Indexed OCR Text

Pages 521-540

الموطأ
وأمّا قولُهُ وَّلَهُ: ((ومَن كان مِن أهلِ الصيامِ دُعِى مِن بابِ الرّيَّانِ)). والريَّانُ التمهيد
فَعْلَانُ مِن الرِّىِّ . وفى الحديثِ دليلٌ على أن مَن صام يومين مُخْتَسِبًا بهما وجهَ
اللهِ يُعَطِّشُ فيهما نفسَه، سقاه اللهُ وأزواه يومَ القيامةِ. وإنَّما قُلْنا: يومينٍ . ولم
نقلْ: يومًا واحدًا. وإن كان جاء فى غيرِ هذا الحديثِ؛ لقولِهِ وَلَهُ: ((مَن أَنْفَق
زوجین فی سبیلِ اللهِ )). ثم قال: « وإن کان مِن أهلِ الصیامِ دُعِی مِن بابِ
الرَّانِ )). ومَن أَزْواه اللهُ يومَ القيامةِ لم يَظمَأْ ولم يَتَلْ بُؤْسًا، وتلك حالُ مَن غُفِرِ له
وأُدخِل الجنَّةَ برحمةِ اللهِ ، لا حَرَمنا اللهُ ذلك برحمتِهِ، آمين .
وقد رُوِى عن النبيِّ وََّ أنه قال: ((للجنَّةِ بابٌ يُقالُ له: الرِيَّانُ. لا يَدخُلُ
منه إلّ الصائمون)). وهذا مِمَّا يدُلُّ أيضًا على أن للجنّة أبوابًا.
وفى حديثنا هذا أيضًا دليلٌ على فضلٍ أبى بكرٍ رضِى اللهُ عنه ، وأنه مِن أهلِ
الجنَّةِ ، وأَنَّه ممَّن جُمِع له الأعمالُ الصالحةُ، وأَنَّه يُنادَى يومَ القيامةِ مِن جميعِ
أبوابِ الجنَّةِ؛ لتقدُّمِه فى أعمالِ البرّ، ورجاءُ رسولِ اللهِ وَلَه يَقِينٌ إن شاء اللهُ.
ومعنى الدعاءِ مِن تلك الأبوابِ إعطاؤه ثوابَ العاملين ونَيْلُه ذلك . واللهُ أعلمُ.
حدثنى أحمدُ بنُ قاسم بنِ عبدِ الرحمنِ، قال : حدثنى عبيدُ اللهِ بنُ
إدريسَ، قال: حدثنا يحيى بنُ عبدِ العزيزِ، قال : حدثنى عبدُ الغنىِّ بن أبى
عقيلٍ، قال: حدَّثنا يَغْنَمُ بنُ سالم، عن أنسٍ بنِ مالكٍ قال: كان رسولُ اللهِ
القبس
= (٣٤٢١) من طريق الثورى به، وأخرجه أحمد ٤٧٥/٣٧ (٢٢٧١٨)، والبخارى (١٨٩٦،
٣٢٥٧)، ومسلم (١١٥٢) من طريق أبى حازم به .
(١) فى م: ((نعيم)). وينظر ضعفاء العقيلى ٤٦٦/٤، والإكمال ٧/ ٣٥٨.
٥٢١

الموطأ
٠,
إحرازُ مَن أسلَم من أهلِ الذَّمَّةِ أرضَه
١٠٢٨ - قال يحيى: سُئل مالكٌ عن إمام قبِل الجزيةَ من قوم
فكانوا يُعطُونها، أَرأيت مَن أسلَمَ منهم؛ أتكونُ له أرضُه، أو تكونُ
للمسلمِين ويكونُ لهم مالُه؟ فقال مالكٌ: ذلك يَختلِفُ؛ أَمَّأ أهلُ
الصلحِ، فإنَّ مَن أسلم منهم فهو أحقُّ بأرضِه ومالِهِ، وأمَّا أَهلُ العَنْوَةِ
الذين أَخِذوا عَنوةً، فمَن أسلم منهم فإن أرضَه ومالَه للمسلمين؛ لأن
أهلَ العَنوةِ قد غُلبوا على بلادِهم وصارت فَيْئًا للمسلمِين، وأمَّا أهلُ
التمهيد
وَّ جالسًا فى جماعةٍ مِن أصحابِهِ، فقال: ((مَن صام اليومَ؟)). فقال أبو بكرٍ:
أنا. قال: ((مَن تصدَّق اليومَ؟)). قال أبو بكرٍ: أنا. قال: ((مَن عاد اليومَ
مريضًا؟)). قال أبو بكرٍ: أنا. قال: ((فَمَن شَهِد اليومَ جِنازةً؟)). قال أبو بكرٍ :
أنا. فقال: ((وجَبتْ لك، وجَبتْ لك)).
قال أبو عمرَ : يَغْنِى الجنَّةَ . فَهَنِيئًا له رضِى اللهُ عنه الجنَّةُ ، وعن جماعةِ الصحابةِ .
الاستذكار
بابُ إحرازٍ مَن أسلَم من أهلِ الذمةِ أرضَه
قال يحيى : سُئل مالكٌ عن إِمامٍ قبِل الجزيةَ مِن قومٍ وكانوا يُعطونها ، أرأيتَ
من أسلم منهم ؛ أتكونُ له أرضُه، أم تكونُ للمسلمين ويكونُ لهم مالُه؟ فقال
مالكٌ : ذلك يَختلِفُ ؛ أما أهلُ الصلح ، فمَن أسلَم منهم فهو أحقُّ بأرضِه ومالِهِ ،
وأما أهلُ العَنوةِ الذين أخذوا عَنوةً ، فمن أسلم منهم فإن أرضَه ومالَه للمسلمين ؛
القبس
٥٢٢

الصلح ، فإنهم قد منَعوا أموالهم وأنفسهم حتى صالَحوا عليها ، فليس الموطأ
عليهم إلا ما صالَحوا عليه .
الاستذكار
لأن أهلَ العَنوةِ قد غُلبوا على بلادِهِم وصارت فيئًا للمسلمين، وأما أهلُ الصلح
فإنهم قد منَعوا أنفسَهم وأموالهم حتى صالَحوا عليها، فليس عليهم إلّا ما
صالَحوا عليه(١) .
قال أبو عمرَ : ما ذكره مالكٌ رحِمه الله فى هذا البابِ عليه جماعةُ العلماءِ،
أن مَن صالَح على بلادِه وما بيدِه من مالٍ ؛ عَقارِ وغيرِهِ، فهو له ، فإن أسلَمَ أحَز
له إسلامُه أرضَه ومالَه. وأما أهلُ العَنوةِ فإنهم وجميعَ أموالهم للمسلمين ، فإن
أسلَموا لم تَكُنْ لهم أرضُهم ؛ لأنها لمن قاتَل عليها وغلَب عليها ، فمَلَك ◌ِقابَ
أهلِها وأموالَهم، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَوْرَتَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَرَهُمْ وَأَقْوَهُمْ وَأَرْضًا
لَّمْ تَطَتُهَا﴾ [الأحزاب: ٢٧]. وسنذكُرُ اختلافَ العلماءِ فى قسمةِ الأرضِ
المغلوبةِ عَنوةً فى قصةٍ خيبرَ فى كتابِ المساقاةِ إن شاء اللهُ، وما أعلَمُ بلدًا من
البلادِ التى افتتحَها المسلمون بالإيجافِ عليها والمقاتَلةِ لها خرَج عن هذه
الجملةِ المذكورةِ ، إلا مكةَ حرَسها اللهُ ، فإن أهلَ العلم اختلفوا فى قصةِ فتحِها ؛
فقالت طائفةٌ : فُتِحت عَنوةً، والفتحُ الغلبةُ . وممن قال ذلك الأوزاعىُّ وأبو
حنيفةً. ورُوِى ذلك عن مالك، وقال به أصحابُه. واحتجَّ مَن ذهب إلى أنها
فُتِحت عَنوةً بقولِ رسولِ اللهِ وَله: « إن اللهَ حبَس عن مكةَ الفيلَ، وسلَّط عليها
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٠/٨ و- مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٩٥٨). وأخرجه
أبو عبيد فى الأموال (٤٣٥) من طريق مالك به .
٥٢٣

الموطأ
الاستذكار رسولَه والمؤمنين، وإنها لم تَحِلَّ لأحدٍ قَبلى، ولا تَحِلُّ لأحدٍ بعدى، وإنما
أُحِلَّت لى ساعةً مِن نهارٍ ، ثم هى حرامٌ إلى يومِ القيامةِ » الحديث(١). وذكروا
أحاديثَ لا يُثبتُها أهلُ الحديثِ؛ مثلَ قولِه: «أترون أوباشَ قريشٍ، إذا لَقِيتُموهم
فاحصُدوهم حصدًا)) (١) . قالوا: وهذا لو صحَّ كان فيه ما يدُلُّ على أنها دُخِلت
عَنْوةٌ . وقد أجمعوا على أنها لم يَجْرِ فيها شىءٌ من حكم العَنوةِ ، ولم يُقتلْ فيها إلا
من استثناه النبىُّ عليه السلامُ وأَمَر بقتلِه، ولم يَشْبِ فيها ذُرِّيةً ، ولا عيالًا، ولا
مالًا ، وأن أهلها بقُوا إذ أسلموا على ما كان بأيديهم من دارٍ وعَقارٍ ، وليس هذا
حكمَ العَنوةِ بإجماع. وقال أبو عبيدٍ: افتتح رسولُ اللهِ وَلِّ مكةً، ومنَّ على
أهلِها، و"ردَّها عليهم)، ولم يَقسِمْها، ولم يجعَلْ شيئًا منها غنيمةً ولا فَيئًا .
قال: فرأى بعضُ الناسِ أن ذلك جائزٌ له وللأئمةِ بعدَه . قال أبو عبيدٍ : والذى
أقولُ: إِن ذلك كان جائزًا له فى مكةً، وليس ذلك جائزًا لغيرِه فى غيرِها ، ومكةُ
لا يُشبِهُها شىءٍ مِن البلادِ؛ لأن الله تعالى خصَّ رسولَه مِن الأنفالِ بما لم يخُصَّ
به غيرَه فقال: ﴿قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١].
قال أبو عمرَ: قولُ أبى عبيدٍ ضعيفٌ، وهذه الآيةُ لم يختلفوا أن قولَه عزَّ
وجلَّ: ﴿ وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ مُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]. نزلت بعدَ
قوله: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. وقد ذكرنا هذا المعنى مجوَّدًا فى هذا
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٧٢، ٧٣ .
(٢) أخرجه أحمد ٥٥٣/١٦ - ٥٥٥ (١٠٩٤٨)، ومسلم (١٧٨٠)، والنسائى فى الكبرى
(١١٢٩٨) من حديث أبى هريرة .
(٣ - ٣) فى الأصل، م: ((ردهم إليها)).
٥٢٤

الموطأ
الاستذكار
الکتاب. والحمدُ للهِ .
وقال أبو يوسفَ: عفا رسولُ اللهِ وَّلِّ عن مكةَ وأهلِها، وقال: ((من أغلَق
بابه فهو آمنٌ ، ومن دخَل دارَه فهو آمنٌ، ومن دخَل دارَ أبى سفيانَ فهو آمنٌ ، ومن
دخَل الكعبةَ فهو آمنٌ)). ونهَى عن القتلِ إلا نفَرًّا سمَّاهم، وقال لهم حينَ
اجتمعوا فى المسجدِ : ((اذهبوا فأنتم الطلقاءُ)). ولم يجعَلْ شيئًا منها فيئًا ، ولم
يَشْبِ مِن أهلِها أحدًا .
وقال الشافعىُّ: لم يدخُلْ رسولُ اللهِ وَِّ مكةَ عَنوةً، وإنما دخَلها صلحًا .
وقال أصحابُه : أراد بقولِه : صلحًا. أى فعَل فيها فِعلَه فيمن صالَحه؛ فملَّكَه
نفسه وماله وأرضَه ودارَه، وذلك لأنه لم يدخُلْها إلا بعدَ أن أمَّن أهلَها كلَّهم إلا
الذين أمَر بقتلهم .
قال أبو عمرَ : ذكَر ابنُ إسحاقَ وجماعةٌ من أهلِ السيرِ معنى ما أصِفُهُ(١)؛ إن
رسولَ اللهِ وَلِّ لما بلَغ فى سفرِهِ عامَ الفتحِ مَرَّ الظهرانِ نزَل بها ، وكان العباسُ قد
لَقِيَه بأهلِه وعيالِه بالجُخْفةِ مهاجرًا إليه، فأمَر بالعيالِ إلى المدينةِ، وبقِىَ هو مع
رسولِ اللهِ وَلَه، فلما نزَل رسولُ اللهِ وَلَه بمرٌ الظهرانِ ركِب العباسُ بغلته،
ونهَض يرتقبُ ويستمعُ خبرًا من مكةً، أو مارًا إليها ، وذلك فى الليلِ، فسمِع
صوتَ أبى سفيانَ يُخاطِبُ رفيقَه، فقال: أبا حنظلةَ . فعرَفَه أبو سفيانَ ، فقال :
القبس
(١) ينظر سيرة ابن هشام ٤٠٢/٢ - ٤٠٥، ٤٠٩، ٤١٢، وتاريخ ابن جرير ٥٢/٣ - ٥٤، ٥٨-
٦١.
٥٢٥

الموطأ
الاستذكار أبو الفضلِ؟ ثم اجتمَعا، فأتى به النبيَّ عليه السلامُ، فأراد عمرُ قتلَه، فاعترضَه
العباسُ، وأمَره النبى عليه السلامُ أن يحملَه مع نفسِه ويأتيَه به غَدوةً ، فأتى به
صبيحةً تلك الليلةِ ، فأسلم ، وبايَع النبىَّ عليه السلامُ، فسأل له العباسُ النبيَّ
عليه السلامُ أن يُكْرِمَه ١ بشىءٍ، فقال: ((مَن دخَل دارَ أبى سفيان فهو آمنٌ)).
ولم يرَ إفرادَه بذلك، فأمَر مناديًا فنادى: (( ومَن دخَل دارَه فهو آمِنٌ، ومَن أغلَق
على نفسِه بابه فهو آمنٌ، ومن دخل المسجد فهو آمنٌ)). وعهد إلى أمرائِه من
المسلمين إذا دخَلوا مكةَ أَلَّا يُقاتِلوا إلا مَن قاتلهم، إلا نفرًا سمَّاهم، فنهَض بهذا
الأمانِ إلی مکةً أبو سفيانَ ونادَى به .
فهذا الأمانُ قد حصَل لأهل مكةً، ورسولُ اللهِ وَهِ بمرٌ الظهرانِ، فأين
العَنوةُ ههنا مع الأَمانِ الحاقنِ للدمِ والمالٍ؟ لأن المالَ تبعّ للنفسِ .
ثم دخَل رسولُ اللهِ وَلّهِ مكةَ، وطافَ بها، ثم خطَب خطبةً محفوظةٌ
أسقَط فيها كلَّ دمٍ ومَأْثَرَةٍ(٢)، ونهَى عن تعظيمِ الآباءِ والتفاخرِ بهم، وقال:
(( كلُّكم بنو آدمَ، وآدمُ من ترابٍ)). ثم قال: ((يا معشرَ قريشٍ، ما تَرون أنى فاعلٌ
بكم؟)). قالوا: خيرًا، أخٌ كريمٌ، وابنُ أخ كريم. قال: ((اذهبوا فأنتم
الطُّلَقاءُ)). ثم جلس حينًا فى المسجدِ ، فقضَى أمورًا مذكورةً فى السيرِ .
القبس
(١ - ١) فى الأصل، م: ((أن يلزمه)).
(٢) فى الأصل: ((ناثرة)). والمأثرة مفرد المآثر، ومآثر العرب: مكارمها ومفاخرها التى تؤثر عنها، أى
تُروَى وتُذكر. النهاية ٢٢/١.
٥٢٦

الموطأ
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، قال: حدثنا محمدٌ، قال: حدثنا أبو داود، الاستذكار
قال : حدثنا عثمانُ بنُ أبی شیبةَ ، قال : حدثنا یحیی بنُ آدم ، حدثنا ابنُإدریسَ،
عن محمدِ بنِ إسحاقَ ، عن الزهرىِّ ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عتبةَ ، عن ابنِ
عباسٍ، أن رسولَ اللهِ وَ له جاءه العباسُ بنُ عبدِ المطلبِ بأبى سفيانَ بنِ حربٍ،
فأسلَم بمرّ الظهرانِ ، فقال له العباسُ : يا رسولَ اللهِ ، إن أبا سفيانَ رجلٌ یحبُ
الفخرَ، فلو جعَلتَ له شيئًا. فقال: ((نعم، مَن دخَل دارَ أبى سفيانَ فهو آمنٌ،
ومن أغلق بابه فهو آمنٌ))(١) .
قال أبو داود() : حدثنا محمدُ بنُ عمرو الرازىُ، قال: حدثنا سلمةُ ، عن
محمد بن إسحاق ، عن العباسِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ معبدٍ ، عن بعضِ أهلِه، عن ابنِ
عباسٍ، قال: لما نزَل رسولُ اللهِ وَهِ بِمَرٌ الظهرانِ. فذكَر الحديثَ فى خبرِ
إسلامٍ أبى سفيانَ ومجىءٍ العباسِ به للنبىِّ وََّ، على نحوِ ما فى السيرِ. وفى
آخرِ الحديثِ : قلتُ : يا رسولَ اللهِ ، إن أبا سفيانَ يحبُّ الفخرَ، فاجعَلْ له شيئًا .
قال: ((نعم، مَن دخَل دارَ أبى سفيان فهو آمنٌ، ومن أغلق عليه دارَه فهو آمنٌ،
ومن دخّل المسجدَ فهو آمنٌ)). قال: فتفرَّق الناسُ إلى دُورِهم وإلى المسجدِ .
قال أبو داودَ(١) : وحدثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ ، قال : حدثنا سلّامُ بنُ مسکینٍ،
قال : حدثنا ثابتٌ البُنانىُّ، عن عبدِ اللهِ بنِ رباحِ الأنصارىِّ، عن أبى هريرةَ ، أن
القبس
(١) أخرجه البيهقى ١١٨/٩ من طريق محمد بن بكر به. وهو عند أبى داود (٣٠٢١). وأخرجه
ابن أبى شيبة ١٤/ ٤٩٦، وابن أبى عاصم فى الآحاد والمثاني (٤٨٦) من طريق يحيى بن آدم به .
(٢) أبو داود (٣٠٢٢).
(٣) أبو داود (٣٠٢٤) .
٥٢٧

الموطأ
الاستذكار رسولَ اللهِ وَلَه لما دخَل مكةَ سرَّح الزبيرَ بنَ العوامِ وأبا عبيدةَ بنَ الجراحِ وخالدَ
ابنَ الوليدِ على الخيلِ، ثم قال: (( يا أبا هريرةَ، اهتِفْ بالأنصارِ». وقال لهم:
((اسلُكوا هذا الطريقَ، فلا يُشْرِفَنَّ لكم أحدٌ إلا أَنَمْتموه (١))). فنادى منادٍ: لا
قريشَ بعدَ اليومِ. فقال رسولُ اللهِ وَلَّهِ: ((من دخَل دارَه فهو آمنٌ، ومَن ألقَى
السلاحَ فهو آمنٌ، ومَن دخَل المسجد فهو آمنٌ)) . فعمَد صنادیدُ قریشِ فدخلوا
الكعبةَ، ثم أتَى النبىُّ عليه السلامُ للبيتِ فطاف به، وصلَّى خلفَ المَقامِ، ثم أخَذ
بجَنبَتىِ البابِ ، فخرجوا، فبايعوا النبىَّ عليه السلامُ على الإسلامِ.
قال أبو عمرَ : من حديث أبى هريرةَ شرَعُ(١) الطائفتان؛ مَن قال: إِن مكةً
دُخِلتْ عَنوةً . لأمرِه الزبيرَ وأبا عبيدةً وخالدًا بقتلٍ قريشٍ بعدَ دخول مكةَ، و(٢) مَن
قال : لم تُدخَلْ عَنوةً . لأن فيه النداءَ بالأمانِ فى ذلك الوقتِ . ولم تختلفِ الآثارُ
ولا اختلَف العلماءُ فى أن رسولَ اللهِ وَّلَّهِ أَمَّن أهلَ مكةً؛ كلَّ مَن دخَل دارَه، أو
المسجدَ، أو دارَ أبى سفيانَ، أو ألقَى السلاح .
وقد اختلفتِ الآثارُ فى وقتِ الأمانِ ؛ فمَن قال: إن ذلك كان بمرّ الظهرانِ .
کان اُصحّ وأولَی ممن قال : إن ذلك کان بعد دخوله مکةً . لأنه معلومٌ أُن من
شهِد ما فى حديثِ ابنِ عباسٍ من تأمينٍ أهلِ مكةً فى حينٍ إسلامِ أبى سفيانَ -
القبس
(١) فى الأصل: ((انرتموه))، وفى م: ((أمنتموه)). والمثبت من مصدر التخريج، وأنمتموه: قتلتموه.
ينظر النهاية ١٣١/٥، وعون المعبود ١٣٥/٣.
(٢) كذا فى: الأصل، م. ولعلها: ((نزع)).
(٣) بعده فى الأصل، م: ((من شرع)). والمثبت يقتضيه السياق.
٥٢٨

الموطأ
فقد شهِد بزيادةٍ على ما فى حديث أبى هريرةَ ؛ لأن من تقدَّم أمانُه لا يُنكر أن يعادَ الاستذكار
عليه الذكرُ بذلك عندَ دخوله مكةً .
ومعنى إرسالِهِ الزبيرَ وأبا عبيدةَ وخالدًا قد ظهَر فى الحديثِ الآخرِ؛ لأنه أمَر
أمراءَه ألا يُقاتلوا إلا مَن قاتلَهم إلا مَن استثنى لهم ، فهذا تهذيبُ الأمان فى ذلك ،
واللهُ أعلمُ .
وعلى هذا تتفقُ معانيها فى أن مكةَ بلدةٌ مؤمَّةٌ ، ولم يكن فيها شىءٌ من
أقوامٍ له لعِشرةٍ ، ولم يكنْ فيها شىءٌ من الصلح إلا أن يحصلَ أمرها كان)؛ لأنها
صالحت لمِلكِ أهلِها أنفسَهم وذراريَّهم وأموالهم . وهذا أشبهُ بحكم الصلحِ منه
لحكم العَنوةِ .
أخبرنا عبدُ اللهِ ، قال: حدثنا محمدٌ ، قال: حدثنا أبو داودَ ، قال : حدثنا
الحسنُ بنُ الصباح، قال : حدثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريم ، قال : حدثنا إبراهيم
ابنُ عَقيلٍ بن معقلٍ ، عن أبيه ، عن وهب بن منبهٍ ، قال : سألتُ جابرًا : هل غنِموا
يوم الفتحِ شيئًا؟ قال: لا(٢).
واختلَف الفقهاءُ فى الحربىِّ المستأمَنِ يُسلِمُ وله فى دارِ الحربِ مالٌ
وعَقارٌ ؛ فقال مالكٌ، والليثُ ، وأبو حنيفةً، وأصحابُهم: إذا أتى الحربىُّ طالبًا
للأمانِ ، فأعطاه ذلك الإمامُ ، وله فى دارِ الحربِ أموالٌ، ودُورٌ، وامرأةٌ حاملٌ،
القبس
(١ - ١) كذا فى الأصل، م. وهى عبارة مضطربة.
(٢) أخرجه البيهقى ١٢١/٩ من طريق محمد بن بكر به. وهو عند أبى داود (٣٠٢٣). أخرجه ابن
سعد ١٤٣/٢ عن إسماعيل بن عبد الكريم به .
٥٢٩
( موسوعة شروح الموطأ ٣٤/١٢)

الموطأ
الاستذكار وأولادٌ صغارٌ وكبارٌ، فأسلم، ثم ظَهَر (١) المسلمون على تلك الدارِ، أن ذلك
(٢ فىءٌ. و٢) كلَّه إذا أسلم الحربىُّ فى بلدِه، ثم خرَج إلينا مسلمًا، فإن أولادَه
الصغار أحرارٌ مسلمون ، وما أودعه مسلمًا أو ذمًّا فهو له، وما أودعه حريًّا وسائرُ
مالِه كلُّهُ(٢) فىءٌ. فَرَّقوا بينَ إِسلامِه قبلَ خروجِه وبينَ إسلامِه بعدَ خروجِهِ؛
لاختلافٍ حكم الدارِ عندَهم . وقال الشافعىُّ: من خرَج إلينا منهم مسلمًا
أحرَز مالَه حيثُ كان وصغارَ ولدِهِ. وهو قول الطبرىِّ. ولم يُفرِّقْ مالكٌ
والشافعىُّ بينَ إِسلامِه فى دارِ الكفرِ أو دارِ الإسلامِ. وقال الأوزاعىُّ: يُرَدُّ إليه أهلُه
وعيالُه، وذلك فىءٌ. ولم يُفرِّقْ بین مِلكِ فى الدارينِ .
واختلف العلماءُ فى بيع أرضٍ مكةً وكرائِها ودُورِها؛ فكان مالكٌ يكرهُ
كِراءَ بيوتٍ مكةً، وقال: كان عمرُ ينزُ أبوابَ مكةً. وكان أبو حنيفةً لا یرَی
بأسا بيع بناء بيوتٍ مکةً ، و گره بيع أرضِها ، و کرِه كراء بيوتها فى الموسم ومن
الرجلِ يعتمرُ ثم يرجعُ، فأما " المقيمُ والمجاورُ فلا يرَى بأخذِ الكِراءِ منه بأسًا .
قال محمدٌ : وبه نأخُذُ . وقال الشافعىُ: أرضُ مكةَ وبيوتُها وديارُها لأربابِها ،
جائزٌ(١) بيعُها وكراؤُها. وهو قولُ طاوسٍ، وعملُ ابنِ الزبيرِ(٨). واحتجّ الشافعىُّ
القبس
(١) فى م: ((ظفر)).
(٢ - ٢) ليس فى: الأصل، والمثبت كما فى مختصر اختلاف العلماء ٤٥٢/٣، وبداية المبتدى ١١٩/١.
(٣) فى الأصل، م: ((هناك)). والمثبت يقتضيه السياق.
(٤) فى الأصل، م: ((عنده)). والمثبت يقتضيه السياق .
(٥) ليس فى: الأصل، م. والمثبت من مختصر اختلاف العلماء ٦٧/٣ .
(٦ - ٦) فى الأصل، م: ((المعتمر)). والمثبت من مختصر اختلاف العلماء ٦٧/٣، وبدائع الصنائع ١٤٦/٥.
(٧) فى الأصل، م: ((ما سن)) والمثبت يقتضيه السياق .
(٨) أثر طاوس أخرجه عبد الرزاق (٩٢١٣)، وابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) =
٥٣٠

الموطأ
بحديثٍ أسامةَ بنِ زيدٍ أنه قال: يا رسولَ اللهِ ، انزِلْ دارَك بمكةً. فقال: ((وهل الاستذكار
ترك لنا عَقیلٌ من رباع(١)؟!)). و کان قد باعها ، فأضاف المِلكَ إليه وإلى من
ابتاعَها منه . وقد أضاف اللهُ عزَّ وجلَّ الديارَ إليهم بقوله عزَّ وجلَّ: ﴿اَلْمُهَجِينَ
الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَرِهِمْ﴾ [الحشر: ٨]. وقال: ﴿ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم
بِغَيْرِ حَقٍ إِلَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا اَللَّهُ﴾ [الحج: ٤٠]. وكَرِه عطاءٌ كِراءَ بيوتٍ
مكةً(١) . وقال إسحاقُ: بيعُ دُورٍ مكةَ وشراؤُها وإجارتُها مَكروة. ثم قال:
شراؤُها واستئجارُها أهونُ مِن بيعِها وإجارتها .
قال أبو عمرَ : هذا ضعيفٌ من القولِ ؛ لأن المشترىَ والبائعَ متبايعان ، فما
كُرِه للبائعُ(١) ينبغى أن يُكره للمشترى ) ، وهذا نحوُ مَن كرِهِ بيعَ المصحفِ،
وأجاز شراءَه .
وقد ذُكِر فى هذا البابِ حديثٌ مِن حديث ابنٍ عمرَ ، لا يصحُّ عندَ أهلِ
العلمِ بالحديثِ، عن النبيِّ وََّ أنه قال: ((لا يحلُّ بيعُ بيوتٍ مكةً ولا
إجارتُها))(١) . وكان أحمدُ بنُ حنبل يعجبُه أن يُتوقَّى الكراءُ فى الموسم، ولا يرى
القبس
= ص ٣٧١. وأثر ابن الزبير أخرجه البيهقى ٦/ ٣٤، ٣٥.
(١) الرباع جمع الربع، وهو المنزل ودار الإقامة. النهاية ٢/ ١٨٩.
والحديث أخرجه البخارى (١٥٨٨)، ومسلم (١٣٥١)، وابن ماجه (٢٧٣٠)، والنسائى فى الكبرى
(٤٢٥٦) .
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٩٢١٠)، وابن أبى شيبة ( القسم الأول من الجزء الرابع ) ص ٣٧٠.
(٣) فى الأصل، م: ((البائع)). والمثبت يقتضيه السياق.
(٤) فى الأصل، م: ((المشترى)). والمثبت يقتضيه السياق.
(٥) كذا فى : الأصل ، م ، وشرح معانى الآثار. وينظر الحاشية التالية .
(٦) أخرجه الطحاوى فى شرح معانى الآثار ٤٨/٤، وفى اختلاف العلماء - كما فى مختصره=
٥٣١

الموطأ
الدفنُ فى قبرٍ واحدٍ من ضرورةٍ ، وإنفاذً أبى بكرٍ
رضِى اللهُ عنه عِدَةَ رسولِ اللَّهِ ◌ِّ
عبد الله
بعدَ وفاةِ رسولِ اللهِ
١٠٢٩ - مالكٌ، عن عبد الرحمنِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الرحمنِ بن
أبى صَعصعَةً، أنه بلغه أن عمرو بنَ الجَموح وعبدَ اللهِ بنَ عمرٍو
الأنصارَّيْن، ثمَّ السَّلَمِيَّيْنِ، كانا قد حفَر السَّيلُ قبرَهما، وكان قبرهما
ممَّا يَلِى الشَّيلَ، وكانا فى قبرٍ واحدٍ ، وهما ممَّن استُشهِد يومَ أُحُدٍ ،
فخُفر عنهما لِيُغَيِّرا من مكانهما ، فؤُجدالم يَتغَيَّرا، كأنَّما ماتا بالأمس،
الاستذكار بالشراءِ بأسًا. قال: وقد اشترى عمرُ بنُ الخطابِ دارَ السجنِ بأربعةِ آلافٍٍ (١).
قال أبو عمرَ : تبائعُ أهلِ مكةً لديارِهم قديمًا وحديثًا أشهرُ وأَظهرُ من أن
يُحتاج فیه إلی ذکرٍ .
وقد ذكَر كثيرًا من ذلك الهُجَيْمىُّ، والخزاعىُ، وغيرُهما فى ((أخبارٍ
مكةَ)). والحمدُ للهِ .
التمهيد
مالكٌ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنٍ أبى صَعصعَةً ، أنَّه
بَلَغه أن عمرو بنَ الجَمُّوحِ وعبدَ اللهِ بنَ عمٍو الأنصاريَّيْنِ، ثم السَّلَمِتَّين، كانا قد
حفَر السيلُ قِبرَهما ، وكان قبرُهما مِمَّا يَلى السيلَ، وكانا فى قبرٍ واحدٍ ، وهُما
القبس
= للجصاص ٦٧/٣ - والعقيلى ٧٣/١، وابن عدى ٢٨٥/١، والدارقطنى ٥٧/٣، ٥٨، والحاكم ٥٣/٢،
والبيهقى ٣٥/٦ من حديث عن عبد الله بن عمرو ، وعند الطحاوى من حديث عبد الله بن عمر.
(١) ينظر مصنف عبد الرزاق (٩٢١٣)، ومصنف ابن أبى شيبة ٣٠٦/٧، وصحيح البخارى ١٦١/٣
عقب الحديث (٢٤٢٢)، وسنن البيهقى ٦/ ٣٤.
٥٣٢

الموطأ
و کان أحدُهما قد جرح ، فوضع يده على جزچِه، فدُفن وهو كذلك ،
فَأُمِيطت يدُه عن جرحِه ثمّ أُرسِلت ، فرجَعت كما كانت ، وكان بينَ
أَحُدٍ وبينَ يومَ حُفر عنهما ستٌّ وأربعون سنةً .
قال يحيى : قال مالكٌ: لا بأسَ أن يُدفَنَ الرجلان والثلاثةُ فى قبرِ
واحدٍ من ضرورةٍ ، ويُجعَلَ الأكبرُ ممَّا يَلِى القبلةَ.
مِمَّن استُشهِد يومَ أَحدٍ ، فحُفِر عنهما ليُغَيَّرا مِن مَكانِهما، فوُجِدا لم يتغَيَّرا، التمهيد
کأنّما ماتا بالأمس ، و کان أحدهما قد ◌ُرِح، فوضع يده على جرحه، فُفِن وهو
كذلك، فأُمِيطتْ يدُه عن مجرحِه ثم أُرسِلتْ ، فَرَجَعتْ كما كانت، وكان بينَ
أُحدٍ وبينَ يومَ حُفِر عنهما سِتٌّ وأربعون سنةً(١).
هكذا هذا الحديثُ فى ((الموطَُّ)) مقطوعًا، لم يُخْتَلَفْ على مالكٍ فيه ،
وهو يَتَّصلُ مِن وجوهٍ صحاحٍ بمعنِّى واحدٍ متقاربٍ .
قال أبو عمرَ : عبدُ اللهِ بنُ عمرٍ و هذا هو والدُ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، وهو عبدُ اللهِ
ابنُ عمرو بنِ حَرامٍ ، وعمرُو بنُ الجَمُوحِ بنِ زَيْدِ بنِ حرامِ بنِ كعبِ بنِ غَنْمِ بنِ
کَعْبِ بنِ سَلمةَ ، فهما ابنا عَمِّ ، وكانا صِھْرَتْن ، وقُتِلا يومَ أحدٍ ، ودُفِنا فى قبرٍ
واحدٍ، وقد ذكرناهما وطَرَفًا مِن أخبارِهما فى كتابٍ ((الصَّحابَةِ)) (١).
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ یوسف ، قال : أخبرنا محمدُ بنُ محمدِ بنِ أبی
دُلَيْم ، قال : أخبرنا عمرُ بنُ خَفصٍ بنِ أبى تمَّامِ ، قال : أخبرنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٢/٨ و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٩٣٨). وأخرجه ابن
شبة فى تاريخ المدينة ١٢٧/١، ١٢٨ من طريق مالك به .
(٢) الاستيعاب ٩٥٤/٣، ١١٦٨.
٥٣٣

الموطأ
التمهيد ابنِ عبدِ الحكم، قال: حدثنا أبو زُرعةَ وَهْبُ اللَّهِ بنُ راشِدٍ، قال: أخبرنا حَيْوَةُ بنُ
شُرَيْح، قال : أخبرنا أبو صَخْرٍ حُميدُ بنُ زيادٍ ، أن يحيى بنَ النَّضْرِ حدَّثه عن أبی
قتادةَ، أَنْه حضَر عمرَو بنَ الجَمُوحِ أَتَّى إلى رسولِ اللهِ نَّه فقال: يا رسولَ اللهِ،
أرأَيتَ إِن قاتَلْتُ فى سَبيلِ اللهِ حتى أَقْتَلَ ، أَتْرَانِى أمشِى برجلِى هذه فى الجَنَّةِ؟
وكانت رجلُه عرجاءَ، فقال رسولُ اللهِ وَهِ: ((نعم)). فَقُتِل يومَ أُحدٍ هو وابنُ
أخيه، فمرَّ عليه رسولُ اللهِ نَّهِ فقال: ((كأنِّى أَرَاهِ يمشِى فى الجَنَّةِ)). وأمَر بهما
رسولُ اللهِ وَّلِ، فَجُعِلا فى قبرٍ واحدٍ (١).
هكذا فى هذا الحديثِ : فقُتِل يومَ أحَدٍ هو وابنُ أخِيه . وليس هو ابنَ أخِيه،
إِنَّما هو ابنُ عمِّه على ما تقدَّم ذِكْرُناله، وهو عبدُ اللهِ بنُ عمرو بنِ حَرامٍ والدُ جابٍ
ابنِ عبدِ اللهِ ، دُفِن معه فى قبرٍ واحدٍ ، على ما فى حديثٍ مالكِ وغيرِه.
ذكَر الفريابيُّ(١) ، عن سفيانَ، عن أيُّوبَ، عن محُميدِ بنِ هلالٍ ، عن هشامٍ
ابنِ عامٍ، قال: لمَّا كان يومُ أحَدٍ شَكَوا إلى رسولِ اللهِ وَ لَهِ القَرْعَ، فقالوا: يا
رسولَ اللهِ ، إنه يشْتَدُّ علينا الحَفْرُ لكلِّ إنسانٍ؟ فقال: ((عَمَّقُوا وأحسِنُوا، وادْفِنُوا
الاثنين والثلاثةَ فى قَبْرِ)). قالُوا: يا رسولَ اللهِ، فمن نُقَدِّمُ؟ قال: ((أكثرَهم
قُوْآنًا)). قال: فدُفِن أبى ثالثَ ثلاثةٍ فى قَبِرٍ(٤) .
القبس
(١) أخرجه أحمد ٢٤٧/٣٧ (٢٢٥٥٣)، وابن شبة فى تاريخ المدينة ١٢٨/١، ١٢٩ من طريق
حیوة بن شريح به .
(٢) فى الأصل، م: ((الفريانى)). وينظر تهذيب الكمال ٢٧/ ٥٢.
(٣) فى م: ((الحرج)).
(٤) أخرجه البيهقى ٣٤/٤ من طريق الفريابى به.
٥٣٤

الموطأ
ذكرنا هذا الخبرَ وإن لم يكُنْ فيه ◌ِذِكْرٌ لعمرو بنِ الجَمُوحِ ، ولا لعبدِ اللهِ بنِ التمهيد
عمرو ؛ لِمَا فیهمِن صفةالدفن يومئذٍ، وقد روی سفيان ، عن الأسودِ بنِ قیسٍ، عن
نُبَيْحِ ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ، قال: لمَّا كان يومُ أُحُدٍ حُمِلِ القَتْلَى لِيُدْفَنُوا فى
البقيعِ، فنادَى مُنادِى رسولِ اللهِ وَ لّهِ: إن رسولَ اللهِ وَ لَه يأْمُؤُ كم أن تدفِنوا القتلى
فى مضاجعِهم . بعدَما حمَلتُ أبى وخالى عَدِيلَين(١) لتَدْفِتَهم فى البَقِيعِ، فَرُدُّوا (١).
حدَّثنا خلفُ بنُ القاسمِ بنِ سهلٍ، قال : حدَّثنا بكرُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال :
حدَّثنا يحيى بنُ عثمانَ بنِ صالحٍ، قال: حدَّثنا حسَّانُ بنُ غالبٍ ، قال : حدّثنا
ابنُّ لَهِيعَةَ، عن أبى الزُّبِيرِ ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، قال: اسْتُصْرِخ بنا إلى قَتلانا يومَ
أُحُدٍ ، وأجْرَى معاويةُ بنُ أبى سفيانَ العينَ، فاسْتَخْرَجهم بعدَ ستٍّ وأرْبَعِينَ سَنَةً
لَيَّنَةً أُجْسَادُهم تتثنَّى أَطْرَافُهم(٤).
قال أبو عمرَ: هذا هو الصحيحُ، واللهُ أعلمُ، أنَّهم اسْتُخْرجوا بعدَ سِتِّ
وأربعين سنةً ؛ لأنَّ معاويةً لم يُجرِ العينَ إلّ بعدَ اجتماع الناسِ عليه خليفةً ،
وكان اجتمائُ الناسِ عليه عامَ أربعين مِن الهجرةِ فى آخرِها ، وقد قيل : سنةً
إحدَى وأربعين. وذلك حينَ بايَعه الحسنُ بنُ علىٍّ، وأهلُ العراقِ ، فشُمِّى
القبس
(١) فى ص ٢٧: ((نفيح)). وينظر تهذيب الكمال ٣١٤/٢٩.
(٢) أى: شددتهما على جنبى البعير. ينظر النهاية ٣/ ١٩١.
(٣) أخرجه الحميدى (١٢٩٨)، وأحمد ٢٠٨/٢٢ (١٤٣٠٥)، وابن ماجه (١٥١٦)، والنسائى
(٢٠٠٣) من طريق سفيان بن عيينة به، وأخرجه أبو داود (٣١٦٥)، والنسائى (٢٠٠٤)، والبيهقى
٥٧/٤ من طريق الثورى به .
(٤) أخرجه ابن سعد ٥٦٣/٣، وابن أبى شيبة ٤٠٦/١٤ من طريق أبى الزبير به، وعندهما: (( بعد أربعين سنة)).
٥٣٥

الموطأ
٠٧٠
.......
التمهيد عامَ الجماعةِ وتُوفّى سنةَ سِتينَ . وقد روَى أبو مَسلمةً سعيدُ بنُ یزیدَ ، عن أبى
نضْرةً، عن جابرٍ ، أَنَّهم أَخرِجوا بعدَ سَّةٍ أشهرٍ. فإن صحَّ هذا ، فمرّتين
أُخرِج والدُ جابرٍ مِن قبرِهِ ، وأمَّا خُرُوجُه وخروجُ غيرِهِ فى حينٍ إجراءٍ معاويةً
العينَ فصحيحٌ ، وذلك بعدَ ستَّةٍ وأربعين عامًا ، على ما فى حديثٍ مالكِ
وغيره .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا
أحمدُ بنُ زهيرٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ خِداشِ (١)، قال: حدَّثنا غَسَّانُ بنُ مُضَرَ،
قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ يزيدَ أبو مَسلَمَةَ، عن أبى نَضْرَةَ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ،
قال: دعانى أبى وقد حضَر قتالُ أُحُدٍ ، فقال لى: يا جابرُ، إِنِّى لا أَرَانِى إِلَّا أوَّلَ
مقتولٍ يُقتلُ غدًا مِن أصحابٍ رسولِ اللهِ وَّهِ، وَإِنِّى لَنْ أَدَعَ أحدًا أعزَّ علىَّ منكَ
غيرَ نَفْسِ رسولِ اللهِ وَلِّهِ، وإن لكَ أخَواتِ فاسْتُؤْصِ بِهِنَّ خيرًا، وإن علَىَّ دَيْنَا ،
فاقْضٍ عَنِّى. فكان أوَّلَ قتيلٍ مِن أصحابٍ رسولِ اللهِ وَلِّ. قال: فَدَفَنتُه هو
وآخَرَ فى قبرٍ واحدٍ ، فكان فى نفْسِى منه شىءٍ، فاسْتَخرَجُه بعدَ سِتَّةِ أشهرٍ كيومَ
دفَنْتُهُ إِلَّا هُنِيَّةً عندَ رأسِه(٢) .
وروَى هذا الحديثَ شعبةٌ ، عن أبى مسلمَةً، عن أبى نضْرَةَ، عن جابرٍ مِثْلَه
سَوَاء بمَعناه، إِلَّا أَنَّه قال: بعدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، أَو سَبعَةٍ أَشْهُرٍ (١).
القبس
(١) فى م: ((حراش)). وينظر تهذيب الكمال ٤٥/٨.
(٢) تقدم تخريجه فى ٧١/٨، ٧٢.
(٣) تقدم تخريجه فى ٧٢/٨ .
٥٣٦

١٠٣٠ - مالكٌ، عن ربيعةً بن أبى عبد الرحمنِ، أنه قال: قدِم
على أبى بكرِ الصدِّيقِ مالٌ من البحرَينِ ، فقال: مَن كان له عندَ رسولٍ
الموطأ
وقد ذكرنا هذا الخبرَ فيما تقَدَّم مِن كتابِنا هذا، فى بابِ أبى الرجالِ ) . التمهيد
حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ سعيدٍ ، قال: أخبرنا أحمدُ بنُ مُطَرّفٍ ، قال:
حدَّثنا سعيدُ بنُ عُثمانَ ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إِسماعيلَ، قال: حدَّثنا سفيانُ
ابنُ عيينةَ، عن أبى الزُّبيرِ، عن جابرٍ، قال: لمَّا أراد معاويةُ أن يُجرِىَ العينَ بأُحُدٍ،
تُودِى بالمدينةِ : مَن كان له قتيلٌ فَلْيَأْتِ قتيلَه . قال جابرٌ: فأتَتِناهم، فأخرَجْناهم
رِطَابًا يَّون، فَأَصابَتِ المِسْحَاةُ إِصْبَعَ رجلٍ منهم، فانفَطَرَتْ دَمًا . قال أبو سعيدٍ
الخدرىُّ: لا تُنْكِئُ(٢) بعدَ هذا مُتْكِرًا(٢) أبدًا (٤).
قال أبو عمرَ : الذى أصابَتِ المِسْحَاةُ إِصْبَعَه هو حمزةُ رَضِىَ اللهُ عنه . رواه
عبدُ الأَعلَى بنُ حمَّادٍ ، قال: حدَّثنا عبدُ الجبَّارِ - يعنى ابنَ الوردِ - قال: سمِعتُ
أبا الزّبيرِ يقولُ : سمِعتُ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ يقولُ: رأيتُ الشهداءَ يُخرَجونَ على
رقابِ الرجالِ كأَنَّهم رجالٌ نُوَّمُ(٥) حتى إذا أصابَتِ المِسحاةُ قَدَمَ حمزةَ رضِىَ اللهُ
عنه فانْبَقتْ دَمًّا (١) . وباللهِ التوفيقُ.
مالكٌ، عن ربيعةَ بنِ أبى عبدِ الرحمنِ ، أَنَّه قال : قدِم على أبى بكرِ الصديقِ
القبس
(١) تقدم فى ٧١/٨، ٧٢.
(٢) فى ص١٦، ومصدر التخريج: ((ينكر))، وغير منقوطة فى ص٢٧ .
(٣) فى ص٢٧، ومصدر التخريج: ((منكر)).
(٤) أخرجه ابن بشكوال فى غوامض الأسماء ٥٦٦/٢ عن المصنف به، وينظر ما تقدم فى ٧٢/٨، ٧٣ .
(٥) فى م: ((توم)). وفى غوامض الأسماء لابن بشكوال: ((يوم)).
(٦) أخرجه ابن سعد ١١/٣ من طريق عبد الجبار به.
٥٣٧

الموطأ اللهِ وَّةٍ وَأَىّ أو عِدَةٌ فليأتنى. فجاءهُ جابرُ بنُ عبدِ اللهِ ، فحفَن له ثلاثَ
حَفَناتٍ .
التمهيد مالٌ من البحرين، فقال: مَن كان له عندَ رسولِ اللهِ وَلَهِ وَأَّ أو ◌ِدَةٌ فلْتَأثنى.
فجاءَ جابرُ بنُ عبدِ اللهِ، فحفَن له ثلاثَ حَفَناتٍ(١).
هذا الحديثُ يَتَّصِلُ من وجوهٍ ثابتةٍ عن جابرٍ ، رواه عنه جماعةٌ ؛ منهم أبو
جعفر محمدُ بنُ علىّ، ومحمدُ بنُ المُنْكَدِرِ، وعبدُ اللهِ بنُّ محمدِ بنِ عَقیلٍ،
وأبو الزُّبِيرِ، والشَّغْيِىُّ. وسنذكُرُ وجوهَ هذا الحديثِ وطُرِقَه بعدَ الفراغ من القولِ
فی معانیه إن شاء اللهُ .
وفيه من الفقهِ أنَّ العِدَةَ واجبٌ الوفاءُ بها وجوبَ سُنَّةٍ و کرامةٍ ، وذلك من
أخلاقِ أهلِ الإِيمانِ، وقد جاءَ فى الأثرِ: (( وَأَىُ المؤمنِ واجبٌ))(١) . أىْ واجبٌ
فى أخلاقِ المؤمنين . وإنَّما قُلنا: إنَّ ذلك ليس بواجبٍ فرضًا؛ لإجماعِ الجميعِ
على أنَّ من وُعِدَ بمالٍ ما كان ، لم يَضْرِبْ به مع الغُرماءِ، فلذلك قلنا : إيجابُ
الوفاءِ به حسنٌ فى المروءةِ ، ولا يُقْضَى به . ولا أعلمُ خلافًا أنَّ ذلك مُسْتَحْسَنٌّ،
يستَحِقُّ صاحبُه الحمدَ والشكرَ على الوفاءِ به، ويستَحِقُّ على الخُلْفِ فى ذلك
الذَّمَّ، وقد أثنَى اللهُ عزَّ وجلَّ على من صدَق وعدَه، ووفَّى بنَذْرِهِ، وكفَى بهذا
مَدْحًا ، وبما خالَفَه ذَمَّا، ولم تَزَلِ العربُ تَعْدَحُ بالوفاءِ، وَذُّ بالغَدْرِ والخُلْفِ ،
وكذلك سائرُ الأمَم، واللهُ أعلمُ . قال سابِقُ بنُ خُريم :
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٢/٨ و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٩٥٤).
(٢) أخرجه أبو داود فى المراسيل (٥٢٣) من مرسل زيد بن أسلم .
(٣) فى م: ((خديم)).
٥٣٨

الموطأ
متى ما يَقُلْ حُرٌّ لطالبٍ حاجَةٍ
والوأَىُ : العِدَةُ .
التمهيد
نعم يَقْضِها والحُثُ للوَأْيِ ضامِنُ
ولمّا کان هذا من مكارم الأخلاق ، و کان رسولُ اللهِ ێ أُوْلَی الناسِ بها
وأبدرهم(١) إليها ، وكان أبو بكرٍ خليفته - أُدَّی ذلك، وقام فیه مقامه ، فى
المَوْضِعِ الذى كان رسولُ اللهِ وَلَهِ يُقِيمُه.
وقد اختلف الفقهاءُ فيما يلزَمُ من العِدَةِ وما لا يَلْزَمُ منها، وكذلك اخْتلَفوا
فى تأخيرِ الدَّيْنِ الحالُ، هل يلزَمُ أم لا يلزَمُ؟ وهو من هذا البابِ ؛ فقال مالكٌ
وأصحابُه : مَن أَقْرَضَ رجُلًا مالًا؛ دنانيرَ أو دراهمَ، أو شيئًا ممَّا يُكَالُ أو يُوزَنُ ، أو
غيرَ ذلك (١، إلى أجَلٍ، أو منَح مِنْحَةٌ، أو أعارَ عاريّةً ، أو أَسْلَف سَلَفًا، كلُّ ذلك
إلى أجلِ" ، ثم أرادَ الانصرافَ فى ذلك وأُخْذَه قبلَ الأجل ، لم یکنْ ذلك له؛
لأَنَّ هذا ممَّا يُتَقَرَّبُ به إلى اللهِ عزَّ وجلَّ، وهو من بابِ الحِشْبَةِ .
قال أبو عمرَ : ومِن الحُجَّةِ لمالكٍ رحِمه اللهُ فى ذلك عمومُ قولِه تعالى :
﴿ وَأَوْفُواْ بِاَلْعَهْدِ﴾ [الإسراء: ٣٤]. وقولِه عليه السلامُ: (( كلُّ معروفٍ
صدقةٌ))(٣). وأجمعوا أنَّه لا يُنصَرّفُ(٤) فى الصَّدَقاتِ، وكذلك سائرُ الهِباتِ .
قال مالكٌ: وأمَّ العِدَةُ مثلُ أَنْ يَسألَ الرَّجلُ الرجلَ أَنْ يَهَبَ لِه الهِبَةَ، فيقول له :
م
القبس
(١) فى ك ١، م: ((أنذرهم)) .
(٢ - ٢) فى مخطوطة الأصل (٢٩٧/١ظ) من الاستذكار: ((حالا ثم طاع له فأخر به إلى
الأجل)). وهو الموافق لقول المصنف: ((تأخير الدين الحال)).
(٣) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٧٥٠) من الموطأ .
(٤) فى م: ((يتصرف)).
٥٣٩

الموطأ
التمهيد نعم. ثم يبدُو له ألَّا يَفعلَ، فما أُرَى ذلك يَلْزَمُه . قال مالك: ولو كان ذلك فی
قضاءٍ دَيْنِ ، فسَأَلَهُ أَنْ يَقْضِيَه عنه ، فقال : نعم . وثَمَّ رجالٌ يَشْهَدُون علیه، فما
أحْرَاه أنْ يَلْزَمَه إذا شهِد عليه اثْنان . وقال ابنُ القاسم: إذا وعَد الغُرماءَ ، فقال:
أُشْهِدُكم أنِّى قد وهَبْتُ لهذا من أين يُؤَدِّى إليكم. فإِنَّ هذا يَلْزَمُه، وأمَّا أنْ
يقولَ : نعم ، أنا أفعلُ. ثم يبدُو له، فلا أرَى ذلك عليه . وقال سُحْنُونٌ: الذى
يلزَمُه من العِدَةِ فى السَّلَفِ والعارِيَّةِ ، أَنْ يقولَ للرَّجلِ: اهْدِمْ دَارَكَ وأنا أُسْلِفُكَ
ما تَبْنِيها به. أو: اخرج إلى الحجّ وأنا أُسْلِفُكَ ما يُبَلِّغُكَ. أو: اشْترِ سلعةً كذا .
أو : تَرَوَّجْ، وأنا أُسْلِفُكَ ثمنَ السّلعةِ ، وصداقَ المرأةِ. وما أشْبَهَه ممَّا يُدخلُه
فيه، ويُنْشِبُه به، فهذا كلُّه يلزَمُه. قال: وأمَّا أَنْ يقولَ: أنا أُسْلِفُك. و:أنا
أُعْطِيكَ . بغيرِ شىءٍ يُلزِمُهُ(١) المأمورُ نفسَه، فإنَّ هذا لا يلزَمُه منه شىءٌ. قال أبو
حنيفةً وأصحابُه، والأوزاعىُّ، والشافعىُّ، وعبيدُ اللهِ بنُ الحسنِ (١)، وسائرُ
الفقهاءِ: أَمَّ العِدَةُ فلا يلزَمُه منها شىءٌ ؛ لأَنَّها مَنافعُ لم يَقْبِضْها فى العاريَّةِ لأنَّها
طارئةٌ ، وفى غيرِ العاريَّةِ هى(١٢) أشْخاصٌ وأعيانٌ موهوبةٌ لم تُقْبَضْ، ولصاحبِها
الرجوعُ فيها . وأمَّا القَرْضُ فقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: سواءٌ كان القَرْضُ إلى
أجلٍ أو إلى غيرِ أَجَلٍ ، له أنْ يأخُذَه متى أحَبَّ، وكذلك العارِيَّةُ وما كان مثلَ
ذلك كلِّه، ولا يَجوزُ تأخيرُ القَرْضِ البَّةَ بحالٍ. ويجوزُ عندَهم تأخيرُ
القبس
(١) فى ك ١، م: ((يلزم)).
(٢) فى ك ١، م: ((الحسين)). وينظر تهذيب الكمال ٢٣/١٩.
(٣) سقط من : ك١، م.
٥٤٠