى النسخ: ((الحسن)). والمثبت من مصدر التخريج.
٩٠

الموطأ
عزَّ وجلَّ. ومِن الحُبَّةِ على الكوفيّين فى جوازٍ إِنكاح المرأةِ نفسها ، ما رواه الاستذكار
هشامُ بنُ حسانَ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، عن أبى هريرةً، عن النبيِّ وَّهِ،
أنه قال: (( لا تُنْكِحُ المرأةُ المرأةَ ، ولا تُنكِحُ المرأةُ نفسَها، فإن الزانيةَ التى
تُنكِحُ نفسَها))(١).
ولمّاً لم تَلِ عقدَ نكاحٍ غيرِها ، لم تَلِ عقد نكاح نفسِها؛ ألا ترى إلى
حديثِ القاسم، عن عائشةً، أنها كانت إذا خُطِب إليها بعضُ قَرَابِتِها ،
وبلغت التزويجَ تقولُ للوَلِيِّ: زَوِّجْ؛ فإن النساءَ لا يَعقِدْنَ النكاحَ(١)؟
والدليل على صحةٍ ذلك قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَنْكِحُواْ الْأَيْمَى
مِنكُمْ﴾. وقال: ﴿فَاَنكِحُوُهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾. وقال: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا
ج
اُلْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ﴾ [البقرة: ٢٢١]. وهذا كلَّه يَدُلَّ على أن أمرَهنَّ إلى
الرجالِ ، ولولا ذلك ما خُوطِبوا بإنكاحِهن، وكذلك قيل لهم :
فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ﴾.
وليس فى قولِهِ وََّ: ((الأيُمُ أحقُّ بنفسِها من وليّها))(٢). حَّةٌ لمن
ذهَب إلى أن المرأةَ تُزَوِّيجُ نفسَها؛ لقولِه ◌َلَّمَ: ((لا نكاح إلا بوليٍ)). و:
((أيُّما امرأةٍ نكَحت بغيرٍ وَلِيٍّ، فَنِكَاحُها باطلٌ))(٤). ولم يَخُصَّ ثِيًِّا مِن
القبس
(١) أخرجه ابن ماجه (١٨٨٢)، والدارقطنى ٢٢٨/٣، والبيهقى ١١٠/٧ من طريق هشام بن
حسان به .
(٢) تقدم تخريجه ص٤٩ .
(٣) تقدم فى الموطأ (١١٢٧) .
(٤) تقدم تخريجه ص٤٩ - ٥٢ .
٩١

الموطأ
الاستذكار بكر. وفى هذين الحديثين ما دلّ على أن الثيِّبَ أحقُّ بنفسِها مِن البكرِ ، وأن
للوليّ فيها حقًّا ليس يَبْلُغُ مبلغَ حقِّه فى البكرِ؛ لأن الأبَ يُزوَّجُ البكرَ بغيرِ
إذنِها ، ولا يُزوّجُ الثيِّبَ إلا بإذنها. ومِن الدليل على أنه أراد الإذنَ دونَ
العقدِ، أن رسولَ اللهِ وَ له ردَّ نكاحَ خنساءَ، وكانت ثيًّا زوَّجها أبوها بغيرِ
إذنِها (١) . وقيل : كانت بكرًا. والاختلافُ فى ذلك ووجوهُه يأتى فى
موضعِه مِن كتابِنا هذا إن شاء اللهُ عزَّ وجلَّ .
وأما المرأةُ تجعَلُ عقد نكاحِها إلى رجلٍ ليس بولىٌّ لها ، فيعقِدُ نكاحَها ،
فقد اختلف مالكٌ وأصحابُه فى ذلك؛ ففى ((المدونةِ)) : قال ابنُ القاسم :
وقَف فيها مالكٌ، ولم يُجِبْنى عنها. وقال ابنُ القاسم : إن أجازه الوَلِىُّ
جاز، وإن أراد الفسخَ فسَخ - دخَل أو لم يدخُلْ - إذا كان بالقُرْبِ ، فإن
تطاوَل الأمَدُ وولَدتِ الأولادَ ، جاز إذا كان ذلك صوابًا . قال : وكذلك
قال مالكٌ. قال سُحنونٌ : وقال غيرُ ابن القاسم : لا يجوزُ وإن أجازه
الولىُّ، فإنه نكاح عقَده غيرُ الوَلىِّ. وذكره ابنُ حبيبٍ، عن ابنِ الماجشونِ
قال : والفسخُ فيه بغيرِ طلاقٍ . وذكر ابنُ شعبانَ، عن ابنِ الماجشونِ عن
مالكٍ قال : إذا زوَّجها أجنبىٌّ لم يكنْ للوليّ أن يُجِيزَه وإن وَدت منه ؛
لقول النبيِّ وَلَهُ: ((أيُّما امرأةٍ نكَحت بغيرِ وَلِيٍّ، فنكاحُها باطلٌ)). قال
ابنُّ شعبانَ : وقد قال مالكٌ: إذا زَوَّج المرأةَ غيرُ وَلِيِّها ، يُفسخُ قبلَ الدخولِ
بتطليقةٍ ، ولا شىءَ لها مِن الصداقِ . قال : وقال مالكٌ فيمَن تزوَّجت
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (١١٥٠).
٩٢
.

الموطأ
بغيرِ وَلِيٍّ ودُخِل بها، والزوجُ كفءٌ ووَلِيُّها قريبٌ : فلا نرى أن الاستذكار
يُكلَّمَ فى هذا.
قال أبو عمر : ما رواه ابنُ الماجشونِ عن مالك - فیما ذكره ابنُ حبیبٍ
وابنُ شعبانَ - هو القولُ بظاهرٍ قولِه ◌َلِّ: ((لا نكاح إلا بوليٌ)). و: ((أيُّما
امرأةٍ نكَحت بغيرِ وليّ، فنكاحها باطلٌ)) . وهو قولُ المغيرةِ وجمهورِ أهلِ
المدينةِ ، وإليه ذهَب الشافعىُ، وأحمدُ ، وإسحاقُ ، وعامةُ أهلِ الحديثِ .
وأما روايةُ ابنِ القاسم وما كان مثلَها عن مالكٍ ، فهو نحوُ قولٍ أبى حنيفةً ،
والكوفيّين، وقولِ أبى ثورٍ ، على ما وصَفنا مِن مذاهبهم فيما مضَى مِن هذا
البابٍ (١)، إلا أن ابنَ القاسم ومَن قال بقوله مِن المالكيِّين مع قولهم : لا
نكاح إلا بولىٌّ. يُجِيزون النكاح بغيرِ وَلِىِّ إذا وقَع وفاتَ بالدخولِ أو
بالطولِ .
ولا أعلَمُ أحدًا فَّق بينَ الشريفةِ ذاتِ الحَسَبِ والحالِ (١) ، وبينَ الدنيَّةِ
التى لا حَسَبَ لها ولا حالَ ، إلا مالكًا فى روايةِ ابنِ القاسمِ وغيرِه عنه.
وكذلك لا أعلَمُ أحدًا مِن العلماءِ فَرَّق بينَ القَّيِّبِ والبكرِ فى الوليّ فقال :
جائزٌ أن تُنكحَ الثَيِّبُ بغيرِ ولىٍّ، وأنه جائزٌ لها أن تُزوِّجَ نفسَها، والبكرُ لا
يجوزُ نكاحُها إلا بإذنِ وليّها - إلا داودَ بنَ عليّ؛ فإنه جاء بقولٍ خالَف فيه
مَن سلَف قبلَه مِن العلماءِ، فقال: لا أمرَ للوليّ مع الثيِّبِ ، وجائزٌ نكاحُها
ـ ر
القبس
(١) ينظر ما تقدم ص ٤٧ - ٦٦، ٧٤ - ٨٥ .
(٢) فى هـ: ((المال)).
٩٣

الموطأ
الاستذكار بغيرِ ولىٍّ، وأما البكرُ فلا يجوزُ نكاحها إلا بإذنٍ وليِّ مِن العَصَبةِ .
٠
واحتجَّ بما حدَّثناه عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال : حدَّثنی محمدُ بنُ بکرٍ ،
قال : حدَّثنى أبو داودَ ، قال: حدَّثنى الحسنُ بنُ علىٍّ، قال: حدَّثْنى
عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن صالح بن کیسانَ ، عن نافعٍ بنٍ جیرِ
ابنِ مُطعِمٍ، عن ابنِ عباسٍ، أن رسولَ اللهِ وَ لَّه قال: ((ليس للولىٌّ مع
الثّيِّبِ أمرٌ، واليتيمةُ تُستأمَرُ، وصَمْتُها إقرارُها ))(١) .
قال أبو عمرَ : خالَف داودُ أصلَه فى هذه المسألةِ ، وقال فيها بالمجْمَل
والمُفُشَرِ ، وهو لا يقولُ بذلك، فجعَل قوله: ((لا نكاح إلا بوليٌ)). مُجمَلًا،
وقوله: ((الأيّمُ أحقُّ بنفسِها مِن وليّها)). مُفسّرًا، وهما فى الظاهرِ
مُتضادَّان، وأصلُه فى الخبرَين المتضادّين أن يُسقَطا جميعًا، كأنهما لم
يجيئا(٢)، ويُرجَعُ إلى الأصل فيما(١٢) كان الناسُ عليه؛ كقولِه فى استقبالٍ
القبلةِ بالبولِ والغائطِ، أسقَط(٤) الحديثين، ولم يجعَلْهما مُجملًا ومُفشَرًا،
وقال بحديثِ الإباحةِ - مع ضعفِه عندَه - لشهادةٍ أَصلِه له . فخالَف أصلَه
فى هذه المسألةِ ، وخالَف أصلًا له آخرَ فيها أيضًا؛ وذلك أنه كان يقولُ : إذا
اجتُمِع فى مسألةٍ على قولَين فليس لأحدٍ أن يخترعَ قولًا ثالثًا . والناسُ فى
.. القبس
سماء
(١) تقدم تخريجه ص ٦٥ .
(٢) فى الأصل، م: ((يجبا ويرجعا))، وفى ح، هـ: ((يجبا)). والمثبت يقتضيه السياق.
(٣) فى م: ((فيهما ولو)).
(٤) بعده فى الأصل: ((فيها))، وفى م: ((فيهما)).
٩٤

الموطأ
هذه المسألةِ - مع اختلافِهم - لم يُفرِّقوا بينَ البكرِ والثيِّبٍ؛ "مَن قال: إنه لا الاستذكار
نكاح ("إلا بولىٍ(٢). ومَن أجاز النكاحَ بغيرِ وليّ. كلَّهم لم يُفرِّقْ بينَ البكرِ
والثيِّبِ ؟ فى مذهبِهِ، وجاء داودُ بقولٍ يُفرِّقُ بينَهما لم يُتقدَّمْ إليه .
« قال أبو عمرَ: قولُهُ وَِّهِ: ((الأيُّمُ أحقُّ بنفسِها مِن وليّها)).
يحتمِلُ (٣أنها تكون٢ُ) أحقَّ بنفسِها ولا حقَّ لغيرِها معها، كما زعَم داودُ .
ويحتملٌ أن يكونَ أراد أنها أحقُّ بألّا تُنكحَ إلا برضاها، خلافَ البكرِ التى
للأبِ أن يُنكِحَها بغيرِ رِضاها، وأن وَلِّيَّها أحقُّ بإنكاحِها، فلما قال ◌َالنِّ:
((أيُّما امرأةٍ نكَحت بغيرِ ولىّ، فنكاحُها باطلٌ)). دلَّ على أن المرادَ بقولِه(٤)
((الأيُّمُ أحقُّ بنفسِها (°من وليّهاْ))). إنما هو الرّضا، وحقُّ الوليّ أنه أحقُّ
بالتزويج، فقولُه: ((أَيُّما امرأةٍ نكَحت بغيرٍ وليّ)). و: ((لا نكاح إلا بوليٍّ)).
قولٌ عامّ فى كلِّ مُزوَّجةٍ(٦) وكلِّ نكاح، وقولُه: ((الأثِّمُ أولَى بنفسِها مِن وليّها)).
يُبَيِّنُ(٧) أن لوليّها فى إنكاحِها حقًّاً، ولكنْ حقُّها فى نفسِها أكثر؛ وهو ألَّ
تُزوَّجَ إلا بإذنِها، وقد أخبر أنه وليُّها، ولا فائدةَ فى ولايتِه إلا فى تَوَلِّى العقدِ
عليها إذا رضِيتْ ، وإذا كان لها العقدُ على نفسِها لم يكنْ وليًا، وهذا؟
٠٠
القبس
(١ - ١) سقط من: ح ، هـ .
(٢ - ٢) فى الأصل، م: ((الأول)). والمثبت يقتضيه السياق.
(٣ - ٣) فى الأصل، م: ((أنه يكون)). والمثبت يقتضيه للسياق.
(٤) فى م: ((بهذا)).
(٥ - ٥) فى الأصل، م: ((أن فيها)) . والمثبت يقتضيه السياق .
(٦) فى الأصل: ((متواجه))، وفى م: ((متواجد)). والمثبت يقتضيه للسياق.
.
(٧) فى الأصل، م: ((ويميل)). والمثبت يقتضيه السياق.
٩٥

الموطأ
واضحٌ عالٍ، وفيما تقدَّم مِن قولِ اللهِ تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ
الاستذكار
أَزْوَجَهُنَّ﴾. وأنها نزَلت فى عَضْلِ مَعْقِلٍ بنِ يسارٍ أُختَه عن ردِّها إلى
زوجِها - كفايةٌ وحُجَّةٌ بالغةٌ(٢) ، وبالله التوفيقُ(١).
قال أبو عمرَ : أجمَع العلماءُ على أن للأبِ أن يُزَوِّجَ ابنته الصغيرةَ ولا
يُشاورَها، وأن رسولَ اللهِ وَلَه تَزَوَّجَ عائشةَ بنتَ أبى بكرٍ وهى صغيرةٌ،
بنتُ ستِّ سنينَ أو سبع سنينَ ، أنكَحه إيَّها أبوها(٣) . وقال العراقيون: إذا
أَنكَح الأبُ أو غيرُه مِن الأولياءِ الصغيرةَ ، فلها الخيارُ إذا بلغت. وقال فقهاءُ
أهلِ الحجازِ: لا خيارَ لها فى الأُبِ ، ولا يُزوّجُها صغيرةٌ غيرُ الأبِ . قال أبو
قُوَّةَ موسى بنُ طارقٍ: سألتُ مالكًا عن قولِهِ وَلِّ: ((والبكرُ تُستأْذَنُ فى
نفسِها )). أيصيبُ هذا القولُ الأُبَ؟ قال: لا ، لم يُعْنَ الأَبُ بهذا، إنما
◌ُنِى به غيرُ الأبِ . قال: وإنكانحُ الأُبِ جائزٌ على الصغارِ مِن ولدِه، ذكرًا
كان أو أنثى، ولا خيارَ لواحدٍ منهم بعدَ (٤) البلوغ. قال: ولا يُنْكِخُ
الصغيرةَ أَحدٌ مِن الأولياءِ غيرُ الأبِ .
قال أبو عمرَ : اختلفوا فى الأُبِ ، هل يُجبِرُ ابنتَه الكبيرةَ البِكْرَ على
النكاح أم لا؟ فقال مالكٌ ، والشافعىُّ، وابنُ أبى ليلى : إذا كانت المرأةُ
القبس
(١ - ١) سقط من: ح، هـ .
(٢) ينظر ما تقدم ص٥٤ - ٥٦ .
(٣) تقدم تخريجه ص٧٩، ٨٠ .
(٤) فى ح، هـ، م: ((قبل)).
٩٦

الموطأ
بكرًا كان لأبيها أن يُجبِرَها على النكاح ما لم يكنْ ضررًا بَيّنًا، وسواءٌ الاستذكار
كانت صغيرة أو كبيرةً . وبه قال أحمدُ ، وإسحاقُ، وجماعةٌ. وحُجَّتُهُم
أنه لمَّا كان له أن يُزَوِّجَها صغيرةً، كان له أن يُزَوِّجَها كبيرةً إذا كانت بِكْرًّا؛
لأن العِلَّةَ البُكُورةُ، ولأن الأُبَ ليس كسائرٍ الأولياءِ؛ بدليلٍ تصرُّفِه فى
مالِها، ونظرِه لها ، وأنه غيرُ مُتَّهَم عليها، ولو لم يَجُزْ له أن يُزَوِّجَها بِكْرًا
بالغًا إلا بإذنِها، لم يَجُزْ له أن يُزَوِّجَها صغيرةً، كما أن غيرَ الأبِ لَّا(١) لم
يكنْ له أن يُزَوِّجَها بكرًا بالغًا إلا بإذنِها، لم يكنْ له أن يُزَوِّجَها صغيرةً ، ولو
احتيج إلى إذنِها فى الأُبِ ما زَوَّجَها حتى تكونَ ممن لها الإذنُ بالبلوغ، فلما
أجمعوا على أن للأبِ أن يُزَوِّجَها صغيرةً وهى لا إذنَ لها، صَحَّ بذلك أن له
أن يُزَوِّجَها بغيرِ إذنِها ما كانت بِكْرًا؛ لأن الفرقَ إنما ورَد بينَ البِكْرِ والتِيِّبِ
على ما فى الحديثِ. ومِن حَُّتِهم أيضًا قولُه وَلَهِ: (( لا تُنْكَحُ اليتيمةُ(١) إلا
بإذنِها )). فدَلَّ على أن ذاتَ الأُبِ تُنْكَحُ بغيرِ إذنِها إذا كانت بكرًا،
بإجماعِهم أيضًا على أن الثيّبَ لا تُزَوَّجُ إلا بإذنِها، وأنها أحقُّ بنفسِها فى
العقدِ عليها. ولمّا قال ◌َةِ: ((الثَّيِّبُ أحقُّ بنفسِها)). دلَّ على أن البِكْرَ
وليُّها أحقُّ بالعقدِ عليها وهو الأبُ؛ بدليلٍ قولِهِ وَلَه: ((اليتيمةُ لا تُنْكَحُ
حتى تُستأمَرَ )).
القبس
(١) سقط من: هـ، م، وفى الأصل: ((كما أن)). والمثبت مما تقدم ص ٦٧ .
(٢) فى ح، هـ: ((الثيب)).
٩٧
( موسوعة شروح الموطأ ٧/١٤ )

الموطأ
الاستذكار
وروَى محمدُ بنُ عمرو بنٍ علقمةً، عن أبى سلمةً ، عن أبى هريرةَ ، عن
النبی پټقال: « تُستأمرُ الیتیمةُ فی نفسِها ، فإن سگتت فهو رضاها» . رواه
جماعةٌ مِن الحفّاظِ عن محمد بن عمرو، وقد ذكرنا الأسانيد بذلك فى
((التمهيدِ))(١)، ولا أعلمُ أحدًا روَى هذا الحديثَ بهذا اللفظِ فى هذا
الحدیثِ غیر محمد بن عمرو، واللهُ أعلم، وقد ژُوِی مِن حدیثِ أبی
موسى ، وهو ثابتٌ أيضًا .
حدَّثناه عبدُ الوارثِ ، (٢قال: حدَّثنى قاسم٢ٌ)، قال: حدَّثنى إسحاقُ
ابُ الحسنِ الحربُ ، قال : حدّثنی أبو نعيم ، قال : حدّثنی یونسُ بنُ أبی
إسحاقَ، قال : حدَّثنى أبو بُرْدةً، عن أبى موسى، قال : قال رسولُ اللهِ
وَ لَه: ((تُستأمَرُ اليتيمةُ فى نفسِها، فإن سكتت فقد أذِنَت ، وإن أُنگرت لم
تکزة »(٣).
وقال أبو حنيفةً وأصحابُه، والثورىُّ، والأوزاعىُ، والحسنُ بنُ حىٍّ،
وأبو ثورٍ، وأبو عبيدٍ : لا يجوزُ للأبِ أن يُزَوِّجَ البالغَ مِن بناتِه بگرًا كانت أو
ثيًّا إلا بإذنها. ومِن حُجّتِهِم قولُه بِهِ: ((الأيٌّمُ أحَقُّ بنفسِها مِن وليِّها)).
قالوا : والأُيُمُ التى لا بَعْلَ لها ، وقد تكونُ بكرًا وثيًِّا. قالوا: وكلُّ أَيِّمٍ على
القبس
(١) ينظر ما تقدم ص ٦٧، ٦٨ .
(٢ - ٢) سقط من : م .
(٣) تقدم تخريجه ص٦٩.
٩٨
:

الموطأ
هذا ، إلا ما خصَّته السُّنَّةُ، ولم تَخُصَّ من ذلك إلا الصغيرةَ وحدَها يُزَوِّجها الاستذكار
أبوها بغيرِ إذنِها ؛ لأنه لا إذنَ لمثلها. وقد ثبت أن أبا بكرٍ زوَّج عائشةَ ابنته
مِن النبيِِّ لَّه صغيرةً، ولا أمرَ لها فى نفسِها، فخرَج الصغارُ مِن النساءِ
بهذا الدليلِ. وقالوا: الوَلِيُّ ههنا كلَّ وليّ؛ أبِ وغيرِ أبٍ. أخْذًا بظاهرٍ
العمومِ ، ما لم يرِدْ نصِّ يُخرجُه عن ذلك، ولا نصَّ ولا دليلَ يَخُصُّ ذلك
إلا فى الصغيرةِ ذاتِ الأُبِ. واحتُوا أيضًا بقولِهِ وَلَهِ: ((لا تُنْكَحُ البِكْرُ
حتى تُستأذنَ )). قالوا : فهذا على عمومِه فى كلّ بكرِ إلا الصغيرةَ ذاتَ
الأبِ؛ بدليلِ الإجماعِ على معنى حديثٍ تزويج النبيِّ بَِّ عائشةَ رضِى
اللهُ عنها .
قال أبو عمرَ: قولُهُ وَّةِ: ((لا تُنْكَحُ البِكْرُ حتى تُستَأمَرَ)). رواه
يحيى بنُ أبى كثيرٍ، عن أبى سلمةَ، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ الَّله. وقد
ذكَرنا الأسانيدَ بذلك فى ((التمهيدِ)) (١) . ولا أعلَمُ أحدًا روَى هذا الحديثَ
بهذا اللفظِ إلا يحيى بنَ أبى كثيرٍ ، رواه عنه جماعةٌ مِن أصحابِه ؛ منهم
أبانٌ، وهشامٌ، وشيبانُ، والأوزاعُّ(٢)، هكذا لم يختلفوا فيه.
حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ الملكِ، قال: حدَّثنى أحمدُ بنُ محمدِ بنِ
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٧١ - ٧٣.
(٢) أخرجه مسلم عقب الحديث (١٤١٩)، وابن ماجه (١٨٧١)، وأبو عوانة (٤٢٤١) من طريق
الأوزاعى به ، وبقية الطرق تقدم تخريجها ص ٧٢، ٧٣ .
٠٠
٩٩

الموطأ
الاستذكار زيادٍ ، قال: حدَّثنى الحسنُ بنُ محمدِ بنِ الصَّبَّاح الزعفرانُ ، قال : حدَّثنی
عبدُ الوهاب ، عن هشام بن أبى عبدِ اللهِ ، عن یحیی بنِ أبی کثیرٍ ، عن أبى
سلمةً، عن أبى هريرةَ، أن رسولَ اللهِ وَ لَه قال: ((لا تُنْكَحُ الأُيُمُ حتى
تُستأمرَ، ولا البِكْرُ حتى تُستأذنَ )). قالوا : يا رسولَ اللهِ، وكيف إذنُها ؟
قال: ((أن تَسْكُتَ)). هكذا فى حديث هشام: ((الأُيِّمُ)).
وقال أبانٌ : الثّيّبُ(١) لا تُنْكَحُ حتى تُستأمرَ(٢).
حدَّثنى عبدُ اللهِ ، قال: حدَّثنى محمدٌ ، قال: حدَّثنى أبو داودَ ، قال:
حدَّثنى مسلمُ بنُ إبراهيمَ ، قال: حدَّثنى أبانٌ ، قال : حدَّثنى يحيى، عن
أبى سلمةً، عن أبى هريرةَ، أن رسولَ اللهِ وَ لَه قال: ((لا تُنْكَحُ الثَيِّبُ حتى
تُستأمرَ، ولا البِكْرُ حتى تُستأذنَ)). قالوا: يا رسولَ اللهِ ، وكيف إذنُها ؟
قال: ((إذا سكتت فهو رِضاها)).
قالوا : فظاهرُ هذا الحديثِ يقتضِى أن البِكْرَ لا يُنكِحُها وليُها - أبًا كان
أو غيرَه - حتى يستأمرَها ويستأذنَها، وذلك لا يكونُ إلا فى البوالغ .
واحتجُوا أيضًا بحديث ابن عباس، أن جاريةً بكرًا أتَتِ النبىّ وَّل﴾ فذكرت
له أن أباها زوَّجها وهى كارهةٌ، فخيَّرها رسولُ اللهِ وَه .
قال أبو عمرَ : حديثُ ابنِ عباسٍ هذا انفَرد به جريرُ بنُ حازمٍ ، عن
القبس
(١) فى الأصل، م: ((الأيم)).
(٢) بعده فى الأصل، م: ((قال)).
١٠٠