Indexed OCR Text

Pages 221-240

الموطأ
أخبرنا قاسمُ بنُ محمدٍ، حدَّثنا خالدُ بنُ سعدٍ، حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرو بنِ التمهيد
منصورٍ، حدَّثنا محمدُ بنُ سَنْجَرَ، حدَّثنا عفانُ ، حدَّثنا عبدُ الواحدِ بنُ زیادٍ ،
حدَّثنا أبو رَوْقٍ عطيةُ بنُّ الحارثِ ، قال: حدَّثنا أبو الغَريفِ عبيدُ اللهِ بنُ خليفةَ،
عن صفوانَ بنِ عسَّالٍ قال: بعَثنى رسولُ اللهِ وَلّهِ فِى سريَّةٍ فقال: ((اغْزُوا باسم
اللهِ فى سبيلِ اللهِ ، لا تَغُلُّوا، ولا تَغدِروا، ولا تُمثِّلُوا، ولا تَقتُلوا وليدًا)) (١).
و"ذكَر باقى؟ الحديثِ فى المسحِ على الخُقَّين.
قال أبو عمرَ: أجمَع العلماءُ على القول بهذا الحديث ، ولم يختلفوا فى
شىءٍ منه ، فلا يجوزُ عندَهم الغُلولُ ، ولا الغَدرُ ، ولا المُثلةُ ، ولا قتلُ الأطفالٍ فى
دارِ الحربِ، والغدرُ أن يُؤْمَّنَ الحربىُّ ثم يُقتَلَ. وهذا لا يَحِلُّ بإجماع، قال
وَله: ((يُرفَعُ لكلِّ غادرٍ لواءٌ عندَ اسْتِهِ يومَ القيامةِ، يقالُ: هذه غدرةُ فلانٍ))(٢).
القبس
وحَدُّ المُعْلَةِ الزيادةُ على العقوبةِ ، أو العُدولُ عن صفتِها ، كأنه يَخْرُجُ بها المُعاقِبُ
عن مِثلِه، فقد رُوِى عن النبيِّ بَّهِ أنه قال لسَرِيَّةٍ بعَثها: ((إذا لَقِيتُم فلانًا وفلانًا
فأخرِقُوهم بالنارِ )). ثم قال لهم بعدَ ذلك: (( كنتُ أَمَرْتُكم بكذا ، وإنه لا يُعَذِّبُ بالنارِ
إلا اللهُ، فإذا لَقِيتُموهما فاقْتُلُوهما))(٤). والعِلَّةُ فى ذلك أن التمثيلَ تَغْذيب ، والتعذیبُ
لا يجوزُ إلا للهِ تعالى، أو ما يكونُ مِن اسْتِيفاءِ الحقِّ فی الحَدِّ .
٤٠
(١) أخرجه أحمد ٢٢/٣٠ (١٨٠٩٧) عن عفان به، وأخرجه أحمد ٢٢/٣٠ (١٨٠٩٧)،
والطیرانی (٧٣٩٧) من طريق ابن زياد به .
(٢ - ٢) فى ف: ((ذكرنا فى))، وفى م: ((ذكرنا ما فى)).
(٣) أخرجه ابن حبان (٧٣٤٣)، والمزى فى تهذيب الكمال ٣٠٣/١٢.
(٤) أخرجه أحمد ٤٢١/٢٥ (١٦٠٣٤)، وأبو داود (٢٦٧٣) .
٢٢١

الموطأ
التمهيد رواه مالك، عن عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ وَلَّ، ولم يقُلْ:
((عندَ اسْتِهِ))(١). وقد كان عمرُ رضِى اللهُ عنه يقولُ: لا أَوتَى بأحدٍ فَعَل ذلك إلا
قتَلْتُهُ(٢) . وهذا عندَ أهلِ الحجازِ تغليظٌ ، إذ لا يُقتَلُ مؤمنٌ بكافرٍ عندَهم، وهو
الحقُّ؛ لثبوتِ الخبرِ به عن النبيِّ وَّه(١) . وكذلك المُمثلةُ لا تحِلُّ بإجماع.
والمثلةُ معروفةٌ ، نحو قطع الأنفِ والأذنِ وفَقْءِ العينِ ، وشِبهُ ذلك من تغييرٍ خلقٍ
اللهِ عبثًا، قال وَله: ((أعفُّ الناسِ قِتِلةٌ - أو قال: أحسنُ الناسِ قِتلةً - أهلُ
الإيمانِ )) . وليس مَن وجَب قتلُه يجبُ بذلك قطعُ أعضائِه، إلا أن يوجِبَه
خصوصًا كتابٌ أو سنةٌ أو إجماعٌ، فقِفْ على هذا فإنه أصلٌ .
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، حدَّثنا أبو داودَ ، حدَّثنا
محمدُ بنُ عیسی وزيادُ بنُ أيوبَ ، قالا : حدَّثنا هُشیمٌ ، قال : أخبرنا مغیرةٌ ، عن
شِباكٍ(٤)، عن إبراهيمَ، عن هُنَىٌّ بنِ نُوثِرةَ، عن علقمةً، عن عبدِ اللهِ قال : قال
رسولُ اللهِ وَلِّ: ((أعفُّ الناسِ قِتْلَةً أهلُ الإيمانِ)) (٥).
وروَى سَمُرةُ بنُ مُنْدُبٍ وعمرانُ بنُ محُصينٍ، عن النبيِّ وَّارِ، أنه كان
القبس
(١) تقدم تخريجه فى ٦٣٩/٥.
(٢) سيأتى فى الموطأ (٩٨٩).
(٣) تقدم تخريجه فى ٦٣٧/٥، وسيأتى فى شرح الأثرين (١٦٧٥، ١٦٧٦) من الموطأ .
(٤) فى م: ((سماك)).
(٥) أخرجه البيهقى ٧١/٩ من طريق محمد بن بكر به . وهو عند أبى داود (٢٦٦٦). وأخرجه ابن
الجارود (٨٤٠) من طريق زياد بن أيوب به .
٢٢٢

ما جاء فى الوفاءِ بالأمانِ
الموطأ
يحُثُّ على الصدقةِ وينهى عن المُثلِةِ(١) .
التمهيد
وقد مضَى القولُ فى الغُلُولِ وإثمِه وحكمِ الغالِّ، فى بابِ ثورِ بِنِ زيدٍ(٢)، ومضى
القولُ فى قتلِ النساءِ والولدانِ فى بابِ نافعٍ من هذا الكتابِ(١) . والحمدُ للهِ .
بابُ(*) ما جاء فى الوفاء بالأمانِ
الاستذكار
القبس
بابُ الأمانِ
قال علماؤنا رحمةُ اللهِ عليهم: الإمامُ مُخَيَّ فى الأعداءِ بينَ خمسةٍ أشياءَ؛
القتلُ ، المَنُّ، الفِداءُ، الرّقُّ ، الجِزْيَةُ. وقال أبو حنيفةً : لا يجوزُ المَنُّ . وللعلماءِ فى
ذلك تفصيلٌ طويلٌ، وقد ثبت فى الحديثِ الصحيح أن النبىَّ بَّ مَنَّ وأمّن().
والإمامُ ناظِرٌ للمسلمين، فيَنْظُرُ فيما هو أُغْوَدُ عليهم بالمصلحةِ ، وأنفعُ لهم فى
الآجِلةِ والعاجِلةِ ، فما أَنْفَذ مِن ذلك بحَسَبِ ما يَظهَرُ له مضَى، وقد بيَّنَّا ذلك فى
((مسائلِ الخلافِ)). فأما أمانُ سائرِ الناسِ، ففيه أيضًا خلافٌ كثيرٌ وتفصيلٌ لعلمائِنا ،
جملتُه أن الأمانَ إذا وقَع فى جيشٍ فيه الإمامُ ؛ هل يَنْقُذُّ أُم يَرجِعُ الرأىُ فيه إلى الإمامِ ؟
فإن غاب الإمامُ عن موضعِ الأَمانِ نفَذ أمانُ الرجلِ البالغِ الحُرِّ المسلمِ ، واخْتُلِف فى
(١) أخرجه أحمد ٣٣/ ٧٨، ٨٠ (١٩٨٤٤، ١٩٨٤٦)، والطبرانى ٢١٦/١٨، ٥٤١، ٥٤٢.
(٢) ينظر ما سيأتى ص ٣٧٠ - ٣٧٣، ٣٨٠ - ٣٨٧ .
(٣) ينظر ما تقدم ص ١٩٨ - ٢٠٦.
(*) من هنا خرم فى المخطوط ((ب)) ينتهى ص ٢٣٠.
(٤) فى م: ((امتن)). وتقدم تخريجه ص ٨٤ - ٨٦.
(٥) فى ج: ((ناصر)).
٢٢٣

الموطأ
الاستذكار
٦
:
القبس أمانِ العبدِ والمرأة ، واتُّفِق على أن الصبى لا أمانَ له ؛ لأنه لا اغْتِبارَ لعبادتِه فى الشرع،
وهذا المعنى يَنْبَنى على أن الأمانَ عندَنا مِن بابِ الحِسْبةِ، فيقومُ به كلُّ أحدٍ ، وعندَ
المُخالِفِ أنها وِلايةٌ وتنفيذُ قولِ الغيرِ على الغيرِ، فلا يكونُ ذلك إلا لمَن يَصلُحُ للولايةِ
ليس العبدَ والمرأةَ، وقد أَوْضَخْنا القولَ فى ((مسائلِ الخلافِ))، وقد أجار بعضُ
الصحابةِ بحضرةِ النبيِّ وَِّ فَأَنْفَذَهُ(١)، وأجارَتْ أمّ هانىَّ فَأَنْفَذ جِوارَها(١)، ويَحْتَمِلُ
أن يكونَ تَيانًا لحكم الشريعةِ ، ويَحْتَمِلُ أن يكونَ ذلك تَجْوِزًا للفِعلِ . وقد روَى أهلُ
الكوفةِ ، منهم سفيانُ الثَّوْرىّ وغيرُه، عن عمرَ رضِى اللهُ عنه: بَلَغَنِى أنَّ رجالاً منكم
يَطْلُبُونِ العِلْجِ، حتى إذا أَسْتَدٍ(٢) فى الجبلِ أَمَّتَهِ يلِسانِهِم الذى يَفْهَمون ، فإذا أقبَلُ
(٤)
ذلك العِلْجُ قَتَلَه، وَأَنَا أَقْتُلُ مَن فَعَل ذلك(١). واخْتُلِف فى هذا الحديثِ؛ فقيل: إنه لم
يُصِغ . فلا يُشْتَغَلُ به . وقيل: إنما قاله عمُ رضِى اللهُ عنه تغليظًا، كما قال فى نِكاح
المتعةِ: لا أُوتَى بِرَجُلِ فعَله إلا رَجَمْتُه بِالحِجارَةِ. وهذا بعيدٌ؛ لأنَّ أبا بكرِ الصدِّيقَ
رضِى اللهُ عنه قد قال لعكرمةً حين وَلَّاه : لا تُوعِدَنَّ على معصِيةٍ بأَكْثَرَ مِن عُقُويتها ،
فإِنَّك إِن فعَلتَ أَثِمتَ ، وإن ترَكتَ كَذَبْتَ . وقيل: يُرجَمُ فى نكاح المتعةِ؛ لإجماعِ
الأُمّةِ عليه، ويُقتَلُ فى هذا الأمانِ على مَعْنَى قتلِ المسلمِ بالكافرِ. وقد بَيِّنَّا فسادَ هذا
فى ((مسائلِ الخلافِ)) .
(١) أخرجه عبد الرزاق (٩٤٤٠)، وابن سعد ٣٣/٨، والطيرانى ٤٢٦/٢٢ (١٠٤٩).
(٢) تقدم فى الموطأ (٣٥٨).
(٣) سنَدَ فى الجبل يسئُدُ سُنودا: صعِد ورقى، كأسند. التاج (س ن د).
(٤) فى ج، م: (( قبل)).
(٥) سيأتى فى الموطأ (٩٨٩) .
٢٢٤

الموطأ
٩٨٩ - مالك، عن رجل من أهل الكوفةِ ، أن عمر بن الخطاب
كتَب إلى عامِل جيشٍ كان بعثه: إنه بلغنى أن رجالًا منكم يطلُبُونَ
العِلْجَ ، حتى إذا أسند فى الجبلِ وامتنَع ، قال رجلٌ : مَطَرْسْ - يقولُ : لا
الاستذكار
ذكر فيه مالكٌ عن رجلٍ مِن أهل الكوفة ، أن عمر بن الخطابِ کتب إلى
عاملٍ جيشٍ كان بعثه: إنه بلغنى أن رجالًا منكم يطلبون العِلْجَ ، حتى إذا أسند
فى الجبلِ وامتنَع، قال رجلٌ: مَطَرْسْ (١) - يقولُ: لا تخفْ - فإذا أدرَ كه قتله،
القبس
وقيل: إنما يُقتَلُ بالغدرٍ(٢) بمَن أَمَّن؛ لِما فى ذلك مِن المعصيةِ فى الدِّينِ
والمضرَّةِ بالمسلمين. وأمَّا الإشارةُ بالأمانِ فهى ماضيةٌ، لا خلافَ أعلَمُه فيها إذا
كانت معهودةٌ بينَهما ، والإشارةُ تقومُ مَقامَ الكلامِ فى كلِّ مَوْطنٍ؛ ووَقَعَت بدِمَشْقَ
نازلةٌ؛ وهى أن رجلًا أبْكَمَ كان يُصلِّى، فكَلَّمه رجلٌ فى شىءٍ ، فأشار إليه بجوابِهِ،
فاخْتَلَف الناسُ: هل تبطُلُ صلاةُ الأبكم بتلك الإشارةِ ، أم لا تبطُلُ؟ فقال شيخُنا أبو
الفتح: لا تبطُلُ؛ لأن الإشارةَ فى الصلاةِ لا تُبْطِلُها إجماعًا. وقال شيخُنا أبو
حامدٍ (١): تبطُلُ صلاُه؛ لأن إشارته كلامُه، والكلامُ مُحرَّمٌ على الأبكم فى الصلاةِ
علی قَدْرِه .
(١) فى رواية أبى مصعب، ومصدرى التخريج: ((مترس)). قال ابن حجر: ((مترس)) كلمة فارسية
معناها لا تخف، وهى بفتح الميم وتشديد المثناة وإسكان الراء بعدها مهملة وقد تخفف التاء، وبه
جزم بعض من لقيناه من العجم، وقيل بإسكان المثناة وفتح الراء، ووقع فى ((الموطأ)) رواية يحيى بن
يحيى الأندلسى ((مطرس)) بالطاء بدل المثناة، قال ابن قرقول: هى كلمة أعجمية، والظاهر أن
الراوى فخم المثناة فصارت تشبه الطاء كما يقع من كثير من الأندلسيين. فتح البارى ٢٧٥/٦.
(٢) فى ج: ((للعُذر)).
(٣) هو محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسى الشافعى أبو حامد الغزَّالى، حجة الإسلام، برع فى الفقه
والأصول، والجدل والمناظرة، له مصنفات عديدة منها: كتاب ((الإحياء))، و((الأربعين))، و((محك النظر)). توفى
سنة خمس وخمسمائة. سير أعلام النبلاء ١٩/ ٣٢٢، وطبقات الشافعية الكبرى للسبكى ٨٧/٤.
٢٢٥
(موسوعة شروح الموطأ ١٥/١٢)

الموطأ تَخَفْ - فإذا أدرَ كه قتَله، وإنى والذى نَفْسى بيدِه لا أعلَمُ مكانَ أحدٍ
فَعَل ذلك إلا ضرّبتُ عُنُقَه .
قال يحيى: سمِعتُ مالكًا يقولُ: ليس هذا الحديثُ بالمُجتمَع
علیه ، ولیس عليه العملُ ..
قال يحيى : وسُئل مالكٌ عن الإشارةِ بالأمانِ ، أهى بمنزلةِ الكلام؟
فقال: نعم، وإِنِّى أَرَى أن يُتَقَدَّمَ فى ذلك إلى الجيوشِ ألَّ يَقتُلوا أحدًا
الاستذكار وإنِّى والذى نفسى بيدِه لا أعلمُ أحدًا (١) فعل ذلك إلا ضرَبتُ عُثْقَهُ(١).
قال مالكٌ : وليس هذا الحديثُ بالمُجتمَع عليه، وليس عليه العملُ.
قال أبو عمرَ : قيل : إن الرجلَ مِن أهلِ الكوفةِ سفيانُ الثورىُّ. ولا يَتْعُدُ أن
يروِىّ مالكٌ عن سفيانَ الثورىِّ، فقد روَى مالكٌ عن يحيى بنِ مُضَرَ الأندلسىّ ،
عن سفيانَ الثورىٌّ، قال: الطَّلْحُ المنضودُ الموزُ.
وقد روَى الثورىُّ عن مالكِ حديثَ: ((الأيّمُ أَحَقُّ بنفسِها مِن وليّها))(١) .
وفى هذا البابِ : وسُئل مالكٌ عن الإشارةِ بالأمانِ ، أهى بمنزلةِ الكلامِ؟
فقال: نعم، وإِّى أرى أن يُقدَّمَ فى ذلك إلى الجيوشِ ألّ يقتلوا أحدًا أشاروا إليه
القبس
(١) فى م: ((مکان واحد)).
(٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٤/٨ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٩٢١). وأخرجه
الشافعى ٢٤١/٧، والبيهقى فى المعرفة (٥٤٢٩) - من طريق مالك به، وعندهما: عن مالك أنه
بلغه أن عمر ....
(٣) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١١٢٧) من الموطأ .
٢٢٦

الموطأ
أشاروا إليه بالأمانِ؛ لأن الإشارةَ عندى بمنزلةِ الكلام ، ولأنه بلغنى أن
عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ قال: ما ختَر قومٌ بالعهدِ إلا سلّط اللهُ عليهم العدوَّ .
الاستذكار
بالأمانِ ؛ لأن الإشارةَ عندى بمنزلةِ الكلام، ولأنه بلغنى أن عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ
قال: ما حَتَرَ (١) قوم بالعهدِ إلا سلَّط اللهُ عليهم العدوّ(٢).
قال أبو عمرَ : إذا كان دمُ الحربىِّ الكافرِ يحرُّمُ بالأمانِ ، فما ظنُّك بالمؤمنِ
الذى يُصبحُ ويُمسِى فى ذمَّةِ اللهِ! كيف ترى فى الغدرِ به " والفَتْكِ" ، وقد قال
وَةِ : ((الإيمانُ قَيَّدَ الفَتْكَ؛ لا يفْتِكُ مؤمنٌ))()؟!
وذكَر ابنُ أبى شيبةً(٥)، قال: حدَّثنا وكيع، قال: حدَّثنا الأعمشُ ، عن أبى
وائلٍ ، قال : أتانا كتابُ عمرَ ونحن بِخَانِقِينَ : إذا قال الرجلُ للرجلِ : لا تخفْ .
فقد أمَّنه، وإذا قال: مَطَرْسْ(١). فقد أمَّنه، فإن الله يعلمُ الألسنةً.
قال(٧) : وحدَّثنا مروانُ بنُ معاویةً ، عن حمیدٍ ، عن أنس ، قال : حاصَرْنا
تُسْتَرَ(٨)، فنزَل الهُرْمُزَانُ على حكم عمرَ، فبعَث(١) به أبو موسى معى ، فلما قدِمْنا
القبس
(١) الخَثّرُ: الغدر. النهاية ٢/ ٨.
(٢) سيأتى فى الموطأ (١٠٠٥).
(٣ - ٣) سقط من س، وفى الأصل، م: ((والقتل))، وهو تصحيف، والمثبت يقتضيه السياق ،
والفتك: أن يأتى صاحبه وهو غارٌّ غافل فيشدَّ عليه فيقتله. النهاية ٣/ ٤٠٩.
(٤) أخرجه أحمد ٤١/٣ (١٤٢٦) عن الزبير بن العوام ، وأخرجه أبو داود (٢٧٦٩) عن أبى هريرة .
(٥) ابن أبى شيبة ٤٥٧/١٢.
(٦) فى م: ((مترس)).
(٧) ابن أبى شيبة ٤٥٦/١٢، ٤٥٧ .
(٨) تستر: أعظم مدينة بخوزستان . معجم البلدان ١/ ٨٤٧.
(٩) فى الأصل: ((فنزله))، وفى م: ((منزله)).
٢٢٧

الموطأ
الاستذكار على عمرَ سكَت الهُرْمُزانُ فلم يتكلَّمْ ، فقال عمر: تكلَّمْ . فقال: كلامُ حىّ أم
كلامُ ميِّتٍ؟ قال عمرُ: تكلَّمْ فلا بأسَ. فقال: إِنَّا وإيَّاكم معشرَ العربِ ما خلَّى
اللهُ بيننا وبينكم، كنَّا نقتُلُكم ونُقْصِيكم، فأما إذا كان اللهُ معكم لم يكنْ لنا بكم
يَدَانٍ . فقال: نقْتُلُه يا أنسُ؟ قلتُ: يا أميرَ المؤمنين، ترَكتُ (١) خلفى شَوْكةً
شديدةً، وعددًا(٢) كثيرًا ، إن قتَلتَه يئِس القومُ مِن الحياةِ، وكان أشدَّ لشَؤْكتِهم،
وإن اسْتحييْتَه طمِع القومُ . فقال: يا أنسُ، أستَحْيِى قاتلَ البراءِ بنِ مالكٍ ومَجْزَأةً
ابنِ ثورٍ ؟! فلما خشِيتُ أن يتسلَّطَ عليه قلتُ له : ليس لك إلى قتلِه سبيلٌ . فقال:
أعطاك ؟ أصبتَ منه؟ قلتُ : ما فعَلتُ ، ولكنك قلتَ له : تكلَّمْ فلا بأسَ . قال :
لتجِيئَّ بمَن يشهَدُ معك، وإلا بَدَأْتُ بعقوبتِك. قال: فخرَجتُ مِن عندِه، فإذا
أنا بالزبيرِ بنِ العوامِ قد حفِظ ما حفِظتُ، فشهِد عندَه، فترَكه ، وأسلَم الهُرْمُزانُ
وقُرِض له .
قال(٢): وحدَّثنا رَيْحانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنى مرزوقُ بنُ عمرٍو (٤)، قال :
حدَّثنى أبو فَوْقَدٍ (٥) ، قال: خرَجْنا مع أبى موسى الأشعرىِّ يومَ فتَحْنا سوقَ
الأهوازِ(١) ، فسعَى رجلٌ مِن المشركين، وسعَى رجلان مِن المسلمينَ خلفَه ،
القبس
(١) فى الأصل، م: ((قلت)).
(٢) فى م: ((عدوا)).
(٣) ابن أبى شيبة ٤٥٥/١٢، ٤٥٦،
(٤) فى الأصل، م: ((عمر))، وينظر الجرح والتعديل ٢٦٥/٨.
(٥) فى م: ((يزيد)). وينظر الجرح والتعديل ٢٦٥/٨.
(٦) سوق الأهواز: هى خوزستان، وخوزستان: إقليم واسع يشتمل على مدن كثيرة وقلاع =
٢٢٨

الموطأ
الاستذكار
فبينَما هو يسعَى ويَسْعيان إذ قال له أحدُهما: مَتَرْسْ . فقام الرجلُ ، فأخذاه فجاءا
به ، وأبو موسى يضربُ أعناقَ الأُسارى حتى انتهى الأمر إلى الرجلِ ، فقال أحدُ
الرجلين: إن هذا قد جُعِل له الأمانُ. فقال أبو موسى: (وكيف" مجعِل له
الأمانُ ؟ قال : إنه كان يسعَى ذاهبًا فى الأرضِ ، فقلتُ له : مَتَرْسْ . فقام . فقال
أبو موسى: وما مَتَرْسْ؟ قال: لا تَخَفْ. قال: هذا أمانٌ، خَلِّيًا سبيلَه. فخَلَّيا
سبيلَ الرجلِ .
قال(٢) : وحدَّثنا عبَادُ بنُ العَّامِ، عن (٢محُصينٍ، عن٢) أبى عطيةَ، قال:
كتَب عمرُ إلى أهلِ الكوفةِ: إنه ذُكِر لى أن مَطَرْسْ، بلسانٍ (٤) الفارسيةِ : لا
تَخَفْ . فإن قلتُموها لمَن لا يفقهُ لسانَكم فهو آمنٌ .
قال أبو عمرَ : إنما قال مالكٌ فى حديثٍ عمرَ : ليس عليه العملُ . لأن فيه
قتلَ المؤمن بالكافر ، وهو أمر لم يُجتمَغ علیه بالمدينة ولا بغیرِها . وقد رُوِی عن
النبيِّ وَ أنه قال: ((لا يُقتلُ مؤمنٌ بكافرٍ)) (٥). وسيأتى اختلافُ الناسِ فى هذه
القبس
= وقرى بين البصرة وفارس وجبل اللُّر ويقال لأهلها: الخوز. المشترك وضعًا والمفترق صفعًا ١٦٤/١،
٢٥٩.
(١ - ١) فى الأصل، م: ((فقد)).
(٢) ابن أبى شيبة ٤٣٥/١١ (طبعة الرشد).
(٣ - ٣) فى النسخ: ((حصين بن)). والمثبت من مصدر التخريج. وينظر تهذيب الكمال ٥١٩/٦،
١٤ / ١٤٠، ٣٤ /٩٠.
(٤) بعده فى الأصل، م: ((العرب و)).
(٥) تقدم تخريجه فى ٦٣٧/٥، وسيأتى فى شرح الأثرين (١٦٧٥، ١٦٧٦) من الموطأ .
٢٢٩

الموطأ
الاستذكار المسألةِ فى موضعِها (١)، إن شاء الله.
ولا خلافَ علِمتُه بينَ العلماءِ فى أن مَن أُمَّن حربًا بأىِّ كلامٍ يُفهَمُ به
الأمانُ ، فقد تَمَّ له الأمانُ .
وأكثرُهم يجعَلون الإشارةَ بالأمانِ ، إذا كانت مفهومةً ، بمنزلةِ الكلامِ .
وأمانُ الرفيعِ والوضيع جائزٌ عندَ جماعةِ العلماءِ. وأمانُ العبدِ والمرأةِ عندَ
الجمهورِ جائزٌ .
وكان ابنُّ الماجشونِ وسُحنونٌ يقولان: أمانُ المرأةِ موقوفٌ على إجازةِ الإمامِ
له ، فإن أجازه(٢)، جاز. وهو قولٌ شادٌّ، لا أعلمُ قال به غيرُهما مِن أئمةِ الفَتْوى.
وقد رُوِى معنى قولِهما عن خالدِ بنِ الوليدِ(*) وعمرو بنِ العاصِ.
وقد ذكّرنا هذه المسألةَ، وما للعلماءِ فيها، فى بابٍ صلاة الضحى مِن
کتاب الصلاةِ() .
وأما أمانُ العبدِ ؛ فكان أبو حنيفةً لا يُچیزُه إلا أن يُقاتِلَ. واختُلِف عن أبى
يوسفَ فى ذلك . وقال محمدُ بنُّ الحسنِ : يجوزُ أمانُه وإن لم يُقاتِلْ . وهو قولُ
مالكٍ ، والثورىٌّ، والأوزاعيّ ، والليثِ ، والشافعىِّ .
وعن عمرَ مِن طُرُقٍ أنه أجاز أمانَ العبدِ ، ولا خلافَ فى ذلك بينَ السلفِ إلا
القبس
(١) ينظر ما سيأتى فى شرح الأثرين (١٦٧٥، ١٦٧٦) من الموطأ .
(٢) فى الأصل، م: ((لهم)).
(٣) بعده فى: الأصل، م: (( له)).
(*) هنا ينتهى الخرم فى المخطوط ((ب)) والمشار إليه ص ٢١٢ .
(٤) تقدم فى ٦٣٤/٥ - ٦٤١ .
٢٣٠

الموطأ
الاستذكار
ما خرَج مخرج الشذوذٍ .
روَى سفيانُ بنُ عيينةَ، عن عاصم الأحولِ ، عن فُضَيلِ الرَّقَاشِيِّ ، قال :
حاصَرْنا حصنًا ، فمكَثْنا ما شاء اللهُ لا نقدِرُ على شىءٍ منهم ، وإذا هم قد فتَحوا
بابَ الحصنِ يومًا وخرَجوا إلينا، فقلنا: ما لكم؟ قالوا: قد أمَّْتُمونا . فقلنا: ما
أمَّنَّاكم . فقالوا: بلى. فأُخرَجوا نُشَّابةً فيها كتابُ أمانٍ لهم كتَبِه عبدٌ مِنَّا، فقلنا :
إنما هذا عبدٌ ولا أمانَ له. فقالوا: إِنَّا لا نعلمُ العبدَ منكم مِن الحرّ. فَكَفَفْنا
عنهم ، وكتّبنا إلى عمرَ بنِ الخطابِ بذلك، فكتَب إلينا: إن العبدَ المسلمَ ذِمَّتُه
ذمةُ المسلمين. قال: فأجازَ له الأمانَ(١).
قال أبو عمرَ : وهذا يحتمِلُ التأويلَ .
أخبرنا سعيدٌ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضَّاح، قال: حدَّثنا
ابنُ أبى شيبةَ، قال: حدَّثنا ( عبدُ الرحيم) بنُ سليمانَ، عن الحجّاجِ ، عن الوليد
ابنِ أبى مالكِ، عن عبد الرحمنِ بنِ مَسلَمةَ(٢) ، أن رجلًا أَمَّن قومًا وهو مع عمرو
ابنِ العاصى ، وخالدِ بنِ الوليدِ ، وأبى عبيدةَ بنِ الجراح، فقال عمرّو وخالدٌ : لا
نُجيرُ مَن أجارَ. فقال أبو عبيدةَ: سمِعتُ رسولَ اللهِ وَّلَه يقولُ: «يُجيرُ على
المسلمين بعضُهم)) (٤).
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (٩٤٣٦)، وابن أبى شيبة ٤٥٣/١٢، ٤٥٤، وسعيد بن منصور في سننه
(٢٦٠٨)، والبيهقى ٩٤/٩ من طريق عاصم به .
(٢ - ٢) فى الأصل، م: ((عبد الرحمن)). وينظر تهذيب الكمال ٣٤/١٦، ٣٦/١٨.
(٣) فى الأصل، س، م، والمصنف: ((سلمة)). وينظر الجرح والتعديل ٢٨٦/٥.
(٤) ابن أبى شيبة ٤٥١/١٢، ٤٥٢، وأخرجه أبو يعلى (٨٧٦، ٨٧٧) من طريق حجاج به .
٢٣١

الموطأ
٠
وروَى الأعمشُ ومنصورٌ، عن إبراهيمَ، عن الأسودِ ، عن عائشةَ قالت: إِن
الاستذكار
كانت المرأةُ لتُجِيرُ على المسلمين(١).
ء
وعن وَ کیع ، عن شريك، عن عاصم بنِ أبی النّجودِ، عن زِدِ بنِ
محُبيشٍ، عن عمرَ قال: إن كانت المرأةُ لتُجيرُ على المسلمين فيجوزُ
"(٣)
أمانُها(٣) .
حدَّثنا سعيدٌ ، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا أبو
بكرٍ ، قال: حدَّثنا حسينُ بنُ علىٍّ، عن زائدةً، عن الأعمشِ، عن أبى صالحٍ،
عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ وَ لِّ قال: ((ذِمَّةُ المسلمين واحدةٌ يَسْعى بها
(٤)
أدناهم))().
قال(٤): وحدَّثنا ابنُ نُميرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن عمرو بنِ
شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبيِّ وَ لَه قال: ((يُجيرُ على المسلمين
أدناهم)) .
وروى ابنُ أبی عمر وغيره ، عن ابنِ عیینةً ، عن أيوب بن موسى ، عن بُکیرِ
(ابنِ عبدِ اللهِ) بنِ الأشْجِّ قال: جاء رجلٌ مِن أهلى إلى سعيدِ بنِ المسيَّبِ،
القبس
۔
(١) تقدم تخريجه فى ٦٣٦/٥ .
(٢) فى الأصل، م: ((رفيع))، وينظر تهذيب الكمال ٣٠/ ٤٦٢.
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٥٤/١٢ عن وكيع به .
(٤) ابن أبى شيبة ٤٥٥/١٢.
٠
(٥ - ٥) فى الأصل، م: ((عن ابن عبد الرحمن)). وينظر تهذيب الكمال ٢٤٢/٤.
٢٣٢

الموطأ
العملُ فِيمَن أعطَى شيئًا فى سبيلِ اللهِ
٩٩٠ - مالكٌ، عن نافعٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أنهُ كان إذا أُعطَى
فقال : ألا نخبِرُك بما نصنعُ فى مغازِينا؟ قال: لا، ولكنْ إن شئتَ أَخْبَرتُك(١) بما الاستذكار
كان رسولُ اللهِ وَِّ يصنعُ فى مغازِيه. قال: نعم. قال سعيدٌ: كان رسولُ اللهِ
وَ لَه إذا أتَى أهلَ قريةٍ دعاهم إلى الإسلامِ ، فإن أجابوه خلَطهم بنفسِه وأصحابِهِ،
وإن أَبَوا دعاهم إلى الجزيةِ ، فإن أعطَوها قبِلَها وكفَّ عنهم ، وإن أبَوا آذَنَهم على
سواءٍ، وكان أدنى أصحابِه إذا أعطاهم(٢) العهدَ وقَّوا به أجمعون(٣).
قال أبو عمرَ: وأما قولُ مالكِ: إن الإشارةَ المفهومةَ بالأمانِ كالكلام .
فالدلالةُ على ذلك مِن السنةِ موجودةٌ؛ لأن النبيَّ ◌َ لَّهِ أشار إلى أصحابِه بعدَ أن
كبير فى الصلاةِ: أنِ امْكُثوا(٤). ففهموا عنه، وأشار إلى أبى بكرٍ: أنٍ امكُتْ(٥).
ففهِم عنه، وقد ردَّ السلامَ بالإشارةِ وهو فى الصلاةِ(١) ، ومثلُ هذا كثيرٌ. وقال
أبو مصعبٍ: مَن لم يُحسِنْ طلبَ الأَمانِ بلسانِه ، فأشار بطَلبِه ذلك ، فأُشير إليه
به ، فقد وجَب له الأمانُ ولا يُقتلُ .
بابُ العملِ فيمَن أعطَى شيئًا فى سبيلِ اللهِ
ذكَر فيه مالكٌ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، أنه كان إذا أعطَى شيئًا فى
القبس
(١) فى الأصل، م: ((أخبرك))، وفى س: ((أخبرنى)).
(٢) فى ب، وسنن سعيد: ((أعطى))، وفى س: ((عهد)).
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٩٤٣٢)، وسعيد بن منصور (٢٤٧٥) عن ابن عيينة به بنحوه .
(٤) تقدم فى الموطأ (١٠٩).
(٥) تقدم فى الموطأ (٣٩٣).
(٦) تقدم تخريجه فى ٦/ ٥٨.
٢٣٣

الموطأ شيئًا فى سبيل اللهِ يقولُ لِصاحبِه: إذا بلَغتَ وادىَ القُرَى فشأَنَكَ به .
٩٩١ - مالكٌ، عن يحيى بن سعيدٍ، أن سعيدَ بنَ المسیَّبِ كان
يقولُ: إذا أُعطِىَ الرجلُ الشىءَ فى الغزوِ، فبلَغ به رأْسَ مَغْزَاتِه، فهو
له .
الاستذكار سبيلِ اللهِ يقولُ لصاحبِهِ : إذا بلَغتَ وادىَ القُرَى فشأنَك به (١).
وعن يحيى بن سعيدٍ، أن سعيدَ بنَ المسيَّبِ كان يقولُ : إذا أُعطِى الرجلُ
الشىءَ فى الغزوِ، فبلَغُ(١) به رأسَ مَغْزاتِه، فهو له(١).
قال أبو عمرَ : فى سَمَاع ابنِ القاسم : قال مالك : مَن محمل على فرسٍ فى
سبيلِ اللهِ ، فلا أرى له أن ينتفعَ بشىءٍ مِن ثمنِهِ فى غيرِ سبيلِ اللهِ ، إلا أن يقالَ له :
شأنَك به ، فافعَلْ به ما شئتَ . فإن قيل له ذلك كان مالاً مِن مالِهِ إذا بلغ رأسَ
مَغْزَاتِهِ، يَصنعُ به ما شاء، كما لو أَعطِى ذهبًا أو وَرِقًا فى سبيلِ اللهِ .
وروَى ابنُّ وهب، عن مالكِ، قال: إذا أُعطِى رجلٌ فرسًا، وقيل له: هولك
فی سبیلِ اللهِ . فله أن یبیعه، وإن قيل : هو فى سبيلِ اللهِ . رکبه وردّه . وقال
الثورىُّ : إذا أُعطِى شيئًا فى سبيلِ اللهِ؛ فإن شاء وضَعه فيمن يغزو فى سبيلِ اللهِ
مِن أهلِ الثَّغْرِ (*) ، وإن شاء قسَمه فى فقرائهم .
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٥/٨و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٩١٥).
(٢) فى م: ((فيبلغ)).
(٣) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٨٦٤)، وبرواية يحيى بن بكير (٥/٨و - مخطوط)، وبرواية
أبى مصعب (٩١٤).
(٤) فى س: (( الثغور)).
٢٣٤

الموطأ
وقال الأوزاعىُ فيمَن أُعطِى شيئًا فى سبيلِ اللهِ: إنه كسائرِ مالِه، إن لم يُقَلْ: الاستذكار
هو حَبْشٌ . أو : موقوفٌ .
وقال الحسنُ بنُ حىٍّ : إذا أُعطِى شيئًا فى سبيلِ اللهِ مِن الزكاةِ فهو له ، وإن
كان مِن غيرِ الزكاةِ فمات جعله فى مثله .
وقال الليثُ بنُ سعدٍ : إذا أُعطِى شيئًا فى سبيلِ اللهِ لم يبعه حتى يبلُغَ مَغْزاه،
فإذا بلَغ مَغْزاه صنَع به ما شاء، وكذلك الفرسُ إلا أن يكونَ جعَله حَبْسًا فى سبيلِ
اللهِ ، فلا يُباعُ .
قال أبو عمرَ : الفرسُ المُحَبَّسُ فى سبيلِ اللهِ هو الذى يَسِمُه صاحبُه بسِمَةٍ
الحبس، ويذكُرُ أنه قد أُخرَجه لذلك مِن مِلكِه (١) ، ويُشهِدُ على ذلك وينفِقُ
عليه ، فإذا كان الغزوُ دفَعه إلى مَن يُقاتِلُ عليه ويغزُو به ، فإذا انقضَى الغزوُ صرَفه
إليه ، فكان عندَه موقوفًا ◌ُنْفِقُ علیه ويُعِدُّه لمثل ذلك، فإذا كان كذلك لم يجُزْ
بيعُه عندَ أحدٍ علِمتُهُ مِن أهلِ العلمِ إلا أن يعجِزَ " عن الغزوِ" لضعفِه .
وقال عُبيدُ(٢) اللهِ بنُ الحسنِ: إذا قال: هولك فى سبيلِ اللهِ . فرجَع به، رَدَّه
حتی یجعَلَه فی سبیلِ اللهِ .
وقال الشافعىُّ : الفرسُ المحمولُ عليه فى سبيلِ اللهِ هو لمَن محُمِل عليه .
وقد زِدْنا هذه المسألةَ بيانًا فى كتابٍ الزكاةٍ(*) .
القبس
(١) فى الأصل، م: ((ماله)).
(٢ - ٢) سقط من: ب، وفى الأصل، م: ((عنه)).
(٣) فى ب، م: ((عبد)). وينظر تهذيب الكمال ٢٣/١٩.
(٤) ينظر ما تقدم فى ٥٥٨/٨ - ٥٦١، ٥٦٣، ٥٦٤ .
٢٣٥

الموطأ
قال يحيى : وسُئل مالكٌ عن رجلٍ أَوْجَب على نفسِه الغزوَ فتجَهَّزَ ،
حتى إذا أراد أن يخرجَ منَعه أبواه أو أحدُهما، فقال: لا يُكايِرِهما،
ولكن يُؤْخِّرُ ذلك إلى عامٍ آخَرَ ، فَأَمَّا الجهازُ ، فإِنِى أَرَى أَن يَرفَعَه حتى
يخرُجَ به ، فإن خَشِی أن یفْسُدَ ، باعه وأمسك ثَمنَه حتى يَشتَرِىَ به ما
يُصلِحُه للْغَزْوِ، فإن كان مُوسِرًا بِجِدُ مِثلَ جَهازِه إذا خرَج، فليَصنَغْ
بجهازِه ما شاء .
الاستذكار
وفى هذا البابِ : سُئل مالكٌ عن رجلٍ أوجب على نفسِه الغزوَ فتجهّز، حتى
إذا أراد أن يخرجَ منَعه أبواه أو أحدُهما، فقال: لا يُكابِرِهما، ولكن يؤخِّرُ ذلك
إلى عامٍ آخرَ، فأما الجَهَازُ.، فإنى أَرَى أن يرفَعَه حتى يخرجَ به، فإن خشِى أن
يَفْسُدَ ، باعَه وأمسَك ثمنَه حتى يشترِىَ به ما يَصلُحُ للغزوِ ، فإن كان مُوسِرًا يَجِدُ
مثلَ جَهازِهِ إذا خرَجَ ، فليصنَعْ بجهازِه ما شاء .
قال أبو عمرَ : هذا استحبابٌ منه ومِن جمهورِ العلماءِ كلِّهم ، يُستحبُّ فيما
نَواه المرءُ وهِمَّ به مِن الصدقةِ أَلَّا يَعودَ فيه، وأن يُمضيّه إذا أُخرَجه، حتى اللقمةَ
يُخرِجُها للسائلِ فلا يجِدُه، ولم يختَلِفوا فى الصدقةِ إذا قبضها المُعْطَى، فقيرًا
كان أو غنيًّا ، أنه لا رجوعَ للمتصدِّقِ فى شىءٍ منها، وكذلك كلُّ ما كان للهِ
تعالى إذا خرَج عن يدِ المُعْطِی .
وروَى الحميدىُّ(١) عن سفيانَ، قال: حدَّثنا عطاءُ بنُ السائبِ ، عن أبيه،
عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ◌َّهِ فقال: يا رسولَ اللهِ،
القبس
(١) الحميدى (٥٨٤) .
٢٣٦

الموطأ
الاستذكار
جئتُ أُبَايِعُك على الهجرةِ، وترَكتُ أبوىَّ يَبْكِيان. فقال رسولُ اللهِ وَلِتٍ: ١
((ارجع فأضحِكْهما كما أبكيتَهما)) .
وروی زائدةُ ، عن الأعمش ، و(١)سفيان الثوریُّ، عن حبیبٍ بن أبی ثابتٍ ،
عن أبى العباس، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ وَّه فقال:
إنى أريدُ أن أجاهدَ معك. قال: ((أحَىٌّ والداك؟)). قال: نعم. قال: ((ففيهما
(٢)
فجاهِدْ))(٢).
وروَى ابْنُ جريجٍ ، عن محمدِ بنِ طلحةً، عن معاويةَ بنِ جاهِمةً ، عن أبيه،
قال: أتيتُ النبيَّ وَّ أَستشيرُه فى الجهادِ، فقال: ((ألكَ والِدةٌ(١)؟)). قلتُ:
نعم. قال: ((اذهَبْ فالزَمْها(٤)؛ فإن الجنةَ تحتَ رِجْلَيها(٥)).
قال أبو عمرَ : لا خلافَ علِمتُه أن الرجلَ لا يجوزُ له الغزؤُ ووالداه كارهان
أو أحدُهما؛ لأن الخلافَ لهما فى غيرٍ (٢) أداء الفرائضِ عقوقٌ، وهو من الكبائرِ،
و(٧) الغزؤُ نافلةٌ .
القبس
(١) فى الأصل: ((بن))، وفى م: ((عن)).
(٢) أخرجه مسلم (٦/٢٥٤٩) من طريق زائدة به، وأخرجه عبد الرزاق (٩٢٨٤)، والبخارى
(٥٩٧٢)، ومسلم (٥/٢٥٤٩) من طريق سفيان به .
(٣) فى م، والطبرانى: ((والدان)).
(٤) فى م، والطبرانى: ((فأكرمهما)).
(٥) فى م، والطبرانى: ((رجليهما)).
والأثر أخرجه الطبرانى (٢٢٠٢) من طريق ابن جريج به .
(٦) ليس فى : الأصل ، م .
(٧) بعده فى الأصل، س، م: ((من)).
٢٣٧

الموطأ
جامعُ النَّفَلِ فى الغزوِ
الاستذ کار
ذكَر عبدُ الرزاقِ (١) ، عن الثورىِّ، " عن هشام٣ٍ) ، عنِ الحَسَنِ فى الوالدينِ
إذا أذِنَا فى الغزوٍ، قال : إن كنتَ ترى هَواهما فى الجلوسِ فاجلِسْ. قال :
وسُئل: ما بِرُّ الوالدين؟ قال: أن تَبذُلَ لهما ما ملَكتَ ، وأن تُطِيعَهما فيما أمَراك
به إلا أن تكونَ معصيةٌ ().
التمهيد
القولُ فى الغنيمةِ: هى خَصِيصٌ امْتَنَّ اللهُ عزَّ وجلَّ بها على هذه الأُمّةِ، كما
القبس
تقدَّم، وحكم فيها بحُكمِه، وبيِّنها بكلامِه؛ فقال تعالى: ﴿وَأَعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن
شَىْءٍ﴾. إلى قوله: ﴿إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِاللَّهِ﴾ [الأنفال: ٤١]. وهذه الآيةُ مِن أُمَّهاتِ
آياتِ الأحكامِ، وقد اضطَرَب فيها علماءُ الإسلامِ، وبَعُد فيها نَيْلُ المَرامِ، وقد
أَوْضَخْناها على غايةِ القُدرةِ فى كتابٍ ((أحكام القرآنِ)) (٢)، وأصعبُ فصولها مسائلُ
الخُمُسِ، ولصُعُوبِتِه جعَله العلماءُ كتابًا مُفردًا() ، فإن الله تعالى قال فيه قولًا ، وقال
النبيُّ وَّهِ فِيهُ) قولًا آخَرَ، وفعَل فيه فعلًا آخرَ، فاضطَربتِ المسألةُ على بعضٍ
العلماءِ، واتَّسَقَت لبعضِهم؛ فقال أبو العاليةِ: يُقسَمُ الخُمسُ على ستةِ أقسامٍ . وقال
الشافعىُّ: يُقْسَمُ الخمسُ على خمسةٍ أقسامٍ؛ للنبىِّ وَِّ منها خمسُ الخمسِ.
وقالت طائفةٌ: للنبىِّ وَّةِ سهمُ الصَّفِىٌّ مِن الخمسِ - وقِيل: مِن رأسِ المالِ -
(١) عبد الرزاق (٩٢٨٨).
(٢ - ٢) ليس فى : الأصل ، م.
(٣) أحكام القرآن ٨٤٤/٢ .
(٤) فى م: ((منفردا)).
(٥) سقط من : ج ، م .
(٦) سهم الصفى : هو ما كان يأخذه رئيس الجيش ويختاره لنفسه من الغنيمة قبل القسمة. ويقال
له : الصّفية. والجمع: صفايا. النهاية ٣/ ٤٠.
٢٣٨

الموطأ
التمهيد
يَصْطَفى جاريةٌ أو عبدًا، أو سيفًا أو فَرَسًا ، أو ما شاء، ثم تقعُ القِسمةُ . وقالت طائفةٌ : القبس
قولُه: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ﴾. اسْتِفْتَاعُ كلامٍ، الأرضُ كُلُّها والسماواتُ للهِ.
وقال علماؤنا رضِىَ اللهُ عنهم: الخُمُسُ موكولٌ إلى رأيِ الإمام ، يفعلُ فيه ما يراه
أصلَحَ للمسلمين وأنفعَ فى الدينِ؛ لقولِ النبىِّ وَّرِ: (( ما لى مما أفاءَ اللهُ عليكم إلا
الخُمُسُ، والخُمُسُ مردودٌ عليكم (١)). ولم يقُلْ: خُمُسُ الخُمُسِ. وقيل: يجوزُ أن
يعطىَ الإِمامُ للغانمينَ من الخمُسِ على طريقِ النَّفَلِ ، وهو جمهورُ المذهبِ؛ أن النفلَ
من الخُمسِ. وقالت طائفةٌ من العلماءِ: قد ثبت عن النبيِّ وَِّ أنه كان يُنَفِّلُ الثلثَ(٢)
والرُّبُعَ بعدَ الخُمُسِ فى البَدْأَةِ وفى (٢) الرَّجْعَةِ(٤) . وهذه كلُّها أحاديثُ صحيحةٌ، طريقُ
النظرِ فيها - على الاختصارِ - أَنَّا لو تُرِكنا والآيةَ لقسَمنا الخُمسَ على خمسةٍ
أقسامٍ، كما فعَله الشافعىُّ حَسَبَ ما يقتضيه ظاهرُ القرآنِ، ولكن النبيَّ وَلٍّ لّا
صرَّفه على خلافٍ ظاهرِ القرآنِ علِمنا أن اللهَ عزَّ وجلَّ قد جعَل إليه الحكم فيه؛
فإن رأى أن يجعَلَه فيمَن سمَّى اللهُ فَعَل، فإنه بيانٌ لبعضٍ مَحَلِّه، وإن شاء أن
يصرِفَه فى غيرِ ذلك من المصالحِ صرَفه، فقد أعطَى النبيُّ وَلِّ منه للمؤلّفةِ
(١) فى ج: ((فيكم )).
والحديث سيأتى فى الموطأ (١٠٠١).
(٢) فى ج، م: ((من الخمس)).
(٣) سقط من : ج ، م .
(٤) سيأتى تخريجه ص ٢٦٦ .
(٥) فى ج، م: ((إلى)).
٢٣٩

الموطأ
٩٩٢ - مالك، عن نافع، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أن رسولَ اللهِ
وِّ بعَث سَريَّةً فيها عبدُ اللهِ بنُ عمرَ قِبَلَ نجدٍ ، فَغَيِموا إبلًا كثيرةً ،
فكان سُهْمانُهم اثنَى عَشَرَ بَعِيرًا، أو أحدَ عشرَ بعيرًا، ونُقُلُوا بعيرًا
بعيرًا .
مالكٌ، عن نافع، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَ لَّهِ بَعَثِ سَرِيَّةٌ قِبَلَ
التمهید
نَجْدٍ فيها عبدُ اللهِ بنُ عمرَ، فَغَنِموا إبلًا كثيرةٌ، وكانت سُهْمانُهم اثْنَىْ عَشَرَ
لقبس قلوبُهم(١) وليس لهم فى الآيةِ ذكرٌ، (وأعطَى الأغنياءُ() وليس لهم فى الآيةِ ذكرٌ "،
معَ وجودِ الفقراءِ واليتامى والمساكينِ الذين نصِّ اللهُ عليهم، وقد قال بعضُ علمائِنا
وهو سُحنونٌ : إن النَّفَلَ يجوزُ بعدَ الخُمسِ بالثلُثِ والربعِ، حَسَبَ ما ثبت فى
الحديثِ الصحيح. فيكونُ هذا أيضًا اعتمادًا فى الأربعةِ الأخماسِ على فعلِ النبىِّ
وَّه ، وليس يريدُ بتفريقِ النَّقَلِ العملَ بالاستواءِ فيه بينَ أهلِ الجيشِ؛ لأنه لو كان
كذلك لكانت قسمةً (٤) ، وإنما يريدُ تفضيلَ بعضِهم على بعضٍ، وهذا معنى
حديثٍ : يُنَفِّلُ الثلُثَ والربُعَ بعدَ الخُمسِ .
وأما حديثُ ابنِ عمرَ: ونُقِّلْنا بعيرًا بعيرًا. فهو من الخُمسِ ، جرَت لهم سهامُهم
(١) ينظر البخارى (٣١٤٧).
(٢ - ٢) سقط من : ج، م .
(٣) ينظر البخارى (٣١٥٠).
(٤) فى م: ((قسمته)).
(٥) فى د، ج: ((بتفضيل)).
٢٤٠