Indexed OCR Text
Pages 81-100
الموطأ
التمهيد
فَأَنزَلَ اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿مَا جَعَلَ اَللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِى جَوْفِ﴾
[الأحزاب: ٤]. فَقَدَّمَه فضرَبَ عُثْقَه وهو مُتَعَلِّقٌ بأستار الكعبةِ، فَأَنزَل اللهُ عزَّ
وجلَّ: ﴿لَ أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ﴾ وَأَنْتَ حِلٌّ ◌ِهَذَا الْبَدِ﴾ [البلد: ١، ٢]. وذكَرَ تَمامَ
الخبرِ .
قال أبو عمرَ : قد قيل فى ذى القَلْبَيْن: إنَّه جميلُ بنُ مَعْمَرِ الجُمَحِىُّ . وقيل
ذلك فى رجلٍ مِن بنی فِهْرٍ .
ورَوَى محمدُ بنُّ سُلَيْمِ بنِ الوليدِ العَسْقَلَانُّ، عن محمدِ بنِ أبِى الشَّرِىِّ،
عن عبد الرزاقِ ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن أنسٍ بنِ مالك قال : دخل
رسولُ اللهِ وَله يومَ الفتحِ وعليه عِمَامَةٌ سوداءُ .
وعندَه بهذا الإسنادِ أنَّ النبيَّ بِّهِ دخَل مكةً وعلى رَأْسِه المِغْفَرُ.
ومحمدُ بنُ سُلَيْم هذا وإن لم يكنْ ممَّن يُعْتَمَدُ(١) عليه، فإنَّه قد تابَعَه على
ذلك بهذا الإِسْنادِ الوَلِيدُ بنُ مسلمٍ ويحبى الوُحَاظِىُّ، ومع هذا كلِّه فإنَّه لا يُحْفَظُ
عن مالكٍ فى هذا الإسنادِ إِلَّ المِغْفَرُ، لا عِمَامَةٌ سوداءُ، على ما فى ((الموطأُ))،
وقد رُوِىَ عن النبيِّ نَّهِ أَنَّه دخَل عامَ الفتح وعلى رَأْسِه ◌ِمَامَةٌ سوداءُ، مِن
٥
حديثٍ جابِرٍ، مِن روايةِ مالكِ وغيرِه .
فأمَّا حديثُ مالكِ فأخبَرناه أبو الفتحِ إِبراهِيمُ بنُ علىٍّ بنِ سَيْبُخْتَ إجازَةً -
القبس
(١) فى ص ٤: ((يحمل)).
٨١
( موسوعة شروح الموطأ ٦/١٢ )
الموطأ
.'%
التمهيد كتَبَ إِلىَّ بِخَطِّه، وحدَّثنيه بعضُ أصحابِنا عنه - قال: حدَّثنا الحُسَيْنُ بنُ
إسماعيلَ المَحامِلِىُّ القاضى، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا
مالكُ بنُ أنسٍ، عن أبى الزبيرِ، عن جابرٍ، أنَّ النبيَّ وَلِّ دخَل مكةً وعلى رَأْسِه
عِمامَةٌ سوداء.
وهذا حديثٌ غريبٌ مِن حديثٍ مالكِ، ولم يَقُلْ فيه مالكٌ: عامَ الفتحِ .
وهو محفوظٌ مِن حديث جابرٍ هذا.
أخبرنا خَلَّفُ بنُ القاسِم، قال: حدَّثنا (١ محمدُ بنُ أحمدَ بنِ المِسْوَرِ،
قال: حدَّثنا أبو الطاهِرِ ) محمدُ بنُ أحمدَ بنِ عثمانَ المَدَنِىُ، قال: حدَّثنا
الحسنُ بنُ علىّ الحُلْوَانِىُ، قال حدَّثنا يحيى بنُ آدَمَ ، قال: أخبرنا شَريكٌ، عن
عَمَّارِ الدُّهْنِىِّ، عن أبى الزبيرِ، عن جابٍِ قال: دخَل رسولُ اللهِ نَّهِ يومَ فتح مكةً
وعلى رَأْسِهِ عِمامَةٌ سوداءُ، ولواؤُه أبيضُ(٢).
وحدَّثنا أحمدُ بنُ قاسِم، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُّ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ
ابنُّ أبى أسامةَ ، قال: حدَّثنَا عَفَّنُ، قال: حدَّثْنَا حَمَّادُ بنُ سَلَمَةً، عن أبى الزبيرِ ،
عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، أَنَّ رسولَ اللهِ،فَ له دخَل مكةَ يومَ الفتح وعلى رَأْسِه عِمَامَةٌ
القبس
(١ - ١) سقط من: ص ٤.
(٢) أخرجه ابن ماجه (٢٨١٧)، والفاكهى فى أخبار مكة ٢١٧/٥ (١٧٨) عن الحسن بن على به،
وأخرجه ابن ماجه (٢٨١٧) من طريق يحيى بن آدم به، وأخرجه أحمد ٣٥٠/٢٣ (١٥١٥٧)،
ومسلم (١٣٥٨) من طريق شريك به .
٨٢
الموطأ
(١)
سوداء(١).
التمهيد
قال أبو عمرَ: ليسَ هذا عندى بمُعارِضٍ لحديثِ ابنِ شهابٍ ؛ لأنَّه قد
يُمْكِنُ أن يكونَ على رَأْسِه ◌ِمامةٌ سوداءُ وعليها المِغْفَرُ، فلا يتَعارَضُ الحديثان .
وقد روَى داودُ بنُ الزِّبْرِقانِ ، عن معمرِ بنِ راشِدٍ ومالك بن أنسٍ جميعًا ، عن
ابنِ شهابٍ الزهرىِّ، عن أنسٍ بنِ مالكِ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَلِّ دِخَل عامَ الفتحِ مكةً
فى رَمَضانَ وليس بصائِم. وهذا اللفظُ ليس بمحْفُوظٍ بهذا الإسنادِ لمالكِ إلّا مِن
هذا الوَجْهِ .
وقد روَى سُوَيْدُ بنُ سعيدٍ ، عن مالكِ، عن الزهرىِّ، عن أنسٍ ، أنَّ النبيَّ
وَلِِّ دَخَلَ مكةَ عامَ الفتحِ غيرَ محرمٍ. وتابَعَه على ذلك عن مالك ، إبراهيمُ بنُ
علىّ "ابنُ المغربىّ". وهذا لا يُعْرَفُ هكذا إِلَّ بهما، وإنَّما هو فى ((المُوَطًَّ))
عند جماعة الرواةِ مِن قول ابن شهاب ، قال : قال مالكٌ : قال ابنُ شهابٍ : ولم
یکن رسولُ اللهِ پێ يومئذٍ محرمًا . لم يزفَئه إلى أنسٍ .
وذكَر عبدُ الرزاقِ ، عن معمرٍ ، عن الزهرىِّ قال: أخبرنى أنسُ بنُ مالِكٍ ، أنَّ
القبس
(١) أخرجه ابن سعد ٢/ ١٤٠، وأحمد ١٧٨/٢٣ (١٤٩٠٤) عن عفان به، وأخرجه أبو داود
(٤٠٧٦)، والترمذى (١٧٣٥)، والنسائى فى الكبرى (٩٧٥٧) من طريق حماد به.
(٢ - ٢) كذا فى ص ٤، وأثبت ناشر المطبوعة مكانه ((المغنزلى))، وينظر ما تقدم ص ٧٧ .
٨٣
الموطأ
التمهيد رسولَ اللهِ وَ لَهِ دَخَل مكةً فى عمرةِ الفَضَاءِ وهو محرمٌ ، وابنُ رَوَاحَةً بينَ یدیهِ
وهو يقولُ(١) :
خَلُّوا بنى الكفارِ عن سبيلِه
قد أَنْزَل الرحمنُ فى تَنْزِيلِه
بأنَّ خيرَ القتلِ فى سبيله(١)
وممَّا يَدُلُّ على أنَّ دُخُولَه مكةً عامَ فَتْح مكةً وعلى رأسِه المِغْفَرُ خُصُوصٌ له ،
وأَنَّها أُحِلَّتْ له ساعَةً مِن نهارٍ ثم عادَتْ إلى حالِها - ما أخبرناه أبو الحسنِ محمدُ
ابنُّ أحمدَ بنِ العباسِ الإِحْمِيمِىُّ فيما كتَبَ بإجازَتِهِ إِلىَّ، وأذن لى أن أَزْوِيَه عنه،
قال: حدَّثنا علىّ بنُ أحمدَ علَّانُ، قال: حدَّثنا سَلَمَةُ بنُ شَبِيبٍ ، قال: حدَّثنا
الحسنُ بنُ محمدٍ بنِ أعْيَنَ الحَرَّانِئُ ، قال : حدَّثنا مَعْقِلُ بنُ عبیدِ اللهِ ، عن أبى
الزبيرِ، عن جابرٍ قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ وَّلَه يقولُ: (( لا يَحِلُّ لأحدٍ أن يَحْمِلَ
بمكةَ سِلَاحًا ))(٢).
وحدَّثنا سعيدُ بنُ نَصرٍ ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ
القبس
(١) ديوانه ص ١٤٤.
(٢) أخرجه ابن أبى عاصم فى الآحاد والمثانى (١٩٨٤)، وأبو يعلى (٣٥٧١، ٣٥٧٩)، والبيهقى
٢٢٨/١٠ من طريق عبد الرزاق به، وليس عندهم قوله: ((وهو محرم)).
(٣) أخرجه مسلم (١٣٥٦)، وابن حبان (٣٧١٤) من طريق سلمة بن شبيب به .
٨٤
الموطأ
ابنُّ وَضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّل، التمهيد
قال: حدَّثْنا أسباطُ بنُ نصرٍ، قال: زَعَم السّدِّئُّ، عن مُصْعَبِ بنِ سعدٍ ، عن
أبيه، قال: لما كان يومُ فتح مكةً أُمَّنَ رسولُ اللهِ وَّهِ الناسَ إلَّا أربعةَ نَفَرِ
وامرأتَيْن، وقال: ((اقتُلُوهم وإن وَجَدْتُموهم مُتَعَلِّقين بأستار الكعبةِ)). عِكْرِمَةُ بنُ
أبى جَهْلٍ، وعبدُ اللهِ بنُ خَطَلٍ، ومِقْيَسُ بنُ صُبابةً (١) ، وعبدُ اللهِ بنُ سَعْدِ بنِ أبى
سَرْحٍ؛ فأمَّا عبدُ اللهِ بنُ خَطَلٍ ، فَأَدْرِك وهو مُتَعَلِّقٌ بأستار الكعبةِ ، فاسْتَبَق إليه
سعيدُ بنُ محُرَيْثٍ وعَمَّارُ بنُ ياسِرٍ، فسبَق سعيدٌ عمارًا وكان أشَدَّ(١) الرّجلَيْن،
فَقَتَله، وأمَّا مِفْيَسُ بنُ صُبابَةً، فأدرَكَه الناسُ وهو " فى السُّوقِ) فَقَتَلُوه، وأمَّا
عكرمةُ، فَرَكِب البحرَ فأصابَتْهُم رِيح عاصِفٌ ، فقال أصحابُ السفينةِ لأهلِ
السفينةِ : أخلِصوا ، فإنَّ آلهَتَكم لا تُغْنِى عنكم شيئًا هلهنا. فقال عكرمةُ : واللهِ
لئن لم يُنْجِنى فى البحرِ إِلَّ الإِخْلاصُ، ما يُنْجِينى فى البرِّ غيرُه ، اللهمَّ إِنَّ لك علَىَّ
عَهْدًا إن أنت عافَيْتَنِى ممَّا أَنا فيه، أن آتِىَ محمدًا حتى أضعَ يدى فى يَدِه،
فلأَجدَنَّه عَفُؤَّا كريمًا . قال: فجاء فأسلَمَ . وأمَّا عبدُ اللهِ بنُ سعدِ بنِ أبى سرحٍ،
فإِنَّه اختَبَأُ عندَ عثمانَ بنِ عفانَ، فلمَّا دَعا النبيُّ وَلِ الناسَ إلى البيعةِ، جاء به
حتى أَوْقَفَه على النبيِّ وَلَّ، فقال: يا رسولَ اللهِ، بايع عبدَ اللهِ. فَرَفَع رَأْسَه،
القبس
(١) فى م هنا وفيما سيأتى: ((حبابة)). وكذا فى التاج (ق ی س)، وفى تفسير ابن جرير ٣٤١/٧،
وتاريخه ٦٠٩/٢، ومغازى الواقدى ٨٦٢/٢، ومعجم البلدان ٨٣٩/٣: ((ضبابة)). والمثبت
موافق لما فى مصادر التخريج، وتفسير ابن جرير ٢٨٨/١١، وسيرة ابن هشام ٢٩٤/٢،
والإكمال ٢/ ٤٥٤.
(٢) كذا فى النسخ، وشرح المعانى. وعند ابن أبى شيبة والنسائى وأبى يعلى: ((أشب)).
(٣ - ٣) فى ص ٤: ((بالسوق)).
٨٥
الموطأ ٩٦٨ - مالكٌ، عن نافع، أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ أقبَل من مكةً ، حتى
إذا كان بقُدَيْدٍ جاءه خبرٌ من المدينةِ، فرجع فدخَل مكةَ بغيرِ إحرامٍ (١).
٩٦٩ - مالكٌ، عن ابن شهابٍ بمثلِ ذلك(٢).
٩٧٠ - مالكٌ، عن محمدِ بنِ عمرو بنِ حَلْخَلَةَ الدِّيلِّ، عن
محمدِ بنِ عِمرانَ الأنصارىِّ، عن أبيه، أنه قال: عدَل إِلىَّ عبدُ اللهِ بنُ
التمهيد فنظَر إليه ثَلاثًا، كلَّ ذلك يَأَتَى، فبايَعَه بعدَ ثلاثٍ، ثم أَقْبَل على أصحابِهِ
فقال: ((أَمَا كان فيكم رجلٌ رَشِيدٌ يقومُ إلى هذا حينَ رآنى كَفَفْتُ يدى عن
بَيْعَتِهِ فِيَقْتُلَه؟)). فقالوا: ما يُدْرِينا يا رسولَ اللهِ ما فى نَفْسِك؟ أَلَا أومأَتَ إلينا
بَعَيْنِك؟ فقال: ((إِنَّه لا يَنْبَغِى لنبيِّ أن تكونَ له خائِنَةُ أعينٍ))(١) .
وأخبرنا قاسِمُ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا خالِدُ بنُ سعدٍ ، حدَّثنا أحمدُ بنُ
عمرو بنِ منصورٍ، حدَّثنا محمدُ بنُ سَنْجَرَ، حدَّثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، حدَّثنا
أسباطُ بنُ نصرٍ، قال: زَعَم السُّدِّئُّ، عن مُضْعَبِ بنِ سعدٍ ، عن أبيه قال : لما
کان یومُ فتح مكةً. فذَکَره سواءً إلى آخرِه .
مالكٌ، عن محمدِ بنِ عمرو بنٍ حَلْعَلَةً، عن محمدِ بنِ عمرانَ الأنصارىِّ،
القبس
(١) هذا الأثر والذى بعده لم يشرحهما المصنف فى الاستذكار.
وهو فى الموطأ برواية محمد بن الحسن (٤٦٠)، وبرواية يحيى بن بكير (١٤/٥ و - مخطوط) ، وبرواية
أبى مصعب (١٤٤٨). وأخرجه البيهقى ١٧٨/٥ من طريق مالك به .
(٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٤/٥ و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٤٤٩). وأخرجه
البيهقى ١٧٨/٥ من طريق مالك به .
(٣) ابن أبى شيبة ٤٩١/١٤، ٤٩٢ ومن طريقه أبو يعلى (٧٥٧)، والطحاوى فى شرح المعانى ٣٣٠/٣ -
وأخرجه أبو داود (٢٦٨٣، ٤٣٥٩)، والنسائى (٤٠٧٨)، والبزار (١١٥١) من طريق أحمد بن مفضل به .
٨٦
الموطأ
عمرَ وأنا نازلٌ تحتَ سَرْحَةٍ بطريقٍ مكةً ، فقال : ما أنزلك تحت هذه
الشَّرْحةِ ؟ فقلتُ : أردتُ ظِلَّها . فقال: هل غيرُ ذلك؟ فقلتُ : لا ، ما
أَنزَلنى إلَّ ذلك. فقال عبدُ اللهِ بنُ عمرَ: قال رسولُ اللهِ وَر: ((إذا
كنتَ بينَ الأخشَبينِ من منّى - ونفَح بيدِه نحوَ المشرقِ - فإنَّ هناكَ
واديًا يقالُ له: السّرَرُ. به سَرْحةٌ سُرَّ تحتَهَا سبعون نبيًّا)).
عن أبيه ، أنَّه قال: عَدَل إلَىَّ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ وأنا نازِلٌ تحتَ سَرْحَةٍ بطريقٍ مكةً، التمهيد
فقال: ما أَنزَلَك تحتَ هذه السَّرْحَةِ؟ فقلتُ: أرَدْتُ ظِلَّها . فقال: هل غيرُ
ذلك؟ فقلتُ: لا، ما أُنزَلَنِى إِلَّ ذلك. فقال ابنُ عمرَ: قال رسولُ اللهِ وَّهِ:
((إذا كنت بينَ الأُخْشَبَيْن من مِنَّى - ونَفَح(١) بيدِه نحوَ المشرق - فإنَّ هناك وادِیًا
يقالُ له: السِّرَرُ. به سَرْحَةٌ سُرَّ تحتَها سبعون نبيًّا))(١).
قال أبو عمرَ : لا أَعْرِفُ محمدَ بنَ عمرانَ هذا إلَّا بهذا الحديثِ ، وإن لم
يكنْ أبوه عمرانَ بنَ حَيَّانَ(١) الأنصارىَّ، أو عمرانَ بنَ سَوَادَةَ ، فلا أدْرِى مَن هو؟
وحَدِيثُه هذا مَدَنِىٌّ، وحَسْبُك بذِكْرِ مالكِ له فى ((كِتَابِهِ » .
وأمّا قولُه: وأنا نازِلٌ تحتَ سَرْحَةٍ. فالسَّرْحَةُ الشَّجَرَةُ، قال الخَلِيلُ():
الشَّرْحُ الشَّجَرُ الطّوَالُ الذى له شُعَبٌ وَظِلٌّ، واحِدَتُها سَرْحَةٌ . قال حُمَيْدُ بنُ ثَوْرٍ(٥) :
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٥/٥ و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٤٥١). وأخرجه
أحمد ٣٥٥/١٠ (٦٢٣٣)، والنسائى (٢٩٩٥)، وابن حبان (٦٢٤٤) من طريق مالك به .
(٢) فى الأصل: ((نفخ)).
(٣) فى الأصل، م: ((حبان)). وينظر التاريخ الكبير ٤١٨/٦، والجرح والتعديل ٢٩٦/٦،
والثقات ٢٤١/٧ .
(٤) العين ١٣٧/٣.
(٥) ديوانه ص ٤١ .
٨٧
الموطأ
على كلِّ أفنانِ العِضَاهِ تَرُوقُ
التمهيد أَبَى اللهُ إلَّ أنَّ سرحةً مالكِ
وقد ذكَرَه أبو ذُؤَيْبِ الهُذَلِىُّ فى شِغْرِه، فقال(١) :
لِ أَعْلَمُهم بنَواحِى الخَبَرْ
الکِی إلیھا(٢) وخيرُ الرسوم
بُ بِينَ الحَجُونِ(٣) وبينَ السُّرَرْ
بآيةٍ ما وَقَفَتْ والرّكًا
وما كنتَ فینا جدیرًا) بِزْ
فقالت تَبَرَّرْتَ فی حهنا(4)
قال الأصْمَعِىُّ: السّرَرُ على أربعةِ أميالٍ من مكةَ، عن يمينِ الجبلِ، كان
عبدُ الصَّمَدِ بنُ علىٍّ قد بَنَى عليه مَسْجِدًا .
وأمَّا قولُه: ونَفَح(١) بِيَدِهِ. فالنَّعُ(١٧) هنهُنا الإشارَةُ بِيَدِهِ، كأنَّه يقولُ: رَمَى
بَيَدِه نحوَ المشرقِ. أى. مَدَّها وأشار بها. والسّرَرُ: اسْمُ الوادِى، والأخْشَبانِ:
الجَبَلان. قال ابنُّ وهبٍ فى قولِه: ((إذا كُنْتَ بينَ الأُخْشَبَيْن من مِنَّى)). قال:
يَعْنِى الجَبَلَيْنِ اللذَيْنِ تحتَ العَقَبَةِ بمنَّى فوق المسجِدِ .
القبس
۔
(١) ديوان الهذليين ١٤٦/١، ١٤٧.
(٢) ألكنى إليها: أرسلنى إليها. التاج (أ ل ك).
(٣) الحجون: جبل بأعلى مكة عنده مدافن أهلها. معجم البلدان ٢١٥/٢.
(٤) فى م: ((أمرنا)).
(٥) فى م: ((حديثا)). وهى رواية.
(٦) فى الأصل، م: ((نفخ).
(٧) فى الأصل، م: ((فالنفخ)).
٨٨
الموطأ
قال أبو عمرَ: الأخاشِبُ الجِبَالُ. أُنشَدَ ابنُ هِشَامٍ لأُبِى قَيْسٍ بنِ التمهيد
الأسْلَتِ(١):
فقوموا فصَلُّوا رَبَّكم وتمَشَّحوا بأرْكانِ هذا البيتِ بينَ الأخاشِبِ
ويُقالُ: إِنَّ الأخاشِبَ اسمُ لحِبالِ مكةَ ومنّى خاصَّةٌ(٢) . قال إسماعيلُ بنُ
يَسَارِ النسائئ(٣):
ولَعَمْرُ مَن حُبِسِ الهَدِىُّ له بالأخْشَبَيْنْ صَبِيحَةَ النحرِ
وقال العامِرِىُّ فى بيعةِ ابنِ الزبيرِ (4):
نُبايعُ بينَ الأُخْشَبَينْ وأَما يَدَ اللهِ بينَ الأُخْشَبَيْنْ نُبَايِعُ
وأمَّا قولُه: ((سُرَّ تحتَها سبعون نبيًّا)). ففيه قولانٍ؛ أحَدُهما، أنَّهم بُشِّرُوا
تحتَها بما سَرَّهم، واحِدًا بعدَ واحدٍ أو مُجْتَمِعين، أو نُبُوا تحتَها فَشُرُّوا، من
الشُرُورِ. والقولُ الآخَرُ، أنَّها قُطِعَت تحتَها سُرَرُهم، يعنى: وُلِدُوا تحتَها ،
يقالُ : قد سُرّ الطفلُ. إذا قُطِعَت سُرَّتُه .
وفى هذا الحديثِ دليلٌ على التَّبُكِ بمواضِع الأنبياءِ والصالِحِين ومَقامَاتِهم
ومَساكِنِهم، وإلى هذا قَصَد عبدُ اللهِ بنُ عمرَ بحَدِيثِه هذا . واللهُ أعلمُ . وليس فى
القبس
(١) سيرة ابن هشام ٥٩/١.
(٢) بعده فى ى، م: ((قال الخليل)).
(٣) البيت فى الأغانى ٤/ ٤٢٦.
(٤) البيت فى أخبار مكة للفاكهى ٤/ ٤٩.
٨٩
٩٧١ - مالك، عن عبدِ اللهِ بنِ أبی بکرِ بنِ حزم، عن ابنٍ أُبی
الموطأ
مُليكةً ، أن عمرَ بنَ الخطابِ مَوَّ بامرأةٍ مجذومةٍ وهى تطُوفُ بالبيتٍ ،
فقال لها: يا أَمَةَ اللهِ ، لا تُؤْذِى الناسَ، لو جلستِ فى بيتِكِ. فجلَستْ،
فمرّ بها رجلٌ بعدَ ذلك، فقال لها: إن الذى كان نهاكٍ قد مات
فاخرُجى. فقالت: ما كنتُ لأُطِيعَه حَيًّا وأعصِيّه ميًّا.
التمهيد هذا الحديثِ حُكّمٌ من الأحكام. وفيه الحديثُ عن بنى إسرائيلَ ، والخَيَرُ عن
الماضين، وإباحَةُ الخَوْضِ فى أخبارِهم والتَّحَدُّثِ بها .
الاستذكار
مالكٌ ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبى بكرٍ ، عن ابنٍ أبى مُلَيكةَ ، أن عمر بن الخطاب
مڑّ بامرأةٍ مجذومةٍ وهی تطوفُ بالبيتِ ، فقال : يا أمَةَ اللهِ ، لا تؤذِی الناسَ ، لو . .
جلَستِ فى بيتِك. فجلست ، فمرّ بها رجلٌ بعدَ ذلك ، فقال: إِن الذى نهاٍ قد
مات فاخرجى. قالت: ما كنتُ لأُطِيعَه حيًّا وأعصِيّه ميتًا(١).
وفى هذا الحديثِ من الفقهِ الحُكمُ بأن يُحالَ بينَ المجذومين وبينَ اختلاطِهم
بالناسٍ ؛ لِما فى ذلك من الأذى لهم، وأذى المؤمنِ والجارِ لا يحِلُّ، وإذا كان آكلُ
الثُّومِ يؤمرُ باجتنابِ المسجدِ، وكان فى عهدِ رسولِ اللهِ وَِّ ربما أُخرِج إلى
البقيعٍ، فما ظنُّك بالجذامِ وهو عندَ بعضِ الناسِ يُعدِى وعندَ جميعهم يؤذِى ؟!
وأما قولُ عمرَ للمرأةِ : لو جلَستِ فى بيتِك. بعدَ أن أُخبرها أنها تُؤْذِى
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٤٧٧)، وبرواية ابن بكير (١٥/٥ و - مخطوط)، وبرواية أبى
مصعب (١٤٥٢). وأخرجه عبد الرزاق (٩٠٣١)، وابن وهب فى جامعه (٦٣٧) عن مالك به .
٩٠
٩٧٢ - مالكٌ، أنه بلغه أن عبدَ اللهِ بنَ عباس كان يقولُ: ما بينَ
الوُّكنِ والبابِ المُلْتَزَمُ .
الموطأ
الناسَ ، فإن ذلك كان منه، واللهُ أعلمُ ، من لينِ القولِ لها ، والتعريض؛ لأنه لم يكنْ الاستذكار
تَقَدَّمُ إليها، ورحِمها بالبلاءِ الذى نزَل بها ، فرَقَّ لها ، وكان أيضًا من مذهبِه أنه
كان لا يعتقدُ أن شيئًا يُعدِى، وقد كان يجالسُ مُعَيقِيبًا الدَّوْسِيَّ، وكان على بيتٍ
مالِهِ ، وكان يؤاكلُه، وربما وضَع فمَه من الإناءِ على ما يضعُ عليه مُعيقيبٌ فمَه .
وقد ذكّرنا الخبرَ بذلك فى صدرِ كتابٍ ((التمهيدِ)) (١)؛ فلهذا، واللهُ أعلمُ،
لم يزمجرْها ولم ينهَها ، وأشار إليها إشارةً كانت منها مقبولةً ، ولعله علِم من عقلها
ودينها أنها تكتفى بإشارتِه عليها، فلم يحتَجْ إلى نهيها؛ ألا ترَى أنه لم تُخطئ
فِراستُه فيها ، فأطاعتْه حيًّا وميتًا .
مالكٌ ، أنه بلغه أن ابنَ عباسٍ كان يقولُ: ما بينَ الركنِ والمَقامِ المُلتَزَمُ .
قال أبو عمرَ : روايةُ عُبيدِ اللهِ، عن أبيه: ما بينَ الركنِ والمقامِ الملتزمُ .
خطأ لم يُتَابَعِ(١٢) عليه، وأمَر ابنُ وضَّاحِ بردِّه: ما بينَ الركنِ والبابِ . وهو
الصوابُ. وكذلك الروايةُ فى ((الموطاً))(٤) وغيرِهِ؛ وهو الركنُ الأسودُ وبابُ
البيتِ. كذلك فسّره الخزاعىُّ فى الملتزَمِ، وذكَر حديثَ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو ١،
القبس
(١) فى ح، م: ((يقدم))، وفى هـ: ((تقدم)). والمثبت يقتضيه السياق، وينظر شرح الزرقانى ٥٢١/٢.
(٢) تقدم فى ٣٤٩/١ - ٣٥١ .
(٣) فى م: ((يتابعوا)).
(٤) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٥/٥و، ١٥ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٤٥٣).
(٥) فى النسخ: ((عمر)). والمثبت من مصادر التخريج.
٩١
الموطأ
الاستذكار أن رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم كان يُلصِقُ وجهَه وصدرَه بالمُلتَزَمِ .
وروَى عَبَّدُ بنُ كثيرٍ، عن أيوبَ ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ رسولَ
اللَّهِ وَِّ قال: ((ما بينَ الركنِ والبابِ ملتزَمٌ، مَن دعا الله عنده مِن ذی حاجةٍ أو
ذِى كُرْبَةٍ أو ذى غَمِّ نُرْج عنه))" .
"وروَى أبو الزبيرِ، عن ابنِ عباسٍ" قال: المُلتَزَمُ والمَدْعَى والمُتَعوَّذُ ما بينَ
الحَجَرِ والبابِ . قال أبو الزبيرِ: دعوتُ اللهَ هناك بدعاءٍ فاستُجيب لى(٤) .
وقد رُوِى عن النبيّ عليه السلامُ أحاديثُ فيما يرغِّبُ فى الصلاةِ والذكرِ
والدعاءِ بينَ الركنِ والمَقامِ .
و کان ابنُ عباسٍ کثیرًا ما يدعو بینَ الر کنِ والمَقامِ ، و کان مِن دعائِه فيه :
اللهمَّ فَنِّعْنى بما رزَقتَنَى، وبارِكْ لى فيه، واخلُفْ علىَّ كَلَّ غائبةٍ(*) لى بخيرٍ(١).
وژُوِی عن(١) القاسم بن محمدٍ ، وعمر بن عبد العزيزِ ، وجعفر بن محمدٍ ،
وأيوبَ السَّخْتيانىٌ ، وحميد الطويلِ ، أنهم كانوا يلتزمون ظهرَ البيتِ مِن الُكْنِ
القبس
(١) أخرجه أبو داود (١٨٩٩)، وابن ماجه (٢٩٦٢)، والدارقطنى ٢/ ٢٨٩.
(٢ - ٢) سقط من النسخ. والمثبت من شرح الزرقانى ٥٣١/٢ نقلا عن المصنف.
والحديث أخرجه ابن عدى ١٦٤١/٤ من طريق عباد بن كثير به .
(٣ - ٣) سقط من النسخ . والمثبت يقتضيه السياق.
(٤) أخرجه الأزرقى فى أخبار مكة ص ٢٤٦ من طريق أبى الزبير به .
(٥) فى هـ، م: ((عائبة)).
(٦) أخرجه ابن أبى شيبة ٠١٠٩/٤ والفاكهى فى أخبار مكة ١٧٧/١، ١٧٨ (٢٦٩).
(٧) سقط من النسخ. والمثبت يقتضيه السياق .
٩٢٠
الموطأ
٩٧٣ - مالك ، عن یحیی بن سعيد ، عن محمد بنِ یحیی بنِ
حَبَّانَ ، أنه سمِعه يذكُرُ أَنَّ رجلًا مَرَّ على أَبِى ذَرِّ بِالرَّبَذَةِ، وأَنَّ أَبا ذَرِّ
سأله : أينَ تُرِيدُ ؟ فقال: أردتُ الحَجَّ . فقال: هل نزَعكَ غيرُه ؟ قال :
لا . قال : فَأَتَنِفِ العملَ. قال الرجلُ : فخرَجتُ حتى قدِمتُ مكةً،
فمكَثْتُ ما شاءَ اللهُ، ثمَّ إذا أنا بالناس مُنْقَصِفِين على رجل، فضاغطْتُ
علیه الناس ، فإذا الشیخُ الذى وجدتُ بالژبذَةِ - يَغْنِی أبا ذرِّ - فلمَّا رآنی
عرَفنى ، قال: هو الذى حدَّثتُكَ .
اليمانى والبابِ المؤخّرِ، وقال (١): إن ذلك مُلتَزَمْ أيضًا(١). وهذا خلافُ ما تقدَّمَ. الاستذكار
ورُوِى عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، أنه قال: ذلك المُلتَزَمُ، وهذا(٣) المُتعوَّذُ(٤).
فكأنه جعَل ذلك موضعَ رغبةٍ ، وهذا موضعَ استعاذةٍ ، وعلى ذلك تُنزَلَّ (٥) ألفاظُ
الأخبارِ عن القاسم بنِ محمدٍ ومَن ذكَرنا معه على أنه موضعُ استعاذةٍ .
مالكٌ ، عن يحيى بنٍ سعيدٍ، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حُبَّنَ، أن
رجلًا مَرَّ على أبى ذرِّ بالرَّبَذَةِ، وأن أبا ذرٍّ سأله: أين تريدُ؟ فقال: أريدُ
الحجّ. فقال: هل نزَعك(١) غيرُه؟ قال: لا. قال: فَأَتَنِفِ العملَ. قال
الرجلُ : فخرَجتُ حتى قدِمتُ مكةَ، فمكثتُ ما شاء اللهُ، ثم إذا أنا
القبس
(١) كذا فى النسخ. ولعل الصواب: ((قالوا)).
(٢) ينظر ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٢٣٨، وأخبار مكة للأزرقى ص ٢٤٧ ،
وأخبار مكة للفاكهى ١٧١/١ - ١٧٣ (٢٤٨، ٢٤٩، ٢٥٤، ٢٥٥).
(٣) فى النسخ: ((هو )) . والمثبت من مصدر التخريج .
(٤) أخرجه الفاكهى فى أخبار مكة ١٧٠/١ (٢٤٧).
(٥) فى النسخ: ((ترك)). والمثبت يقتضيه السياق.
(٦) فى ح، هـ: ((فزعك)). ونزعك: أى أخرجك. ينظر شرح الزرقانى ٥٣٢/٢.
٩٣
الموطأ
الاستذكار بالناسِ مُنْقَصِفين على رجلٍ، فضاغَطْتُ عليه الناسَ، فإذا الشيخُ الذى
وجدتُ بالرَّبَذَةِ - يعنى أبا ذرِّ - فلما عرَفنى، قال: هو الذى حدَّثتُك(١).
قال أبو عمرَ : فى هذا الخبرِ ما كان عليه أبو ذرٍّ مِن العلم والفقهِ ، وأما زهده
وعبادته ، فقد ذهب فيها مَثَلًا .
سُئل علىّ عن أبى ذرٍّ، فقال : وعَى عِلمًا عجز الناسُ عنه، ثم أو كاً عليه ،
فلم يُخرِجْ شيئًا منه(١) . ومعلوم أن قولَ ابی نرِّ للرجل لا یکونُ مثلُه رأیًا ، وإنما
يُدْرَكُ مثلُه بالتوقيفِ مِن النبيِّ عليه السلامُ . وفى هذا الحديثِ ما يدُلُّ أن اللهَ قد
رضِى مِن عبادِه بقصدِ بيتِه مرةً فى عُمرِ العبدِ ؛ ليحُطَّ أوزارَه بذلك، ويغفرَ
ذنوبَه، ويخرج منها كيومَ ولَدته أمُّه، كما رُوِى عن النبيِّ وَالقيل أنه قال: « الحُ
المبرور ليس له جزاء إلا الجنةُ))(٤). وقال: ((مَن حجَّ هذا البيتَ ولم يَرْفُثْ ولم
يفسُقْ، خرَج مِن ذنوبه كيومَ ولَدته أمُّه))(٥) .
وذكَر إسحاقُ الأزرقُ ، عن شريك، عن أبى إسحاقَ ، عن مالكِ بنِ
زُبَيْدٍ (١) ، قال: حجَجْنا، فلما قضَينا نُسُكَنا مرَرْنا بأبى ذرٍّ، فقال لنا : استأنِفوا
القبس
(١) فى ح، هـ: ((منفضين)). ومنقصفين: أى مزدحمين على رجل حتى كأن بعضهم يقصف
بعضا. ينظر شرح الزرقانى ٥٣٢/٢.
(٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٥/٥ ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٤٥٤). وأخرجه
عبد الرزاق (٨٨٠٥) من طريق مالك به .
(٣) أخرجه ابن سعد ٢٣٢/٤، وابن عساكر فى تاريخه ٤١٢/٢١ بنحوه.
(٤) تقدم فى الموطأ (٧٨٠) .
(٥) أخرجه أحمد ٣٨/١٢ (٧١٣٦)، والبخارى (١٨١٩)، ومسلم (١٣٥٠) من حديث أبى هريرة .
(٦) فى النسخ: ((دينار)). والمثبت من مصدر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ١٤٣/٢٧.
٩٤
الموطأ
٩٧٤ - مالكٌ، أنه سأل ابنَ شهَابٍ عن الاستثناءِ فى الحَجِّ،
فقال: أَوَ يَصنَعُ ذلك أَحَدٌ ؟! وأُنكَرَ ذلكَ.
العملَ ، فقد كُفِيتُم ما مضَى (١).
الاستذكار
حدَّثنا عبدُ الوارثِ، حدَّثنا قاسمٌ، حدَّثنا ابنُ أبى مَسَّةً(١) ، حدَّثنا ابنُ أبی
أَويسٍ ، قال: حدَّثنى أبى، عن عمِّ أبيه (١ ربيع بنِ مالك، عن أبيه ، عن جَعْوَنةً بنِ
شعوبٍ () الليثى، قال : خرجتُ مع عمر بن الخطابِ ، فنظر إلی ر کب صادرِین
مِن الحجّ، فقال: لو يعلَمُ الرَكْبُ ما يَنْقلِبون به مِن الفضلِ بعدَ المغفرةِ
لاتَّكَلوا (٥) ، ولكن ليستأيِفوا العملَ(٦).
وإذا كان هذا، فليأتنفِ العملَ كلُّ مَن حجّ حجًا مبرورًا، فطُوبِى لمَن وُفِّق
بعدَ ذلك للعملِ الصالحِ .
رُوِى عن١٢ سفيان الثورىِّ، أنه قال لمَن سأله - حينَ دفَع الناسُ مِن عرفةً
إلى المُزدلفةِ - عن أخسرِ الناسِ صَفْقَةً، وهو يُعرِّضُ بأهلِ الفسقِ والظَّلمةِ،
فقال: أخسرُ الناسِ صَفْقَةً مَن ظنَّ أن الله لا يغفرُ لهؤلاء.
مالكٌ، أنه سأل ابنَ شهابٍ عن الاستثناءِ فى الحجّ، فقال: أوَ يصنعُ ذلك
القبس
(١) أخرجه الفاكهى فى أخبار مكة ٤٣٤/١ (٩٤٥) من طريق إسحاق به .
(٢) فى ح، م: ((ميسرة)).
(٣) بعده فى ح، م: ((حدثنا قاسم بن أبى ميسرة عن))، وبعده فى هـ: ((حدثنا قاسم حدثنا ابن
أبى مسرة عن)). وهو تكرار، والمثبت من مصدر التخريج، وينظر الإصابة ٥٣٧/١.
(٤) فى ح، هـ: ((سعوب)). والمثبت من مصدر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٢٩/ ٢٨١.
(٥) فى ح: ((لا يكلفون))، وفى هـ: ((لا تكلفوا))، وفى م: ((لا يكلفوا)). والمثبت من شرح
الزرقانى ٥٣٢/٢.
(٦) أخرجه الفاكهى فى أخبار مكة ٤٣٤/١، ٤٣٥ (٩٤٧) عن ابن أبى مسرة به .
(٧) سقط من النسخ . والمثبت يقتضيه السياق .
٩٥
الموطأ
الاستذكار أحدٌ ؟! وأنكر ذلك(١).
قال أبو عمرَ: يريدُ بقوله : الاستثناءِ. أن يشترطَ ويستثنىَ، فيقولَ عندَ
إحرامِه : لِيك اللهمَّ لبيك حجًّا أو عمرةً، إلا أن يمنعَنى منه ما لا أُقدِرُ على
النهوضِ، فيكونَ مَحِلَّى حيثُ حبَستَنى ولا شىءَ علىَّ. فإذا قال ذلك كان له
شرطُه وما استثنا ، إن نابَه شىءٌ أو عاقَه عائقٌ ، يكونُ محِلُّه فى ذلك الموضع ولا
شىءَ عليه. وهذه المسألةُ اختلف العلماءُ فيها قديمًا وحديثًا؛ فقال مالك :
الاشتراطُ فى الحجّ باطلٌ، ويمضِى على إحرامِه حتى يُتِمَّه على سُنَّتِه، ولا ينفعُه
قولُه: محِلِّى حيثُ حبَستَنى . وبه قال أبو حنيفةَ والثورىُّ، وهو قولُ إبراهيمَ
النخعىّ وابنِ شهابِ الزهرىِّ، وهو قولُ ابنِ عمرَ .
ذكَر عبدُ الرزاقٍ : أخبرنا معمرٌ، عن الزهرىِّ ، عن سالم ، عن أبيه ، أنه كان
ينكِرُ الاشتراطَ فى الحجّ ، ويقولُ: حَسْبُكم سُنَّةُ رسولِ اللهِ وَالّ أنه لم يشترِطْ ،
فإن حبَس أحدَكم عن الحجّ حابسٌ، فطاف بالبيتٍ ، فَلْيَطُفْ بينَ الصفا
والمروة ، ولیحلِقْ وُقصِّر، وقد حلَّ من کلِ شىءٍ حتی یحُجّ قابلاً ، وُهدِی أو
يصومُ إن لم يجِدْ هَدْيًا (١) . وقال الشافعىُّ: إن ثبت حديثُ ضُباعةً لم أَعْدُه .
ومنهم مَن يقولُ: الاشتراطُ باطلٌ ١ . وروِى عن سعيدِ بنِ جبيرٍ وطاوسٍ،
.. القبس
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (١٤٥٩).
(٢) تقدم تخريجه فى ٥١٤/١٠ .
(٣) سقط من: ح .
٩٦
قال يحيى: سُئِل مالكٌ: هل يَحتَشُّ الرجلُ لداَّتِه من الحَرَمِ ؟
فقال : لا .
الموطأ
الاستذكار
أنهما أنگرا الاشتراطَ فی الحجّ، وذهبا فیه مذهبَ ابنِ عمرَ .
وقال أحمدُ ، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ، وداودُ: لا بأسَ أن يشترطَ ، وينفعُه
شرطُه ، على ما روِى عن النبىِّ عليه السلامُ وعن غيرٍ واحدٍ مِن الصحابةِ(١)
قال أبو عمرَ : روِى الاشتراطُ فى الحجّ عندَ الإحرامِ عن علىٍّ، وعمرَ،
وعثمانَ ، وابنِ عباسٍ ، وابنٍ مسعودٍ ، وعمارٍ ، وجماعةٍ مِن التابعين بالمدينةِ ؛
منهم سعيدُ بنُّ المسيَّبِ وعروةُ ، وبالكوفةِ ؛ منهم علقمةُ، وعَبيدةُ السلمانیُ ،
وشریٹ ، وهو قولُ عطاءِ بنِ أبی رباح. کلّ ذلك مِن کتابٍ عبد الرزاقِ وابنِ أُبی
.(١)
شيبة .
قال أبو عمرَ : وأجمعوا أنه لا يُخْتَشُّ فى الحرم إلا الإذخِرُ الذى أذِن النبىُّ
عليه السلامُ فى قطعِه ؛ فإن الجميعَ يُجِيزون أخذَه، ويقولون : أذِن النبىُ عليه
السلامُ فى قطع الإذخِرِ (١) . وأجمعوا أنه لا يَرْعى إنسانٌ فى حشيشٍ الحرمِ؛ لأنه
لو جاز أن يَرْعَى جاز أن يَخْتَشَّ . وقال الشافعىُّ: يُقطعُ السواكُ مِن فرع الشجرةِ،
ويؤخذُ منها الثمرُ والورقُ للدواءِ، إذا كان لا يُمِيتُها ولا يضُرُ بها؛ لأن هذا
يُستخلَفُ ، فيكونُ كما كان، وليس كالذى يُنزُ أصلُه. قال: وأكرهُ أن يُخرَجَ
مِن حجارةٍ الحرمٍ وترابِه شىءٌ إلى غيرِهِ ؛ للحُرْمةِ التى ثبتت له، فأمَّا ماءُ زمزمَ فلا
القبس
(١) تقدم فى ٥١٤/١٠، ٥١٥ .
(٢) أخرجه البخارى (١٨٣٤)، ومسلم (٤٤٥/١٣٥٣)، والنسائى (٢٨٧٤) من حديث ابن عباس .
٩٧
( موسوعة شروح الموطأ ٧/١٢ )
الموطأ
حجّ المرأةِ بغيرِ ذى محرمٍ
٩٧٥ - قال يحيى : قال مالكٌ فى الصَّرُورَةِ من النساءِ التى لم تَحُجّ
قطُ ، أنها إن لم يَكُنْ لها ذو مَخْرَمٍ يخرُجُ معَها ، أو كان لها فلم يستَطِعْ
أن يخرجُ معَها؛ أنها لا تتركُ فريضةَ اللهِ عليها فى الحَجّ ، ولْتخرُجْ فى
جماعةِ النساءِ .
الاستذكار أکرهُ الخروج به . وقال أبو ثورٍ فى ذلك کلّه نحو قوله، وهو معنى قول مجاهد
وعطاءٍ .
بابُ حجّ المرأةِ بغيرِ ذى محرمٍ
قال مالكٌ فى الصّژُورةِ مِن النساءِ التى لم تَحُجّ قطّ ، أنها إن لم یکنْ لها ذو
مَحْرِمٍ يخرُجُ معها ، أو كان لها فلم يستطع أن يخرجَ معها؛ أنها لا تتركُ فريضةً
اللهِ فى الحجّ، ولْتخرُجْ فى جماعةِ النساءِ () .
قال أبو عمرَ: قال اللهُ تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنِ أَسْتَطَاعَ
ج
إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧]. فدخَل فى ذلك الرجال والنساءُ المستطيعون إليه
سبيلاً. وقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم: ((لا تسافرِ المرأةُ إلا مع ذى
مَخْرٍ منها))(٢).
واختلفت ألفاظُ هذه الأحاديثِ فى هذه المسألةِ، وسنبيِّنُ ذلك فی
القبس
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (١٤٥٨).
(٢) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٩٠٢) من الموطأ .
٩٨
الموطأ
موضعِه مِن حديثٍ مالكِ إن شاء اللهُ. واختلف الفقهاءُ؛ هل يكونُ الاستذكار
المَخْرمُ مِن السبيلِ للمرأةِ أم لا؟ فقال مالكٌ ما رسَمه فى ((موطئِه))،
ولم يُختَلَفْ فيه عنه ولا عن أصحابِهِ، وهو قولُ الشافعىِّ، فى أنها
تخرُجُ فيه مع جملةِ النساءِ. قال: ولو خرَجت مع امرأةٍ حرةٍ (١) مسلمةٍ
ثقةٍ، فلا شىءَ عليها. وقال ابنُّ سيرينَ: جائزٌ أن تَحُجَّ مع ثقاتٍ
المسلمين مِن الرجالِ(١) . وهو قولُ الأوزاعيّ؛ قال الأوزاعىُّ: تَخْرُجُ
مع قومٍ عُدولٍ، وتتخذُ سُلَّمًا تصعدُ عليه وتنزِلُ، ولا يقرَبُها
رجلٌ .
وكلُّ هؤلاء يقولُ : ليس المحرَمُ للمرأةِ مِن السبيلِ. وهو مذهبُ عائشةً؛
لأنها قالت : ليس كلُّ امرأةٍ لها ذو محرم، أو تجِدُ ذا محرمٍ .
ذكَر عبدُ الرزاقِ ، قال: حدَّثنا معمرٌ، عن الزهرىِّ، عن عَمْرةَ، قالت :
أُخْبِرتْ عائشةُ ("أن أبا سعيدٍ يُفْتِى٣) ألَّ تسافرَ امرأةٌ فوقَ ثلاثٍ إلا مع ذى مَحرَّمٍ .
فقالت عائشةُ: "ما كلُّ الناسِ يجدون) ذا مَحرَّمٍ .
قال: وأخبرنا معمرٌ، وابنُ التيميّ، أنهما سمِعا أيوبَ يحدِّثُ، عن ابنٍ
سيرينَ ، أنه سُئِل عن المرأةِ تحُجُّ مع غيرِ ذى مَحرَمٍ ، فقال : رُبَّ مَن ليس بذى
القبس
(١) فى النسخ: ((واحدة)). والمثبت مما سيأتى فى شرح الحديث (١٩٠٢).
(٢) سيأتى فى شرح الحديث (١٩٠٢) من الموطأ .
(٣ - ٣) فى ح، م: ((تفتی)).
(٤ - ٤) فى ح: ((ما كل النساء يجدون))، وفى م: ((تجدون)).
٩٩
الموطأ
الاستذكار مَحرَمٍ خيرٌ مِن مَحرَّمِ .
وقالت طائفةٌ : المَخْرمُ للمرأةِ مِن السبيلِ ، فإذا لم يكن معها زوجها ولا ذو
محرمٍ منها ، فليس عليها الحجُ ؛ لأنها لم تجدِ السبيلَ إليه .
وممن ذهب إلى هذا الحسنُ البصريُّ، وإبراهيمُ النخعىُ(١) ، وأبو حنيفةَ
وأصحابُه، وهو قولُ أحمدَ ، وإسحاقَ، وأبى ثورٍ ، إلا أن الأثرمَ روَى عن أحمدَ ابنِ
حنبلٍ ، أنه قال: أرجو فى الفريضةِ؛ لأنَّها (١) تَخْرُجُ إليها مع النساءِ و كلِّ مَن تأمَنُه.
قال أبو عمرَ : حُجَّةُ مَن رأى المَحرمَ مِن السبيلِ ظاهرُ قولِه عليه السلامُ:
(( لا تسافرِ المرأةُ إلا مع ذى مَحرمٍ)). وقد روِى: ((لا تحُجَّ امرأةٌ إلا مع ذى
مَحرمٍ)) .
ذكَر عبدُ الرزاقِ(٤) ، قال : حدَّثنا ابنُ جريجٍ، عن عمرو بن دينارٍ ، قال :
أخبرنى عكرمةُ أو (٥) أبو مَعْبَدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: جاء رجلٌ إلى المدينةِ ،
فقال له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم: ((أين نزَلْتَ؟)). فقال: على
فلانةَ . فقال: ((أُغلَقَتْ عليك بابَها - مرّتَين - لا تَحُجَّنَّ امرأةٌ إلا ومعها ذو
مَحرمٍ)).
القبس
(١) سيأتى فى شرح الحديث (١٩٠٢) من الموطأ .
(٢) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٤/ ٤، والمحلى ٢٣/٧.
(٣) فى النسخ: ((أن)). والمثبت مما سيأتى فى شرح الحديث (١٩٠٢)، والمغنى ٣١/٥.
(٤) عبد الرزاق - كما فى المحلى ٣٠/٧ ، وفتح البارى ٤ / ٧٥.
(٥) فى النسخ: ((و)). والمثبت من مصدرى التخريج.
١٠٠