Indexed OCR Text

Pages 361-380

١٠٠٣ - مالكٌ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ المغيرةِ بنِ الموطأ
أبى بُرْدَةَ الكِنانيّ، أنه بلغه أن رسولَ اللهِ وَ لِ أتى الناسَ فى قبائلهم يَدْعو
فى ((الموطأُ)) عن يحيى فى هذا الحديثِ: تُوِّى رجلٌ يومَ حُنينٍ. وهو وهمٌ، التمهيد
وإنما هو يومَ خيبرَ، وعلى ذلك جماعةُ الرواةِ ، وهو الصحيحُ، والدليلُ على
صحتِه قولُه : فوجَدنا خَرَزاتٍ من خرزاتٍ يهودَ . ولم يكُنْ بحُنينٍ يهودُ . واللهُ أعلمُ .
وأما قولُهُ نَّهِ فى هذا الحديثِ: ((صَلُّوا على صاحبِكم)). فإِنَّ ذلك كان
كالتشديدِ بغيرِ الميتِ من أجلِ أن الميتَ قد غَلَّ ؛ ليَنْتَهِىَ الناسُ عن الغُلُولِ لِمَا
رَأَوْا مِن تْكِ رسولِ اللهِ وَّهِ الصلاةَ على مَن غَلَّ، وكانت صلاتُه على مَن صلَّى
عليه رحمةً ، فلهذا لم يُصَلِّ عليه عقوبةً له وتشديدًا لغيرِهِ . واللهُ أعلمُ .
وفى قولِهِ وَّه: ((صَلُّوا على صاحبِكم)). دليلٌ على أن الذنوبَ لا تُخْرِجُ
المُذْنِبَ عن الإِيمانِ؛ لأنه لو كفَر بغُلولِه - كما زعَمت الخوارجُ - لم يَكُنْ لِيَأْمُرَ
بالصلاةِ عليه، فإن الكافرَ والمُشركَ لا يُصَلِّى عليه المسلمون ، لا أهلُ الفضلِ
ولا غيرُهم. ويَجوزُ أن يكونَ رسولُ اللهِ وَّهِ علِمِ أن ذلك الميتَ قد كان غَلَّ
بوحي من اللهِ عزَّ وجلَّ ، ويَجوزُ بغيرِ ذلك. واللهُ أعلمُ .
وقد ذكرنا أحكامَ الغُلولِ ، وعقوبةَ الغالٌ، وما للعلماءِ فى ذلك كلِّ مُمَهَّدًا
فى بابِ ثورِ بنِ زيدٍ من هذا الكتابِ (١) . والحمدُ للهِ .
مالكٌ، عن يحيى بنِ سعيدٍ ، عن عبدِ اللهِ بنِ المغيرةِ بنِ أبى بُرْدَةً الكِنَانيّ،
أنه بلَغه أن رسولَ اللهِ وَ لَّهِ أَتَّى الناسَ فى قبائلهم يَدْعُو لهم، وأنه ترَك قبيلةٌ من
القبس
(١) سيأتى ص ٣٧٠ - ٣٧٣، ٣٨٠ - ٣٨٧.
٣٦١

الموطأ لهم، وأنه ترَك قبيلةً من القبائل. قال: وإن القبيلةَ وجَدوا فى بَرْدَعَةٍ
رجلٍ منهم عِقدَ جَزْعٍ غُلُولًا، فأتاهم رسولُ اللهِ وَلَ فِكبّر عليهم كما
يُكبِّرُ على الميّتِ .
التمهيد القبائل. قال: وإن القبيلةَ وجَدوا فى بردعةِ رجلٍ منهم عِقْدَ جَزْعٍ(١) غُلُولًا،
فَأَتَاهم رسولُ اللهِ وَ لّهِ فِكَبَّر عليهم كما يُكَبُِّ على الميتِ(١) .
هذا الحديثُ لا أَعلَمُه فى حفظِى أنه رُوِى مسندًا بوجهٍ من الوُجُوهِ . واللهُ
أعلمُ .
وأما تَرْكُه الدعاءَ للقومِ الذين وجَد عندَ بعضِهم الغُلُولَ ، فعلى وجهِ العقوبةِ
والتشديدِ والإعلامِ بعظيم ما جَنَوْه، وقد مضى القولُ فى عقوبةِ الغالِّ، وما
للعلماءِ فی ذلك من المذاهبِ فی بابٍ ثورِ بنِ زیدٍ من هذا الكتاب(٢).
وهذا الحديثُ عندى لا يوجبُ حُكْمًا؛ لأنه منقطِعٌ عمَّن لا يُعرَفُ بكبيرٍ علم ،
وليس مثلُ هذا مما يُخْتَجُ به؛ لأن عبدَ اللهِ بنَّ المغيرةِ هذا مجهولٌ ؛ قومٌ يقولون فيه :
عبدُ اللهِ بنُ المغيرةِ بنِ أبى بُردةَ. وقومٌ يقولون : المغيرةُ بنُ عبدِ اللهِ ابنِ أبى بُردةً .
وأما تكبيرُه عليهم فاللهُ أعلمُ به . وجملةُ القولِ أن هذا حديثٌ لا يُحْتَجُ
بمثله ، فلا وجه للاشتغالِ بتخريج معانیه .
القبس
(١) الجزع بالفتح: الخرز اليمانى، سمى جزءًا لأنه مجزع أى مقطع بألوان مختلفة. التاج (ج زع).
(٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٣/٨ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٩٢٥).
(٣) سيأتى ص ٣٨٤-٣٨٧.
(٤) بعده فى م: (( وقد رواه الليث بن سعد عن يزيد بن أبى حبيب عن أبى الخير عن عقبة بن عامر
أن رسول الله وَ الت خرج يوما فصلى على أهل أحد صلاته على الميتة. وليس هذا من حديث هذا
الباب فى شىء والله أعلم)).
٣٦٢

١٠٠٤ - مالكٌ، عن ثَورِ بنِ زيدِ الدِّيلىّ، عن أبى الغَيْثِ سالم الموطأ
مولى ابنٍ مُطِيعٍ، عن أبى هريرةَ، أنه قال: خرَجنا مع رسولِ اللهِ وَله
عامَ خيبرَ، فلم نَغنَمْ ذهبًا ولا ورِقًا ، إلا الأموالَ ؛ الثيابَ والمتاعَ .
قال: فأهدَى رِفاعةُ بنُ زيدٍ لرسولِ اللَّهِ وَ غلامًا أسودَ يقالُ له:
مِدْعَمٌ. فوجَّه رسولُ اللّهِ فَهِ إلى وادى القُرَى، حتى إذا كنا بوادى
القُرَى، بينَما مِدعم يحُطَّ رحلَ رسولِ اللَّهِ عَلَّهِ، إذ جاءه سهمٌ عائرٌ،
مالكٌ، عن ثَوْرِ بنِ زَيْدِ الدِّيلِىِّ(١)، عن أبى الغَيْثِ سالمِ مَؤْلَى ابنٍ مُطِيعٍ(٢)، التمهيد
عن أبى هريرةَ، أَنَّه قال: خَرَجْنا مع رسولِ اللهِ وَ لَّ عامَ خيبرَ، فلم نَغْنَمْ ذهَبًا ولا
وَرِقًا، إِلَّ الأموالَ؛ الثِّيابَ والمَتاعَ. قال: فأهْدَى رِفاعةُ بنُّ زيدٍ لرسولِ اللهِ وَه
غُلامًا أسوَدَ يقالُ له: مِدْعَمْ. فَوَجَّهَ رسولُ اللهِ نَّهِإلى وادِى القُرَى (١) ، حتى إذا
القبس
(١) قال أبو عمر: ( ثور بن زيدالدیلی هو من أهل المدينة صدوق ، روى عنهمالك بن أنس وسليمان ابن بلال
وأبو أويس والدراوردى ، لم يتهمه أحد بالكذب ، وكان ينسب إلى رأى الخوارج والقول بالقدر، ولم يكن
يدعو إلى شىء من ذلك. قال أحمد بن حنبل: هو صالح الحديث ، وقد روى عنه مالك . كأنه يقول :
حسبك برواية مالك عنه . وتوفى ثور بن زيد هذا سنة خمس وثلاثين ومائة لا يختلفون فى ذلك ، وذكر
الحسن بن على الحلوانى عن على بن المدينى ، قال: كان يحيى بن سعيد يأبى إلا أن يوثق ثور بن زيد ، وقال :
إنما كان رأيه، وأما الحديث فإنه ثقة. لمالك عنه فى الموطأ من حديث النبى وَ له أربعة أحاديث، أحدها مسند
متصل ، والثلاثة منقطعة ، یشر که فى أحد الثلاثة حمید بن قیس ، قال البخاری : سمع ثور بن زيد الدیلی
المدنى من عكرمة وأبى الغيث)). الجرح والتعديل ٢/ ٤٦٨، وتهذيب الكمال ٤١٦/٤.
(٢) قال أبو عمر: ((أبو الغيث مولى ابن مطيع يسمى سالما، وهو مولى عبد الله بن مطيع بن الأسود القرشى
العدوى أحد بنى عدى بن كعب)). الجرح والتعديل ١٨٩/٤، وتهذيب الكمال ١٧٩/١٠.
(٣) وادى القرى: واد بين المدينة والشام من أعمال المدينة، كثير القرى. مراصد الاطلاع ١٤١٧/٣.
٣٦٣

الموطأ فأصابه فقتله، فقال الناسُ: هنيئًا له الجنةُ. فقال رسولُ اللهِ وَلَّهِ :
((كَلَّا، والذى نفسى بيدِه ، إن الشَّملَةَ التى أُخَذ يومَ خيبرَ من المغانمِ
لم تُصبْها المقاسمُ لتشتعلُ عليه نارًا)). قال: فلما سمِع الناسُ ذلك
جاء رجلٌ بشِرَاكِ أو شِراكَينٍ إلى رسولِ اللهِ وَله، فقال رسولُ اللهِ
وَ ظله : «شِرَاكٌ أو شِراكان من نارٍ)» .
التمهيد كانوا بوادِى القُرَى، بيْنَما مِدْعمٌ يَحُطُّ رَحْلَ رسولِ اللهِ وَهِ، إِذْ جاءَه سَهْمٌ
عائدٌ(١)، فأصابَه فقَتَلَه، فقال الناسُ: هَنِيئًا له الجنَّةُ. فقال رسولُ اللهِ وَِّّهِ:
((كلَّ، والذِى نَفْسِى بيدِه، إِنَّ الشَّمْلَةَ التى أخَذَ يومَ خيبرَ مِن المغانم لم تُصِبْها
المَقَاسِمُ لتشتعلُ عليه نارًا)). قال: فلمَّا سَمِعَ الناسُ ذلك جاءَ رجلٌ بشِرَاكِ أو
شِرَاكَينٍ إلى رسولِ اللهِ وَلَ، فقال رسولُ اللهِ وَهِ: ((شِرَاكٌ أو شِرَاكَان مِن
(٢)
نارٍ))(٢).
هكذا قال يَحْيَى: خرَجْنا مع رسولِ اللهِ وََّ عامَ خيبرَ. وتابَعَه على ذلك
عن مالكٍ قَوْمٌ؛ منهمُ الشَّافِعِىُّ(١)، وابنُ القاسِمِ(٤)، والقَعْتَبِئُ(٥). وقال جماعةٌ
مِن الزُوَاةِ، عن مالكِ فى هذا الحديثِ: خرَجْنا مع رسولِ اللهِ وَّهِ عامَ حُنَيْنٍ.
واللهُ أعلم بالصَّوابِ . وقال يَحْتَى: إلَّا الأموالَ؛ الثِيَابَ والمَتَاعَ. وتابَعَه قومٌ .
القبس
(١) سهم عائر: هو الذى لا يُدرى من رماه. النهاية ٣٢٨/٣.
(٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٣/٨ظ، ٤ و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٩٢٦). وأخرجه
البخارى (٦٧٠٧)، ومسلم (١١٥)، وابن حبان (٤٨٥١) من طريق مالك به .
(٣) السنن المأثورة (٦٥٠).
(٤) أخرجه النسائى (٣٨٣٦) .
(٥) أخرجه أبو داود (٢٧١١) .
٣٦٤

الموطأ
وقال ابنُ القاسِم : إلّ الأموالَ والِّيابَ والمَتَاعَ. وكذلك قال الشَّافِعِرُ، وقال التمهيد
القَعْنَبِىُّ: فلم نَغْتَمْ ذَهَبًا ولا وَرِقًا إِلَّ الِّيَابَ والمَتَاعَ والأموالَ. وروَى هذا
الحديثَ أبو إسحاقَ الفَزَارِىُّ، عن مالكِ، قال: حدَّثَنَى ثَوْرُ بنُ زيدٍ ، قال :
حدَّثنى سالمٌ مولَى ابنِ مُطِيعٍ، أَنَّ سَمِعَ أبا هريرةَ يقولُ : افْتَتَحْنا خيبرَ ، فلم نَغْتَمْ
ذَهَبًا ولا فِضَّةً، إنَّما غَنِعْنَا الإِبلَ والبقَرَ والمتاعَ والحَوائِطَ (١). فجَوَّدَ أبو إسحاقَ
مع جَلالَتِهِ إِسْنَادَ هذا الحديثِ ؛ بسَمَاعِ بعْضِهم مِن بعضٍ، وقَضَى بأنَّها خَيْبَرُ لا
حُنَيْنٌ ، وَرَفَعَ الإِشْكالَ .
ففى هذا الحديثِ أنَّ بعضَ العَرَبِ، وهى دَوْسٌ ، لا تُسَمِّى العَيْنَ مالًا ،
وإنَّما الأموالُ عندَهم الثِّابُ والمتاحُ والعُروضُ، وعندَ غيرِهم المالُ الصَّامِتُ مِن
الذَّهبِ والورِقِ، وذكَرَ ابنُ الأَنْبَارِىِّ، عن أحمدَ بنِ يَحْتَى النَّحوىِّ ، قال: ما
قَصَر عن بُلُوعِ ما يَجِبُ فيه الزَّكَاةُ مِن الذَّهَبِ والورِقِ والماشيةِ ، فَلَيْسَ بمالٍ .
.(٢)
وأنْشَدَ(٢) :
واللهِ ما بلَغَتْ لى(٣) قَطُّ ماشِيَةٌ حَدَّ الزّكاةِ ولا إِثْلٌ ولا مالُ
قال: وأَنْشَدَ أحمدُ بنُ يحتى أيضًا (٤) :
القبس
(١) أخرجه البخارى (٤٢٣٤)، والبيهقى ٣١٦/٦، ٣١٧، ١٣٧/٩ من طريق أبى إسحاق به .
(٢) البيت فى الأمالى لأبى على القالى ٣٠٢/٢ غير منسوب .
(٣) فى الأصل، م: ((بی)).
(٤) البيتان فى الأغانى ١١٠/١٩ منسوبان إلى بكر بن النطاح. وفى الأمالى لأبى على القالى
٣٠٢/٢ غير منسوبين .
٣٦٥

الموطأ
فما طَمِعَ العَواذِلُ فى اقْتِصادِى
ملَأَتُ يَدِى مِنَ الدُّنيا مِرارًا
التمهيد
وهل تجبُ الزَّكاةُ على جَوادٍ
ولا وجَبَتْ علىَّ زكاةُ مالٍ
وهذان البيتانِ أَنْشَدَهما الزُبيرُ بنُ بكّارٍ ، عن محمدِ بنِ عيسى لفُلَيْحِ بنِ
إسماعِيلَ .
قال أبو عمرَ : المعروفُ مِن كلامِ العَرَبِ أنَّ كلَّ ما تُمُوِّلَ وتُمُلِّكَ فهو
مالٌ ، أَلَا تَرَى إلى قولِ أبِى قَتَادةَ السَّلَمِىِّ: فابْتَعْتُ - يعنِى بِسَلَبِ القَتِيلِ
الذى قتَلهُ(١) يومَ حُنينٍ - مَخْرَفًا فى بَنِى سَلِمَةَ، فإِنَّه لأُوَّلُ مالٍ تَأْثَّلْتُه فى
الإسلام(٢) . وقال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِمْ صَدَقَّةٌ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِهِم
بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]. وأَعْمَعُوا أَنَّ العَيْنَ مِمَّا تُؤْخَذُ منه الصَّدَقَةُ، وأنَّ الثيابَ
والمتاعَ لا يُؤْخَذُ منها الصَّدَقَةُ، إِلَّ فى قولٍ مَنْ رأَى زكاةَ العُرُوضِ للمُديرِ
التَّاجرِ، نَضَّ(١) له فى عامِهِ شىءٌ مِن العَيْنِ أُو لم يَنِضَّ، وقال ◌ِِّ: ((يقولُ
ابنُ آدَمَ : مَالِى مَالِى. وإنَّمَا له مِنْ مَالِهِ مَا أكَل فَأَقْنَى ، أو تصَدَّق فَأَمْضَى ، أوْ
لَبِسِ فَأَبْلَى))(٤) .
وهذا أبْيَنُ مِن أنْ يُحْتاجَ فيه إلى استشهادٍ ، فمَنْ حَلَفَ بصدقَةٍ مَالِهِ ، فذلك
القبس
(١) فى م: ((قتلته)) .
(٢) تقدم فى الموطأ (٩٩٧).
(٣) نضَّ المال ينضُّ: إذا تحول نقدا بعد أن كان متاعا. النهاية ٧٢/٥.
(٤) أخرجه مسلم (٢٩٥٩) من حديث أبى هريرة، وأخرجه أحمد ٢٣٢/٢٦ - ٢٣٤ (١٦٣٠٥،
١٦٣٠٦)، ومسلم (٢٩٥٨)، والترمذى (٢٣٤٢، ٣٣٥٤)، والنسائى (٣٦١٥) من حديث
عبد الله بن الشخير .
٣٦٦

الموطأ
على كُلِّ نَوْعِ مِن مَالِهِ ، سَواءٌ كان مِمَّا تجِبُ فيه الزّكاةُ أَو لم يكُنْ، إِلَّا أَنْ يَنْوِىَ التمهيد
شيئًا بعينِه فيكونَ على ما نَوَى، ولا معنَى لقولٍ مَن قال : إنَّ ذلك على أموالٍ
الزَّكواتِ. لأَنَّ العِلْمَ مُحيطٌ، واللِّسانَ شاهِدٌ، فى أنَّ ما تُمُلِّكَ وَتُمُوَّلَ يُسَمَّى
مالاً، وسنَذْكُرُ اخْتِلافَ العُلماءِ فِيمَنْ حَلَفَ بصدقَةِ مَالِه فى بابٍ عُثْمانَ مِن هذا
الكتاب(١) إن شاء اللهُ .
أخبرنا خلفُ بنُ سعيدٍ ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا
أحمدُ بنُ خالدٍ، وأخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ أسدٍ ، قال: حدَّثنا أحمدُ
ابنُ محمدِ بنِ أبى الموتِ، وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا
محمدُ بنُ عِيسَى، قالوا: حدَّثنا علىُ بنُ عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثنا أبو عُبَيْدٍ ،
قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِىٌّ، عن سفيانَ، عن أبى إسحاقَ ، عن
حارِثةَ بنِ مُضَرِّبٍ ، قال جاءَ ناسٌ مِن أهلِ الشَّامِ إلى عمرَ، فقالوا: إنَّا أَصَبْنَا
أموالًا؛ خَيْلاً ورَقِيقًا، نُحِبُّ أنْ يكونَ لَنا منها زَكاةٌ (٢ وطُهورٌ). وذَكَرَ
الحديث(٣).
١
وفيه إباحةُ قَبُولِ الهَدِيَّةِ للخَلِيفَةِ، إلَّا أنَّ ذلك لا يجوزُ لغيرِ النبىِّ عليه
السلامُ، إذا كان منه قَبُولُها على جِهَةِ الاستبدادِ بها دُونَ رَعِيَتِه .
القبس
(١) سيأتى ص ٦٧٠ - ٦٧٤ .
(٢-٢) ليس فى : الأصل، م.
(٣) أخرجه أحمد ٢٤٤/١ (٨٢)، وابن خزيمة (٢٢٩٠)، والدار قطنى ١٢٦/٢ من طريق عبد الرحمن
ابن مهدی به .
٣٦٧

الموطأ
التمهيد
ورَوَى حَبيبٌ ، عن مالك، عن الزُّهْرِىِّ، عن أَنَسٍ ، قال: كان رسولُ اللهِ
وَّهَ يَقْبَلُ الهَدِيَّةَ، ويُنِيبُ عليها. وهذا الحديثُ، وإنْ كان إِسْنادُه غيرَ
صحيحٍ؛ لتَفَرُّدِ حَبيبٍ به عن مالكِ، فإنَّ قَبُولَ رسولِ اللهِ وَِّ الهَدايَا أَشْهَرُ
وَأَغْرَفُ، وأكثرُ مِن أَنْ تُخْصَى الآثارُ فى ذلك، لكنَّه كان ◌َّ مَخْصُوصًا بما
أَفَاءَ اللهُ عليه مِن غيرٍ قتالٍ مِن أمْوالِ الكُفَّارِ ، أنْ يكونَ له خاصَّةً دون سائرِ الناسِ ،
ومَنْ بعدَه مِن الأئِمَّةِ حُكْمُه فى ذلك خِلافُ حُكْمِه؛ لأَنَّ ذلك لا يكونُ له
خاصّةً دون المسلمین یاجماع ؛ لأنَّه فىءٌ ، وفی حدیث أبی حُمْدِ السَّاعِدِىِّ فی
قِصَّةِ ابْنِ اللَّتِيَّةِ (٢) ما يَدُلُّ على أنَّ العامِلَ لا يجوزُ له أنْ يَسْتَأْثِرَ بِهَدِيَّةٍ أُهْدِيَتْ إليه
بِسَبَبٍ وٍلايَتِه؛ لأنَّها للمسلمين .
حدَّثنا سعيدُ بنُ نَصرٍ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال : حدَّثنا محمدُ بنُ
وضَّاحِ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةَ ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بنُ عيينةَ، عن
الزُّهرِىِّ، عن عروةَ، عن أبى حُميدِ السَّاعِدِىِّ، قال: استعمَل رسولُ اللهِ وَِّهِ
وَستَة
رَجُلًا مِن الأزْدِ يُقالُ له: ابنُ اللُّتِيَّةِ(١) . فلمَّا قَدِم قال: هذا لكم، وهذا أَهْدِىَ
إلىَّ. فقامَ النبىُ نَّه على المِنْبَرِ، فَحَمِد اللهَ وأثْنَى عليه، وقال: ((مَا بَالُ عامِلٍ
أبعثُه ، فيقولُ : هذا لكم ، وهذا أَهدِىَ إِلىَّ. أفلا قعَد فى بيتِ أبيهِ ، أو بيتِ أُمِّهِ ،
حتى ينظُرَ أَتُهْدَى إليه أم لا؟ والذى نفسُ محمدٍ بيَدِه، لا يَنالُ أحدٌ منكم شيئًا إلَّا
جاءَ به يومَ القيامةِ يَحْمِلُه على عُنُقِه؛ بَعِيرٌ له رُغاءٌ، أَو بَقَرَةٌ لها خُوَارٌ، أو شاةٌ
القبس
(١) فى الأصل: ((الأتبية)). وهى رواية فيه. ينظر فتح البارى ١٦٥/١٣، وسيأتى ص٣٧٨.
٣٦٨

الموطأ
تَيْعَرُ (١). ثمّ رفَعَ يدَيْه حتى رأْيْنَا عُفْرَتَىْ(٢) إِبْطَيْهِ، ثم قال: ((اللَّهِمَّ هل التمهيد
(٣)
بَلَّغْتُ))(٣) .
ورَوَاه هِشَامُ بنُ عروةً(٤) وأبو الزنادِ (١) ، عن عروةَ بنِ الزُّبيرِ، عن أبى حميد
السَّاعِدِىِّ، عن النبيِّ وَلِّ مِثْلَه، بمعناه .
وروَى وَكِيمٌ وغيرُه، عن الأعمشِ، عن شَقيقٍ، قال: كان رسولُ اللهِ
وَلَّه قد استعملَ مُعاذَ بنَ جِبَلٍ على اليمنِ، فلمَّا اسْتُخلِفَ أبو بكرٍ، بعَثَ
عمرَ على الموسم فى تلك السنةِ، وقَدِم مُعاذٌ مِن اليَمَنِ بِرَقِيقٍ، فَلَقِىَ عمرَ
بعرفةَ، فقال له عمرُ: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء لأبى بكرٍ، وهؤلاء لى . فقال
له عمرُ: أَرَى أنْ تأَتِىَ بهم إلى أبى بكرٍ، فَتَدْفَعَهم إليه، فإِنْ سَلَّمَهم لكَ،
وإلَّا فهو أحَقُّ بهم. فقال: وما لى أَدْفَعُ رَقِيقِى إلى أبى بكرٍ، لا أُعْطِيه
هديَّتِى. فانْصَرَفَ بهم إلى مَنْزِلِه، فلمَّا كانَ مِن الغَدِ، جاءَ إلى عمرَ،
فقال: يابنَ الخَطَّابِ، لقد رأيتُنى الليلةَ أُشْرِفُ على نارٍ قد أُوقِدَتْ، فَأكادُ
أَتَفَخَّمُها وأهْوِى فيها، وأنتَ آخِذٌ بحُجْزَتِى (٢)، ولا أُرَانِى إِلَّ مُطِيعَك .
القبس
(١) فى ق، م: ((تبعر)). ويعرت العنز تيعر: أى صاحت. النهاية ٢٩٧/٥.
(٢) العفرة: بياض ليس بالناصع. النهاية ٢٦١/٣.
(٣) ابن أبى شيبة ٤٩٤/١٢ - وعنه مسلم (٢٦/١٨٣٢) - وأخرجه أحمد ٧/٣٩ (٢٣٥٩٨)،
والبخارى (٢٥٩٧، ٧١٧٤)، وأبو داود (٢٩٤٦) من طريق سفيان به .
(٤) أخرجه الطيالسى (١٣٠٩)، والبخارى (١٥٠٠، ٧١٩٧،٦٩٧٩)، ومسلم (٢٨،٢٧/١٨٣٢)
من طريق هشام بن عروة به .
(٥) أخرجه مسلم (٢٩/١٨٣٢)، وابن خزيمة (٢٣٨٢) من طريق أبي الزناد به .
(٦) الحجزة: موضع شد الإزار. النهاية ٣٤٤/١.
٣٦٩
( موسوعة شروح الموطأ ٢٤/١٢ )

الموطأ
التمهيد قال: فذهَب إلى أبى بكرٍ، فقال: هؤلاءٍ لك، وهؤلاءٍ أَهْدُوا لى. قال:
فإِنَّا قد سَلَّمْنا لك هَدِيَّتَك. فرجَعَ مُعاذٌ إلى مَنْزِلِه، فصلَّى، فإذا هم خَلْفَه
يُصلُّونَ، قال: ما بالُكم؟ قالوا: نُصَلِّى. قال: لِمَنْ. قالوا: للهِ. قال:
فاذْهَبُوا، فأَنتُم للهِ. فَأُعْتَقَهم(١) .
وذكَر يعقوبُ بنُ شَيْبَةً، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يحتَى النَّيسابورِىُّ، قال :
حدّثنا عبد الرزّاقِ ، قال : أخبرنا معمر ، عن الزهرى ، عن ابن لگغْبِ بنِ مالكِ ،
قال: بَعَثَ رسولُ اللهِ وَّهِ معاذًا إلى اليمنِ أميرًا، وكان أوَّلَ مَن تَجَرَ فى مالٍ
اللهِ، فمَكَثَ حتى أصابَ مالًا، وقُبِضَ رسولُ اللهِ وَلِّ، ثم قَدِمَ مُعادٌ ( على أبى
بكرٍ ٣) ، فقال عمرُ لأبى بكرٍ : أَرْسِلْ إِلى هذا الرَّجُلِ، فَدَعْ له ما يَعِيشُ به، وخُذْ
سائرَه منه. فقال أبو بكرٍ: إنَّما بعَثَه رسولُ اللهِ وَلَّهِ لِيَجْبُرَه، ولستُ بآخِذٍ منه
شيئًا ، إِلَّ أنْ يُعْطِى(١).
وفى قولِه فى هذا الحديثِ: ((إِلَّ مجَاءَ بهِ يومَ القيامةِ يَحْمِلُه على عُنُقِه)) .
دليلٌ على أنَّه غُلُولٌ حرام نارٌ؛ قال اللهُ عزَّ وجلّ: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ
ج
يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١]. وقال النبيُّ ◌َهِ: ((هَدَايَا الأَمراءِ غُلُولٌ))(٤).
ومن ذلك قولُهُ وَّهِ فى حديثٍ ثَوْرِ بنِ زَيْدِ هذا: ((إِنَّ الشَّمْلَةَ التى أخَذَ يومَ
القبس
(١) أخرجه أبو نعيم فى الحلية ٢٣٢/١ من طريق وكيع به .
(٢ - ٢) ليس فى : الأصل، م.
(٣) أخرجه البيهقى فى الدلائل ٤٠٥/٥، ٤٠٦ من طريق عبد الرزاق به .
(٤) أخرجه البيهقى ١٣٨/١٠ من حديث أبي حميد الساعدى .
٣٧٠

الموطأ
خَيْبَرَ مِن المغانم ، لَمْ تُصِبْها المَقاسِمُ ، لَتَشْتَعِلُ عليه نارًا)). فكُلُّ مَن غَلَّ شيئًا التمهيد
فى سبيلِ اللهِ، أو خانَ شيئًا مِن مالِ اللهِ، جاءَ به يومَ القيامَةِ إنْ شاءَ اللهُ،
والغُلُولُ مِن حقوقِ الآدَمِيِّين، ولا بُدَّ فيه مِن القِصَاصِ بالحَسَناتِ والسيّاتِ ،
ثم صاحِبُه فى المشيئةِ، وسنذكُرُ ما للعلماءِ فى عقوبَةِ الغَالُّ بعدَ هذا فى هذا
البابِ إنْ شاءَ اللهُ .
وذكَر سُنيدٌ ، عن مُتَشِّرٍ، عن صَفْوانَ بنِ عمرٍو، عن حَبيبٍ بنِ عُبيدٍ ، عن
عَوْفٍ بنِ مالكِ ، أَنَّ حَبيبَ بنَ مسلمةَ أَتِىَ برجلٍ قد غَلَّ ، ومعه غُلولُه، فوجَدَ
الناسُ مِن ذلك، وكان أوَّلَ غُلُولٍ رأَوه فى غَزْوِهم بالشَّامِ ، فقامَ عَوْفُ بنُ مالكٍ
فى الناسٍ ، فحَمِد اللهَ وأثْنَى عليه، ثم قال: أيُّها الناسُ، إِيَّكم وما لا كفَّارةَ له مِن
الذُّنوبِ ، إِنَّ الرجلَ لَيَزْنِى ثم يتُوبُ فيتُوبُ اللهُ عليه، وإنَّ الرجلَ لِيَشْرِقُ ثم
يُتُوبُ فيَتُوبُ اللهُ عليه ، وإنَّهما لذَنْبانٍ لا كَفَّارةَ لهما؛ صاحِبُ الغُلُولِ ، وَآكِلُ
الرِّبَا، قال اللهُ تَبَارَك وتعالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ
اٌلْقِيَامَةِ﴾. فلا كَفَّارةَ لصاحبِ الغُلول حتى يَأْتِىَ اللهَ به يومَ القيامةِ، وَآكِلُ الرِّبَا
يَبْعَثُهُ اللهُ يومَ القيامةِ مَجْنونًا (١) يَخْتَنقُ(٢). قال سُنيدٌ(٢): وحدَّثنا عَبْدَةُ بنُ
سليمانَ ، عن إِسْماعيلَ بنِ مُسلمٍ، عن الحسنِ ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ، قال :
القبس
(١) فى النسخ: ((مختنقا)). والمثبت من مصدرى التخريج.
(٢) أخرجه الطبرانى ٥٩/١٨، ٦٠ (١٠٩)، وفى مسند الشاميين (١٤٦٥) من طريق حبيب بن
عبيد به .
(٣) سنيد فى تفسيره ، كما فى التلخيص الحبير ١٨٩/٤.
٣٧١

الموطأ
التمهيد قال رسولُ اللهِ وَله: ((هَدَايَا الأَمَرَاءِ غُلُولٌ)) .
حدَّثنا سعيدٌ، حدَّثنا قاسمٌ، حدَّثنا محمدٌ، حدَّثنا أبو بكرٍ، حدَّثنا
عبدُ الرحيم بنُ سليمانَ ، عن أبى حَيَّنَ ، عن أبى زُرْعَةَ، عن أبى هريرةَ ، قال :
قامَ رسولُ اللهِ وَلِّ فِينا خَطِيبًا، فذكَرَ الغُلُولَ، فعظَّمَه، وعظَّمَ أمْرَه، ثم قال:
(( يأيُّها الناسُ، لا أَلْفِيَنَّ أحدَكم يَجِىُ يومَ القيامةِ على رَقَبَتِه بَعيرٌ لهُ رُغَاءٌ،
فيقولُ: يا رسولَ اللهِ، أَغِثْنِى. فأقولُ: لا أَمْلِكُ لكَ شيئًا، قد أَبْلَغْتُك. لا أُلْفِيَنَّ
أحَدَكم يَجِىءُ يومَ القيامةِ على رَقَبِه شاةٌ لها تُغَاءٌ ، يقولُ: يا رسولَ اللهِ ، أَغِثْنِى .
فأقولُ: لا أَمْلِكُ لك شيئًا، قد أبْلَغْتُكَ. لا أُلْفِيَنَّ أحدَكم يَجِىءُ(١) يومَ القيامةِ
على رَقَبْتِه بقرةٌ لها خُوَارٌ، يقولُ : يا رسولَ اللهِ ، أَغِثْنِى. فأقولُ: لا أملِكُ لك
شيئًا ، قد بلَّغْتُك. ولا أَلْفِيَنَّ أَحدَ كم يَجِىءُ يومَ القيامةِ على رَقَّتِهِ رِقَاعٌ تَخْفِقُ(٢)،
يقولُ : يا رسولَ اللهِ أَغِثْنِى. فأقولُ: لا أملِكُ لك شيئًا، قد بلَّغْتُك. ولا أُلْفِيَنَّ
أحدَ كم يَجِىءُ يومَ القيامةِ على رَقَبَتِه صامتٌ(٢) ، يقولُ: يا رسولَ اللهِ، أَغِثْنِى.
فأقولُ : لا أملِكُ لك شيئًا، قد بلَّغْتُك. ولا أُلْفِيَنَّ أحدُكم يَجِىءُ ( يومَ القيامةِ"
على رَقَبَتِه نفسٌ لها صِياح، فيقولُ: يا رسولَ اللهِ ، أَغِثْنِى. فأقولُ : لا أَمْلِكُ لك
شيئًا ، قَدْ بِلَّغْتُك))(٥) .
القبس
(١) ليس فى: الأصل، م.
(٢) رقاع تخفق: أراد ما عليه من الحقوق المكتوبة فى الرقاع، وخفوقها حركتها. النهاية ٢/ ٢٥١.
(٣) الصامت: الذهب والفضة خلاف الناطق وهو الحيوان . النهاية ٣/ ٥٢.
:
(٤ - ٤) ليس فى : الأصل، م.
(٥) ابن أبى شيبة ٤٩٢/١٢، ٤٩٣ - وعنه مسلم (١٨٣١) عقب الحديث (٢٤)، والبيهقى فى الشعب=
٣٧٢

الموطأ
فهذا ما فى الغُلُولِ، وقد يدْخُلُ فيه مَنْعُ الزَّكَواتِ؛ لأنَّها مِن حقوقِ التمهيد
المسلمينَ أيضًا بالمعنى . واللهُ أعلمُ .
وأمَّا النَّصُ فى هَدايًا المشركين، فروَى قتادةُ، عن يَزِيدَ بنِ الشِّخِيرِ ، عن
عِيَّاضِ بنِ حِمَارٍ (١)، أنَّ رسولَ اللهِ وَلِّ نْهَى عن زَبْدِ المُشرِكين. يغْنِى هَدايَاهم
ورِفْدهم .
أخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أَصْبَغَ قال: حدَّثنا
أحمدُ بنُ زهيرٍ، وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ" ، قال:
حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضِى ، قالا : أخبرنا عمرُو بنُ مرزوقٍ ، قال :
أخبرنا عمرانُ القَطَّانُ، عن قتادةَ، عن يَزِيدَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الشِّخِّیرِ ، عن عِیاضٍ
ابنِ حِمَارٍ (١)، قال: أَهْدَيْتُ لرسولِ اللهِ وَلّهِ ناقةً - أو قال: هَدِيَّةً - فقال:
((أسْلَمْتَ؟)). قلتُ: لا. قال: ((إنِّى نُهِيتُ عن زْدِ المشركين))(١).
أخبرنا أبو عمرَ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ ، قال: حدَّثْنا وَهْبُ بنُ
القبس
= (٤٣٣٠) - وأخرجه ابن جرير فى تفسيره ٢٠٢/٦ من طريق عبد الرحيم به، وأخرجه أحمد
٣٠٧/١٥، ٣٠٨ (٩٥٠٣)، والبخارى (٣٠٧٣) من طريق أبي حيان يحيى بن سعيد به .
(١) فى م: ((حماد)). وينظر تهذيب الكمال ٢٢/ ٥٦٥.
(٢ - ٢) ليس فى : الأصل، م.
(٣) أخرجه ابن الجارود (١١١٠)، والطحاوى فى شرح المشكل (٤٣٥٤)، والطبرانى ٣٦٤/١٧
(٩٩٩) من طريق عمرو بن مرزوق به، وأخرجه الطيالسى (١١٧٩)، وأبو داود (٣٠٥٧)،
والترمذى (١٥٧٧)، والبزار (٣٤٩٤) من طريق عمران به .
٣٧٣

الموطأ
التمهيد مسرّةً(١)، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاحِ، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ عَدِىِّ، قال:
أخبرنا ابنُ المباركِ عن يُونسَ ومعمرٍ، عن الزُّهرىِّ، عن عبد الرحمنِ بنِ
مالكِ، عن عامرِ بنِ مالكِ الذى يُقالُ له : مُلاعِبُ الأَسِنَّةِ . قال: قَدِمْتُ على
النبىِِّ نَّهِ بِهَدِيَّةٍ، فقال: ((إِنَّا لَنْ نَقْبَلَ هَدِيَّةَ مُشْرِكٍ)). واخْتلفَ العُلماءُ فى
معنَى هذين الحديثين؛ فقال منهم قائلون: فيهما النَّسخُ، لِما كان عليه
رسولُ اللهِ وَّهِ مِن قَبَولِ الهَديَّةِ مِن أَهلِ الشِّركِ مِثْلَ أَكَيْدِرِ دُومَةً، وفَرْوَةَ بنِ
نُفاثَةً ، والمُقَوْقِسِ، وغيرِهم. وقال آخرون: ليس فيهما ناسِخٌ ولا مَنْسوٌ،
والمعنَى فيهما(٢) أنَّه كان لا يقبلُ هَدِيَّةً مَن يَطْمَعُ بالظُّهورِ عليه وأخذِ بَلَدِهِ،
أو دخُولِه فى الإسلامِ، فعَنْ مثْلِ هذا نُهِىَ أنْ يقبلَ هدِيَّتَه ويُهادِنَه ويُقِرّه على
دينِه مع قُدْرَتِه عليه، أو طَمَعِه فى هِدَايَتِه؛ لأنَّ فى قَبَولِ هديَتِهِ حَمْلًا على
الكَفِّ عنه، وهو قد أُمِرَ أنْ يُقاتِلَ الناسَ(٢) حتى يقولُوا: لا إلهَ إلا اللهُ. وقال
آخرون: كان مُخَيًَّا فى قبولٍ هديَّتِهم وتَرْكِ قَبُولِها؛ لأنَّه كان مِن خُلُقِه ◌َِهِ
أنْ يُثيبَ على الهديةِ بأحسَنَ منها، فلذلك لم يقبلْ هديَّةً مُشركٍ لِئِلَّا يُثِيبَه
بأفضلَ منها . واللهُ أعلمُ .
أخبرنا علىُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ رَشيقٍ، قال: حدَّثنا
القبس
(١) فى ق: ((ميسرة)). وينظر سير أعلام النبلاء ٥٥٦/١٥.
(٢) فى الأصل: (( فيها)).
(٣) فى الأصل، م: ((الكفار)).
٣٧٤

الموطأ
أبو بكرٍ أحمدُ بنُّ محمدِ بنِ سلَّامِ البَغْدَادِىُّ، قال: حدَّثنا داودُ بنُ رُشيدٍ ) قال: التمهيد
حدَّثنا عيسَى بنُّ يونسَ ، عن هشام بن عروةَ ، عن أبيه ، عن عائشةَ ، قالت : كان
رسولُ اللهِ وَّهِ يَقْبَلُ الهديَّةَ وَيُثِيبُ عليها(١).
وقد قيل : إنَّه إِنَّما ترَك ذلك تَنَزُّهَا، ونَهَى عن زَبْدِ المشركين لِما فى التَّهادِى
والزَّبْدِ مِن التَّحابِ وتَلْبِينِ القلوبِ، واللهُ عزَّ وجلَّ يقولُ: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَآَذُونَ مَنْ حَادّ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية [المجادلة:
٢٢]. واللهُ أعلم بما أرادَ رسولُه بقوله ذلك. وقد قَبِلَ نَّهِ هَديَّةً قومٍ مِن
المشركين، وأجازَ قَبُولَها جماعةٌ مِن الفقهاءِ علی وجوهٍ ، نذكُرُ منها ما حضَرنا
ذِكرُه إنْ شاءَ اللهُ .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ قراءةً مِنِّى عليه، أنَّ قاسِمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم،
قال: حدَّثنا عُبيدُ بنُ عبدِ الواحدِ ، قال: حدَّثنا مَحْبُوبُ بنُ موسَى ، وقرَأْتُ عليه
أيضًا أنَّ قاسِمَ بنَ أصْبَغَ حدَّثهم، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا
عبدُ الملكِ بنُ حبيبِ المِصِّيصيُّ، قالا جميعًا: حدَّثنا أبو إسحاقَ الفَزَارِىُّ،
قال : قلتُ للأوزاعىِّ: أرأيتَ لو أنَّ صاحبَ الرُّومِ أَهْدَى إلى أمير المؤمنين
هديَّةً ، أتَرَى بَأْسًا أنْ يَقْبَلَها؟ قال: لا أرى بذلك بأسًا . قلتُ: فما حالُها إذا
قَبِلَها؟ قال: تكونُ بينَ المسلمين. قلتُ: وما وَجْهُ ذلك؟ قال: أليس إنَّما
القبس
(١) بعده فى م: ((قال: حدثنا إبراهيم، قال: حدثنا الحسن بن رشيق، قال: حدثنا أبو بكر أحمد
ابن محمد بن سلام البغدادى، قال : حدثنا داود بن رشيد».
(٢) أخرجه أحمد ١٣٨/٤١، ١٣٩ (٢٤٥٩١)، وعبد بن حميد (١٥٠١ - منتخب)، والبخارى
(٢٥٨٥)، وأبو داود (٣٥٣٦)، والترمذى (١٩٥٣) من طريق عيسى بن يونس به .
٣٧٥

الموطأ
التمهيد أَهْدَاها له لأنَّه والى عَهْدِ المسلمين ،. لا يكونُ أحقَّ بها منهم، ويُكافِئُه بمِثْلِها
مِن بيتِ مالِ المسلمين. قلتُ للأوزاعيّ: فلو أنَّ صاحِبَ البابِ أَهْدَى له
صاحِبُ العَدُوِّ هديَّةً، أو صاحِبُ مَلَطْيَةَ(١) ، أيقْبَلُها أحَبُّ إليكَ أو يَرْدُّها؟ قال:
يَرُدُّها أَحَبُّ إِلىَّ، فإنْ قَبِلَها فهى بينَ المسلمين، ويُكافِتُه بِمِثْلِها . قلتُ :
فصاحبُ الصَّائفةِ إذا دخَل فأُهْدَى له صاحِبُ الرُّومِ هَدِيَّةً؟ قال : تكونُ بينَ
ذلك الجیشِ، فما كان مِن طعامٍ قَسَمه بينهم، وما كان سِوَی ذلك جعله فى
غنائم المسلمين .
قال أبو عمرَ : ليسَ أحدٌ مِن أئمةِ الفقهاءِ - زَعَموا - أعلمَ بمسائلِ الجهادِ
من الأوزاعىِّ ، وقولُه هذا هو قوْلُنا . وروَى عيسَى ، عن ابنِ القاسمِ، فى الإمامِ
يكونُ فى أرضِ العَدُوِّ)، فيُهْدِى له العَدُوُّ، أتكونُ له خالصةً أمْ للَيْشِ؟
قال(٢): أَرَاها لجماعةِ الجيشِ. قال: لأَنَّ إِنَّمَا أَهْدَاها خوْفًا، إِلَّا أنْ يعْلَمَ أنَّ ذلك
إِنَّما هو مِن قِبَلِ قرابَةٍ ، أو مُكَافَأَةٍ ، فَأَرَاه له خالِصًا. قيل(٤): فالرّجلُ مِن أهلِ
الجيشِ تَأْتِيه الهَديَّةُ ؟قال: هذه له خالصةٌ لا شكَّ فيه، مثلُ أنْ يكونَ له قريبٌ أو
صديقٌ فيُهْدِىَ له، فهو له خالصٌ . وقال الرَّبيعُ عن الشَّافعيِّ فى كتابِ الزَّكاةِ :
إذا أُهْدَى واحدٌ مِن القومِ للوَالِى هديَّةً ، فإنْ كانت لِشَىْءٍ نالَ منه حقًّا أو باطلًا ،
فحرامٌ على الوَالِى أُخْذُها ؛ لأنَّه حرامٌ عليه أنْ يَسْتَجِعِلَ على الحقِّ، وقد ألزَمه اللهُ
القبس
(١) ملطية: بلدة من بلاد الروم مشهورة تتاخم الشام. معجم البلدان ٤/ ٦٣٣، ٦٣٤.
(٢ - ٢) فى ق: ((الغزو)).
(٣) بعده فى م: ((لا)).
(٤) بعده فى ق: ((له)).
٣٧٦

الموطأ
ذلك، وحرامٌ عليه أنْ يأْخُذَ لهم باطِلًا ، والجُعْلُ عليه حرامٌ. قال: وإنْ أَهْدَى إليه التمهيد
أحَدٌ مِن أهْلِ ولايَتِه على غيرِ هذين المَعْنَيْن؛ تفضُّلاً أو تَشَكّرًا بحسنٍ(١) كان منه
فى العامَّةِ ، فلا يقْبَلُها، وإِنْ قَبِلَها كانت فى الصَّدقاتِ ، ولا يسَعُّه عندِى غيرُه،
إلَّا أن يُكافِئَه من مالِهِ بقَدْرٍ ما يسَعُه به أنْ يَتَمَوَّلَها. قال : وإنْ أُهْدِيَتْ هَديَّةٌ إلى
رجلٍ ليس بذِى سُلطانِ شُكْرًا على حسنٍ كان منه ، فأحَبُّ إلَّ أَلَّ يقْبَلَها ، ولا
تحْرُمُ عليه عندى إنْ قَبِلَها وأخَذها ، وأحبُّ إِلىَّ أَنْ يَدَعَ قَبُولَها ، ولا يأخُذَها على
الحسنِ مُكافأةً . هذا كلُّه هو المشهورُ مِن قولِ الشَّافعيّ فى كُتُبِه الظاهرةِ عندَ
أصحابِهِ . وقد رُوِىَ عنه أنَّ الحاكم إذا أُهديَتْ إليه هديَّةٌ مِن أجلٍ محكمِه،
فحَكَمَ بالحَقِّ على وجهِه لم تَخْرُمْ عليه . وأمَّا العراقيُّون ، فقال أبو يوسفَ : ما
أُهْدَى مَلِكُ الرُّومِ إلى أميرِ الجيشِ فهو له خاصَّةً، وكذلك ما يُعطَى الرسولُ.
قال أبو عمرَ : احتجّ بعضُ من ذهَب هذا المذهبَ ، وقال: إنَّ الهديَّةَ تكونُ
مِلْكًا للمُهْدَى له وإنْ كان واليًا ، ولا تكونُ فَيْئًا. احتجَّ بإجماعِهم على أنَّ للإمامِ
أَلَّ يَقْبَلَ هديةَ الكُفَّارِ. قالوا: ولو كانت فَيَقًا لَما كان له ألَّا يَقْبَلَها وَيَرُدَّها على
الحربيِّين .
قال أبو عمرَ : هذا لا حُجَّةَ فيه؛ لأنَّ تَخْبِيرَهم الإمامَ فى قَبُولِ هديَّةِ الكُفارِ
إنما هو مِن أجلِ أَنَّه إِنْ قَبِلَها كان عليه أنْ يُكافِئَ عليها من بيتِ المالِ ، لا أنها لا
تكونُ فَيْئًا ، وإذا كان عليه أنْ يُثِيبَ عليها كان مُخيّرًا فى قَبُولِها ، ومعلومٌ أنَّه إنَّما
القبس
1
(١) فى ق: ((لحسن)).
٣٧٧

الموطأ
التمهيد ◌ُهدِيَتْ إليه بسببٍ ولايَتِه، فاسْتَحالَ أنْ تكونَ له دونَ المسلمین، والحُجَّةُ فی
هذا عندِى حديثُ أبى حُميدِ السَّاعدىِّ فى قصةِ ابنِ الأُتَبِئَةِ(١) . .
أخبرنا خلفُ بنُ سعيدٍ ، قال : أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال : أخبرنا
أحمدُ بنُ خالدٍ ، قال: حدَّثنا عُبيدُ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يُوسفَ،
قال : حدثنا عبد الرزّاقِ وعبد الملك بنُ الصَّبَّاح ، عن الثورىِّ ، عن أبانٍ ، عن أبى
نَضْرَةَ، عن أبى سعيدِ الخُدْرِىِّ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَلِ قال: ((الهَدَايَا للأمراءِ
(٢)
غُلُولٌ))(٢).
وبه عن عبدِ الرَّزَّاقِ وعبدِ الملكِ ، جميعًا عن الثورىِّ، عن عاصم ، عن زِرِّ
ابنِ محُبَيْشٍ ، قال: قال ابنُ مسعودٍ : الرّشْوَةُ فى الدِّينِ سُخْتٌ . قال سفيانُ: يغْنِى
(٣)
فى المُكْمِ(٣).
وبه عن عبدِ الرَّزَّاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن الزُّهرِىِّ، قال: جَمَعَ اليهودُ
لابنِ رَوَاحَةً حينَ خَرَصَ (٢) عليهم حَلْيًا مِن حَلْيِ نِسائِهم فأُهْدَوه له ، فقال : هذه
القبس
(١) فى م: ((اللتبية)). وينظر ما تقدم ص ٣٦٨.
(٢) عبد الرزاق (١٤٦٦٥) من حديث جابر بن عبد الله، وأخرجه الخليلى فى الإرشاد ٤٤٤/١
(١١٥) من طريق سفيان عن أبى إسحاق الفزارى عن أبان به، وأخرجه أبو نعيم فى الحلية ١١٠/٧ من
طريق سفيان عن أبى إسحاق الفزارى، عن أبان ، عن أبى نضرة ، عن جابر.
(٣) عبد الرزاق (١٤٦٦٤). وسقط منه سفيان، وأخرجه ابن أبى شيبة ٥٨٨/٦، وابن جرير
فى تفسيره ٤٢٩/٨ من طريق سفيان به .
(٤) خرص النخل خرصا: إذا حزر ما عليها من التمر، فهو من الخرص: الظن؛ لأن الحزر إنما هو
تقدير بظن. النهاية ٢/ ٢٢، ٢٣.
٣٧٨
١
٠

الموطأ
التمهيد
الرِّشْوَةُ سُخْتٌ، وإنَّا لا نأْكُلُها(١).
وذكَرَ وكيعٌ، عن مُعَاذِ بنِ العلاءِ أخى أبى عَمْرِو بنِ العلاءِ، عن أبيه ، عن
جدِّه، قال: خطَبَنا علىٌّ بالكُوفِةِ وبيدِه قَارُورٌ وعليه سَرَاويلُ ونَعلان ، فقال: ما
أَصَبْتُ منذُ دخَلْتُها غيرَ هذه القارُورةِ، أَهْدَاها لى دِهْقَانٌ(٢) .
وعن أبى البَخْتَرِىِّ، عن عليّ بن ربيعةً، أنَّ عليّا اسْتَعملَ رجُلًا، فلمَّا جاءَ
قال: يا أميرَ المؤمنين، إِنَّه أَهْدِىَ لى فى عَمَلِى أشياءُ، وقد أتَيْتُ بها ، فإنْ كان
حَلالًا أَخَذْتُه ، وإلَّ جِئْتُك به. فجاءَه به، فَقَبَضَه علىِّ رضِىَ اللهُ عنه، وقال: إِنِّى
أحسَبُه كان غُلُولًا(٣).
وأمَّا هَدِيَّةُ غيرِ الكُفَّارِ إلى مَن لم تكُنْ له ولايَّةٌ ، فمأخوذةٌ مِن قولِ رسولِ اللهِ
وَله: ((أجِيبُوا الدَّاعِىَ ولا تَرُدُّوا الهَديَّةَ))(٤). وقال ◌َّهِ: (( ما أتاكَ مِن غيرٍ
مسألةٍ ، فَكُلْه وتَمَوَّلْه)) (٥) . وهذا إذا لم تكُنِ الهديَّةُ على شرطِ أداءِ حقِّ قد وجَبَ
عليه، كالشَّهادةِ ونحوِها، فإنْ كانت كذلك فهى سُحْتٌ ورِشْوَةٌ ، وشَرٌّ مِن
القبس
(١) عبد الرزاق (٧٢٠٢).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٤٦٧٣)، وابن أبى شيبة ٥٤٥/٦ عن وكيع به ، وليس عند عبد الرزاق:
( عن جده).
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٥٤٩/٦ من طريق على بن ربيعة به .
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٦/ ٥٥٥، وأحمد ٣٨٩/٦ (٣٨٣٨)، والبخارى فى الأدب المفرد (١٥٧)
من حديث ابن مسعود .
(٥) أخرجه الحميدى (٢١)، وأحمد ٢٥٨/١ (١٠٠)، والبخارى (٧١٦٣)، ومسلم (١٠٤٥)،
والنسائى (٢٦٠٤ - ٢٦٠٧) من حديث عمر.
٣٧٩

الموطأ
٠
التمهيد ذلك الأخذُ على الباطلِ . وباللهِ التوفيقُ .
قرأتُ على أحمدَ بنِ قاسمِ بنِ عبدِ الرحمنِ ، أنَّ محمدَ بنَ مُعاويةَ حدَّثهم،
قال : حدَّثنا أحمدُ بنُ الحَسَنِ بنِ عبدِ الجبارِ الصُّوفِىُّ، قال: حدَّثنا الهيثمُ بنُ
خَارِجَةً ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عياشٍ، عن عمرو بنِ مُهاجِرٍ، قال: اشْتَهَى
عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ تُفَّحًا، فقال: لو كان عندَنا شَىْءٌ مِن تُفَّح؛ فإنَّه طيبُ
الرِّيحِ، طيِّبُ الطَّعْمِ. فقامَ رجلٌ مِن أهلٍ بِيتِه فأهْدَى إليه تُقَّاحًا، فلمَّا جاء به
الرسولُ ، قال عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ: ما أطيبَ ريحَه وطَعْمَه، يا غُلامُ، ارْجِعْه،
وأقرئْ فُلانًا السَّلامَ، وَقُلْ له : إنَّ هَديَّتَك قد وقَعَتْ عندَنا بحيثُ تُحِبُّ . قال
عمرُو بنُ مهاجِرٍ : فقلتُ : يا أميرَ المؤمنينَ ، ابنُ عَمِّك ورجلٌ مِن أهلِ بيتِك،
وقد بلغك أن رسولَ اللهِ وَّلَهِ كان يأْكلُ الهديةَ ولا يأكلُ الصدقةَ. فقال : إن
الهديةَ كانت للنبيِّ وَِّ هديةً، وهى لنا اليومَ رشوةٌ(١) .
قال أبو عمرَ : كان عمرُ رضِى اللهُ عنه فى حينٍ هذا الخبرِ خَليفةً ، وقد تقدَّم
القولُ فيما للخلفاءِ والأمراءِ وسائرِ الؤلاةِ مِن الحكم فى الهديةِ ، ويحتمِلُ أنْ
يكونَ ذلك الرجلُ من أهلِ بيتِه قد عَلِمَ فى كسبِهِ شيئًا أوجبَ الشَّرُّهَ عن هديَّتِه .
وأما قولُه فى الحديثِ: ((شِراكٌ أو شِرَاكانٍ مِن نارٍ )). وقولُه فى حديثٍ
عمرٍو بنٍ شعيبٍ: ((أَدُوا الخيطَ والمِخْيَطَ))(٢). فيدُلُّ على أنَّ القليلَ والكثيرَ لا
القبس
(١) أخرجه أبو نعيم فى الحلية ٥/ ٢٩٤، وابن عساكر فى تاريخه ٢٢٠/٤٥ - ومن طريقهما ابن
حجر فى تغليق التعليق ٣٥٨/٣ - من طريق أحمد بن الحسن الصوفى به .
(٢) تقدم فى الموطأ (١٠٠١).
٣٨٠