Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَؤْسُؤْعَةٌ
شروع الموظّا
لِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَس
المتوفى سنة ١٧٩هـ
التَّهِيْدُ وَالاسْتِذِكَارُ
الأِ عَ بُوسُفَ بْع ◌َدِهِن ◌َّ الّ
المتوفى سنة ٤٦٣ هـ
القَلَسُ
لأبى بكرٍ محمّدِ بْ عَبْدِاللّهِ ابْ العَرينَ المالكىّ
المتوفى سَنَّة ٥٤٣ هـ
حقیں
الدّكتور / عَبْد اللَّهبن عبدالمُحْسِ التركيّ
بالتّاؤُكُ مَعَ
مركز مجر البحوث والدراسية العربية والإسلامية
الدكتور / عبد السند حسن يمامة
الجزء الثانى عشر
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
القاهرة ١٤٢٦هـ - ٢٠٠٥ م
مَوْسُوْعَةُ
شروع المُوَطَّا
ء
.
الموطأ
جامع الحجّ
٩٦٢ - مالكٌ ، عن ابن شهابٍ ، عن عيسى بن طلحةً، عن عبدِ اللهِ بنِ
عمرو بنِ العاصى ، أنه قال: وقَف رسولُ اللهِ وَّاه للناس بمنَّى والناسُ يسألونه،
فجاءه رجلٌ فقال له : يا رسولَ اللهِ ، لم أشعُرْ فحلَقتُ قبلَ أن أنحَرَ؟ فقال رسولُ
اللهِ وَّ: ((انحَرْ ولا حَرَجَ)). ثمَّ جاءَه آخرُ فقال: يا رسولَ اللهِ، لم أشغُرْ
فنحَرتُ قبلَ أن أرمِىَ؟ قال: ((ارْم ولا حَرَجَ)). قال: فما سُئِل رسولُ اللهِ وَه
عن شىءٍ قُدِّم ولا أُخِّر إلا قال: ((افعَلْ ولا حَرَجَ)).
مالكٌ ، عن ابنٍ شهابٍ، عن عيسى بن طلحةَ بنِ عبيدِ اللهِ ، عن عبدِ اللهِ التمهيد
ابنِ عمرٍو قال: وقَف رسولُ اللهِ وَّهِ للناسِ فى حَجَّةِ الوَدَاعِ بِمِنْى يسألونَه،
فجاءَ رجلٌ فقال: يا رسولَ اللهِ ، لم أشْعُرْ فحَلَقْتُ قبلَ أن أذْبَحَ؟ فقال رسولُ اللهِ
وَالَ: ((اذْبَحْ ولا حَرَجَ)). فجاءآخَرُ فقال: يا رسولَ اللهِ، لم أَشْعُرْ فَتَحَوْتُ قبلَ
أن أزْمِىَ؟ قال: ((ارْمِ ولا حَرَجَ)). قال: فما سُئِل رسولُ اللهِ وَلَّه عن شىءٍ قُدِّم.
القبس
(١) قال أبو عمر: ((قد ذكرنا أباه فى كتاب ((الصحابة)) فلا وجه لذكره هلهنا. وعيسى بن طلحة هذا ، مدنى
تابعى ثقة ، روى عنه ابن شهاب ، ومحمد بن إبراهيم بن الحارث التيمى ، ومحمد بن عبد الرحمن مولى آل
طلحة ، وغيرهم . وأمه سعدى ابنة عوف بن خارجة بن سنان بن أبى حارثة ، وهو شقيق يحيى بن طلحة . قال
الزبير: كان عيسى بن طلحة صديقًا لعروة بن الزبير. وذكر خبره فى تعزيته له فى رجله . قال : وأخبرنى مصعب
ابن عثمان، قال : قيل لعيسى بن طلحة: ما الحلم؟ قال: الذل. وتوفى عيسى بن طلحة بن عبيد الله سنة مائة .
لمالك عن ابن شهاب عن عيسى هذا حديث واحد مسند فى ((الموطأ)))). تهذيب الكمال ٦١٥/٢٢.
٥
الموطأ
ولا أُخِّر إِلَّ قال: ((افْعَلْ ولا حَرَجَ)) (١).
التمهيد
هذا حديثٌ صحيحٌ لا يُخْتَلَفُ فى إِسْنادِه، ولا أعلمُ عن مالكِ اخْتِلافًا فى
ألفاظِه، إلَّ ما رَواه يحيى بنُ سَلَّام، عن مالكِ. ذكَرَه الدار قطنىُ ، عن الحسنِ
ابنِ رَشِيقٍ .
:
" وقد حدَّثناه علىُ بنُ إبراهيمَ ، عن " الحسنِ بنِ رَشيقٍ ، عن يوسفَ بنِ
عبدِ الأحدِ ، عن سليمانَ بِهِ شعيبٍ، عن يحيى بنِ سَلَامٍ، عن مالك، عن
الزهرىِّ، عن عيسى بنِ طلحةً، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو، أنَّ رسولَ اللهِ مَّلآل وقَف
للناسِ فِى حَتَّةِ الوَداع ، فقال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ ، حَلَقْتُ قبلَ أن أذبحَ؟ قال :
((اذْبَعْ ولا حَرَجَ)). قال آخَرُ: يا رسولَ اللهِ، ذَبَحْتُ قبلَ أن أرْمِىَ؟ قال: ((ارْمِ
ولا حَرَجَ )). قال آخَرُ: يا رسولَ اللهِ، طُفْتُ بالبيتِ قبلَ أن أَذْبَحَ؟ قال: ((اذْبَعْ
ولا حَرَجَ)). قال: فما سُئِل عن شىءٍ قُدِّمَ ولا أَخَّرَ إلَّا قال: ((لا حَرجَ، لا
حَرَجَ )). ولم يَقُلْ أَحَدٌ فى هذا الحديثِ: طُفْتُ بالبيتِ قبلَ أنْ أَذْبَحَ. إِلَّ يحيى
ابنُ سَلَّامٍ، ولم يُتَابَعْ عليه . وهكذا رَوَاه جمهورُ أصْحابِ ابنِ شهابٍ كما رَواه
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٥٠١)، وبرواية يحيى بن بكير (١٥/٥ و - مخطوط)، وبرواية
أبى مصعب (١٤٥٠). وأخرجه أحمد ٤٠٥/١١ (٦٨٠٠)، والدارمى (١٩٤٩)، والبخارى
(٨٣، ١٧٣٦)، ومسلم (٣٢٧/١٣٠٦)، وأبو داود (٢٠١٤)، والنسائى فى الكبرى (٤١٠٨،
٤١٠٩) من طريق مالك به .
(٢ - ٢) سقط من: م.
(٣) فى الأصل: ((بن)). وهو إسناد دائر.
٦
الموطأ
مالكٌ فى ((مُوَطِّهِ)). وزاد فيه (صالِحُ بنُ أبى الأخْضَرِ) ، عن ابن شهابٍ : التمهيد
وَقَف رسولُ اللهِ وَله على ناقَتِهِ(١). ولهذا مع (١) ما رُوِى عنه ◌َّ مِن حديثٍ
جابِرٍ(٤) ما اسْتَحَبَّ العلماءُ، واللهُ أعلمُ، أنْ يَرْمِىَ الرجلُ جَمْرَةَ العَقَبَةِ راكبًا .
وممَّن اسْتَحَبَّ ذلك؛ مالكٌ، والشافعىُ، وجماعَةٌ. قال مالكٌ رَحِمه اللهُ :
يَرْمِى جَمْرَةَ العَقَبَةِ يومَ النحرِ راكِبًا، وفى غيرِ يومِ النحرِ ماشِيًا .
وفى هذا الحديثِ مِن الفِقْهِ وُجوةٌ كثيرةٌ مِن أحكامِ الحَجّ ؛ منها ما أجْمَعوا
عليه، ومنها ما اخْتَلَفوا فيه؛ فأمّا قولُه: فحَلَقْتُ قبلَ أن أَذْبَحَ. فإِنَّ العلماءَ
مُجْمِعون كافَّةً عن كافَّةٍ أنَّ واجِبًا على المحرم ألَّا يَأْخُذَ مِن شَعَرِه شيئًا مِن حينٍ
يُخْرِمُ بالحجِ إلى أن يَرْمِىَ جَمْرَةَ العَقَبَةِ فِى وَقْتِ رَمْيِها، فإِنِ اضْطُرَّ إِلى حَلْقِ شَعَرِهِ
لضَرورةٍ لازِمَةٍ ، فالحُكْمُ فيه ما نَصَّ اللهُ فی کِتابِه وبِنَه رسولُ اللهِ مَلآ فى
حديثٍ كَغْبٍ بنِ عُجْرَةً(٥) ، وقد شَرَخْنا ذلك فيما تَقَدَّمَ مِن كِتابِنا هذا. وأجْمَعوا
أنَّ النبيَّ ◌َِّ حَلَقَ رَأْسَه فى حَبَتِه بعدَ (١) رَمْي جَمْرَةِ العَقَبَةِ يومَ النحرِ، بعدَ أنْ
نَحَر، وقال: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ للمحَلِّقِين))(٢). وأجْمَعوا أنَّ التَّقْصِيرَ يُجْزِئُ من
القبس
(١ - ١) كذا فى النسخ، وفى مصادر التخريج: ((صالح بن كيسان)).
(٢) أخرجه أحمد ٦٠١/١١، ٦٠٢ (٧٠٣٢)، والبخارى (١٧٣٨)، ومسلم (١٣٠٦) عقب
الحديث (٣٢٨) من طريق صالح بن كيسان، عن ابن شهاب به .
(٣) ليس فى: الأصل.
(٤) سيأتى تخريجه ص١٤ .
(٥) تقدم فى الموطأ (٩٥٧ - ٩٥٩).
(٦) بعده فى م: ((ما)).
(٧) ينظر ما تقدم فى الموطأ (٩٠٥)، وفى ٣١٠/١١ - ٣١٣.
٧
الموطأ
التمهيد الحَلْقِ، لمَن لم يُلَبِّدْ ولم يَعْقِصْ(١) ولم يَضْفِرْ. وأُجْمَعوا أنَّ الحِلَاقَ أَفْضَلُ مِن
التَّقْصِيرِ ، وأَنْ ليس على النِّساءِ حَلْقٌ، وأنَّ سُنَتَهُنَّ التَّقْصِيرُ.
ورؤَى أَنشُ بنُ مالكِ، أنَّ رسولَ اللهِ وَ لَهَ رَهَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ يومَ النحرِ ،
ونَحَرِ بُدْنَه، أو أمَرَ بها فنُحِرَتْ، وقال للخَلَّقِ: ((دُونَك)). فحَلَق شِقَّه الأيمنَ،
ثم الشِّقَ الأيسرَ، وناوَلَ شَعَرَ أَحَدِ الشِّقَّيْنِ أبا طلحةَ، وقسَمَ الآخَرَ بينَ مَن يَلِيه
الشعَرَةَ والشعَرَتَيْن. وهذا الحديثُ رَواه هشامُ بنُ حسانَ، عن محمدِ بنِ
سيرينَ ، عن أنسٍ بنِ مالكٍ(١) . وعلى العَمَلِ به جماعَةُ المسلمين ، إلّ ما كان مِن
قَسْمِ الشَّعَرِ؛ فإنَّ ذلك لرسولِ اللهِ وَلِّ خاصَّةً تَبَرُّكًا به . وجعل أبو بكرٍ بنُ أبى
شيبةً(١)، عن حَفْصٍ بنِ غياثٍ ، عن هشامٍ فى هذا الحديثِ مَوْضِعَ أبى طلحةَ أَمَّ
سُلَيْمٍ زوجَتَه . وسائِرُ مَن رَواه يقولون: إنَّه حَلَق شِقَّه الأيمنَ ، وأعطاه أبا طلحةً .
ورُبَّما قال بعضُهم: إنَّ الذى حلَقَ مِن شِقٌّ(٤) رأسِه الأيْسَرِ هو الذى أعطاه أبا
طلحةً .
فلا خِلافَ بينَ العلماءِ أنَّ سُنَّةَ الحاجّ أنْ يَرْمِىَ جَمْرَةَ العَقَبَةِ يومَ النَّحْرِ،
القبس
(١) أصل العقص اللَّى وإدخال أطراف الشعر فى أصوله. النهاية ٣/ ٢٧٥.
(٢) أخرجه أحمد ١٤٤/١٩ (١٢٠٩٢)، ومسلم (٣٢٣/١٣٠٥، ٣٢٥، ٣٢٦)، وأبو داود
(١٩٨١، ١٩٨٢)، والترمذى (٩١٢)، والنسائى فى الكبرى (٤١٠٢، ٤١١٦)، وابن خزيمة
(٢٩٢٨) من طريق هشام به .
(٣) ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٣٥٤ مختصرًا - وعنه مسلم
(٣٢٤/١٣٠٥) .
(٤) فى م: ((شعر)).
٨
الموطأ
ثم يَنْحَرَ هَدْيًا إن كان معه، ثم يَحْلِقَ رأْسَه . فمَن قدَّم شيئًا مِن ذلك عن التمهيد
مَوْضِعِه أو أخّرَه، فللعلماءِ فى ذلك ما نَذْكُرُه بعونِ اللهِ وحولِه إن
شاء اللهُ .
وَقْتُ رَمْىِ جَمْرَةِ العَقَبَةِ يومُ النَّخْرِ ضُحَّى بعدَ طُلُوع الشمسِ إلى
الغُروبِ. وأجْمَع علماءُ المسلمين على أنَّ رسولَ اللهِ وَلَّ إِنَّمَا رَمَاها
ضُحَى ذلك اليوم. وأجْمَعوا أيضًا أنَّ رسولَ اللهِ نَّه لم يَرْمِ مِن
الجَمَراتِ يومَ النَّحْرِ غيرَ جَمْرَةِ العَقَبَةِ. وأَجْمَعوا على أنَّ مَن رَمَاها مِن
طُلوعِ الشمسِ إلى الزَّوالِ يومَ النَّخْرِ فقد أصاب سُنَّتُها ووَقْتَها المخْتَارَ.
وأجْمَعوا أنَّ مَن رَمَاها يومَ النَّخْرِ قبلَ المغيبِ فقد رَماها فى وَقْتٍ لها،
وإن لم يكنْ ذلك مُستحبًا(٢) له.
واخْتَلَفوا فيمَن أَخَّرَ رَمْيَها حتى غَرَبَتِ الشمسُ مِن يومِ النحرِ ؛ فَذَكَر ابنُ
القاسِم أنَّ مَالِكًا رحِمه اللهُ كان مَرَّةً يقولُ : عليه دَمْ . ومرَّةٌ لا يَرَى عليه شيئًا .
قال: وقد تأخَّرَتْ صَفِيَّةُ امرأةُ ابنِ عمرَ على ابنةِ أخيها (١) حتى أَتَتْ مِنَّى بعدَما
غابَتِ الشمسُ، فَرَمَتْ يومَ النَّحْرِ ، ولم يَتْلُغْنا أنَّ ابنَ عمرَ أمَرَها بشىءٍ(٤). ذكَرَ
ذلك أبو ثابتٍ، عن ابنِ القاسِم. وقال الثورىُّ: مَن أَخَّرَها عامِدًا إلى الليلِ فعليه
دَمْ. وقال أبو حنيفةً وأصحابُه والشافعىُ: يَرْمِيها مِن الغَدِ، ولا شىءَ
القبس
(١ - ١) ليس فى: الأصل.
(٢) فى م: ((مستحسنًا)).
(٣) فى الأصل: ((أختها)).
(٤) تقدم فى الموطأ (٩٤٠).
٩
الموطأ
التَمَهَيد عليه، وقد أساء إن(١)١) ترَكّها عامِدًا، والناسى لا شىءَ عليه. وقد قيل: على
العامِدِ لذلك دمٌ .
واخْتَلَفوا فيمَن رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ فى غيرِ وَقْتِها قبلُ أو بعدُ ؛ فأمَّا اخْتِلافُهم
فيمَن رَماها قبلَ طُلوع الفجرِ يومَ النحرِ ، فأكثرُ العلماءِ على أنَّ ذلك لا يُجْزِئُ ،
وعلى مَنِ فَعَله الإِعادَةُ . وهو قولُ مالك ، والثورىِّ ، وأبى حنيفةً وأصحابه، وأُبی
ثورٍ ، وأحمدَ بنِ حنبلٍ ، وإسحاقَ. وقال مالكٌ فى ((الموطأُ))(١) ، أنَّه سَمِع بعضَ
أهلِ العِلْمِ يَكْرَهُ رَمْىَ جمرة العقبةِ حتى يَطْلُعَ الفجرُ مِن يومِ النحرِ. قال : فإن رَمَی
قبلَ الفجرِ فقد حَلَّ له النَّخْرُ. قال مالكٌ: ولم يَتْلُغْنَا أنَّ رسولَ اللهِ وَلَهِ أَرْ خَصَ
لأَحَدٍ أن يرميّها قبلَ الفَجْرِ، فمَن رَماها فقد حَلَّ له الحَلْقُ . وقال عطاءُ بنُّ أبى
رباحٍ، وابنُ أبى مُلَيْكَةَ ، وعكرمةُ بنُ خالِدٍ ، وجماعَةُ المكبين، فى الذى يَزْمِی
جمرةَ العَقَبَةِ قبلَ طُلوع الفجرِ : إِنَّ ذلك يُجْزِئُ ، ولا إعادَةَ على مَن فَعَل
ذلك(٤) . وبه قال الشافعىُّ وأصْحابُه، إذا كان الرَّمْىُ بعدَ نِصْفِ الليلِ. قال
الشافعىُّ: وكذلك إِن نَحَر بعدَ نِصْفِ الليلِ وقبلَ الفجرِ أجْزَاه. ورُوِى عن أسماءَ
بنتِ أبى بكرٍ أَنَّها كانتْ تَزْمِى الجِمارَ بالليلِ (٥) .
القبس
(١ - ١) فى م: ((إن كان)).
(٢) بعده فى الأصل: ((وإن)).
(٣) الموطأ عقب الأثر (٨٩٥).
(٤) ينظر مصنف ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٣٥٧.
(٥) تقدم تخريجه فى ٢٦٤/١١ .
١٠
الموطأ
واحْتَجَّ الشافعىُّ(١) بحديثٍ أُمّ سلمةَ، فقال: أخبرنا داودُ بنُ(٢) عبدِ الرحمن التمهيد
وعبدُ العزيزِ بنُ محمدِ الدَّرَاوَزْدِىُّ، عن هشام بن عروةَ، عن أبيه، قال :
دار رسولُ اللهِ نَّهِ إِلى أَمِّ سلمةَ يومَ النَّحْرِ، فأمَرِها أن تُعَجِّلَ الإِفاضَةً مِن
جَمْع حتى تَزْمِىَ الجمرةَ وتُوافِىَ صلاةَ الصبح بمكةً، وكان يومَها ، وأحَبَّ
أن تُوافِیَه .
قال(١) : وأخبرنا الثّقَةُ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، عن زينبَ بنتِ أُمِّ
سلمةَ، عن أُمِّ سلمةَ، عن النبيِّ ◌َِّ مثلَه. قال الشافعىُّ: وهذا لا يكونُ إِلَّ وقد
رَمَتِ الجَمْرَةَ قبلَ الفجرِ بساعةٍ .
قال أبو عمرَ: كان أحمدُ بنُّ حنبلٍ يدْفَعُ حديثَ أَمِّ سلمةَ هذا ويُضَعَّفُه .
وأمّا اخْتِلافُهم فى رَمْي جمرة العقبةِ بعدَ طُلوعِ الفجرِ وقبلَ طُلوعِ الشمسِ؛
فإِنَّ أكثرَ الفقهاءِ يُجيزون ذلك، وممَّن أجازَه؛ مالكٌ، والشافعىُّ، وأبو حنيفةَ،
ومَن قال بقولِهم. "وقال الثورىُّ: إن رمَاها قبلَ طُلوع الشمسِ أعادَها) . وقال
أبو ثَوْرٍ : إن اخْتَلفوا فى رَمْيِها قبلَ طُلوعِ الشمسِ لم تُجْزِئْ مَنْ رَمَاها، وكان
عليه الإِعادَةُ، وإن أُجْمَعوا سلَّمْنا للإجماع. وحَُّتُه أنَّ رسولَ اللهِ وَلَّهِ رَمَاها
بعدَ طُلوع الشمسِ، فمَن رَمَاها قبلَ طُلوع الشمسِ كان مُخَالفًا للسُنَّةِ ، ولَزِمه
القبس
(١) الشافعى ٢١٣/٢.
(٢) بعده فى م: ((داود بن)). وينظر تهذيب الكمال ٤١٣/٨.
(٣ - ٣) سقط من: م.
١١
الموطأ
التمهيد إِعادَتُها فى وَقْتِها؛ لأنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ جَعَل لها وَقْتًا، فَمَن تَقَدَّمَه لم يُجْزِئْه.
وزَعَم ابنُ المنذرِ أَنَّه لا يَغْرِفُ خِلافًا فيمَن رَمَّاها قبلَ طلوع الشمسِ وبعدُ الفجر
أنَّه يُجْزِئُه . قال: ولو عَلِمْتُ فى ذلك خِلافًا لأُوْ جَبْتُ على فاعِلِ ذلك الإعادةً .
ولم يَعْرِفْ قولَ الثورىِّ(١) الذى حكَيْنا. وقد ذكره الطحاوىُّ، عن الثورىِّ، وقد
ذكّرَه ابنُ خوازِبندادَ(٢) أيضًا .
فهذا حُكْمُ جَمْرَةِ العَقْبَةِ التى تُوْمَى يومَ النَّحْرِ، ولا يُؤْمَى مِن الجِمارِ يومَ
النحرِ غيرُها، وهى رُكْنٌ مِن أركانِ الحَجِّ، ولو وَطِئَ المحرمُ قبلَ رَمْيِها لَفسَد
حَجُّه عندَ مالكِ وأصْحابِهِ ، فإن وَطِئَ بعدَ رَمْي جَمْرَةٍ العقبةِ وقبلَ الإفاضَةِ فعليه
عندَهم أن يَعْتَمِرَ ويُهْدِىَ، وإنَّما أمَروه بالعمرةِ ليكونَ طَوافُه للإفاضَةِ فى إحرامٍ
صحیح . وهذا هو المشهورُ مِن مذهب مالك عند أصحابه . وذكر ابنُ أُبی حازِمِ
أنَّ مالكًا رجَع عن هذا القول إلى أن قال: مَن وَطِئَ بعدَ رَمْي جمرة العقبةِ وقبلَ
الإفاضَةِ فعليه هَدْىُ بدنةٍ لا غيرُ، ومَن وَطِئَ قبلَ جمرةِ العقبةِ وبعدَ الوُقُوفِ بعرفةً
اعْتَمَر وأهْدَى وأَجْزَأُ عنه . هذه روايةُ ابنِ أبى حازِمٍ عن مالكِ، وهى رِوايَةٌ شادَّةٌ
عندَ المالكيِّين لا يَعْرِفونها، والمعروفُ عندهم ما قَدَّمْنا ذكرَه، وعلى روايةٍ
ابنِ أبى حازم" عن مالكٍ جماعَةٌ مِن العلماءِ؛ منهم الشافعىُّ، وأبو حنيفةً،
٠
القبس
(١) فى م: ((أبى ثور)).
(٢) فی م: ((خواز منداد)).
(٣ - ٣) فى الأصل: ((القاسم)).
١٢
الموطأ
التمهيد
والثورىُّ، والأوزاعىُ(١).
وقد روَى مالكٌ(١)، عن أبى الزبيرِ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ فى الذى يَطَأُ
أهلَه بعدَ رَمْي جمرة العقبةِ وقبلَ أن يُفِيضَ، أَنَّه يَنْحَرُ بدنةً ويُجْزِئُه .
ورَوَى عن ثورِ بنِ زيدٍ ، عن عكرمةَ - أظُتُّه عن ابنِ عباس - أنَّه يَعْتَمِرُ
ويُهْدِى(٢) . وروايةُ ثورٍ عن عكرمةً فى هذا ضعيفةٌ؛ لأنَّ أيوبَ روَى عن عكرمةَ
أَنَّه قال : ما أقْتَيْتُ بِرَأَي قَطُّ إلَّا فى ثلاث مسائلَ ؛ إحداهُنَّ فى الذى يُصِيبُ أهلَه
قبلَ أن يطوفَ للإِفاضَةِ يَعتمِرُ وبُهْدِى . وقال مالكٌ وجمهورُ أصحابِه فى الذى
يَطَأُ أهلَه بعدَ يومِ النَّحْرِ قبلَ رَمْي جمرةِ العَقَبَةِ ، أَنَّه يَرْمِى الجمرةَ، ويطوفُ
للإفاضَةِ ، وعليه أن يَعْتَمِرَ ويُهْدِىَ، ليس عليه غيرُ ذلك. وإنَّما يَفْسُدُ حَجُّه
عندَهم إذا وَطِئها يومَ النَّخْرِ قبلَ أن يَزْمِىَ الجمرةَ، وأَمَّا إن وَطِئها بعدَ يومِ النحرِ ،
فإنما عليه أن يَعْتَمِرَ وَيُهْدِىَ ، وسواءٌ وطِئها قبلَ رَمْي الجمرةِ أو بعدُ ، إذا كان قد
وَقَف ليلًا بعرفةَ ، وكان وَطْؤُه بعدَ یومِ النَّحْرِ. وقد ذكرَ ابنُ حبيبٍ ، عن مالك
وأصحابِهِ فيمَن وَطِئَ قبلَ رمى جمرة العقبةِ، أَنَّه يَفْسُدُ حَجُه وإن كان بعدَ يومٍ
النَّحْرِ. وهذا غيرُ معروفٍ فى مذْهَبٍ مالكٍ وأصحابِهِ، والمعروفُ ما ذَكَوْتُ
لك. فهذه أحكامُ جَمْرَةِ يومِ النَّحْرِ فيمَن وَطِئَ قبلَها أو (١) بعدَها ، وليس لشيءٍ
مِن الجِمارِ حُكْمُها .
القبس
(١ - ١) سقط من: م .
(٢) تقدم فى الموطأ (٨٧٨).
(٣) تقدم فى الموطأ (٨٧٩).
(٤) فى الأصل: ((و)).
١٣
الموطأ
التمهید
وأمَّا الجِمارُ التى تُرْمَى فى أيامٍ مِنِّى بعدَ يومِ النحرِ، فأجْمَع علماءُ المسلمين
أنَّ وَقْتَ الرَّمْي فى غيرِ يومِ النحرِ بعدَ زَوالِ الشمسِ. وقال مالكٌ، والثورىُّ،
والأوزاعىُّ، والشافعىُ، وأبو يوسفَ، (ومحمدٌ ): لا يُجْزِئُ الرمْىُ فى غيرِ يومٍ
النَّخْرِ إلَّا بعدَ الزوالِ. وقال أبو حنيفةَ: إن فَعَلَه أحدٌ قبلَ الزَّوَالِ أجْزَأه . وعن
عطاءٍ، وطاوسٍ، وعكرمةً، مثلُ قولٍ أبى حنيفةً ، إلَّا أنَّ طاوسًا قال : إن شاء
رَمَّى مِن أَوَّلِ النهارِ ونَفَر. وقال عكرمةُ : إِن رَمَى أولَ النهارِ لم يَتْفِرْ حتى تزولَ
الشمسُ. وعن عمرَ، وابن عباسٍ، وابنِ عمرَ، وجماعَةِ التابعين، مثلُ قولِ
مالك (( ومَن تابَعه١) فى ذلك(١).
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو
داودَ ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبلٍ، قال: حدَّثنا يحيى بنُّ سعيدٍ، عن ابنٍ
جريج ، قال : أخبرنى أبو الزبيرِ أَنَّه سمِعَ جابر بنَ عبدِ اللهِ يقولُ: رأيتُ رسولَ اللهِ
وَلَّهُ يَرْمِى يومَ النَّحْرِ ضُحِّى، فأمَّا بعدَ ذلك فبعدَ زَوالِ الشمسِ ، وكان يَرْمِيها
على راحِلَتِهِ، ويقولُ لنا: ((خذوا عنى مَنَاسِكَكم؛ ("فلا أدرى لعلِّی٣) لا أخُجُ
بعدَ حَجَّتِى هذه))(1).
القبس
(١ - ١) سقط من: م.
(٢) ينظر سنن البيهقى ١٤٩/٥، ١٥٠، ١٥٢.
(٣ - ٣) فى م: ((فلعلى)).
(٤) أبو داود (١٩٧٠، ١٩٧١)، وأحمد ٣١٢/٢٢، ٣٢٢ (١٤٤١٩، ١٤٤٣٥)، وأخرجه
النسائى (٣٠٦٢) من طريق يحيى به، وينظر ما تقدم فى ٩٧/٢، ٨٢/١١ .
١٤
الموطأ
وقال مالكٌ فى ((الموطأُ)) (١): الشّنةُ الثابتةُ التى لا اخْتِلافَ فيها عندَنا أن التمهيد
أَحَدًا لا يَحْلِقُ رْسَه ولا يَأْخُذُ مِن شَعَرِهِ حتى يَنْحَرَ هَذْيًا إن كان معه ؛ وذلك أنَّ
الله عزَّ وجلَّ يقولُ فى كتابِهِ: ﴿وَلَا تَلِّقُواْ رُءُوسَّكُمْ حَّ بَُّغَ الْمَدْىُ عِلَّمْ﴾
[البقرة: ١٩٦]. وقال مالكٌ(٢): الأَمْرُ الذى لا اخْتِلافَ فيه عندَنا أَنَّ مَن قَرَن بین
الحجّ(٢) والعمرةِ لم يأْخُذْ مِن شَعَرِهِ شيئًا حتى يَنْحَرَ هَذْيًا إن كان معه ، ولا يَحِلُّ
مِن شىءٍ كان حَرُمَ عليه حتى يَحِلَّ يومَ النَّحْرِ بِمِنَّى . وسُئِل مالكٌ عن الرجلِ
يَنْسَى الحِلَاقَ فى الحجّ بِمِنَّى، أواسِعٌ له أن يَخْلِقَ بمكةً؟ قال : ذلك واسِعٌ،
والحِلَاقُ بِمِنَى أَحَبُّ إلىّ. قال أبو ثابتٍ : قلتُ لابنِ القاسِم : ما قولُ مالكٍ فيمَن
حَلَق قبلَ أن يَزْمِىَ جمرةَ العقبةِ؟ فقال : قال مالك: عليه الفِدْیَةُ . قيل له : فما
قولُ مالك (+ فيمَن حلَق قبلَ أن يَذْبَح؟ قال : لا شیءً علیه، وهو يُجْزِئُه . قيل له :
فما قولُ مالكِ) إن هو (٥) ذبَح قبلَ أن يَزْمِىَ؟ قال: يُجْزِئُه ولا شىءَ عليه .
قال أبو عمرَ: لم يخْتَلِفْ قولُ مالكٍ وأصحابِهِ فيمَن حلَق قبلَ أن يَرْمِىَ
جمرة العقبةِ أنَّ عليه الفِذْيَةَ ، ويُمِرُّ بعدَ ذلك المُوسَى على رأسِه . وذكر ابنُ عبد
الحكم فيمَن طاف طَوافَ الإِفاضَةِ قبلَ أن يَرْمِىَ جمرة العقبةِ يومَ النحرِ ، أَنَّه
يَرْمِى، ثم يَخْلِقُ رأسَه، ثم يُعيدُ الطوافَ للإِفاضَةِ. قال: ومَن طاف للإِفاضَةِ قبلَ
القبس
(١) الموطأ عقب الأثر (٩٠٦).
(٢) تقدم فى الموطأ عقب الأثر (٧٥٤) .
(٣) فى الأصل: ((الذبح)).
(٤ - ٤) ليس فى: الأصل.
(٥) سقط من: م.
١٥
الموطأ
التمهيد الحِلَاقِ إلَّا أَنَّه قد كان(١) رَمَى جمرة العقبةِ، فإنَّه يَخْلِقُ رأسَه، ثم يُعيدُ طوافَ
الإفاضَةِ ، فإن لم يُعِدِ الطوافَ فلا شىءَ عليه؛ لأنَّه قد طاف. وقال إسماعيلُ
القاضِى: مَن حَلَق قبلَ أن يَذْبَحَ لم يكنْ عليه شىءٌ؛ لأنَّ الظاهِرَ يدُلُّ على أنَّه مَن
رَمَى جمرة العقبةِ ، ثم حَلَق قبلَ أن يُذْبَحَ ، فلا شىءَ عليه، وقد كان يَنْبَغِى له أن
يُذْبَحَ ثم يَحْلِقَ بعدَ الذَّبْحِ، فلمَّا بَدَأ بالحِلَاقِ كان قد أُخْطَأْ، ولم يكنْ عليه
شىءٌ ؛ لأنَّ الرَّمْىَ يَحِلُّ به الحِلاقُ، أَلا تَرَى أنَّ رجلًا لو لم يكن معه هَذْىٌ ثم رَمَی
جمرةَ العقبةِ ، حَلَّ له الحَلْقُ ولُبْسُ الثِّيابِ وما أشْبَهَ ذلك، فلهذا المعنى لم يكنْ
على مَن بَدَأ بالحَلْقِ قبلَ الذبح شىءٌ. قال إسماعيلُ: وإذا نَحَر قبلَ أن يَزْمِىَ لم
يكنْ عليه أيضًا شىءٌ؛ لأنَّ الهَدْىَ قد بلَغْ مَحِلَّه، ألا تَرَى أَنَّ مُعْتَمِرًا لوساق معه
هَذْیًا فتَحَره حينَ بلَغ مكةً قبل أن یطوفَ ویَشْعَی ، لكان قد أُخطأ ، ولم یکنْ عليه
إبْدالُ الهَدْيِ، وإنَّما كان يَنْتَغِى له ألَّا يَنْحَرَ الهدىَ حتى يَفْرُغَ مِن طَوافِهِ وسَغْيِهِ
فِيَنْحَرَ الهَدْىَ ثم يَحْلِقَ، فلمَّا أَخْطَأْ لم يكنْ عليه الإبدالُ؛ لأنَّ الهَدْىَ قد بلَغ
مَجِلَّه، ولم يكنْ فى شىءٍ مِن ذلك انتِقاصٌ (١) لعُمْرَتِه؛ لأنَّ الرجلَ قد يَعْتَمِرُ ولا
يسوقُ هَذْيًا، فتكونُ عُمْرَتُه تامَّةً ، ولو نَحَرِ هَذْيَه قبلَ أنْ يَتِلُغَ مَحِلَّه فى الحَجِّ لم
يكنْ عليه غيرُ إبدالِ الهدى خاصَّةً ، ولا يكونُ علیه فى ذلك انتقاصٌ(١) لشىءِمِن
أمْرِ الحَجّ . قال إسماعيلُ : وهاتانِ الخَلَّتَانِ هما (٢) المبْتَغَتانِ فى حديثِ الزهرىِّ،
القبس
(١) سقط من: م.
(٢) فى الأصل: ((انتقاض)).
(٣) ليس فى : الأصل .
١٦
الموطأ
عن عيسى بن طلحةً، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو. قال إسماعيلُ: والذى رواه هشامُ التمهيد
ابنُ حسانَ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباس ٢ مثلُه فى المعنى، والذی رَواه وُھَیْبٌ ،
عن ابنٍ طاوسٍ (١) مُجْمَلٌ، غيرَ أنَّه لا تَبِينُ فيه خِلافُ حديثٍ الزهرىِّ، والذى
رواه خالِدٌ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ (٢)، ذكَر فيه أنَّه رَمَی بعدَما أَمْسَی ، وهذا
أيضًا ليس فيه انتقاصٌ(٤) للحَجِّ، وإنَّما كان يَنْتَغِى له أن يَرْمِىَ جمرةَ العَقَبَةِ فى
ذلك اليوم قبلَ الزَّوالِ ، فلمَّا أَخْطَأْ وأخَّرَها إلى بعدِ الزَّوالِ لم يكنْ عليه شىءٌ؛ لأنَّ
مالِكًا قال : إذا رَمَى جمرة العقبةِ يومَ النَّخْرِ فِى يَقِيَّةِ النهارِ لم يكنْ عليه شىءٌ ، وإن
أخَّرَها إلى الليلِ، فإنَّ أبا ثابتٍ حَكَى عن ابنِ القاسِم قال: كان مالكٌ مَرَّةٌ يقولُ:
عليه دَمٌ . ومَرَّةً لا يَرَاه عليه . قال : وقد تأخّرَتْ صَفِيَّةُ امرأةُ ابنِ عمرَ عن ابنةِ أخِيها
حتى أتَتْ مِنَّى بعدما غابَتِ الشمسُ يومَ النَّحْرِ فَرَمَتْ، ولم يَتْلُغْنا أَنَّ ابنَ عمرَ
(٥)
أمَرَها بشىءٍ) .
قال أبو عمرَ: قد رَوَى سُحْنُونٌ، عن ابنِ القاسِم، أنَّ مالكًا لم يأْخُذْ
برُخْصَةِ ابنِ عمرَ لصَفِيَّةَ فى ذلك، ورَأْى أنَّ مَن أَخَّرَ رَمْىَ جمرةِ العَقَبَةِ حتى
الليلِ، ورَماها بالليلِ، عليه لذلك دَمٌ . والذى رواه أبو ثابتٍ ، عن ابنِ القاسِمِ،
أتمُّ . وأكثرُ العلماءِ على أنَّه ليس فى ذلك دَمٌ ، وقد ذكَرْنا هذه المسألةَ وما للعلماءِ
القبس
(١) سيأتى تخريجه ص ١٩.
(٢) سيأتى تخريجه ص ٢٥.
(٣) سيأتى تخريجه الصفحة التالية .
(٤) فى الأصل: ((انتقاض)).
(٥) تقدم فى الموطأ (٩٤٠).
١٧
( موسوعة شروح الموطأ ٢/١٢)
؛
.٠
الموطأ
التمهيد فيها مِن الأقوالِ فيما تَقدَّم مِن هذا البابِ. والحمدُ للهِ. وقال إسماعيلُ:
وحديثُ عكرمةَ يَدُلُّ على أنَّ الرجلَ رَمَى بالعَشِيِّ؛ لأَنَّه حكَى أنَّ النبيَّ وَّ سُئِل
يومَئِذٍ ، فعُلِم أنَّ المسألةَ كانت فى اليوم. قال: والظاهرُ أيضًا فى قولِه: بعدَما
أمْسَيْتُ . يدُلُّ على العَشِىِّ؛ لأَنَّ الغالِبُ فى كلامِ الناسِ ، فهذا هو النَّصُّ القوىُّ
فى الحديثِ الصحيح عن النبيِّ نَله، فأمَّا ما يُزادُ فى الأحادِيثِ الضعيفةِ فهو
شىءٌ لا يُدْرَى كيف صِحَّتُه، واللهُ أعلمُ به .
قال أبو عمرَ : اللَّفْظُ الذى أنكَرَه إسماعيلُ فى هذا الحديثِ على مَن ذَكّره
وزادَه وأتى به هو (١) قولُه: حَلَقْتُ قبلَ أن أزْمِىَ. وهو محفوظٌ فى الأحاديثِ . ثم
ذكَّر إسماعيلُ حديثَ ابنِ عباسٍ(٢)، فقال: حدَّثنا علىُ بنُ المدينىِّ، قال:
حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيْع، قال: حدَّثنا خالِدٌ ، عن عكرمةً ، عن ابنِ عباسٍ قال : كان
رسولُ اللهِ وَّهِ يُسْأَلُ يومَئِذٍ فيقولُ: ((لَا حَرَجٌ)). فسألَه رجلٌ، فقال: حَلَقْتُ
قبلَ أن أُذبَحَ. فقال: ((لا حَرَجَ)). فقال: رَمَيْتُ بعدَما أَمْسَيْتُ. قال: ((لا
(٣)
خرجٌ))(٢).
قال إسماعيلُ: وثنا نَصْرُ بنُّ علىٍّ، عن يزيدَ بنِ زُرَيْعِ مثلَه (٤) .
قال : وحدَّثنا إبراهيم بنُ الحجّاج، قال : حدّثنا ؤهَنْبٌ ، عن ابنِ طاوسٍ،
القبس
(١) فى الأصل: ((وهو)).
(٢) فى م: ((شهاب)).
(٣) أخرجه البخارى (١٧٣٥) عن على بن المدينى به، وأخرجه النسائى (٣٠٦٧)، وابن ماجه
(٣٠٥٠)، وابن خزيمة (٢٩٥٠) من طريق يزيد بن زريع به .
(٤) أخرجه أبو داود (١٩٨٣)، وابن خزيمة (٢٩٥٠) من طريق نصر بن على به .
١٨
الموطأ
عن طاوسٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ النبيَّ وَّه قيل له يومَ النحرِ وهو بمِنَّى، فى الرَّمْي التمهيد
والخَلْقِ، والتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، فقال: ((لا حَرَجَ))(١).
قال إِسماعيلُ : وحدَّثنا نصرُ بنُ علىٍّ، قال: حدَّثنا هشام، عن عطاءٍ، عن
ابنِ عباسٍ، أَنَّ النبيَّ رَ سُئِلَ يومَ النَّخْرِ عن رجلٍ حَلَق قبلَ أن يَذْبَحَ، أو ذَبَح
قبلَ أنْ يَرْمِىَ ، وأَشْبَاهِ هذا، فأكْثَروا فى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، فما سألَه أحَدٌ يومَئِذٍ
عن شىءٍ مِن هذا النَّحْوِ إِلَّ قال: ((لا حَرَجَ، " لا حَرَجٌ) )).
وقال أبو ثابتٍ ، عن ابنِ القاسِم: قال مالكٌ: إن ذَبَح المحرمُ ذَبِيحَتَه قبلَ
الفجرِ أعاد ذَبِيحَتَه .
قال أبو عمرَ : قولُه هذا مَغْناه عندِى على أَصْلِه أنَّ الذَّبْحَ بالليلِ لا يُجْزِئُ فى
الهدى والضَّحايَا، ولا وَجْهَ له عندِى غيرُ ذلك على مَذْهَبِهِ، أَلا تَرَى إلى ما قَدَّمْنا
مِن قولِه أنَّ مَن رَمَى قبلَ الفجرِ وإن كان لا يُجْزِئُهُ رَمْيُّه أَنَّ الَّحْرَ قد حَلَّ له . وقولِه
أنَّ مَن قَدَّم نحرَه قبلَ رَمِْهِ لا شىءَ عليه. قال إسماعيلُ : ولا يَضُرُّه ذلك
ولا يَنْتَقِصُ مِن حَجِّه شيئًا(٢)؛ لأنَّ هَذْيَه قد بَلَغَ مَحِلَّه، فإذا لم يُفْسِدْ عليه ما قَدَّمَه
مِن نحرِه قبلَ رَمْيِهِ شيئًا مِن حَجِّه، ولا أَوْجَب عليه شيئًا ، فلا وَجْهَ لإِعادَةِ ما
نَحَره مِن هَدْيِهِ إِلَّ مِن أَجْلِ أَنَّه ذبَحَه بالليلِ، وذلك لا يُجْزِئُهُ(٤) عندَه ؛ لقولِ اللهِ
القبس
(١) سيأتى تخريجه ص ٢٥ .
(٢ - ٢) سقط من: م.
والحديث أخرجه أحمد ٤٦٤/٤ (٢٧٣١)، والدار قطنى ٢٥٢/٢ من طريق هشام به .
(٣) فى م: ((شىء)).
(٤) فى الأصل: ((يجزئ)).
١٩
الموطأ
التمهيد عزَّ وجلّ: ﴿وَيَذْكُرُواْ أَسْمَ اللَّهِ فِيَّ أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ
اَلْأَنْعَرِّ﴾ [الحج: ٢٨]. فذكَرَ الأيامَ دونَ الليالى، وعندَ غيرِه الليالى تَبَعّ للأيامِ .
واللهُ أعلمُ .
قال أبو عمرَ : اخْتَلف العلماءُ فيمَن قَدَّم نُسُكًا قبلَ نُسُكٍ أو أخّرَه مِمَّا يصْنَعُه
الحائجُ يومَ النحرِ خاصَّةً ؛ مثلَ تَقْدِيم النحرِ قبلَ الرَّمْي، أو الحَلْقِ قبلَ النحرِ أو قبلَ
الرمي ، فأمَّا اخْتِلافُهم فيمَن حَلَقَ قبلَ أن يَرْمِىَ ؛ فإنَّ مالكًا قال ما تَقَدَّم ذِكْرُه
عنه ، وعليه أصحابُه فى إيجابِ الفديةِ فى ذلك، قال: ومَن ذَبَح قبلَ أن يَرْمِىَ ،
أو حَلَق قبلَ أن يُذْبَحَ ، فلا شىءَ عليه . ورُوِى عن ابنِ عباسٍ أَنَّه قال: مَن قَدَّم مِن
حَجِّه شيئًا أو أخَّرَهِ فعليه دَمٌ(١). ولا يَصِحُ ذلك عنه. وعن إبراهيمَ وجابرٍ بنٍ
زيدٍ(٢) مثلُ قولِ مالكِ فى إيجابِ الفديةِ على مَن حَلَق قبلَ أن يَرْمِىَ . وهو قولُ
الكوفيّين. وقال الشافعىُّ، وأبو ثورٍ، وأحمدُ بنُ حنبل، وإسحاقُ، وداودُ،
والطبرىُّ: لا شىءَ على مَن حَلَق قبلَ أن يَرْمِىَ، ولا على مَن قَدَّم شيئًا أو أخَّرَه
ساهِيًّا مِمَّا يُفْعَلُ يومَ النحرِ. ورُوِى عن الحسنِ وطاوسٍٍ، أنَّه لا شىءَ على مَن
حَلَق قبلَ أن يَرْمِىَ . مثلُ قولِ الشافعىِّ ومَن تَابَعَه . وعن عطاءِ بنِ أبى رباحٍ : مَن
قَدَّمِ نُسُكًا قبلَ نُسُكٍ فلا حَرَجَ ١ . ورُوِىَ ذلك عن سعيدِ بنِ جبيرٍ ، وطاوسٍ،
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٤١٦، والطحاوى فى شرح المعانى ٢٣٨/٢.
(٢) سيأتى تخريجه الصفحة التالية .
(٣) ينظر تهذيب الآثار (٣٩٠ - ٣٩٣ - مسند ابن عباس).
٢٠