Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْسُؤْعَة"
شِروح المُوَّة
لِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَس
المتوفى سنة ١٧٩هـ
الَّهِيْدُ وَالاسْتِذِكَارُ
لأِ عَ مُوسُفَ بِن ◌َالِدْ عَبدالّ
المتوفى سنة ٤٦٣ هـ
القَلَسُ
لِأَبِ بَكرٍ محمَدِينٍ عَبْدِاللّهِ ابْنِ العَربيّالمالكىّ
المتوفى سَنَّة ٥٤٣هـ
ټحقیں
الدّكتور / عَبْد اللَّهبْن عَبْدِالمُحْس التركيّ
بالتّاوك معَ
مركز مجر الحوث والدراسة العربية والإسلامية
الدكتور / عبد السند حسن يمامة
الجزء الرابع عشر

حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
القاهرة ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م

مَؤْسُوَعَةٌ
شروع الموظّا

الموطأ
کتابُ النكاح
التمهيد
القبس
کتابُ النكاحِ
ومعناه: الجَمْعُ والضَّمُّ ؛ وذلك يكونُ بالفعلِ وهو الوَطْءُ، وبالقولِ وهو
العَقْدُ ، وقالت طائفةٌ : إن الحقيقةَ هو الوطءُ، والعقدَ مجازٌ. وليس كذلك ، بل
كلاهما حقيقةٌ ؛ فإن القولَ يجمَعُ حقيقةً ، إلا أن جمع الأبدانِ محسوسٌ ، وجمعَ
الأقوالِ معقولٌ ، وكلاهما فى الشريعةِ معلومٌ، واللفظُ عليهما فيه محمولٌ ، وفى
الحديثِ الصحيح عن عائشةَ قالت : كان النكاحُ فى الجاهليةِ على أربعةِ أَنْحاءٍ ؛
يخطُبُ الرجلُ إلى الرجلِ وَلْتَه أو ابنته ، ويُضْدِقُها ثم يَنكِحُها ، وهذا نکامُ الناسِ
اليومَ . والنكاحُ الثانى: كان الرجلُ إذا طَهَرَت أهلُه يقول لها : اسْتَتْضِعی مِن فلانٍ .
فَتُرْسِلُ (١) إلى الرجلِ فِيَطَؤُها ، ويعتزلُها زوجها، حتى إذا تَبَيَّنَ حَمْلُها تَخَلَّى عنها،
وأصابَها زوجها إن شاءَ، وإنما يفعلون ذلك رغبةٌ فى نَجابةِ الولدِ. والنكاح
الثالثُ : كان الرَّهْطُ (٢) - العَشَرةَ فما دونَهم - يَطَئُون المرأةَ، حتى إذا حمَلَت
ووَلَدَتِ ومَّتْ عليها ليالىَ(٢)، أرسَلَت إليهم، فلا يستطيعُ أحدٌ أن يَتَخَلَّفَ عنها ،
فإِذا اجتَمَعوا عندَها أُلحَقَتْهُ بِأَيُّهم شاءَت، فيكونُ ولدَه. النكاحُ الرابعُ : نِكاح
(١) فى ج، م: ((فيرسل)).
(٢) بعده فى م: ((من)).
(٣) فى د: ((الليالى)).

الموطأ
التمهيد
القبس البغايا؛ كُنَّ يَنْصِبْنَ على أبوابِهِن راياتٍ، فيُعْلَمُ ذلك منهن، فمَن أرادَهُنَّ دخَله،
حتى إذا حمَّلَت ووَلَدت دُعِى له القافَةُ (١) ، فمَن ألحقوه به منهم كان ولدَه . ثم هدَم
اللهُ عزَّ وجلَّ ذلك كلَّه إلا نكاحَ الناسِ اليومَ . رواه البخارىُّ وغيرُه، قال أبو داودَ
فيه: إلا نكاح الإسلامِ().
وفيه فوائدُ؛ وهى : ابتغاءُ النَّسْلِ لتحقيقِ الكلمةِ" وبقاءِ العملِ، ووجودُ
العِقَّةِ والعِصْمةِ. وفيه مِن الآفاتِ العجزُ عن الحقوقِ المرتبطةِ به، "وتَعَذُّرُ" طلبٍ
الحلالِ المحتاجِ إليه فى إقامةِ القوتِ .
واختلف العلماءُ فی حکمه؛ فمنهم من قال : إنه مباخ . منهم الشافعُّ ؛ لأنه
نَيْلُ لَذَّةٍ ، وقضاءُ شهوةٍ ، فصار كسائرِ اللَّذَّاتِ المُقْتَضاةِ جِبِلَّةً . ومنهم مَن قال : إنه
قُرْبٌ . منهم مالكٌ وأبو حنيفةً ، وهذا هو الصحیحُ ، والدليلُ عليه ما رواه البخارىُّ
وغيرُه، أن ناسًا اجتَمَعوا، فقال بعضُهم: كيف عملُ رسولِ اللهِ وَلَّه فِى السِّرِّ؟
فلما ذُكِر لهم تَقالُّوه ، فقال قائلٌ منهم: أمَّا أنا فلا أتَزَوَّبج. وقال آخَرُ: أما أنا فلا آكُلُ
اللحمَ. وقال الآخرُ: أمّا أنا فلا أنامُ على فراشٍ. فبلغ ذلك النبىَّ وَّهِ، فقال: ((أمَّا
أنا فَأَتَزوَّجُ، وأنامُ على الفراشِ، وآكُلُ اللحمَ، فمَن رَغِب عن سُنَّتِى فليس
مِنِّى))(٤). وفى الصِّحاح أن النبيَّ بَّه قال: ((يا معشرَ الشبابِ، عليكم بالبَاءَةِ ،
:
(١) القافة واحدها قائف : وهو الذى يتتبع الآثار ويعرفها ويعرف شبه الرجل بأخيه وبأبيه .
التاج ( ق وف ) .
(٢) البخارى (٥١٢٧)، وأبو داود (٢٢٧٢).
(٣ - ٣) سقط من : م .
(٤) البخارى (٥٠٦٣)، ومسلم (١٤٠١).
٦

*
الموطأ
1
٠٠٠
التمهيد
القبس
فمَن لم يَسْتطِع فعليه بالصومِ؛ فإنه له وجاءٌ)) . فحمَلهم على النكاحِ وندَبهم
إليه ، وقد كانت سُنَّهُ مَن مضَى الإقبالَ على العبادةِ والانقطاعَ عن الأهلِ ، إلا أن
محمدًا وَلِّ جاء بالحنيفيةِ السَّمْحةِ، فأمَر بالعبادةِ ، وأَذِن فى قضاءِ الشهوةِ ؛ حَضًّا
١
على التَّخْصينِ، ورغبةً فى العِقَّةِ ، وقطعًا للعَلائقِ، وتعرُّضًا لبقاءِ العملِ إلى يومٍ
القيامةِ، وتحقيقًا لموعدِ الشارع؛ ففى بعضِ الآثارِ: ((تَناكَحوا تَناسَلوا؛ فإنى
مُكاثِرٌ بكم الأممَ يومَ القيامةِ)) (١). وهذا و("إن لم يَكُنْ صحيحًا، فأمَّةُ(٤) محمدٍ
﴿وَه أعظمُ الأمم عددًا، وأرفعُهم رتبةً؛ ولذلك روَى الأئمةُ فى الصحيحِ أن النبىَّ
وَلَوَ رَدَّ على عثمانَ بنِ مَظْعون التَّبُّلَ، ولو أذِن له لاخْتَصَينا) . ولكنَّ الجوابَ
يختلِفُ فى ذلك؛ فمَن لم يَكُنْ له إلى النساءِ مَيْلٌ، وعلِمٍ مِن نفسِه التقصيرَ فى
حقوقِ النكاح، وتَعَذَّر عليه الحلالُ مِن الرزقِ ، فالتَّلُ له أفضلُ، وأما مَن
اسْتَغْلَم (١)، واسْتَولى عليه الشَّبَقُ(١)، فيَتْكِحُ ويجتهِدُ فى المحاولةِ على الحقوقِ ،
ولْيَتَبِعِ الحلالَ إن وجَده، أو يأخُذْ مِن المُشْتَبِهِ على قَدْرِ الحاجةِ، وتمالمُ ذلك
(١) البخارى (١٩٠٥)، ومسلم (١٤٠٠).
(٢) أبو داود (٢٠٥٠)، والنسائى (٣٢٢٧).
(٣) سقط من : م .
(٤) فى ج، م: ((ولكن معناه صحيح فإن أمة)).
(٥) أخرجه البخارى (٥٠٧٣، ٥٠٧٤)، ومسلم (١٤٠٢) من حديث سعد بن أبى وقاص .
(٦) غَلِم الرجلُ وغيره، يَعْلِمُ غَلْمًا: إذا هاج. والغُلْمة: هيجان شهوة النكاح من الرجل والمرأة
وغيرهما. اللسان ( غ ل م ) .
(٧) شِقِ الرجلُ شَبَقًا: اشتدت غُلمتُه. التاج ( ش ب ق ) .
(٨) فى م: ((المشتبهة)).
٧

الموطأ
التمهيد
القبس وتحقيقُه فى المسائل. ومِن الناسِ مَن يَرى أن مداواةً ) نفسِه عن الغُلْمةِ والشَّبَقِ
بِمُلازمةِ العبادةِ والإكبابِ على طلبِ العلم ، أُولَى مِن التَّشَبُثِ فى مُراعاةِ الحقوقِ
وطلبِ الحلالِ ، والمسألةُ مُخْتمِلَةٌ . فإن لم يَكُنْ له بُدِّ مِن النكاح حَسَبَ ما يُفْضِى
إليه النظرُ، أَو يَسْبِقُ به القَدَرُ، فلا يذهَلْ عما رُوِى فى ((الصحيحِ) عن النبيِّ وَلَّ،
أنه قال: ((تُنكَحُ المرأةُ(١) لمالِها وحسَبِها) ودينها، فعليك بذاتِ الدينِ تَرِبَت
يَداك)). رواه البخارىُّ وغيرُهُ(٤). وَيَشْهَدُ لصحتِه قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَنكِحُواْ
الْأَيَمَى مِنكُمْ﴾ الآية إلى: ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢]. ومِن فضلِ اللهِ عزَّ وجلَّ أنه
أحَلَّ لنا (9) النساءَ أجمعَ، على أن عددَهن لا يُحْصَى، وحرَّم علينا منهن أربعينَ ؛
منهن أربعٌ وعشرونَ تحريمُهن مؤبَّدٌ لازمٌ ، ومنهن سِتَّ عشْرةَ تحريمُهن لعارضٍ ؛
الأمّ ، البنتُ ، الأختُ ، العَمَّةُ، الخالةُ ، بنتُ الأخ، بنتُ الأُختِ ، فهؤلاء سبعٌ،
ومِن الرضاعِ مِثْلُهن؛ لقولِه: ((يَخْرُمُ مِن الرَّضاع ما يَخْرُمُ مِن النَّسَبِ)) (١). فَهُنَّ
أربعَ عشرةَ، ومِن الصِّهْرِ أربعٌ ؛ أَمّ الزوجةِ ، وبنتُها ، وزوجةُ الابنِ ، وزوجةُ الأبِ،
ومن الجمعِ ثلاثٌ؛ الأختان قُرْآنًا، والمرأةُ وعمتُها والمرأةُ وخالتُها سُنَّةً(٢)،
(١) فى ج، م: ((مداراة)).
(٢) بعده فى م: ((لأربع)).
(٣) بعده فى م: ((ولجمالها)).
(٤) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٢٦٠) من الموطأ .
(٥) فى ج، م: (( له)).
(٦) سيأتى فى الموطأ (١٣٠٦، ١٣٢١) وفى شرح الحديث (١٣٠٨) من الموطأ .
(٧) سيأتى فى الموطأ (١١٤٤).
٨

الموطأ
التمهيد
القبس
(٢)
والمُلاعِنةُ سُنَّةً(١)، والمُنْكَحَةُ فى العِدَّةِ بإجماع مِن الصحابةِ فى قضاءٍ عمرَ ،
وزوجةُ النبيِِّ نَ ◌َّ، وقد سقَط ذلك.
وأما التحريمُ العارضُ؛ فالخامسةُ، والزوجَةُ(٢)، والمُعْتَدَّةُ، والمُسْتَبْرأةُ ،
والحاملُ ، والمطلَّقةُ ثلاثًا ، والمُشْرِكةُ(٤)، والأَمَةُ الكافرةُ ، والأمَةُ المُسْلِمةُ لواجدٍ
الطَّوْلِ، وأمَّةُ الابنِ، والمُخْرِمةُ، والمريضةُ، ومَن كان ذا مَخْرمٍ مِن زوجته
اللائى لا يجوزُ الجمعُ بينَهن وبينَها(٢)، واليتيمةُ(٢) الصغيرةُ، والمنكوحةُ يومَ
الجمعةِ عندَ النداءِ، والمَنْكوحةُ عندَ الخِطْبةِ بعدَ التَّرَاكُنِ(٨). هذا مُنْتَهَى كلامٍ
علمائِنا العراقيّين بنَصِّه، ورأيتُ لشُحنونٍ قد زاد فيها : الشَّيِّبُ الصغيرةُ إذا رجَعت
("إلى والدِها) قبلَ البلوغ. وفى ذلك كلِّه تفصيلٌ وتطويلٌ، بيانُه فى كتبٍ (١٠)
المسائلِ، ومِن جملةِ ذلك أن يُقالَ فى عقدٍ واحدٍ: والمنهىُ(١١) عن نكاحِها لأمرٍ
(١) سيأتى فى الموطأ (١٢٢٣).
(٢) سيأتى فى الموطأ (١١٥٢).
(٣) فى ج، ١: ((المزوجة)).
(٤) فى م: ((المشتركة)).
(٥ - ٥) فى ج: ((زوجة اللاتى))، وفى م: ((زوجه اللاتى)).
(٦) فى د: ((بنتها)).
(٧) بعده فى د: ((و)).
(٨) التراكن والركون: الميل والاطمئنان إلى الشىء. ينظر اللسان ( ر ك ن ).
(٩ - ٩) سقط من : ج .
(١٠) فى ج، م: ((كتاب)).
(١١) فى د: ((النهى)).
٩

الموطأ
ما جاء فى الخِطبةٍ
١١٢٤ - مالكٌ، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حَبَّانَ، عن الأعرجِ، عن
أبى هريرةَ، أن رسولَ اللهِ وَلَه قال: ((لا يَخطُبْ أحدُكم على خِطبةٍ
أخيه)) .
التمهید
مالك، عن محمدٍ بنٍ يحيى بنِ حَبَّنَ، عن الأعرج، عن أبى هريرةَ ،
أنَّ رسولَ اللهِ وَّله قال: ((لا يخطُبْ أحدُكم على خِطبةِ أخيهِ)) (١).
قال أبو عمرَ : هذا حديثٌ صحيحٌ ثابتٌ عن النبيِّي وَلّ، ورُوِى عن
(٢)
(٢).
وسـ
أبى هريرةَ من وُجوهٍ، وروَاه أيضًا ابنُ عمرَ عن النبىّ
والمعنى فيه عندَ أهلِ العلم بالحديثِ أنَّ الخاطبَ إذا رُكِنَ إليه ، وقَرِب
القبس
يرجِعُ إلى العقدِ . فيدخُلَ فيه نكاح يوم الجمعةِ، وعلى خِطْبةٍ أخيه، وأمثالُه ،
فيكونُ قِسْمًا واحدًا يتَضمَّنُ أعيانًا كثيرةٌ مِن المسائلِ، فَلْتطلُبْ تبيانَ ذلك حیثُ
أَحَلْنا عليه .
ولما كان النكاح فى الإسلام كما قالت عائشةُ رضِى اللهُ عنها يكونُ ابتداؤُه
بِخِطْبةٍ - بكسر الخاءِ - بدَأُ بذلك مالكٌ فى ((موطئِهِ)) كما يجِبُ ، فقال : بابُ ما
جاء فى الخِطْبةِ . وأدخَل الحديثَ عن ابنِ عمرَ وأبى هريرةَ: ((لا يَخْطُبْ أحدُكم
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٥٢٨)، وبرواية يحيى بن بكير (١/١٢ظ - مخطوط)، وبرواية أبى
مصعب (١٤٦٦). وأخرجه ابن وهب فى موطئه (٢٦٦)، والشافعى ٣٩/٥، ١٦٢، وأحمد ٣٥/١٦
(٩٩٥١)، والنسائى (٣٢٤٠)، وأبو القاسم الجوهرى فى مسند الموطأ (٢٥٦) من طريق مالك به.
(٢) سيأتى فى الموطأ (١١٢٥).
١٠

الموطأ
التمھید
أمرُه ، ومالتِ النفوسُ بعضُها إلى بعضٍ فى ذلك، وذُكِرِ الصَّداقُ ، ونحوُ
ذلك، لم يَجُزْ لأحدٍ حينئذِ الخِطبةُ على رجل قد تناهَتْ حالُه وبلغت ما
وصَفْنا. والدليل على ذلك أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ قد خطَب لأسامةَ بنِ زيدٍ
فاطمةَ بنتَ قيسٍ إِذْ أخبرته أنَّ معاويةَ وأبا جَهْم خطَباها ، ولم يُنكِرْ أيضًا
خِطبةً واحدٍ منهما ، وخطَبها على خِطبتِهما ، إذ لم يكنْ من فاطمةَ ركونٌ
( (١)
ومَيْلٌ) . واللهُ أعلمُ .
القبس
على خِطْبةِ أخيه)). وفصَل حديثَ ابنِ عمرَ (١) مِن حديث أبى هريرةَ فى السندِ
والمتنِ ؛ لأنه كان لا يَرى رأىَ شيخِه ابنِ شهابٍ فى جمعِ المُفْتَرِقِ كما قال : دخَل
حديثُ بعضِهم فى بعضٍ. كما كان البخارىُّ لا يَرى تفريقَ المُجْتمِعِ ، وهو أيضًا
مذهبُ مالكٍ، كما أدخَل مالكٌ حديثَ فضلِ العَتَمةِ ، ثم عَقَّبه بقولِه : مَرَّرجلٌ فى
طريقِه بِغُصْنٍ شوكٍ (١) . فتَرى الجُمَّالَ يَتَعَبون فى تأويلِه وفائدةِ إدخالِه له هلهنا ،
وإنما كان ذلك لأنَّه سمِعه معه (٤) ، وكذلك يَرْوِى البخارىُّ الحديثَ فى مواضعَ،
ثم يُعَقِّبُه، فيقولُ: وبه أن رسولَ اللهِ نَِّ قال كذا . والامتنائُ مِن جمعِ المُفْتَرِقِ أو
فَرْقِ المُجْتَمِع لفائدتَين؛ إحداهما: التَّعَرُّضُ لدعوةِ النبيِّ وَلِّ حِينَ قال: ((نَضَّرَ
اللهُ امرأً سمِعِ مَقالتى فوَعاها، فأَدَّاها كما سمِعها)) الحديث(٥). والثانيةُ: أنه إن
(١) ينظر ما سيأتى فى شرح الحديث (١٢٦٠) من الموطأ .
(٢) سيأتى فى الموطأ (١١٢٥).
(٣) تقدم فى الموطأ (٢٩٣) .
(٤) فى د، م: ((منه)).
(٥) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٩٣٢) من الموطأ .
١١

الموطأ
التمهيد
وهذا البابُ يجرِى مجرَى قولِهِ وَله: (( لا بيع بعضكم على بيعِ بعضٍ،
ولا يَسُمْ (١) أحدُكم(٢) على سومِ أخِيهِ)) (٢). أَلَا تَرَى أَنَّه لو تُرِك البائعُ مع أوَّلٍ
مُساوِمٍ لأَخَذَ السلعةَ بما شاء، ولكان فى ذلك ضررٌ بَيِّنّ داخلٌ على الناسِ .
وقد فشَر مالكٌ ، والشافعىُّ، وأبو عبيدٍ ، هذا الحديثَ بمعنى ما ذكرنا .
ومعلومٌ أنَّ الحالَ التى أجاز فيها رسولُ اللهِ وَلِّ الخِطبةَ لأسامةَ فى الحديثِ
المذكورِ غيرُ الحالِ التى نهَى أن يخطُبَ فيها الرجلُ على خِطبةِ أخيهِ ، وإذا
القبس فُتِحَ هذا البابُ ربما تَعرَّض له مَن لا يُحْسِنُ الجمعَ والفرقَ ، فيُفْسِدُ الأحاديثَ.
وصفةُ الخِطْبةِ - بكسرِ الخاءِ - أن يبدأَ بالخُطْبةِ - بضَمّ الخاءِ - فِيَحْمَدَ اللهَ،
ويُثْنِىَ عليه، ويُصَلِّىَ على محمدٍ وَ لِّ، ثم يقولَ كما رواه الترمذىُّ(): ﴿يَأَيُّها
اُلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ، وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم ◌ُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]،
﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِى تَّسَاءَلُونَ بِهِ، وَالْأَرْحَامُّ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]،
﴿أَتَّقُواْ اللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ الآيةَ [الأحزاب: ٧٠]. وإن فلانًا رغِب فيكم،
وضوَى (٥) إليكم، وفرّض" مِن الصَّداقِ لكم كَيْتَ وكَيْتَ فأنكِحوه .
هذه هى السنةُ؛ فإن جاء أحدٌ بها فبها ونِعْمَتْ، وإن قَصَّر عنها وأتَى
(١) فى الأصل، م: ((يسوم)). والمساومة: المجاذبة بين البائع والمشترى على السلعة وفصل ثمنها.
النهاية ٤٢٥/٢ .
(٢) فى الأصل: (( أحد)).
(٣) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٤٢٠) من الموطأ .
(٤) الترمذى (١١٠٥).
(٥) غير واضحة فى: د.وفى م: ((هوى)). وضوى: أى انضم ولجأ ومال. اللسان (ض وى).
(٦ - ٦) سقط من : م .
١٢

الموطأ
التمهید
كان ذلك كذلك، فالوجهُ فيه ما وصَفنا إن شاء اللهُ تعالى.
حدثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال :
حدثنا محمدُ بنُ شاذانَ ، قال: حدثنا المُعلَّى بنُ منصورٍ ، قال : حدثنا
الليثُ بنُ سعدٍ ، عن أبى الزبيرِ قال : سألتُ عبد الحميدِ بنَ عبدِ اللهِ بنِ أبی
عمرو بنِ حفصٍ عن طلاقٍ جدِّه فاطمةً بنتَ قَيْسٍ ، فقال عبدُ الحميدِ :
طلَّقها البتةَ، ثم خرَج إلى اليمنِ. وذكر الحديثَ، وفيه: فانتقَلتْ إلى ابنِ أمّ
(١) القبس
بالمقصودِ له منها أجْزَتْ، حتى قال مالكٌ رضوانُ اللهِ عليه: لو بادَر رجلٌ.
رجلًا، فقال له: هل تُزَوِّجُنى ابنتَك بألفٍ؟ فقال الآخرُ: نعم. لزِمه. وقال
الشافعىُّ: لا يلزَمُه حتى يقولَ له الآخرُ بعدَ ذلك: قبِلتُ . وكذلك الخلافُ فى
البيع مثلُه ، ولَقَبُ المسألةِ : هل تنعقِدُ العقودُ بالاسْتِدعاءِ أم لا؟ والصحيح ما ذهَب
إليه مالكٌ؛ لأن الغرضَ مِن القَبولِ معرفةُ الرّضا، وقد حصَلت معرفةُ الرِّضا
بالاسْتِدعاءِ، فإن قال: كنتُ هازِلًا. فَزْلُ النكاح جِدٍّ، ومثلُ هذه الدَّعْوى لا(٢)
يَتَطَرَّقُ إلى القَبولِ، ولا تُسمِعُ إجماعًا. وإن قال: قصَدْتُ الاستعلامَ () ، فإن
علِمتُ بما عندَه كنتُ بعدَ ذلك على الاختيارِ والارتياءِ. فلا اختيارَ( ولا ارتياءً فى
النكاحِ إجماعًا؛ بدليل أنه لو صَرَّح بشرطِه لم يَمُزْ .
والحديثُ مشهورٌ فى ((الصحيح))، ذكَر منه مالكٌ نصفَه، وتمامُّه: ((لا
(١) سقط من : م ..
(٢) زيادة يقتضيها السياق .
(٣) فى ج، م: ((الاستدعاء)).
(٤) فى م: ((إخبار)).
١٣

الموطأ
التمهيد مكتوم حتى حلَّتْ ، فخطَيها معاويةُ بنُ أبى سفيانَ وأبو جهم بنُ حذيفةً ،
فذكَرَتْ ذلك لرسولِ اللهِ وَ لَه فقال: ((أمَّا معاویةُ فغلامٌ من غلمانِ قریشٍ لا
يَملِكُ شيئًا ، وأمَّا أبو جَهم بنُ حذيفةَ فإِنِّى أخافُ عليكِ عصاه ، ولكنْ إن
شئتِ دلَلْتُكِ على رجلٍ ؛ أسامةَ بنِ زيدٍ )). قالت: نعم يا رسولَ اللهِ .
فزوَّجها أسامةَ بنَ زيدٍ (١).
القبس يَخْطُبْ أحدُ كم على خِطْبةِ أخيه، ولا يَبِغْ على بيع أخيه)). ومعنى: ((لا يَبِعْ)) : لا
يُمْ؛ لأن البيعَ إن وقَع لم يُتَصَوَّرْ بعدَه بَيْعٌ، وكذلك رواه مسلم: ((لا يَخْطُبْ
أحدُكم على خِطْبةِ أخيه ، ولا يَسُمْ على سَوْمِ أخيه)). مُفَسَّرًا مُتْقَنًا، والحديثُ عام
بإطلاقِهِ فى كلِّ حالةٍ مِن أحوالِ الخِطبةِ ، خصَّصه فى عمومِه ، وحَمَله على بعضٍ
مُحْتمَلاتِهِ ، حَسَبَ ما فشَره مالكٌ ، إذا تَراكنا واتفقا على الصَّداقِ وهما يُحاولانِ
العقدَ ويَتناولانِه - أمرانٍ بَدِيعان ؛ أما أحدُهما : فحديثُ فاطمةَ بنتٍ قیسٍ ، قال لها
النبيُّ وَالَ: ((إذا حَلَلْتِ فلا تُحْدِثى شيئًا حتى تُؤْذِنِينى)). قالت: فلما حَلَلْتُ چِئتُه
فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، خطَبنى معاويةُ بنُ أبى سفيانَ وأبو جَهْم بنُ(١) حُذَيفةَ. فقال
لها: ((أما معاويةُ فصُغْلُوٌ لا مال له ، وأما أبو جَهْم فلا يضَغُ عصاه عن عاتقه ، ولکن
انْكِحى أسامةَ بنَّ زيدٍ )). فنَكَحْتُه واغْتَبَطْتُ به(٣). وأما الثانى: فما أشارَ إليه مالكٌ
مِن قوله : وهذا بابُ فسادٍ يدخُلُ على الناسِ . إشارةً إلى ما يقعُ بينَهم مِن التقاطعِ
والشَّخْناءِ التى فيها فسادُ ذاتِ البَيْنِ ، فخصَّص مالكٌ هذا العمومَ ، وحمله على بعضٍ
(١) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٦٥/٣ من طريق الليث به .
(٢) بعده فى النسخ: (( أبى)). وينظر ما سيأتى فى شرح الحديث (١٢٦٠) من الموطأ .
(٣) سيأتى فى الموطأ (١٢٦٠).
١٤

الموطأ
ففى هذا الحديثِ أوضحُ الدَّلالةِ على معنَى النهي أن يخطُبَ الرجلُ على التمهيد
خِطبةِ أخيه ، وأنَّ الوجهَ فيه ما ذكرنا . واللهُ أعلمُ .
وذكر ابنُ وهبٍ، قال: أخبرنى مَخرَمةُ بنُ بكيرٍ، عن أبيه، عن
عبيدِ اللهِ بنِ سعدٍ، عن الحارِثِ بنِ أبي ذُبابٍ، أنَّ جريرًا البَجَلىَّ أَمَره عمرُ
ابنُ الخطابِ أن يخطُبَ امرأةٌ من دوسٍ ، ثم أمَرَه مروانُ بنُ الحكم من بعدِ
ذلك أن يَخطُبَها عليه، ثم أُمَره عبدُ اللهِ بنُ عمرَ (١) ، فدخَلَ عليها فأخبَرها
القبس
مُحتمَلاتِه بالمصلحةِ؛ وهو أصلٌ ينفردُ به عن سائرِ العلماءِ، فأصولُ الأحكام
خمسةٌ، منها أربعةٌ متفقٌ عليها مِن الأمةِ؛ الكتابُ، والسنةُ ، والإجماعُ،
والنظرُ " والإنباطُ) والاجتهادُ ، فهذه هى الأربعةُ ، والمصلحةُ وهو الأصلُ الخامسُ
الذى انفرّد به مالكٌ دونَهم ، ولقد ؤُفِّق فيه مِن بينهم ، وقد بيًّّا ذلك فى أصولِ الفقهِ .
ثم اختلَفت المالكيةُ إذا وقَع هذا؛ فقيل: يُفْسَخُ ؛ لأنه فاسدٌ مَنْهِىٌّ عنه، خارجٌ
عن قانونِ الشريعةِ، وقد قال النبىُّ وَّهِ: ((مَن عمِل عملا ليس عليه أمرنا فهورَةٌ))(١).
ومنهم مَن قال: أركانُ العقدِ سليمةٌ ( عن الفسادٍ) ؛ المتعاقدان والولىُ والصَّداقُ،
وإنما المعنى الذى نُهِى عنه فى غيرِ شروطِ العقدِ. قالوا: ومتى ما وقَع النهىُ فى
العقودِ على هذا النحوِ مُنِع منها ، فإن وقَعت مضَت؛ إِمَّا بنفسِ العقدِ ، وإمَّا بالقوةِ
(٦)
(١) بعده فى ى، م: ((بعد ذلك)).
(٢ - ٢) سقط من: ج، م. وأنبط الماء : استنبطه ؛ أى استخرجه . ومن المجاز: استنبط الفقيه .
أى : استخرج الفقه الباطن بفهمه واجتهاده . اللسان والتاج ( ن ب ط ) .
(٣) تقدم تخريجه فى ٨/١١ .
(٤ - ٤) فى م: ((من الفساد و)).
(٥ - ٥) فى م: ((من غير شرط)).
(٦) فى د: ((عند القوة)).
١٥

الموطأ
التمهيد بهم الأوَّلَ فالأوَّلَ، ثم خطَبها لنفسِه معهم(١)، فقالت: واللهِ ما أدرِى
أتلعبُ أم أنت جادًّ ؟ قال: بل جادٌّ . فنكَحته فولَدت له ولَدَین .
وهذا يبيِّنُ لك معنَى قولِهِ وَّهِ: (( لا يخطُبْ أحدُكم على خِطْبةٍ
أخيه)). أنَّه كما قال مالكٌ، والشافعىُّ، وجمهورُ الفقهاءِ، أَنَّ ذلك أن
تركَنَ إليه، ويَتراضَيا ويتَّفقا على صداقٍ معلوم، وهى تشتَرِطُ لنفسِها ،
ونحوُ ذلك ممَّا تُعلَمُ به الموافقةُ والرُّكونُ . واللهُ أعلمُ .
القبس فى الدخول على حَسَبِ حالِ النهي والسببِ الذى نُهِی عنه لأجله ، حَسَبَ ما
تَتعارضُ فيه الأدلةُ ويَتَبيَّنُ فى أعيانِ المسائلِ ، وقد ذكَر مالكٌ فى مَعْرِضٍ تَخْصيصٍ
النهي بالخِطْبةِ التعريضَ بخِطبةِ المُعْتَدَّةِ ، وهو كلُّ قولٍ يُفْهَمُ منه المقصودُ حالًا ،
ولا يُفْهَمُ مِن التصريحِ فى المقالِ؛ كقولِ ابنِ القاسمِ المَرْوِىِّ فى ((الموطأُ))(٢)،
وأشدُّه قولُه : إنى فيكِ لراغبٌ. ولكنه لمّا لم يَكُنْ فيه للنكاح ذكرٌ جازَ، وهذه
رخصةٌ لا يقاسُ عليها، ولا تَعَلُّقَ للمُخالفِين فى احتجاجِهم على تعليقِ الحكمِ
بالألفاظِ دونَ المعانى ردًّا على مالكٍ؛ لأنه لا يقاسُ على مخصوصٍ، ولا يقاسُ
منصوصٌ على منصوصٍ؛ لأَن فى القياسِ على المخصوصِ إبطالَ الخصوصِ،
وفى قياسٍ المنصوصِ على المنصوصِ إبطالَ النصوصِ.
نكتةٌ : لمَّا خلَق اللهُ عزَّ وجلَّ الذكر والأنثى لبقاءِ النسلِ، وركّب الشهوةً فى
الجِبِلَّةِ تيسيرًا لذلك، وتَخْرِيضًا عليه، حجَزه عن مُطْلَقِ العملِ بِمُقْتضاها فى
(١) سقط من : ى، م .
(٢) سيأتى فى الموطأ (١١٢٦).
١٦
...

الموطأ
وذكَر إسماعيلُ بنُ(١) أبى أويسٍ، قال: سُئِل مالكٌ عن رجلٍ خطَب التمهيد
امرأةٌ ، وركَنت إليه ، واتفقا على صداقٍ معروفٍ ، حتى صارَتْ من اللاتى
قال رسولُ اللهِ وَلَّهِ: (( لا يخطُبُ الرجلُ على خطبة أخيه)). قال: قال
مالكٌ: إذا كان(٢) هكذا، فملكها رجلٌ آخرُ ولم يدخُلْ بها، فإِنَّه يُفرَّقُ
بينَهما، وإن دخَل بها مضَى النِّكاح ، وبئس ما صنَع حينَ خطَب امرأةٌ نهَى
رسولُ اللهِ وَلَّهِ أَن تُخطَبَ على تلك الحالِ. قال: وسمِعتُ مالكًا يقولُ:
أكرَهُ إِذا بعَث الرجلُ رجلًا يَخطُبُ له امرأةً ، أن يَخطُبَ(٢) الرسولُ لنفسِه،
القبس
الآدميِّين بالتكليفِ ، وأرسَله فيما عداهم لعدمِ التكليفِ ، والبارئُ تعالى غنىٌّ عن
العالمين، فتَظّمه بروابطَ ، ورتَّبه على شرائطَ اختلف العلماءُ فيها اختلافًا كثيرًا،
أصولُها عندَ علمائنا خمسةٌ؛ المُتعاقدان المستأهلان(٤) لذلك، والصَّداقُ الذى
يصْلُغُ أن يكونَ صَداقًا، والولىُ للزوجةِ الذى يَتولَّى العقد، والإعلانُ المُفَرِّقُ بينَه
وبينَ السّفاحِ. فلم يجعَلِ اللهُ تعالى العقدَ إلى المرأةِ أولاً(*)؛ مخافةً أن تَغْلِبَ
شهوتُها عقلَها ، فَتَضَعَ نفسَها فى غيرِ موضعِها، كما لم يجعَلِ الطلاقَ إليها آخِرًا؛
الفضلِ القِواميّةِ فى الرجلِ، و(٧) لأنه لا يُؤْمَنُ أيضًا مِن تَهافُتِها(٨) أن تَنْبِذَ زوجَها
(١) فى الأصل: ((عن ابن)).
(٢) بعده فى ى: ((هذا)).
(٣) فى ى: ((يخطبها)).
(٤) فى م: ((المتأهلان))، واستأهل الشىء: استوجبه واستحقه. اللسان (أهـ ل ).
(٥) سقط من : د .
(٦) فى م: ((القوامة)).
(٧) سقط من : ج .
(٨) فى م: ((تفاهتها)).
١٧
( موسوعة شروح الموطأ ٢/١,٤ )

الموطأ
التمهيد وأراها خيانةً ، ولم أسمَعْ أحدًا أرخصَ فى ذلك .
قال أبو عمرَ : ذلك عندى على أنَّه لم يذكُرِ الرجلَ المرسِلَ له ، ولو
ذكّرَه وذكّرَ نفسَه لم يكنْ بذلك بأسٌ، على حديثٍ عمرَ المذكورِ . واللهُ
أعلمُ .. ولم يختلفِ العلماءُ فى أنَّه إذا لم يكنْ رُكونٌ ولا رضًا، أَنَّ النّكاح
جائزٌ، واختلَفوا إذا وقَعَ النكاح مع الثانى بعدَ الرُّكونِ إلى الأُولِ والرّضَا به ؛
فقولُ مالكِ ما ذكّرنا ، وقد رُوِى عنه أنه يُفسَخُ على كلِّ حالٍ ، وروى عنه
أنه لا يُفسَخُ أصلًا. وهو قولُ أبى حنيفةَ وأصحابِهِ ، وقولُ الشافعىِّ ؛ أنَّه لا
يُفسَخُ ، واختُلِف عنه؛ هل هو عاصٍ بفعلِه ذلك أم لا ؟ وقال داودٌ : يُفسَخُ
القبس عندَ رؤيتها غيرَه كتَبْذِها لنَعْلِها؛ قال اللهُ تعالى: ﴿وَأَنْكِحُواْ الْأَيَمَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢].
فخاطَب الأولياءَ بالأمرِ بالنكاح فى موضعِه، كما خاطَبهم بالنهي عن(١)
تَعَدِّى الأُمرِ، فقال تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ﴾ [البقرة:
وقال النبيُّ مَّله فى رواية أبى موسى: ((لا نِكاح إلا بوليٌ)). رواه الترمذىُّ
وغيرُهُ(١)، وثبت عن النبيِّ وَ أنه قال: ((أَيُّما امرأةٍ نَكَحَتُ(١ بغيرِ إذنٍ وَلِيِّها،
فنكاحُها باطلٌ ، فنكاحُها باطلٌ ، فنكاحها باطلٌ ، فإن مَسَّها فلها المَهْرُ بما استحَلِّ
مِن فَرْجِها، فإن اشْتَجَروا فالسلطانُ وَلُّ من لا ولِيَّ له))(٤). وكما قالت عائشةُ
(١) فى ج، م: ((عند)).
(٢) سيأتى تخريجه ص ٥٢ - ٥٤ .
(٣) بعده فى د، ج: ((نفسها)).
(٤) سيأتى تخريجه ص٤٩ - ٥٢ .
١٨

الموطأ
النكاح على كلِّ حالٍ . وقال ابنُ القاسم: إذا تزوَّجَ الرجلُ المرأةَ بعدَ أن التمهيد
ركَنتْ إلى غيرِهِ ، فدخَل بها ، فإِنَّه يتخَلَّلُ الذى خطَبها عليه ، ويُعَرِّفُه بما
صنَع ، فإن حَلَّله، وإلَّ فَلْيستغفِرِ(١) اللهَ من ذلك، وليس يلزَمُه طَلاقُها، وقد
أثِم فيما قد فعَلَ . وقال ابنُ وهبٍ : إن لم يجعَلْه الأُوَّلُ فى حِلُّ ممَّا صنَع
فلْيُطلِّقْها، فإن رغِب فيها الأولُ وتزوَّجها فقد برِئَّ (٢) هذا من الإثم، وإن
كرِه تزويجَها فليُراجِعْها الذى فارَقها بنكاح جديدٍ، وليس يُقضَى عليه
بالفِراقِ . وقال ابنُ القاسم: إنَّما معنَى النهى فى أن يخطُبَ الرجلُ على
خِطبةِ أخِيه فى رجلَيْن صالحَين، وأمَّا إذا كان الذى خطَبها أولًا فركَنَتْ إليه
رجلَ سَوءٍ ، فإِنَّه ينبَغِى للولىِّ أن يخُضَّها على تَزويج الرجلِ الصالحِ الذى
يعلِّمُها الخيرَ ويعينُها عليه .
القبس
رضِى اللهُ عنها آنفًا: فهدَم ) اللهُ ذلك كلَّه إلا نكاحَ الناسِ اليومَ - و: إلا نِكاعَ
الإسلامِ. ولمَّا كان النساءُ على ضربين؛ منهن البَرْزَةُ() المُخْتَبِرةُ للرجالِ ، العارفةُ
بالمقاصدِ، المُنْطلِقةُ اللسانِ فى استدعاءِ النكاحِ ورَدِّه، ومنهن المُخَدَّرَةُ(٥) البَلْهَاءُ
الخَفِرةُ(١) ، جعَل اللهُ تعالى للأولياءِ حالتين؛ حالةً يَشْتبِدُّون بها فى العقدِ ، وذلك
(١) فى الأصل: ((فليتق)).
(٢) بعده فى الأصل: ((فى)).
(٣) فى د: ((فأبطل )).
(٤) البَرْزَةُ : المتجالَّة التى تبرز للقوم يجلسون إليها ويتحدثون عنها، وهى مع ذلك عفيفة عاقلة .
اللسان ( ب ر ز ) .
(٥) الخِذر: السّتْر، وجارية مخدَّرة : إذا أُلزمت الخِدْر . اللسان ( خ در).
(٦) الخَفَر: شدة الحياء، وخفِرت المرأة خَفَرًا وخَفَارةً، فهى خَفِرة ومُتخفّرة ، وخفير ومخفار.
اللسان ( خ ف ر ) .
١٩

الموطأ
التمھید
قال أبو عمرَ : تحصيلُ مذهبٍ مالكٍ فى نكاح من خطَبَ على خِطبةٍ
أَخِيه فى الحالِ الذى لا يجوزُ له أن يخطُبَ فيها ، أنَّه إن لم يكنْ دخَلَ بها
فُرَّق بينَهما ، وإن كان دخَل مضَى النكاح ، وبئسَ ما صنَعَ . وقال الشافعىُّ:
هى معصيةٌ ، وليستغفرِ اللهَ منها، والنكاح ثابتٌ ، دخَل أو لم يدخُلْ، وهو
مع هذا مكروة لا ينبغى لأحدٍ أن يفعلَه. وبمثل ما قال الشافعيّ فى
ذلك١) يقولُ أبو حنيفةً وأصحابُه وجماعةٌ ، وهو القياسُ؛ لأنَّ النكاحَ لو
كان فاسدًا مُحرَّمًا غيرَ مُمنعقِدٍ ، لم يصحّ بالدُّخولِ . وعلى أصلِ مالكٍ إنَّما
يصحُّ بالدُّخولِ من النِّكاح ما كان فسادُه فى الصداقِ ، وأمَّا ما كان فسادُه
فى العقدِ فمُحالٌ أن يصحّ بالدخولِ ، والنكاح مُفتقِرٌ إلى صحةِ العقدِ ، وقد
ينعقِدُ مع السُّكوتِ عن الصداقِ ، فافهَمْ .
القبس على المُخَدَّرةِ البَلْهَاءِ الخَفِرَةِ، وحالةً يعقِدُ الرجالُ فيها على النساءِ عندَ رِضاهُنَّ
بذلك وطَلَبِهِن له، وهُنَّ النَّيِّبُ (٢) البَوالغُ المُجَرِّبَاتُ. وألحَق مالكٌ - فى بعضٍ
الرواياتِ - المُعَنَّساتِ بالثَِّّبَاتِ ؛ لأنهن قد علِمْنَ مِن ذلك، بطولِ العُمُرِ وكثرةٍ
السَّماعِ، ما يعلَمُه الأيامَى، وخَصَّص هذه العموماتِ بالقياسِ، وكان مالكٌ رضِىَ
اللهُ عنه يَرى تخصيصَ العمومِ بالقياسِ والمصلحة. وقال فى روايةٍ أُخرى:
المُعَتَّسَةُ كالبِكْرِ حتى تَخْتَبِرَ. وهذه الروايةُ هى الصحيحةُ فى النظرِ ، فليس الخبرُ
(١ - ١) سقط من: م .
(٢) فى م: ((الثيات)). قال الفيومى: المولدون يقولون: ثُب. وهو غير مسموع. المصباح المنير
(ث و ب ) .
٢٠