Indexed OCR Text

Pages 401-420

الموطأ
بينكما ، رأيتُكما(١) خَلَت به فهو لها ) .
التمهید
وكذلك رواه ابنُّ المباركِ، عن معمرٍ، عن الزهرِىِّ، عن قَبيصةً .
وابنُّ المباركِ أيضًا، عن أسامةَ بنِ زيدٍ ، عن الزهرىِّ، عن قَبيصةً .
وابنُ وهبٍ، عن يونسَ بنِ يزيدَ وأسامةَ بنِ زيدٍ ، أنَّهما أخبرَاه، عن ابنِ
شهابٍ ، أَّه أخبرَهم ، عن قبيصةَ بنِ ذُؤيبِ الكَعبىِّ هذا الحديثَ بمعنَى حديثٍ
مالكٍ سواءً(٢) .
قال أبو عمرَ : فى هذا الحديثِ مِن روايةِ مالكِ وغيرِهِ مِن الفقهِ أنَّ القضاءَ
إلى الخلفاءِ، أو إلى مَن استَخلَفوه على ذلك وجعَلوه إليه، وعندَهم تُطلَبُ
الحقوقُ حتی یُوصَلَ إليها .
وفيه دليلٌ على أنَّ أبا بكرٍ لم يكنْ له قاضٍ ، وهذا أمرٌ لم أعلَمْ فيه خلافًا . وقد
اختُلِف فى أولِ مَن اسْتَقْضَى ؛ فذهَب العراقيُّون إلى أنَّ أولَ مَن استقضَى عمرُ،
وأَنَّه بعَث شُرِيحًا(٤) إلى الكوفةِ قاضيًا، وبعَث كعبَ بنَ سُورٍ (*) إلى البصرةِ
القبس
(١) فى النسخ: ((أيكما)). والمثبت من عبد الرزاق والطبرانى.
(٢) أخرجه الطبرانى ٢٢٨/١٩، ٤٣٧/٢٠، ٤٣٨ (٥١٠، ١٠٦٧) من طريق إسحاق بن إبراهيم
به. وهو عند عبد الرزاق (١٩٠٨٣) - وعنه أحمد ٤٩٣/٢٩ (١٧٩٧٨) - وأخرجه النسائى فى
الكبرى (٦٣٤١) من طريق معمر به .
(٣) أخرجه ابن ماجه (٢٧٢٤) من طريق ابن وهب عن يونس به ، وحده .
(٤) هو شريح بن الحارث بن قيس بن الجهم الكندى أبو أمية، قاضى الكوفة ، أسلم فى حياة النبى
وَ الر، ولاه عمر قضاء الكوفة، فقيل أقام على قضائها ستين سنة، وقد قضى بالبصرة سنة. توفى
سنة ثمان وسبعين . أخبار القضاة لوكيع ٢/ ١٨٩، وسير أعلام النبلاء ٤/ ١٠٠.
(٥) فى النسخ ((سوار)). وهو كعب بن سور الأزدى قاضى البصرة، وليها لعمر وعثمان، وكان =
٤٠١
( موسوعة شروح الموطأ ٢٦/١٣ )

الموطأ
التمهيد قاضيًا. قال مالكٌ: أوَّلُ مَن استَقضَى معاويةُ . والكلامُ فى هذا طويلٌ، وليس
هذا موضعَ ذِکرِه .
وفيه أنَّ الفرائضَ فى المواريثِ لا يثبتُّ منها إلا ما كان نصًّا فى الكتاب
والسنةِ ، ولو استَدلّ مُستَدِلَّ بقولِ أبى بكرٍ وعمرَ هذا على أن لا عِلْمَ إلَّ الكتابُ
والسنةُ ، لجاز له ذلك . ولكن للعلماءِ فی القیاس کلامٌ قد ذكرتُ منه ما یکفی
فى كتابٍ ((العلم)) (١). والاستِدلَالُ الصحيحُ مِن قولِ أبى بكرٍ وعمرَ للجدَّةِ : ما
لَكِ فى كتابِ اللهِ شىءٍ . على أنَّ الفرائضَ والسّهامَ فى المواريثِ لا تُؤْخَذُ إلَّا مِن
جهةِ نَصِ الكتابِ والسُّنَّةِ ، استِدلالٌ صحيحٌ ، ولا خِلافَ فى ذلك بينَ العلماءِ ،
فأغنى عن الكلام فيه ، إلّا أنَّهم أجمَعوا أنَّ فرضَ الجدَّةِ والجدَّاتِ السُّدُسُ، لا
مزيدَ فيه بسنةِ رسولِ اللهِ وَله. والفرائضُ والسّهامُ مأخوذةٌ مِن كتابِ اللهِ عزَّ
وجلَّ نصًّا ما عَدا الجدَّةَ، فإنَّ فرضَها بسنةِ رسولِ اللهِ وَلَّ مِن نَقْلِ الآحادِ ، على
ما ذكرنا فى هذا البابِ ، ومِن إجماع العلماءِ أنَّ رسولَ اللهِ وَلِّ قَضَى بذلك،
وقد قال رسولُ اللهِ وَ لِهِ عامَ حَبَّةِ الوداع: ((إنَّ اللهَ قد أعطَى كلَّ ذى فرض
فرضَه، فلا وصيةَ لوارثٍ))(٢) . وفى هذا ما يدُلُّ على صحةِ ما ذكّرنا. وباللهِ
توفیقُنا .
القبس
= من نبلاء الرجال وعلمائهم، قتل يوم الجمل، قام يعظ الناس ويذكرهم، فجاءه سهم غرب فقتله .
سير أعلام النبلاء ٥٢٤/٣.
(١) جامع بيان العلم وفضله ص ٨٨٧ - ٨٩٧.
(٢) سيأتى تخريجه فى شرح الحديثين (١٥٢٩، ١٥٣١) من الموطأ، وينظر ما تقدم فى ٤٤٦/١٢،
٤٤٧ ٠
٤٠٢

الموطأ
واختلف العلماءُ مِن الصحابةِ ومَن بعدَهم فى توريثِ الجدَّاتِ على ما التمهيد
أصِفُ لك، فكان زيدُ بنُ ثابتٍ يقولُ : سواء كانت الجدَّةُ لأَمِّ أو لأبٍ ؛ ميراتُها
السُّدُسُ، فإن اجتمَعتا فالسُّدُسُ بينَهما، وكذلك إن كَثُرِن، لا يَزِدنَ على
الشُّدُسِ إذا تَساوينَ فى القُعْدُدِ (١) ، فإن قرُبتِ التى مِن قِبَلِ الأمّ كان السُّدسُ لها
دونَ غيرِها ، وإن قرُبتِ التى مِن قِبَلِ الأُبِ كان السُّدُسُ بينَها وبينَ التى مِن قِبَلِ
الأمّ وإنْ بَعُدت ، ولا تَرِثُ مِن قِبَلِ الأمّ إلَّ جَدَّةٌ واحدةٌ ، ولا تَرِثُ الجدَّةُ أَمّ أبى
الأَمِّ على حالٍ ، ولا يَرِثُ مع الأبِ أحدٌ مِن جَدَّاتِه ، ولا تَرِثُ جدَّةٌ وابنُها حتىٌّ -
يعنِى الابنَ الذى جَرَّها إلى الميراثِ - فأمَّا أن تكونَ جدَّةٌ أَمْ عَمّ لأَبِ وأَمّ ، فلا
يَحجُبُها هذا الابنُ عن الميراثِ، ولا يرِثُ أحدٌ مِن الجدَّاتِ مع الأمّ(١) . فهذا
كلُّه قولُ زيدِ بنِ ثابتٍ . وبه يقولُ مالكٌ، والشافعىُ، وأصحابُهم، إلَّ أنَّ مالكًا
لا يُورِّثُ إِلَّ جدَّتِينٍ؛ أُمَّ أُمّ ، وأُمَّ أبٍ ، وأُنَّهاتِهما . وكذلك روَى أبو ثورٍ عن
الشافعىِّ . وهو قولُ أبى بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ ، وسليمانَ بنِ یسارٍ ، وابنِ شهابٍ ،
وطلحةَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عوفٍ (١٢)، وربيعةً، وابنٍ هُرمزَ، وابنٍ أبى ذئبٍ . وهو
معنَى قولٍ سعد بن أبى وقاصٍ ؛ وذلك أنَّه كان يُوتِرُ بركعةٍ ، فعابَه ابنُ مسعودٍ ،
فقال: أَتَعيُنى أن أُوتِرَ بركعةٍ ، وأنت تُورِّثُ ثلاثَ جَدَّاتٍ(٤) ؟ قال ابنُ أبى
القبس
(١) القُعْدُد: قريب الآباء من الجدِّ الأكبر، وهو أملكُ القرابة فى النسب. التاج (ق ع د).
(٢) أخرجه سعيد بن منصور (٥)، وابن أبى شيبة ٣٢٨/١١، ٣٢٩، والبيهقى ٢٣٦/٦، ٢٣٧.
(٣) طلحة بن عبد الله بن عوف الزهرى، يقال له: طلحة الندى، قاضى المدينة زمن يزيد، كان
شريفا جوادًا، حجة إماما، حدث عن عمه عبد الرحمن بن عوف وعثمان ، روى عنه الزهرى وأبو
الزناد ، توفى سنة تسع وتسعين . سير أعلام النبلاء ٤/ ١٧٤.
(٤) أخرجه عبد الرزاق (٤٦٥١)، والطبرانى (٩٤٢٣).
٤٠٣

الموطأ
التمهيد
أُويس : سألتُ مالكًا عن اللَّتَيْنِ تَرِثانٍ ، والثالثةِ التى تُطرَحُ، وأمَّهاتِها . فقال:
اللَّانِ تَرِثانٍ أُمّ الأُمّ، وَأُمّ الأبِ، وأمَّهاتُهما، إذا لم يكونا، والثالثةُ التى تُطْرَعُ أُمُ
الجَدِّ أبى الأَبِ ، وَأَمهاتُها . قال ابنُ أبى أويسٍ: فأمَّا أَمُّ أْبِ الأمّ ، فلا ترِثُ شيئًا .
وكان الأوزاعىُّ لا يُورِّثُ أكثرَ مِن ثلاثِ جَدَّاتٍ؛ واحدةٍ من قِبَلِ الأُمّ ، والائْتَين
مِن قِبل الأب . وهو قولُ احمد بن حنبلٍ .
ومِن حُجَّةٍ مَن وَرَّث ثلاثَ جدَّاتٍ ما حدَّثنى محمدُ بنُ إبراهيمَ ، قال :
حدَّثنا أحمدُ بنُ مطرّفٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ، قال : حدَّثنا يونسُ بنُ
عبدِ الأعلى، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، أنَّ النبيَّ
وَّ ورَّث ثلاثَ جدَّاتٍ؛ ثنتَيْن مِن قِبَلِ الأَبِ، وواحدةً مِن قِبَل الأمُّ(١) .
وأمَّا علىٌّ بن أبى طالبٍ ، فكان قولُه فى الجدَّاتِ كقولٍ زيدِ بنِ ثابتٍ ، إِلَّا أنَّه
كان يُورِّثُ الدُّنيا مِن قِبَلِ الأَبِ أو مِن قِبَلِ الأمّ ، ولا يَشرَكُ معها مَن ليس فى
قُعْدُدِها(١) . وبه يقولُ الثورىُّ، وأبو حنيفةً وأصحابُه، وأبو ثورٍ . وأمَّا عبدُ اللهِ بنُ
مسعودٍ وابنُ عباسٍ، فكانا يُورِّثانِ الجَدَّاتِ الأرْبَعَ. وهو قولُ الحسنِ ، وابنٍ
سیرینَ ، وجابر بن زيد (١) .
وروَى حمادُ بنُ سلمةَ، عن حجَّاج، عن سليمانَ الأعمشِ، عن إبراهيمَ ،
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٢٢/١١، والدار قطنى ٤/ ٩١، والبيهقى ٢٣٦/٦ من طريق ابن عيينة به.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٩٠٩٠)، وسعيد بن منصور (٨٤، ٩٢)، وابن أبى شيبة ٣٢٩/١١،
والدارمى (٢٩٨٢)، والبيهقى ٢٣٦/٦.
(٣) أثر جابر بن زيد أخرجه ابن أبى شيبة ٣٢٤/١١.
٤٠٤
J

الموطأ
أنَّ عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ قال: تَرِثُ الجدَّاتُ الأربَعُ، قَرْبْنَ أو بعُدْنَ.
التمهيد
وحمادُ بنُ سلمةً، عن ليثٍ، عن طاوسٍ، عن ابنِ عباسٍ قال : تَرِثُ
الجدَّاتُ الأربعُ(١) .
وحمادُ بنُ زيدٍ ، عن أيوب ، عن الحسنِ ومحمدٍ ، أنَّهما كانا يُورِّثانٍ أربعَ
(٢)
جدَّاتٍ(٢) .
قال أبو عمرَ: كان عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ يَشْرَكُ بينَ الجدَّاتِ فى السُّدُسِ،
دُنْياهنَّ وقُصواهنَّ، ما لم تكنْ جدَّةٌ أم جدَّةٍ أو جدَّتُها، فإن كان ذلك ورَّث
بينَهما مع سائرِ الجدَّاتِ، وأسقَطَ أُمَّها أو جدَّتَها(٣).
وقد رُوِى عنه أَنَّه كان يُسقِطُ القُصوَى بالدُّنيا إذا كانتا مِن جِهةٍ واحدةٍ ، مثلَ
أن تكونَ أُمْ أَبٍ ، وأُّأبى أبٍ ، فيُورِّتُ أُمَّالأبِ، ويُسقِطُ أُمَّأَبِى الأبٍ(٤). وكان
يحيى بنُ آدمَ يختارُ هذه الرّوايةَ عن ابن مسعودٍ ويُقَوِّيها . وأمَّا ابنُ عباسٍ فكان
يُورِّثُ الجِدَّةَ أُمَّ أبى الأُمِّ ، مع مَن يُحاذِيها مِن الجدَّاتِ ، وتابَعه على ذلك ابنُ
سيرينَ وجابرُ بنُ زيدٍ . ورُوِى عن ابنِ عباسٍ فى الجدَّةِ أيضًا قولٌ شاذٌّ أجمَع
العلماءُ على تَركِه، وهو ما رَوَاه إسرائيلُ، عن أبى إسحاقَ، أَنَّه سمِع مَن يحكى
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٢٣/١١، ٣٢٤، والبيهقى ٢٣٦/٦ من طريق حماد بن سلمة به.
(٢) ذكره ابن حزم ٣٥٢/١٠ من طريق حماد به .
(٣) أخرجه البيهقى ٦/ ٢٣٧.
(٤) ينظر بداية المجتهد ٢٦٩/٨.
٤٠٥

الموطأ
التمهيد عن ابن عباس أنَّه قال: كلُّ جدٍّ ليس دونَه مَن هو أقرَبُ منه، فهو أبّ، وكلُّ
جدَّةٍ مِن قِبَلِ الأَمِّ ليس دونَها أقربُ منها ، فهى بمنزلَةِ الأَمِّ . قال يحيى بنُ آدمَ :
ولا نعرِفُ أحدًا مِن أهلِ العلم وَرَّث جدَّةٌ ثُلًُّا، ولو كانت بمنزلةِ الأمّ لورِثَتِ
القُلُثَ
قال أبو عمرَ: أمَّا قولُ ابنِ عباسٍ فى الجدِّ أنَّه كالأبِ عندَ عدمِ
الأبِ، فقال به أكثرُ أهلِ العلم. ورُوِى ذلك عن أبى بكر الصديقِ، وأبى
الدَّرداءِ ، ومعاذِ بنِ جبلٍ ، وأبى موسى الأشعرىِّ، وعائشةَ، وابنِ الزبيرِ . وبه قال
شريح ، والحسنُ، وعبدُ اللهِ بنُ عُثْبةً(١) ، وجابرُ بنُ زيدٍ ، وفقهاءُ البصْرَةِ ؛ عثمانُ
البَّئُ وغيرُهُ(١) . وهو قولُ أبى حنيفةً، وأبى ثورٍ ، والمزنىِّ، وإسحاقَ بنِ راهُويَه ،
والطبرىِّ ، وداودَ، ونُعيم بنِ حمادٍ . واختُلِف فى الجدِّ عن عمرَ اختلافًا كثيرًا؛
فرُوِى عنه أَنَّه قال: احفَظُوا عَنِّى ثلاثًا؛ لم أقلْ فى الجدِّ شيئًا، ولم أقُلْ فى الكلالةِ
شيئًا، ولم أستَخلِفْ أحدًا(٤). ورُوِى عن زيدِ بنِ ثابتٍ أَنَّه قال: أدْرَكْتُ
الخَليفَتَيْنِ - يعنى عمرَ وعثمانَ - يقولان فى الجَدِّ بقولِى(١). وهذا أصَحُ عنه،
وأهلُ المدينةِ يَرْوون عن عمرَ أَنَّه كان يقولُ فى الجَدِّ بقولِ زيد بن ثابتٍ إلّ فى
القبس
(١ - ١) فى م: ((فعليه)).
(٢) فى النسخ: (عقبة)). والمثبت مما تقدم ص ٣٨٥.
(٣) تقدم تخريج هذه الآثار ص ٣٨٥، ٣٨٦.
(٤) أخرجه عبد الرزاق (١٩٠٤٦) مختصرًا، وابن سعد ٣٤٢/٣، وأحمد ٢٨٠/١ (١٢٩).
(٥) تقدم فى الموطأ (١١٠٥) .
٤٠٦

الموطأ
الأكْدَرِيَّةِ(١) . وروَى أهلُ العراقِ عنه أنَّه كان يُقاسِمُ الجَدَّ بالإخوَةِ إلى السُّدُسِ، التمهيد
ثم يُقاسِمُ بينَهم إلى الثُّلُثِ. ورُوِىَ عن عثمانَ أنَّه جعَل الجَدَّ أبًا(١) . ورُوِى عنه أَنَّه
قال فيه بقولٍ زيدٍ إلَّا فى الخَرْقاءِ(١) . وأَمَّا علىُ بنُ أبى طالبٍ، وعبدُ اللهِ بنُ
مسعودٍ ، وزيدُ بنُ ثابتٍ ، فإنَّهم يُقاسِمون الجَدَّ بالإخوةِ ، وإن كانوا قد اختلَفوا
فى كيفيةِ مُقَاسَمَةِ الجَدِّ الإخوةَ، فإنهم مُجمِعون على أنَّ الجدَّ ليس بأبٍ،
ولا يُحجَبُ به الإخوةُ(٤) . وليس هذا موضعَ ذِكرِ أقاويلِهم فى الجَدِّ . وقال
كقولٍ زيدٍ فى الجَدِّ؛ مالكٌ، والأوزاعىُّ، والثورىُّ، والشافعىُّ، وأحمدُ بنُ
حنبل ، وأبو عبيدٍ ، وأبو يوسفَ ، ومحمدُ بنُ الحسنِ. وقد رُوِى عن محمدٍ
ابنِ الحسنِ أنَّه وقَف فى آخرِ عُمُرِهِ فى الجَدِّ فلم يقلْ فيه بقولِ أحدٍ .
وقال "بقولِ علىٍّْ) فى الجدِّ؛ عَبِيدَةُ السَّلْمانُِ، والمغيرَةُ صاحبُ
إبراهيمَ(١)، وابنُ أبى ليلَى، والحسنُ بنُ صالحٍ، وهُشيمٌ(٢) . ولا أعلَمُ أحدًا
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٩٠٥٩).
(٢) ينظر ما تقدم ص ٣٨٥، ٣٨٦.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٩٠٦٩)، والبيهقى ٦/ ٢٥٢.
(٤) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٩٠٦٣ - ١٩٠٦٥)، وسنن البيهقى ٢٤٩/٦، ٢٥٠.
(٥ - ٥) فى م: ((بقوله)).
(٦) المغيرة بن مقسم الضبى، أبو هشام الكوفى الأعمى، يُلحق بصغار التابعين، كان من فقهاء
أصحاب إبراهيم، توفى سنة ثلاث وثلاثين ومائة، وقيل غير ذلك. تهذيب الكمال ٣٩٧/٢٨،
وسير أعلام النبلاء ٦/ ١٠.
(٧) هشيم بن بشير بن أبى خازم أبو معاوية السلمى الواسطى ، محدث بغداد وحافظها ، سكن بغداد
ونشربها العلم وصنف التصانيف ، وتوفى سنة ثلاث وثمانين ومائة . تهذيب الكمال ٣٠/ ٢٧٢، وسیر
أعلام النبلاء ٢٥٥/٨.
٤٠٧

الموطأ
التمهيد مِن الفقهاءِ قال بقولِ ابنِ مسعودٍ فى الجَدِّ . وقد اختُلِف عن ابن مسعودٍ فی
مسائِلَ مِن مسائلِ الجَدِّ(١) .
وأمَّا قولُ ابنِ عباسٍ فى الجَدَّةِ : إنّها أُمُّ عندَ عَدَمِ الأُمّ. فلم يتابِعه عليه أحدٌ ،
وهو شادٌّ لا ◌ُلتَفَتُ إلیه، ولا يَصِحُ عنه .
ذكَرَ عبدُ الرزاقِ(١) ، عن ابنٍ عيينةً، عن يحيى بنِ سعيدٍ ، عن القاسمِ بنِ
محمدٍ قال: جاءت جَدَّاتٌ إلى أبى بكرِ الصديقِ، فأعطَى الميراثَ أُمَّ الأُمِّ دونَ
أُمِّ الأُبِ ، فقال له رجلٌ مِن الأنصارِ مِن بنى حارثةَ ، يقالُ له : عبدُ الرحمنِ بنُ
سهلٍ : يا خليفةَ رسولِ اللهِ ، أعطَيْتَ الميراثَ التى لو أنَّها ماتَت لم يَرِثْها . فجعَل
الميراثَ بينَهما .
وذكَرَ ابنُ وهبٍ ، عن مالك، عن يحيى بن سعيدٍ، عن القاسمِ بنِ محمدٍ
نحوه بمعناه (٢) .
ورَوَى عبدُ الرزاقِ (٢) أيضًا، عن سفيان الثورىِّ، عن ابنِ ذكوانَ، أنَّ خارجةً
ابنَ زيدٍ قال: إذا كانت الجَدَّةُ مِن قِبَلِ الأمّ هى أقعَدَ فأعطِها السدُسَ، وإذا
كانت الجدةُ مِن قبلِ الأُمّ هى أبعدَ"(٦) فشَرَّكْ بينَهما .
القبس
(١) تقدم ص٣٨٩ .
(٢) عبد الرزاق (١٩٠٨٤)، وسيأتى فى الموطأ (١١٠٩).
(٣) سيأتى فى الموطأ (١١٠٩).
(٤) عبد الرزاق (١٩٠٨٥).
(٥ - ٥) سقط من النسخ. والمثبت من مصدر التخريج .
(٦) فى مصدر التخريج: ((أقعد)). وينظر الأثر بعده، وص ٤١٦ .
٤٠٨

الموطأ
قال (١): وأخبرنا ابنُ عيينةً، عن أبى الزِّنادِ قال: أدرَكتُ خارجةَ بنَ زيدٍ ، التمهيد
وطلحةً بنَ عبدِ اللهِ بنِ عوفٍ ، وسليمانَ بنَ يسارٍ ، يقولون : إذا كانت الجدَّةُ مِن
قِبَلِ الأمّ أقرَبَ فهى أحقُّ به، وإن كانت أبعدَ فهما سواءٌ.
قال(٢): وأخبرنا معمرٌ، عن قتادةً، عن ابنِ المسيّبِ، أَنَّ زيدَ بنَ ثابتٍ كان
يقولُ ذلك .
قال أبو عمر: وقد ذكرنا هذا عن زيد بن ثابت ، وذكرنا مذهب زيدٍ فی
أحكامِ الجدَّاتِ فيما تقدَّمَ مِن هذا البابِ (١) ، وهو قولُ أهلِ المدينةِ ، وإليه ذهَب
مالكٌ، والشافعىُ، وأبو حنيفةَ ، وداودُ ، كلُّهم يذهَبُ فى الجدَّاتِ إِذا اجتَمَعت
أُّ الأَبِ وَأُ الأُمّ وليس للمِيَّتِ أمّ ولا أبّ ، أنَّ أُمَّ الأُمّ إنْ كانت أقعَدَهما كان لها
السُّدُسُ دونَ أمُّ الأبِ، وإن كانت أَمُّ الأبِ أقعَدَهما وكانتا مُشتَرِكَتَيْنٍ فى
القُعْدُدِ ، فالشُّدُسُ بينَهما نِصِفَيْنِ .
وإنَّما كانت الجدّةُ أُمُّ الأمّ إذا كانت أقعَدَ أَوْلَى بالسُّدُسِ مِن أُمِّ الأبِ ، مِن
قِبَلِ أَنَّهَا أَقْرَبُ للميِّتِ ، ألا ترَى أنَّ ابنتَها - وهى الأمّ - تمنَعُ الجدَّاتِ الميراثَ
مِن أجلِ قُزْبِها؟ فكذلك أُمُّها تمنَعُ الجدَّاتِ إِذا لم يكنَّ فى درجَتِها .
فأمَّا إِذا بَعُدَت ، وقَرْبتِ التى مِن جهةِ الأُبِ ، فإنهما يَشتَرِ كان عندَ زیدِ بنِ
القبس
(١) عبد الرزاق (١٩٠٨٦).
(٢) عبد الرزاق (١٩٠٨٧).
(٣) ينظر ما تقدم ص ٤٠٢، ٤٠٣.
٤٠٩

الموطأ
التمهيد ثابتٍ . وقال به أهلُ المدينةِ وأهلُ العراقِ، وذلك واللهُ أعلمُ لأَنَّ أُمَّ الأمّ هى التى
ورَد فيها النَّصُّ مِن السنةِ ، ومثالُ ذلك إذا كان الميتُ ترَك جدَّتَه ◌ُمَّ أُمُّه، وجدَّتَه
أُمَّ أبيه، فالسُّدُسُ هلهنا لأمّ أُمِّه ، وإن تَرَك ◌ُمَّ أبيه، وَأُمَّ أُمْ أُمْه ، فالسُّدُسُ بينَهما
سواءً. ولا يَرِثُ عندَ مالكٍ مِن الجدَّاتِ غيرُهما .
ومِن الحَجَّةِ فى تقويَةِ أُمّ الأمّ، أنَّ الأَمَّ لما منعتِ الجدَّاتِ ، ولم يمنَع الأبُ
أَمَّ الأُمّ ، دلَّ على أنَّ الجدَّةَ مِن جهةِ الأَمِّ أقوَى؛ لأَنَّها تُدْلِى بها، وهى تمنَعُ
الجدَّاتِ ، ولا يمنَعُها الأَبُ، والأُخرى تُدْلِى بالأَبِ ، والأُبُ لا يَحُبُ أُمَّ الأمّ،
فکیف تحجُئها أُّه أو تستَوِى معها ؟
واختلَف العلماءُ فى توريثِ الجدَّةِ وابنُها حَيٍّ؛ فرُوِى عن عمرَ بنِ
الخطابِ ، وعبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ ، وأبى موسى الأشعرِىِّ، وعمرانَ بنِ مُصینٍ،
F.
وأبى الطّفيلِ عامرِ بنِ واثلةَ، أَنَّهم كانوا يُورِّثونَ الجدَّةَ مع ابنها (١) . وبه قال شُريح
القاضى، والحسنُ البصرىُّ، وعطاءٌ، وابنُ سيرينَ، ومسلمُ بنُ يسارٍ، وأبو
الشعثاءِ جابرُ بنُ زيدٍ (١) . وهو قولُ فقهاءِ البصريِّينَ. وبه يقولُ شَريكٌ ،
والنَّخعىُّ(١)، وأحمدُ بنُ حنبلٍ، وإسحاقُ بنُ راهُويَه، والطبرىُّ. واختُلِف عن
. القبس
(١) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٩٠٩٠، ١٩٠٩٧، ١٩١٠١)، وسنن سعيد بن منصور (٩٠،
١٠٣ - ١٠٥، ١٠٩، ١١٠)، ومصنف ابن أبى شيبة ٣٣٠/١١ - ٣٣٢، وسنن الدارمى
(٢٩٧٤، ٢٩٧٦، ٢٩٨٠).
(٢) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٩٠٩٣ - ١٩٠٩٦، ١٩١٠١)، وسنن سعيد بن منصور (٩٥،
٩٧، ١٠٦، ١١١)، ومصنف ابن أبى شيبة ٣٣٢/١١، ٣٣٣، وسنن الدارمى (٢٩٧٨).
(٣) ينظر سنن سعيد بن منصور (٩٨).
٤١٠

الموطأ
٠
الثورىِّ ؛ فرُوِى عنه أَنَّه كان يُورِّثُها مع من يُحاذِيها مِن الجدَّاتِ ، ورُوِى عنه أنَّه التمهيد
كان لا يُورِّثُها. وكذلك اختُلِف فيها (١) عن الحسنِ.
ورَوَى يزيدُ بنُ هارونَ ، قال أنبأنا محمدُ بنُ سالم، عن الشعبىِّ، عن
مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ فى الجَدَّةِ، قال: إنَّها أوَّلُ جَدَّةٍ أَطْعَمها رسولُ اللهِ وَله
سُدُسًا مع ابنها وابنُها حَىٌّ (٢) .
وروَى يزيدُ بنُ هارونَ أيضًا، قال: أنبأنا أشعتُ(٢) بنُ سوَّارٍ، عن محمدِ بنِ
سيرينَ قال: قال عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ. فذكَر مثلَه (٤) .
وهذا لو صَحَّ لم يكنْ فيه حُجَّةٌ؛ لأنَّه يحتمِلُ أن يكونَ أراد الجدَّةَ أُمَّ الأُمّ
وابنُها حَىٌّ ، وهو خالُ الميّتِ ، وهذا ما لا خِلافَ فيه. ومِمَّا يدُلُّ على ضعفٍ
هذا الحديثِ أَنَّ أبا بكرٍ لم يكنْ عندَه علمٌ مِن الجدَّةِ حتى سألَ ، فأخبره المغيرةُ ،
وأراد ألَّ يُعطِىَ الأخرَى شيئًا. وقد احتجَّ بهذا إسماعيلُ، وفيه نظرٌ.
وذكَر عبدُ الرزاقِ (٥) ، قال: أخبرنا ابنُ جريج، والثورىُّ، وابنُ عيينةَ ، عن
إبراهيمَ بنِ ميسرةً قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ المسيَّبِ يقولُ: ورَّث عمرُ بنُ
القبس
٠
(١) فى ى: ((فيهما)).
(٢) أخرجه الترمذى (٢١٠٢)، والبيهقى ٢٢٦/٦ من طريق يزيد بن هارون به .
(٣) فى النسخ: ((شعيب)). والمثبت من مصدرى التخريج، وسيأتى على الصواب الصفحة التالية ،
وينظر تهذيب الكمال ٢٦٤/٣.
(٤) أخرجه الدارمى (٢٩٧٤) عن يزيد بن هارون به .
(٥) عبد الرزاق (١٩٠٩٤).
٤١١

الموطأ
التمهيد الخطابٍ جدَّةً مع ابنها .
قال(١) : وأخبرنا معمرٌ، عن بلالٍ بنِ أبى بُردةَ ، أَنَّ أبا موسى الأشعرىَّ كان
يُورِّثُ الجدَّةَ مع ابنِها، وقضَى بذلك بلالٌ وهو أميرٌ على البصرةِ .
قال(٢): وأخبرنا الثورىُّ، عن منصورٍ والأعمشِ، عن إبراهيمَ قال: كان
عبدُ اللهِ يقولُ: لا يَحْجُبُ الجدَّاتِ إِلَّ الأُم.
قال أبو عمرَ : مِن حُجّةٍ مَن ذهب إلى هذا القول ما رواه الثورىُّ وغیرُه ، عن
أشعَثَ، عن ابنٍ سيرينَ قال: أوَّلُ جدَّةٍ أطعَمها رسولُ اللهِ بَهِ أُمُّ أبٍ مع
(٣)
اينِها (٣).
ومِن جهةِ النَّظَرِ، لا يجوزُ حَجُها بالذُّكورٍ، قياسًا على الأُمّ وَأُمُ الأُمّ . ووجة
آخرُ، أَنَّ عدَمَ الأبِ لا يَزِيدُها فى فَرِضِها، وإنَّما لها الشُّدُسُ على كلِّ حالٍ،
فكيف يحجُبُها؟ ووجة آخرُ، لما كان الإخوةُ والأخواتُ للأُمِّ يُدْلُونَ بِالأَمّ
ويرِثُون معها، كانت الجدَّةُ كذلك، تَرِثُ مع الأبِ وإن كانت تُدْلِى به .
وقال علىَّ بن أبى طالبٍ ، وعثمانُ بنُ عفانَ، وزيدُ بنُ ثابتٍ : لا تَرِثُ الجدَّةُ
مع ابنِها . يعنُونَ أنَّها لا تَرِثُ أم الأبِ مع الأبِ. وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ ،
القبس
(١) عبد الرزاق (١٩٠٩٧).
(٢) عبد الرزاق (١٩٠٩٢).
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٩٠٩٣) عن الثورى به .
(٤) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٩٠٩٠، ١٩٠٩١)، ومصنف ابن أبى شيبة ٥٢٩/١٠ (طبعة
الرشد) .
٤١٢

الموطأ
وأبو حنيفةً، وداودُ، وأصحابُهم. ومِن حّتِهم أن الجدَّ لما كان محجوبًا التمهيد
بالأبِ، ويجب أن تكونَ الجدَّةُ أوْلَى أن تكونَ به محجوبةً ، ولأنَّها أحدُ أبوي
الأبِ ، فوجب أنْ يَحجُبَها الأُبُ. ووجهٌ آخرُ، أنَّها إذا كانت أَمُّ أَمِّ لم تَرِثْ مع
الأمّ ، فكذلك إذا كانت أَمَّ أبٍ لا ترِثُ مع الأبِ. ووجة آخرُ، أن ابنَ العمّ وابنَ
الأخ لا يرِثُ واحدٌ منهما مع أبيه الذى يُدْلى به إلى الميتِ ، فكذلك الجدةُ أُمّ
الأُبِ لا ترِثُ مع الأبِ ؛ لأنها به تُدلى .
ذكَرَ يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبرنى سعيدُ بنُ أَبِى عَروبَةَ، عن
قتادةَ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، أنَّ زيدَ بنَ ثابتٍ لم يجعَلْ للجدَّةِ شيئًا
(١)
مع ابنها (١) .
وأخبرنا خلفُ بنُ سعیدٍ ، قال : حدثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال : حدثنا
أحمدُ بنُ خالدٍ ، قال: حدثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ ، قال : أنبأنا عبدُ الرزاقِ ، قال :
أنبأنا الثورىُّ، عن أشعثَ وأبى سَهلٍ، عن الشعبىِّ قال: كان علىٍّ وزيدٌ لا
يُورِّثانِ الجدَّةَ مع ابنِها، ويُوَرِّثان القُربى من الجداتِ من قبلِ الأُبِ أو من قبلٍ
الأَمِّ. قال: وكان عبدُ اللهِ يُوَرِّثُ الجدةَ مع ابنِها؟ وما قَرُب مِن الجدَّاتِ وما بعُد
منهنَّ جعَل لهُنَّ السُّدُسَ إذا كُنَّ مِن مكانَيْنٍ شَتَّى، وإذا كُنَّ مِن مكانٍ واحدٍ
ورَّثَ القُرْنِى(٣) .
القبس
(١) سيأتى تخريجه ص ٤٢٢ .
(٢ - ٢) سقط من النسخ. والمثبت من مصدر التخريج.
(٣) عبد الرزاق (١٩٠٩٠).
٤١٣

الموطأ
١١٠٩ - وحدَّثَنِى عن مالك ، عن يحيى بن سعيدٍ ، عن
القاسم بن محمدٍ ، أنه قال : أتَتِ الجَدَّتان إلى أبى بكرِ الصدِّيقِ ،
فأراد أن يَجعَلَ السدسَ للتى من قِلِ الأَمِّ ، فقال له رجلٌ من
الأنصارِ : أَمَا إِنكَ تترُكُ التى لو ماتت وهو حىٍّ كان إِيَّاها يَرِثُ .
فجعَل أبو بكرِ السدسَ بينَهما .
التمهيد
قال(١): وأخبرنى معمرٌ، عن الزهرىِّ، أنَّ عثمانَ لم يُورِّثِ الجدَّةَ إذا كان
ابنُها حيًّا . والناسُ عليه .
وذكر ابنُ أبى شيبةً(١)، عن وكيع، عن شَريكِ (١، عن جابرٍ، عن عامٍ
قال: لم يُورِّثْ أحدٌ مِن أصحابِ النبيِّ وَلِّ الجدَّةَ مع ابنِها إلّ ابنَ مسعودٍ. قال
و کیغ: والناسُ علی ذا .
قال(٢): وأخبرنا ابنُ فُضيْلٍ، عن بسّامٍ، عن فَضَيلٍ قال: قال إبراهيمُ:
لا تَرِثُ الجدَّةُ مع ابنها فی قول علىٍّ وزيدٍ .
الاستذكار
وأما حديثُه عن يحيى بن سعيدٍ ، عن القاسم ، أنه قال: أَتِ الجدَّتان إلى
القبس
(١) عبد الرزاق (١٩٠٩١).
(٢) ابن أبى شيبة ٣٣٤/١١.
(٣) كذا فى النسخ. وفى ابن أبى شيبة: ((إسرائيل)). وينظر ما سيأتى ص ٤٢٤.
(٤) فى النسخ: ((بن)). والمثبت من مصدر التخريج، وسيأتى على الصواب ص ٤٢٥، وينظر تهذيب
الكمال ٢٧٨/٢٣.
(٥) فى م: ((فضل)).
٤١٤

١١١٠ - مالك، عن عبدِ ربِّه بنِ سعيدٍ، أن أبا بكرِ بنَ عبد الرحمنِ الموطأ
ابنِ الحارثِ بنِ هشام كان لا يَفرِضُ إلا لجَدَّتَين .
أبى بكر الصديقِ (١) . فإنه عنَى أَمَّ الأمّ وأمَّ الأبِ ، وهما اللتان أجمع العلماءُ على الاستذكار
توريثهما . رواه ابنُّ عيينةً، عن يحيى بن سعيدٍ ، قال: سمِعتُ القاسمَ بنَ محمدٍ
يقولُ : جاءت إلى أبى بكرٍ جدَّتان ، فأعطَى الجَدةَ أمّ الأمّ السدُسَ دونَ أمّ الأبِ،
فقال له عبدُ الرحمنِ بنُ سهلٍ ؛ رجلٌ مِن الأنصارِ من بنى حارثةً قد شهِد بدرًا :
يا خليفة رسولِ اللهِ ، أعطيتَ التى لو أنها ماتت لم يرِثْها ، وترَكتَ التى لو ماتَت
ورِثها . فجعَله أبو بكرٍ بينَهما(٣) .
واختلف العلماءُ فى توريثِ الجَدَّاتِ على ما نورِدُه ههنا إن شاء اللهُ عَزَّ
وجلَّ .
ذكَر مالكٌ، عن عبدِ ربِّه بنِ سعيدٍ ، أن أبا بكرِ بنَ عبدِ الرحمنٍ كان لا
يفرِضُ إلا لجدَّتين(٣).
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٤/٨ ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٣٠٣٩). وأخرجه
البيهقى ٢٣٥/٦ من طريق مالك به .
(٢) تقدم تخريجه ص٤٠٨ .
(٣) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٤/٨ ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٣٠٤١). وأخرجه
البيهقى ٢٣٥/٦ من طريق مالك به .
٤١٥

الموطأ
الاستذكار
قال أبو عمرَ : وهو قولُ سليمانَ بنِ يسارٍ، وابنِ شهابٍ، وطلحةَ بنِ
عبدِ اللهِ بنِ عوفٍ، وابنٍ هُرمُزَ، وربيعةً، وابنِ أبى ذُؤيبٍ، ومالكِ بنِ .
أنسٍ، وهو معنى قولٍ سعد بن أبى وقاصٍ ، وذلك أنه كان يُوترُ
بركعةٍ، فعابه ابنُ مسعودٍ، فقال : أَتَعيبُنى أن أوترَ بركعةٍ وأنتَ تُورِّثُ
ثلاثَ جداتٍ(١)؟!
قال ابنُ أبى أويسٍ : سأَلتُ مالكًا عن الجدتينِ اللتينِ ترثانٍ ، والثالثةِ التى
تطرح وأمهاتِها ، فقال : اللتانِ ترثان أمّ الأَمِّ ، وأمّ الأُبِ ، وأمهاتُهما إذا لم يكونا ،
والثالثةُ التى تطرح أمّ الجدِّ أبى الأُبِ وأمهاتُها. قال ابنُ أَبِى أُويسٍ: فأما أم أبِ الأمّ
فلا ترثُ شيئًا .
قال أبو عمرَ : أهلُ المدينةِ يذهبون إلى قولِ زيدِ بنِ ثابتٍ فى توريثٍ
الجداتِ، وكان زيدٌ يقولُ: تَرِثُ الجدةُ أمّ الأبِ والجدةُ أمُّ الأمّ ، أيتُهما كانت
أُخَذت السدسَ، فإن اجتمعتا فالسدسُ بينَهما، ولا شىءَ للجداتِ غيرُ السدسِ
إذا استوين فى القُعْدُدِ . قال: فإن قَرُبت التى مِن قِبَلِ الأمّ كان السدسُ لها دونَ
غيرِها ، وإن قرُبت التى من قِبَلِ الأُبِ كان السدسُ بينَها وبينَ التى من قِبَلِ الأُمِّ
وإن بَعُدتْ. هذه روايةُ خارجةَ بنِ زيدٍ ، وأهلِ المدينةِ ، عن زيد بن ثابتٍ .
جبنه
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٤٠٣ .
(٢) تقدم تخريجه ص ٤٠٢، ٤٠٣، ٤٠٩ .
٠
٤١٦

الموطأ
وروَى الشعبىُّ عن زيدِ بنِ ثابتٍ ، أنه قال: أيتُهما كانت أقربَ، فالسدسُ الاستذكار
لها(١) . وقولُ علىّ بن أبى طالبٍ رضِى اللهُ عنه فى الجدَّاتِ كقولِ زیدِ بنِ
ثابتٍ ، إلا أنه كان يُورِّثُ الدِّنْيا، كانت من قِبلِ الأَبِ أَو من قبلِ الأمّ ، ولا
يشرَكُ معها أحدًا ليس فى قُعدُدِها (١). وبه يقولُ الثورىُّ، وأبو حنيفةً
وأصحابُه، (٣وأبو ثور٣ٍ. وكان الأوزاعىُّ يُورِّثُ ثلاثَ جداتٍ ، ولا يُورِّثُ
أكثرَ منهن ؛ واحدةً من قِبَلِ الأُمّ ، واثنتينٍ من قِبَلِ الأبِ . وهو قولُ أحمدَ بنِ
حنبلٍ . وحُجتُهما حديثُ سفيانَ بنِ عيينةً ، عن منصورٍ ، عن إبراهيمَ ، أَنَّ
النبيَّ وَّهُ وَرَّثَ ثلاثَ جداتٍ ؛ اثنتينٍ من قِبَلِ الأُبِ ، وواحدةً من قِبَلِ الأمّ .
حدَّثناه محمدُ بنُ إبراهيمَ ، قال: حدَّثنى أحمدُ بنُ مُطَرِّفٍ ، قال: حدَّثنی
سعيدُ بنُ عثمانَ ، قال : حدَّثنى يونسُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : حدثنى سفيانُ .
(٢)
فذكره(٢).
وأما ابنُ مسعودٍ فكان يُوَرِّثُ الجداتِ الأربعَ؛ أُمَّ الأُمْ وَأُمَّها وإن علَتْ ، وأُمّ
الأُبِ وأمَّها وإن علَتْ، وأَمَّ أَبِى الأُم وأمّها ، وأمّ أبى الأُبِ وأمَّها . وهو قولُ ابنٍ
عباسٍ ، وبه قال الحسنُ ، وابنُ سيرينَ، وجابرُ بنُ زيدٍ ().
القبس
(١) أخرجه البيهقى ٢٣٧/٦.
(٢) تقدم تخريجه ص٤٠٤ .
(٣ - ٣) ليس فى : الأصل .
(٤) تقدم تخريج هذه الآثار ص ٤٠٤، ٤٠٥.
٤١٧
( موسوعة شروح الموطأ ٢٧/١٣ )

الموطأ
وروَى حمادُ بنُ سلمةَ ، عن سليمانَ الأعمشِ ، عن إبراهيم بنِ عبدِ اللهِ بنِ
الاستذكار
مسعودٍ ، قال : ترِثُ الجداتُ الأربعُ قَرْین أو يعُدن(١).
وحمادُ بنُ سلمةَ ، عن ليثٍ ، عن طاوسٍ ، عن ابنِ عباسٍ ، قال : ترثُ
الجداتُ الأربعُ(٣).
وحمادُ بنُّ زيدٍ ، عن أيوبَ ، عن الحسنِ ومحمدٍ ، أنهما كانا يُوَرِّثان أربعَ
(٢)
جداتٍ(٢).
و کان ابنُ مسعودٍ یَشرَكُ بینَ الجداتِ فی السدس، دِنْیاهن وقُصواهنَّ ، ما
لم تكنْ جدةٌ أمّ جدَّةٍ ، أو جدةٌ فإن كان ذلك، ورَّثَ بينَهما مع سائرِ الجداتِ،
وأسقطَ أمَّها أو جَدتَها(٢).
وروى عنه أنه كان يُسقِطُ "القصوى بالدِّنيا إذا كانتا من جهةٍ(٤) واحدةٍ ،
مِثلَ أن تَكُونَ أُمّ أبٍ وأمّ أبى (٥) أبٍ، فِيُوَرِّثَ أُمَّالأبِ(٦)، ويُسقِط٣َ) أمَّأبى الأب(٢).
القبس
(١) تقدم ص ٤٠٤ .
(٢) تقدم تخريجه ص ٤٠٥ .
(٣ - ٣) سقط من: ح ، هـ .
(٤) فى الأصل، م: ((جدة)). والمثبت مما تقدم ص ٤٠٥ .
(٥) سقط من : م .
(٦) بعده فى م: (( أب)).
٤١٨

الموطأ
الاستذكار
فكان يحيى بنُ آدمَ يختارُ هذه الروايةَ عن ابنٍ مسعودٍ وَيُقَوِّيها . وأما ابنُ عباسٍ
فكان يُؤَرِّثُ الجدةَ أمَّ ( أبى الأمّ) مع من يُحاذيها مِن الجدَّاتِ. وتابَعَه على ذلك
الحسنُ ، وابنُ سیرینَ ، وجابرُ بنُ زید .
ورُوىَ عن ابنِ عباسٍ قولٌ شاذٌ ؛ أن الجدةَ كالأُمّ إذا لم تكُنْ أمّ. وهذا باطلٌ
عندَ العلماءِ؛ لأنهم أجمَعوا أن لا تَرِثَ جدةٌ ثُلثًا ، ولو كانت كالأمّ ورِثَت
الثُّلثَ ، وأظُرُّ الذى روَى هذا الحديثَ عن ابنِ عباسٍٍ قاسه على قولِه فى الجدِّلما
جعَله أبًا ، ظنَّ أنه يجعَلُ الجدةَ أمّا ، واللَّهُ أعلمُ .
وأما زيدُ بنُ ثابتٍ فقولُه، أنه لا يَرِثُ مِن قِبَلِ الأمّ إلا ◌َدةٌ واحدَةٌ ، ولا تَرِثُ
الجَدةُ أُمّ أبى الأمّ على حالٍ ، ولا يَرِثُ مع الأُبِ أحدٌ مِن جداتِه ، ولا تَرِثُ جَدةٌ
وابنُها حتىٍّ . يعنى الابنَ الذى يُدْلى به إلى الميراثِ، فأما أن تكونَ جدةٌ أم عمّ
لأب (" وأمّ )، فلا يحجُبُها هذا الابنُ عن الميراثِ، ولا يرِثُ أحدٌ من الجداتِ مع
الأمّ. فهذا كلُّه قولُ زيدِ بنِ ثابتٍ . وبه يقولُ مالكٌ ، والشافعىُ ، وأصحابُهما ،
إلا أن مالكًا لا يُؤَرِّثُ إِلا جدَّتَيْن؛ أُمَّ أُمّ، وأُمَّ أبٍ ، وأمّهاتِهما. وكذلك روَى أبو
ثورٍ عن الشافعىِّ .
القبس
(١ - ١) فى الأصل: ((الأب الأم))، وفى هـ، ح، م: ((أبى الأب)). والمثبت مما تقدم
ص ٤٠٥.
(٢ - ٢) سقط من النسخ. والمثبت مما تقدم ص ٤٠٣ .
٤١٩

الموطأ
قال مالكٌ: والأمرُ المُجتمَعُ عليه عندَنا الذى لا اختلافَ فيه ،
والذى أدَكتُ عليه أهلَ العلم بيلدِنا، أن الجَدَّةَ أُمّ الأُمّ لا تَرِثُ مع الأُمّ
دِنْيا شيئًا، وهى فيما سوى ذلك يُفرَضُ لها السدسُ فريضةٌ، وأن الجَدَّةَ
أُمَّ الأَبِ لا تَرِثُ معَ الأُمّ ولا معَ الأَبِ شيئًا، وهى فيما سوى ذلك يُفْرَضُ
لها السدسُ فريضةٌ ، فإِذا اجتمعت الجدَّتان أُمّ الأُبِ وأُّ الأُمّ ، وليسَ
للمُتوفَّى دونَهما أبٌّ ولا أُمّ. قال يحيى : قال مالكٌ: فإنى سمِعتُ أن أُمّ
وهو قولُ مَن ذكَرنا من فقهاءِ المدينةِ؛ سليمانَ بنِ يسارٍ ، ومَن تقدَّم ذكرنا له
الاستذكار
معه . ومذهبُ زيدٍ قد جوَّده مالكٌ، وذكر أنه الأمرُ المجتمعُ عليه بالمدينة .
قال مالكٌ: الأمرُ المجتمَعُ عليه عندَنا ، الذى لا اختلافَ فيه ، والذى
أدرَكتُ عليه أهلَ العلم ببلدِنا ، أن الجدةَ أمَّ الأمّ لا ترثُ مع الأمّ دِنْيا شيئًا، وهى
فيما سوى ذلك يُفرَضُ لها السدسُ فريضةً، وأن الجدةَ أمَّ الأَبِ لا ترتُ مع الأُمّ
ولا مع الأُبِ شيئًا ، وهى فيما سوى ذلك يُفرضُ لها السدسُ فريضةٌ"، فإذا
اجتمعت الجدتان أمُّ الأُبِ وأمّ الأمّ ، وليس للمتوفَّى دونَهما أبٌ ولا أمّ . قال
مالكٌ: فإنى سمِعتُ أن أمَّ الأمّ إن كانت أقعدَهما كان لها السدسُ دونَ أمّ
الأبِ، وإن كانت أمُّ الأبِ أقعدَهما، أو كانتا فى القُعْدُدِ من المتوفَّى بمنزلةٍ
سواءٍ، فإن السدسَ بينَهما نصفين .
القبس
(١ - ١) ليس فى : الأصل، ح ، هـ .
٤٢٠