Indexed OCR Text

Pages 501-520

الموطأ
١٠٢٦ - مالكٌ، عن حُميدٍ الطويلِ، عن أنسٍ بنِ مالك ، أن
رسولَ اللهِ ێ حین خرَج إلی خیبر أتاها ليلًا ، و کان إذا أَتی قومًا بليلٍ
لم يُغِرْ حتى يُصبحَ ، فلمَّا أصبَح خرَجت يهودُ بمساحِيهم ومكاتلهم ،
فلمَّا رأوه قالوا: محمدٌ واللهِ ، محمدٌ والخميسُ. فقال رسولُ اللهِ
وَله : «اللهُ أكبرُ، خَرِبت خيبرُ، إنا إذا نزلنا بساحة قوم ، فساء صباح
المُنذَرِين)) .
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ أسدٍ ، حدثنا حمزةُ بنُ محمدِ بنِ عليٍّ ، حدثنا التمهيد
أحمدُ بنُ شُعیبٍ ، أخبرنا عمرانُ بنُ موسی ، حدثنا عبدُ الوارثِ ، حدثنا يونسُ ،
عن عمرو بنِ سعيدٍ ، عن أبى زُرعةَ بنِ عمرو بنِ جريرٍ ، عن جريرٍ قال : رأيتُ
رسولَ اللهِ وَلَهِ يَفْتِلُ ناصيةَ فرسِه بينَ إِصْبَعيه وهو يقولُ: ((الخيلُ معقودٌ فى
نواصيها الخيرُ إلى يومِ القيامةِ؛ الأجرُ والغنيمةُ))(١).
مالكٌ، عن حُميدِ الطويلِ، عن أنسٍِ بنِ مالكِ، أن رسولَ اللهِ وَلِّ حِينَ
خرَج إلى خيبرَ أتَاها ليلًا ، وكان إذا أتى قومًا بليلٍ لم يُغِرْ حتى يُصبحَ ، فلما أصْبَح
خرَجت يهودُ بمساحِيهم ومكاتلِهم، فلمَّا رأوه قالوا: محمدٌ واللهِ، محمدٌ
والخميسُ. فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((اللهُ أكبرُ، خَرِبت خييرُ، إِنَّا إذا نزَلْنا بساحةٍ
قومٍ ، فساء صباح المنذَرِين))(١) .
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٤٧٥ ، ٤٧٦ .
(٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٠/٨ و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٩٦٣). وأخرجه =
٥٠١

الموطأ
التمهيد فى هذا الحديثِ إباحةُ المشيِ بالليلِ، فإذا كان ذلك كذلك، جاز
الاستخدامُ بالمماليكِ والأحرارِ إذا اشتُرِط ذلك عليهم وكانت ضرورةً . وفيه
إتعابُ الدوابِّ بالليلِ عندَ الحاجةِ إلى ذلك ما لم يكنْ سرمدًا؛ لأنَّ العلمَ محيطٌ
أنَّهم لم يخْلوا مِن مملوكٍ يخدُمُهم ، وأجيرٍ ونحوِ ذلك . وفيه أن الغارةَ على العدوِّ
إنَّما ينبغى أن تكونَ فى وجهِ الصّباحِ؛ لِما فى ذلك من التَّبِينِ والنجاح فى
البُكورِ . وفيه أن مَن بَلَغَتْه الدعوةُ مِن الكفارِ لم يَلْزَمْ دُعاؤُه، وجازتِ الغارةُ عليه ،
وطلبُ(١) غفلتِه وغِرَّتِه. وقد اختلف العلماءُ فى دعاءِ العدوِّ قبلَ القتالِ إذا كانوا
قد بلَغْتُهم الدعوةُ ؛ فكان مالكٌ رحِمه اللهُ يقولُ : الدعوةُ أصوبُ ، بلَغَهم ذلك أو
لم يَتْلُغْهم ، إلَّا أن يُعْجِلوا المسلمين أن يَدْعوهم. وقال عنه ابنُ القاسم: لا يُبَيُّوا
حتى يُدْعَوا. وذكر الربيعُ، عن الشافعىِّ، فى كتابٍ ((البويطيّ)) مثلَ ذلك: لا
يُقاتَلُ العدوُّ حتى يُدْعَوا، إِلَّ أن يُعْجَلُوا عن ذلك، فإن لم يفعَلْ فقد بلَغَتهم
الدعوةُ. وحكَى المزَنِىُّ، عن الشافعىّ : مَن لم تبلُغْهم الدعوةُ لم يُقاتَلُوا حتى
تَبْلُغَهم الدعوةُ؛ يُدْعَون إلى الإيمانِ . قال: وإن قُتِل منهم أحدٌ قبلَ ذلك ، فعلى
قاتلِهِ الديَّةُ . وقال المزنىُّ عنه أيضًا فى موضعٍ آخرَ : من بلَغَتْهم الدعوةُ فلا بأسَ أن
يُغارَ عليهم بلا دعوةٍ . وقال أبو حنيفةً، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ : إن دَعَوْهم قبلَ
القبس
= البخارى (٢٩٤٥، ٤١٩٧)، والترمذى (١٥٥٠)، والنسائى فى الكبرى (٨٥٩٨) من طريق
مالك به .
(١) فى ق: ((التيمن)).
(٢) فى ق: ((طلبت)).
٥٠٢

الموطأ .
القتالِ فحسنٌ، ولا بأسَ أن يُغِيروا عليهم. وقال الحسنُ بنُ صالح بنِ حىٍّ: التمهيد
يُعجِبنى كلَّما حدَث إِماتم بعدَ إِمامٍ أُخْدَثَ دعوةٌ لأُهلِ الشركِ .
قال أبو عمرَ : هذا قولٌ حسنٌ ، والدعاءُ قبلَ القتالِ على كلِّ حالٍ حسنٌّ ؛
لأن رسولَ اللهِ وَلِّ كان يأمُرُ سَراياه بذلك، وكان يدعُو كلَّ مَن يُقاتِلُه مع
اشتهار کلمته ودینه فی جزيرة العرب ، وعلمهم بمنابذتِه ◌ِيًّاهم ، ومحاربته لمن
خالَفَه، وما أظُنُّه أغار على خيبرَ وعلى بنى المصطلِقِ إلّا یاثرِ دعوتِه لهم فى فورٍ
ذلك أو قريب منه مع بأسِه عن إجابتهم إيّاه ، و كذلك كان تَبِيتُه وتبییتُ جيوشِه
لمَن بيّوا مِن المشركين على هذا الوجهِ. واللهُ أعلمُ . وفى التبييتِ حديثُ
الصَّغْبِ بنِ جَثَّامَةً (١)، وحديثُ سلمةَ بنِ الأكوعِ، قال: أُمَّر علينا رسولُ اللهِ
وَلِيو أبا بكرٍ، فغزَونا ناسًا فبَيْناهم وقتَلناهم. قال: وكان شعارُنا تلك الليلةَ:
أَمِثْ أَمِتْ . قال سلمةُ : فقتَلتُ بيدِى تلك الليلةَ سبعةً أبياتٍ مِن المشركين(١).
قال أبو عمرَ: هذا واللهُ أعلمُ ومثلُه لقوم أظهروا العنادَ والأذى للمسلمين ،
ويُئِس مِن إنابتهم وخيرِهم. واللهُ أعلمُ .
أخبرنا أبو محمدٍ عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: أخبرنا محمدُ بنُ عمرَ ، قال :
أخبرنا علىُّ بنُ حربٍ الطائىُّ ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةً، عن ابن أبى نَجِيحٍ،
القبس
(١) تقدم تخريجه فى ١٨١/٨.
(٢) أخرجه أحمد ٢٤/٢٧ (١٦٤٩٨)، وأبو داود (٢٦٣٨)، والنسائى فى الكبرى (٨٦٦٥).
٥٠٣

الموطأ
التمهيد عن أبيه، عن ابنِ عباس قال: ما قاتَل رسولُ اللهِ وَلَه قومًا حتى يَدْعُوَهم(١).
.
وهذا يحتمِلُ مَّن لم تبلُغْهم الدعوةُ، ويحتمِلُ مِن كلِّ كافرٍ محاربٍ .
حدَّثنى سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ
وضاحٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةَ، قال: حدَّثنا وكيع، عن سفيانَ ، عن
علقمةَ بنِ مرَتدٍ، عن سليمانَ بنِ بُرِيدَةً، عن أبيه قال: كان رسولُ اللهِ وَ إِذا
بعث أمیرًا على سرية أو جيشٍ أوصاه فى خاصةٍ نفسِه بتقوى اللهِ ومَن معه مِن
المسلمين خيرًا، ثم قال: ((اغزُوا باسمِ اللهِ، وفى سبيلِ اللهِ، تُقاتِلُون مَن كفَر
باللهِ، اغزُوا ولا تَغُلُّوا، ولا تغْدِروا، ولا تُمثِّلُوا، ولا تقْتُلُوا وليدًا، وإذا لَقِيتَ
عدُوَّكُ مِن المشركين فادعُهم إلى إحدَى ثلاثٍ خصالٍ - أو خلالٍ - فأيُّها
أجابُوك إليها فاقبَلْ منهم وكُفَّ عنهم؛ ادعُهم إلى الإسلامِ ، فإن أجابوك فاقبَلْ
منهم وكُفَّ عنهم، ثم ادعُهم إلى التحوُّلِ مِن دارِهم إلى دارِ المهاجرين،
وأعلِمْهم أنَّهم إن فعلوا فإِنَّ لهم ما للمُهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين ، فإنْ
أبوا واختارُوا دارهم، فأُعلِمھم اُنَّهم کأعرابِ المسلمین؛ یجرِی علیھم حکمُ
اللهِ كما يجرِى على المؤمنين، ولا يكونُ لهم فى الفىءِ والغنيمةِ نصيبٌ إلَّ أن
يُجاهِدُوا مع المسلمين، فإن أبوا فادعُهم إلى إعطاءِ الجزيةِ، فإن أجابوا فاقبَلْ
القبس
(١) أخرجه أحمد ١٦/٤ (٢١٠٥)، وعبد بن حميد (٦٩٦ - منتخب)، والدارمى (٢٤٨٨)،
وأبو يعلى (٢٥٩١)، والطحاوى فى شرح المعانى ٢٠٧/٣، والطبرانى (١١٢٧٠)، وابن شاهين
فى الناسخ والمنسوخ (٤٦٣ - ٤٦٥)، والحاكم ١٥/١، والبيهقى ١٠٧/٩ من طريق سفيان - وهو
الثوری - عن ابن أبی نجیح به .
٥٠٤

الموطأ
منهم وكُفَّ عنهم ، وإن أبَوا فاستعن باللهِ وقائِلْهم))(١).
التمهید
قال أبو عمرَ: هذا مِن أحسنٍ حديثٍ تُروَى فى معناه ، إلَّ أنَّ فيه التحوُّلَ عن
الدارِ، وذلك منسوخٌ، نسخه رسولُ اللهِ وَلِّ بقوله: ((لا هجرةَ بعدَ الفتحِ)).
وإنَّما كان هذا منه وَلِّ قبلَ فتح مكةً، فلمَّا فَتَح اللهُ عليه مكةً قال لهم: قد
انقطعتِ الهجرةُ ، ولكن جهادٌ ونيةٌ إلى يومِ القيامةِ .
حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم بنِ عيسى المقرئُ ، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللهِ بنُ
محمدِ بنِ إسحاقَ بنِ حَبابةَ ببغدادَ ، قال : حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ
العزيزِ البغوىُّ، قال: حدَّثنا خلفُ بنُ هشام البزَّارُ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ
أبى حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعدٍ، أن رسولَ اللهِ وَلِّ قال يومَ خيبرَ:
((لأَعْطِيَنَّ الرَّايةَ رجلًا يفتَحُ اللهُ على يدَيه)). فذكَر أن الناسَ طَمِعوا فى ذلك،
فلمَّا كان من الغدِ قال: ((أين علىّ؟)). (فأتاه وهو أرمَدُ، فتفَل فى عينِه فذهَب
ما كان به كأنَّه لم يكنْ به شىءٌ، فأعطاه الرايةَ، فقال: أُقاتِلُهم حتى
يكونوا مثلَنا". فقال: ((على رِسْلِك، انْفُذْ حتى تنزلَ بساحتهم، فإذا نزَلْتَ
بساحتهم فادعُهم إلى الإسلامِ ، وأخبرهم بما يجِبُ عليهم منه مِن الحقِّ - أومِن
القبس
(١) ابن أبى شيبة ٢٣٧/١٢، ٢٣٨، ٣٦١، ٣٦٢ - وعنه مسلم (٢/١٧٣١). وأخرجه أحمد
٧٧/٣٨، ٧٨ (٢٢٩٧٨)، وأبو داود (٢٦١٢) من طريق وكيع به ، وينظر ما تقدم ص٢١٩.
(٢) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٥٢٩) من الموطأ .
(٣ - ٣) سقط من: م.
٥٠٥

الموطأ
التمهيد حقٌّ اللهِ - فواللهِ لأَنْ يهدِىَ اللهُ بك رجلاً واحدًا خيرٌ لك مِن حُمْرِ النَّعَمِ)).
قال أبو عمرَ: هذا حديثٌ ثابتٌ فی خیبرَ أنَّهم لم يُقاتِلهم حينئذٍ حتى
دعاهم، وهو شىءٌ قَصَّرَ عنه أنس فى حديثه ، وذكّرَه سھلُ بنُ سعدٍ ، وقد ژُوِی
عن أنسٍ أن رسولَ اللهِ بِّهِ أَمَر عليًّا ألَّا يُقاتِلَ قومًا حتى يدعُوَهم. رواه ابنُ
عيينةَ، عن عمرَ بنِ ذَرٍّ، عن ابنٍ أخِى أنسٍ بنِ مالكِ، عن عمِّه (١). وخالَف
أبو إسحاقَ الفَزَارِىُّ ابنَ عيينةَ فى إسنادٍ هذا الحديثِ، وابنُ عيينةَ أحفظُ إن
شاءَ اللهُ .
قال أبو عمرَ : فلهذه الآثارِ قُلْنا: إن الدعاءَ أحسنُ وأصوبُ . فإن أغار عليهم
ولم يَڈُهم ولم ◌ُشْعِرْهم و كانوا قد بلَغَتْهم الدعوةُ ، فمباخ جائزٌ ؛ لِما رواه نافعٌ ،
عن ابنِ عمرَ، أنَّ النبيَّ وَّأَغار على بنى المُصْطَلِقِ وهم غَارُّونَ وأنعامُهم على
الماءِ، فقتل مُقاتِلتَهم، وسبِى ذَرارِيَّهم(٢)، وكان فيهم جُوبِيَةُ .
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرِ التَمَّارُ بالبصرةِ ،
قال: حدَّثنا أبو داودَ ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ منصورٍ ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ
القبس
(١) أخرجه البخارى (٢٩٤٢، ٣٧٠١)، ومسلم (٢٤٠٦)، وأبو داود (٣٦٦١) من طريق
عبد العزيز بن أبى حازم به، وأخرجه أحمد ٤٧٧/٣٧ (٢٢٨٢١)، والبخارى (٣٠٠٩، ٤٢١٠)،
ومسلم (٢٤٠٦)، والنسائى فى الكبرى (٨١٤٩، ٨٥٨٧) من طريق أبى حازم به .
(٢) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٣/ ٢٠٧، والطبرانى فى الأوسط (٨٢٦٥) من طريق سفيان
ابن عيينة به .
(٣) فى الأصل، ك ١: ((ذريتهم)).
٥٠٦

الموطأ
عُلَيَّةَ ، قال : أخبرنا ابنُ عَونٍ ، قال: كتبتُ إلى نافع أسألُه عن دعاءِ المشركينَ التمهيد
عندَ القتالِ، فكتب إلىّ أن ذلك كان فى أوَّلِ الإسلام، وقد أغار نبىُّ اللهِ وَله
على بنى المُصْطَلِقِ وهم غَارُونَ، وأَنْعامُهم تُشْقَى على الماءِ ، فقتَلَ مُقاتلتَهم ،
وسَّبَى سَبْيَهم، وأصاب يومَئذٍ بجويرِيةَ بنتَ الحارثِ، حدَّثنی بذلك عبدُ اللهِ
وكان فى ذلك الجيش(١) . قال أبو داودَ : هذا حديثٌ نبيلٌ، رواه ابنُ عَوْنٍ ، عن
نافعٍ، ولم يشركه فيه أحدٌ .
ورَوَى صالحُ بنُّ أبى الأخضرِ، عن الزهرىِّ، عن عروةَ ، أن أُسامةَ بنَ زيدٍ
حدَّثُه، أن رسولَ اللهِ وَ لَهَ عَهِد إليه فقال: ((أغِرْ على أُثْنَى(٢) صباحًا(٣)
وحرّقْ)).
حدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا
أحمدُ بنُ زهيرٍ، قال: حدَّثنا ابنُ الأصْبهانيّ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ
وعيسى بنُ يونسَ، عن صالح بنِ أبى الأخضرِ، عن الزهرىِّ، عن عروةَ، عن
أسامةَ، عن النبيِّ مَ لِّ. فذكره سواءً)).
القبس
(١) أبو داود (٢٦٣٣)، وسعيد بن منصور (٢٤٨٤). وأخرجه أحمد ٩/ ١٣١، ١٣٢ (٥١٢٤)
عن ابن علية به، وأخرجه أحمد ٤٦٤/٨ (٤٨٥٧)، والبخارى (٢٥٤١)، ومسلم (١٧٣٠)،
والنسائی فی الکبری (٨٥٨٥) من طريق ابن عون به .
(٢) فى ك ١: ((يبنى)).
(٣) فى الأصل، م: ((ذا صباح)).
(٤) أخرجه الطبرانى (٤٠٠) من طريق ابن المبارك به، وأخرجه أبو القاسم البغوى فى مسند أسامة (٢)،
والطحاوى فى شرح المعانى ٢٠٨/٣ من طريق عيسى بن يونس به، وأخرجه أحمد ١٤٨/٣٦
(٢١٨٢٤) من طريق صالح بن أبى الأخضر به.
٥٠٧

الموطأ
التمهيد
وحدَّثناه عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال : حدَّثنا أبو
داودَ، قال: حدَّثنا هنَّادُ بنُ السَّرىِّ، عن ابنِ المباركِ، عن صالحٍ بإسنادِه
مثله(١) .
قال أبو داودَ(٢): وحدَّثنا (" عبدُ اللهِ بنُ عمرو الغَرِّىُّ، قال: سمِعتُ أبا
مُشْهِرٍ يقولُ وقيل له : أَبْنَى. فقال: نحنُ أعلمُ ، هى يُثِنَى فلسطينَ .
قال أبو عمر: قد روَى هذا الحديثَ عن صالح بن أبى الأخضرِ و کیچ
وعيسى بنُ يونسَ ، فقالا فيه: يُثْنَى. كما قال أبو مُشهِرٍ.
حدَّثناه سعيدُ بنُ نصرٍ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال : حدَّثنا محمدُ بنُ
وضَّاحِ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ ، قال: حدَّثنا وكيعٌ، عن صالح بنِ أبى الأخضرِ،
عن الزهرىِّ، عن عروةَ، عن أسامةَ بنِ زيدٍ ، أنَّ النبيَّ وَ لّه بعثه إلى قريةٍ يقالُ لها:
يُثْنَى. فقال: ((اثْتِها صباحًا، ثم حرِّقْ))(٤).
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهيرٍ ،
قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ كعبٍ، حدَّثنا عيسَى بنُ يونسَ، عن صالح بنِ أبى
الأخضرِ، عن الزهرىِّ، عن عروةَ قال: حدَّثنى أسامةُ بنُ زيدٍ ، أن رسولَ اللهِ
القبس
(١) أبو داود (٢٦١٦).
(٢) أبو داود (٢٦١٧).
(٣ - ٣) فى النسخ: ((محمد)). والمثبت من مصدر التخريج، وهو عبد الله بن محمد بن عمرو
الغزى . ينظر تهذيب الكمال ٩٥/١٦ .
(٤) ابن أبى شيبة ٣٦٦/١٢، ٣٩١. وأخرجه أحمد ١١٨/٣٦، ١١٩ (٢١٧٨٥)، وابن ماجه
(٢٨٤٣) من طريق وكيع به. وعند ابن أبى شيبة فى الموضع الثانى وأحمد وابن ماجة: ((أبنى)).
٥٠٨

الموطأ
وَ لَّه قال: ((أغِرْ على يُثْنَى صَباحًا وحرّقْ)).
التمهید
وروَى حمادُ بنُ سلمةً، عن ثابتٍ، عن أنس قال: كان رسولُ اللهِ وَلَهِ يُغِيرُ
على العدوِّ عندَ صلاةٍ الصبحِ ويستمِعُ؛ فإن سَمِع أذانًا أَمْسَك ، وإلَّ أغار.
فهذا كلُّه دليلٌ على أنه ربَّما لم يَدْعُ، وذلك فيمَن بلَغته الدعوةُ ، فأمّا مَن لم
تبلُغْه الدعوةُ لُعْدِ دارِهِ ، فلا بُدَّ مِن دعائِه، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ
حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. وهذا الحديثُ ممَّا روَاه يحيى القطَّانُ عن
حمادِ بنِ سلمةَ .
حدَّثناه أحمدُ بنُ قاسم بنِ عيسى المقرئُ ، قال: حدَّثنا ابنُ حَبابةَ ، قال :
حدَّثنا البغوىُّ، قال: حدَّثنا زُهيرُ بنُ حربٍ، قال: حدَّثنا يحيى بن سعيد
القطّنُ، عن حمادِ بنِ سلمةَ، عن ثابتٍ ، عن أنسٍ . الحديث بتمامِه (١).
وهذا يؤدُّ قولَ مَن قال: إن القطانَ لا يُحدِّثُ عن حمادٍ بنِ سلمةً .
وحدَّثناه عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ خالدٍ ، قال: حدَّثنا أبو الحسنِ علَىُ بنُ
محمدِ بنِ أحمدَ بنِ نُصيرٍ بنٍ لُؤلُؤْ البغدادىُّ بمدينةِ السلام، قال: حدَّثنا
جعفرُ بنُ محمد الفريابيُ، قال: حدَّثنا هُدْبَةُ بنُ خالدٍ ، قال: حدَّثنا حمَّادُ بنُ
القبس
(١) البغوى فى الجعديات (٣٤٠٦)، ومن طريقه البيهقى ٤٠٥/١. وأخرجه مسلم (٣٨٢) عن
زهير بن حرب به، وأخرجه عبد بن حميد (١٢٩٧، ١٢٩٨ - منتخب)، وأحمد ٣٥٣/١٩
(١٢٣٥١)، والدارمى (٢٤٨٩)، وأبو داود (٢٦٣٤)، والترمذى (١٦١٨)، وابن خزيمة (٤٠٠)
من طريق حماد بن سلمة به .
٥٠٩

الموطأ
التمهيد سلمةً . فذكره(١).
ورَوَی عصام المزَنئُ عن النبيِّ ێ مثلَ حدیث حمّادٍ ، عن ثابت ، عن
أنسٍ فی ذلك(٢).
وأمّا قولُه فى حديثِ مالك ، عن حُميدٍ ، عن أنس : بمساحِيهم ومَكَاتِلهم .
فإنه يعنى المحافِرَ والقِفَافَ، كانوا يخْرُجون لأعمالهم .
وأمّا قولُهُ(٤): محمدٌ والخميسُ. فالخميسُ العسكرُ والجيشُ، قال
حُميدُ بنُ ثَوْرِ الهلالِئُ(٥) فيما ذكَرَ بعضُ أهلِ الخبرِ ، ولا يَصِحُ له (٦) :
حتى إذا رُفِعَ اللِّواءُ رأيْتَه تحتَ اللِّواءِ على الخميسِ زَعِيمًا
ويُؤْوَى هذا البيتُ لليَلَى الأُخْيَلِيَّةِ(٢)، وهو صحيح لها، وهذه القصيدةُ
مُذْهَبْتُها فيها قولُها :
ومُخَرّقٌ عنه القَمِيصُ تَخالُه
(٨)عِندَ اللِّقاءُ مِن الحياءِ سَقِيمًا
# ٨)
القبس
(١) أخرجه ابن حبان (٤٧٥٣) من طريق هدية بن خالد به .
(٢) فى ق: ((عاصم)). وينظر الإصابة ٤/ ٥٠٠.
(٣) أخرجه الحميدى (٨٢٠)، وأحمد ٤٨٨/٢٤ (١٥٧١٤)، وأبو داود (٢٦٣٥)، والترمذى
(١٥٤٩)، والنسائى فى الكبرى (٨٨٣١).
(٤) فى الأصل، م: ((قولهم)).
(٥) ديوانه ص ١٣١.
(٦) فى ق: ( عنه)).
(٧) الحماسة ٢٧٧/٢، والشعر والشعراء ١/ ٤٥١.
(٨ - ٨) فى مصدرى التخريج: ((وسط البيوت)).
٥١٠
:

الموطأ
" تحتَ اللّواءِ) على الخميسِ زَعِيمًا التمهيد
حتى إذا رُفِعَ اللِّواءُ رأيْتَه
والزعيمُ فى هذا الموضعِ الرئيسُ، ومنه قولُ الشاعرِ:
* ولكنَّ الزعَامةَ للغلامِ *
يُغْنِى الرئاسةَ. والزعيمُ فى غيرِ هذا الكفيلُ والضامنُ، مِن قولِ اللهِ عزَّ
وجلَّ: ﴿وَأَنَأْ بِهِ، زَعِيدٌ﴾ [يوسف: ٧٢]. وقال أبو الحسنِ بنُ لنكك فى
مقصورتهِ :
فَزَارهم منّا خميسٌ جَحْفَلٌ تَعَثَّرُ منه الخيلُ عَثْرًا بالقَنَا
وقال بكرُ بنُ حمَّادٍ فى قصيدةٍ له يَرثى بها حَبيبَ بنَ أوْسِ الطَّائَّ،
" يُخَاطِبُ أَحَاه٢) سَهْمَ بنَ أُوْسٍ :
والدَّهْرُ غَضِّ بالسُّرورِ المُقْبِلِ
أَنَسِيتَ يومَ الجِشْرِ خُلَّةَ وُدِّه
نحوَ الجزيرَةِ فى خَميسٍ جَحْفَلٍ
أيامَ سارَ أبو سعيدٍ واليًا
وأمَّا قولُه: ((إذا نزَلْنا بساحة قوم)). فالساحةُ والسحسحةُ عَرْصَةُ الدارِ .
أُخبرنی خلفُ بنُ سعیدٍ ، قال : حدثنا عبدُ الله بن محمدٍ ، قال : حدثنا
أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حدثنا علىُّ بنُ عبدِ العزيزِ، قال: حدثنا مسلِمُ بنُ
إبراهيمَ ، قال : حدثنا سليمانُ بنُ المغيرةِ ، عن ثابتٍ ، عن أنسٍ ، عن أبى طلحةً
قال: كنتُ رديفَ النبيِّ وَلِّ، فلو قلتُ: إِنَّ رُكَبَتِى تَمَسُ رُكبتَه. صدَقْتُ -
القبس
(١ - ١) فى الأصل، ق: ((يوم الهياج)).
(٢ - ٢) فى ق: ((أخا)).
٥١١

الموطأ
١٠٢٧ - مالك، عن ابن شهابٍ ، عن محُميدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ
عوفٍ، عن أبى هريرةَ، أن رسولَ اللهِ وَلَّه قال: ((مَن أَنفَق زوجينٍ فى
سبيلِ اللهِ ، نُودِى فى الجنةِ: يا عبدَ اللهِ ، هذا خيرٌ. فمَن كان من أهلِ
الصلاةِ دُعی من باب الصلاة ، ومن كان من أهلِ الجھادِ دُعی من بابٍ
الجهادِ ، ومَن كان من أهل الصدقةِ دُعى من باب الصدقةِ ، ومَن كان
التمهيد يَعْنِى عامَ خيبرَ - قال: فسكت عنهم حتى إذا كان عندَ السَّحَرِ وذهَب ذو الضَّرْعِ
إلى ضَرْعِه، وذو الزرع إلى زرعِه، أغار عليهم، وقال: ((إِنَّا إذا نزلنا بساحةٍ قومٍ،
فساء صباح المنذَرِينَ)) (١) .
(٢)
قال أبو عمر : قد کان دعاهم ، وذلك موجودٌ فى حديث سهلٍ بن سعد
فى قِصَّةٍ علىٍّ ، ولا يُشَكَّ فى بلوغ دعوتِه خيبرَ ؛ لقُرْبِ الدیارِ مِن الديارِ .
وفى هذا الحديثِ إباحةُ الاستشهادِ بالقرآنِ فيما يَحْسُنُ ويَجْمُلُ . وباللهِ
التوفيقُ .
مالك، عن ابن شهاب ، عن محمّیدِ بنِ عبد الرحمن بن عوفٍ ، عن أبى
هريرةَ، أن رسولَ اللهِ وَِّ قال: ((مَن أَنفَق زَوجین فی سبیلِ اللهِ، نُودِی فی
الجنَّةِ : يا عبدَ اللهِ، هذا خيرٌ. فمَن كان مِن أهلِ الصلاةِ نُودِى مِن بابِ الصلاةِ،
وإن كان مِن أهل الجهادِ دُعِی مِن باب الجهاد ، ومن كان من أهل الصدقةِ دُعِی
٠٠ ٤.٠٤
القبس
(١) أخرجه الطبرانى (٤٧٠٥) عن على بن عبد العزيز به .
(٢) تقدم تخريجه ص ٥٠٥ ، ٥٠٦ .
٥١٢

الموطأ
من أهلِ الصيامِ دُعى من بابِ الرَّيَّانِ)). فقال أبو بكرِ الصِّدِّيقُ: يا رسولَ
اللهِ ، ما على مَن يُدعَى من هذه الأبوابِ من ضرورةٍ، فهل يُدعى أحدٌ
من هذه الأبوابِ كلِّها؟ قال: ((نعم، وأرجو أن تكونَ منهم)).
مِن بابِ الصدقةِ، وإن كان مِن أهلِ الصيامِ دُعِى مِن بابِ الرَّيَّانِ)). فقال أبو التمهيد
بكرٍ: يا رسولَ اللهِ، ما على مَن يُدعَى مِن هذه الأبوابِ مِن ضَرورَةٍ، فهل يُدعَى
أحدٌّ مِن هذه الأبوابِ كلِّها؟ قال: ((نعم، وأرجو أن تكونَ منهم))(١).
تابَع يحيى على توصيلِ هذا جماعةُ الرواةِ إلَّا ابنَ بُكَيْرِ، فإنَّه أرسَله عن
محُمَيدٍ، عن النبيِّ وَّه) . وكذلك رواه عبدُ اللهِ بنُ يوسفَ، عن مالكِ ، عن
ابنِ شهابٍ، عن حُمَيدٍ مرسلًا، وقد أسنَده جِلَّةٌ عن مالكٍ؛ منهم مَعْنٌ، وابنُ
المباركِ .
حدثنا خلَفُ بنُ قاسم، حدثنا أبو الطاهرِ عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، حدثنا
جعفرُ بنُ محمدِ الفزيابيُّ، حدثنا إسحاقُ بنُ موسى الأنصارىُّ ، حدثنا مَعْنُ بنُ
عيسى ، حدثنا مالك ، عن ابن شهابٍ ، عن محمَيدِ بنِ عبد الرحمن بن عوفٍ ،
عن أبى هريرةَ، أن رسولَ اللهِ وَ لَّهِقال: ((مَن أَنفَق زَوجَينٍ فى سبيلِ اللهِ، نُودِی
فی الجنَّةِ : یا عبدَ اللهِ ، هذا خيرٌ. فمَن كان مِن أهلِ الصلاِ ذُعِی مِن بابٍ
الصلاةِ ، ومَن كان مِن أهلِ الصدقةِ دُعِى من بابِ الصدقةِ، ومَن كان مِن أهلِ
القبس
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (٩١٠). وأخرجه النسائى (٢٢٣٧، ٣١٨٣)، وابن حبان (٣٠٨)،
والبغوى فى شرح السنة (١٦٣٥) من طريق مالك به .
(٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٠/٨ظ - مخطوط).
٥١٣
(موسوعة شروع الموطأ ٣٣/١٢)

الموطأ
التمهيد الصيامِ دُعِى مِن بابِ الرّيَّانِ)). فقال أبو بكرٍ: بأبى أنت وأَمّى، ما على مَن دُعِی
مِن هذه الأبوابِ كلِّها مِن ضَرورَةٍ؟ فهل يُدْعَى أحدٌ مِن هذه الأبوابِ كلِّها؟
قال: ((نعم، وأرجو أن تكونَ منهم))(١).
حدثنا خلفُ بنُ قاسم ، حدثنا أبو الحسنِ علىُّ بن أحمد بن على الخزيئُّ
الأنصارىُّ، حدثنا يحيى بنُ محمدِ بنِ صاعدٍ ، حدثنا الحسينُ بنُ الحسنِ،
حدثنا عبدُ اللهِ بنُّ المباركِ ، عن مالكِ، عن ابنٍ شهابٍ، عن محمَيدِ بنِ
عبد الرحمنِ بنِ عوفٍ، عن أبى هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ وَّلَهِ: ((مَنْ أَنفَق
زَوجَينٍ فى سبيلٍ (١) اللهِ، نُودِى إِلى الجنَّةِ: يَا عبدَ اللهِ ، هذا خيرٌ))(٣). وذكَر
الحديثَ . وليس هو عندَ القَعْنَيِىِّ لا مرسلًا ولا مسندًا.
وفى هذا الحديثِ مِن الفقهِ والفضائلِ الخَضُّ على الإنفاقِ فى سبيلِ الخيرِ ،
والحرصُ على الصومِ . وفيه أن أعمالَ البرِّ لا يُفتَحُ فى الأغلبِ للإنسانِ الواحدِ
فى جميعِها، وأن مَن فُتِح له فى شىءٍ منها محُرِمِ غيرَها فى الأغلَبِ ، وأنه قد تُفتَحُ
فى جميعِها للقليلِ مِن الناسِ، وأن أبا بكرٍ الصديقَ رضِى اللهُ عنه مِن ذلك
القليلِ. وفيه أن مَن أكثَر مِن شىءٍ عُرِف به ونُسِب إليه، ألا تَرَى إلى قوله: ((فمَن
كان مِن أهلِ الصلاةِ)). يريدُ مَن أَكْثَر منها، فتُسِب إليها؛ لأن الجميعَ مِن أهلِ
الصلاةِ، وكذلك مَن أكثَر مِن الجهادِ ومِن الصِّيامِ على هذا المعنَى ونُسِب إليه،
القبس
(١) أخرجه البخارى (١٨٩٧)، والترمذى (٣٦٧٤) من طريق معن بن عيسى به .
(٢) سقط من: م. والمثبت من مصدر التخريج.
(٣) ابن المبارك فى الزهد (١٣٢٧).
٥١٤

الموطأ
دُعِىَ مِن بَابِهِ ذلك. واللهُ أعلمُ. ومِمَا يُشْبِهُ ما ذَكَوْنا، ما جاوَبَ به مالكٌ التمهيد
رحِمه اللهُ العُمَرِىَّ العابِدَ، وذلك أن عبدَ اللهِ بنَ عبدِ العزيزِ العُمَرِىَّ العابِدَ كتَبَ
إلى مالكٍ يَحُضُّه إلى الانفرادِ والعملِ، ويَرْغَبُ به عن الاجتماعِ إليه فى العلمِ،
فكتب إليه مالكٌ: إن الله عزَّ وجلَّ قسم الأعمالَ كما قسم الأرزاقَ ، فرُبَّ رجلٍ
فُتِح له فى الصلاةِ ولم يُفتَحْ له فى الصومٍ ، وآخرُ فُتِح له فى الصدقةِ ولم يُفتح له فى
الصيامِ ، وآخرُ فُتِح له فى الجهادِ ولم يُفتَحْ له فى الصلاةِ، ونَشْرُ العلمِ وتعليمُه مِن
أفضلِ أعمالِ البرّ، وقد رَضِيتُ بما فتَح اللهُ لى فيه مِن ذلك، وما أظنُّ ما أنا فيه
بدُونٍ ما أنت فيه ، وأرجو أن يكونَ كِلانا على خيرٍ، ويجبُ على كلِّ واحدٍ منّا
أن يَرضَى بما قُسِم له ، والسلامُ. هذا معنَى كلامٍ مالكٍ؛ لأَنِّى كتَبْتُه مِن حِفْظِی
وسقط عنِّی فی حین کتابتی أصلی منه .
وأمَّا قولُه: ((مَن أَنفَق زَوجَين)). فمعناه(١) عندَ أهلِ العلمِ: مَن أَنفَق شَيئَيْنِ
مِن نوعٍ واحِدٍ ؛ نحوَ درهمين، أو دينارَين، أو فرسَين، أو قميصَين، وكذلك
مَن صلَّى ركعتين، ومشَى فى سبيلِ اللهِ خُطوتَين ، أو صام يومَين ، ونحو ذلك
كلِّه، وإنَّما أراد ، واللهُ أعلمُ، أقلَّ التَّكرارِ، وأقلَّ وجوهِ المُداومة على العملِ مِن
أعمالِ البرّ؛ لأن الائتَيْن أقلُّ الجمع، ومِن أعلَى مَن رُوِّينا عنه هذا التفسيرَ فى
زَوجَينِ فى هذا الحديثِ ، الحسنُ البصرىُّ رحِمَّه اللهُ .
حدثنی أحمدُ بنُ فتح، قال: حدثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ ز کریا
القبس
(١) فى م: ((معناه)).
٥١٥

الموطأ
التمهيد النيسابورىُّ، قال: حدثنى عمَّى أبو زكريا يحيى بن زكريا، قال: حدثنا محمدُ
ابنُ يحيى، قال : حدثنا يزيدُ بنُ هارونَ ، قال : أنبأنا هشام، عن الحسن قال :
حدثنى صَعْصَعَةُ بنُ معاويةً، قال: لَقِيتُ أبا ذَرٌ وهو يقودُ بعيرًا له فى عُنُقِهِ قِرْبةٌ ،
فقلتُ : يا أبا ذَرٍّ، ما لك؟ قال: لى عملٌ. قلتُ: حدِّثْنى حديثًا سَمِعتَه مِن
رسولِ اللهِ وَله. قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ وَ لَه يقولُ: ((ما مِن مسلمين يموتُ
لهما ثلاثةٌ مِن الولدِ لم يَبْلُغوا الحِنْثَ، إلَّا أدخَلهما اللهُ بفضلٍ رحمته إياهم
الجنةَ، وما مِن مسلمٍ أنفَق زَوجَينٍ مِن مالِه فى سبيلِ اللهِ ، إِلَّ ابْتَدَرَتْه حَجَبَةٌ
الجنة)) . قال : فكان الحسنُ یقول : زَوجینِ ؛ درهمین ، دِینارین ، عبدین ، مِن
كلِّ شىءٍ اثنان(١).
وفى هذا الحديثِ دليلٌ على أن للجنَّةِ أبوابًا، وقد قيل : إن أبوابَ الجنةِ
ثمانيةٌ ، وأبوابَ جهنمَ سبعةٌ . أَجارَنا اللهُ مِن جهنَّمَ، وأدخَلنا الجنَّةَ برحمتِه
آمِينَ. وقد قال بعضُ أهلِ العلم بالقرآنِ واللغةِ : إن الواوَ فى قولِه عزَّ وجلَّ:
﴿وَسِيقَ الَّذِينَ أَنَّقَوْ رَبَّهُمْ إِلَىَ الْجَنَّةِ زُمَرًّا حَتَّىَ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ
أَبْوَبُهَا﴾ [الزمر: ٧٣]. فذكَر ذلك بالواوٍ، وقال فى جهنَّمَ: ﴿فُتِحَتْ
أَبْوَبُهَا﴾ [الزمر: ٧١]. بلا واوٍ. قال: فالواوُ فى ذِكْرِ الجنَّةِ هى وأوُ الثمانيةِ ؛
لأن للجنَّةِ ثمانِيةَ أبوابٍ، فمِن هناك ذُكِرَتِ الواوُ فى ذلك. وواؤُ الثمانيةِ
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٤٨/٥، ٣٤٩، وأحمد ٣٥٨/٣٥ (٢١٤٥٣)، وأبو عوانة (٧٤٨٣)
من طريق يزيد بن هارون به، وأخرجه الدارمى (٢٤٤٧)، والبيهقى ١٧١/٩ من طريق هشام بن
حسان به .
٥١٦

الموطأ
عندَهم معروفةٌ، مِن ذلك قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿ التَِّبُّونَ الْعَِدُونَ الْحَمِدُونَ التمهيد
السَكَبِحُونَ الزَّكِعُونَ السَّجِدُونَ اْلَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾
[ التوبة: ١١٢]. فأدْخَل الواوَ فى الصفةِ الثامنةِ دونَ غيرِها . ومِن ذلك قولُه عزَّ
وجلّ: ﴿عَسَى رَبُّهُ: إِن طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ: أَزْوَجَا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَتٍ
قَئِنَاتٍ تَّبَتٍ عَلِدَاتٍ سَِّحَاتٍ ثَيِّبَتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم: ٥]. فأدخَل الواوَ فى
الصفةِ الثامنةِ ، فسَمَّوا هذه الواوَ واوَ الثمانية، ومنها عندَهم قولُ اللهِ عزَّ
وجلَّ: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّبِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ
كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبٍ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلُّهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢].
وما قالُوا مِن ذلك عندِى حسنٌّ، وقد كان بعضُهم يقولُ: إن الواوَ فى
قوله: ﴿ثَيِّبَتٍ وَأَتْكَارًا﴾. ليست واوَ الثمانيةِ، ولا وجهَ لِمَا أَنْكَر مِن
ذلك. واللهُ أعلمُ .
وقد حدثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال : حدثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال :
حدثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ شَيْئَةَ ، قال : حدثنا أبو مصعبٍ ، قال : حدثنى إبراهيم
ابنُ محمدِ بنِ ثابتٍ ، عن أبيه ، عن عقبةَ بنِ عامرِ الجُهَنِىٌّ ، عن عمرَ بنِ الخطابِ
قال: قال رسولُ اللهِ وَ له: ((مَن توضَّأُ فأسبَغْ وُضُوءَه، ثم قال: أشهدُ أن لا إلهَ
إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأن محمدًا عبدُه ورسولُه. صادقًا مِن نفسِه - أومِن
قلبِه . شكَّ أيَّهما قال - فُتِح له مِن أبوابِ الجنَّةِ ثَمانيةُ أبوابٍ يومَ القيامةِ، يَدخُلُ
مِن أيُّها شاء)). هكذا قال: ((فُتِح له مِن أَبْوابِ الجنَّةِ)) .
القبس
٥١٧

الموطأ
التمهيد
وذكر أبو داود )، عن حسينٍ بن عيسى البِسْطَامِيِّ، قال : حدثنا
عبدُ اللهِ بنُ يزيدَ المُقْرِئُ ، قال: حدثنا حَيْوَةُ بنُ شُرَيْح ، قال : حدثنا أبو عَقِيلٍ،
عن ابنِ عمَّه، عن عُقْبَةَ بنِ عامٍ قال : قال لى عمرُ بنُ الخطابِ : قال رسولُ اللهِ
وَله : ((مَن توضَّأ فأحسن الوضوءَ، ثم رفَع بصرَه إلى السماءِ، فقال: أَشهَدُ أن
لا إلهَ إلَّ اللهُ وَحدَه لاشريكَ له، وأشهدُ أن محمَّدًا عَبدُه ورسولُه . فُتِحت له
ثمانيةُ أبوابٍ مِن الجنَّةِ ، يَدخُلُ مِن أيُّها شَاء)) . ليس هذا الحديثُ عندَ جماعةٍ
مِن رواةِ ((مصنَّفٍ أبى داودَ)) .
وحدثنی محمدُ بنُ إبراهیم ، قال: حدثنا محمدُ بنُ معاویةً ، قال : حدثنا
أحمدُ بنُ شعیب ، قال : أنبأنا محمدُ بنُ علیٍ بن حربٍ ، قال : حدثنا زیدُ بن
حُبابٍ ، قال: حدثنا معاويةُ بنُ صالحٍ، عن ربيعةً بنٍ يزيدَ، عن أبى إدريسَ
الخَوْلانِيٌّ وأبى عثمانَ، عن عقبةَ بنِ عامرٍ، عن عمرَ بنِ الخطابِ قال: قال
رسولُ اللهِ وَله: (( مَن توضَّأ فأحسن الوضوءَ، ثم قال: أشهدُ أن لا إلهَ إلَّ اللهُ،
وأشهدُ أن محمدًا عَبدُه ورسولُه . فُتِحت له ثمانيةُ أبوابٍ مِن الجنَّةِ ، يدخُلُ مِن
(٣)
أيُّها شاء))().
هكذا فى هذه الأخبارِ كلِّها: (( مِن الجنَّةِ)). وقد جاء فى غيرِ هذه الأسانيدِ
القبس
(١) أبو داود (١٧٠) ، ولم يسق لفظه .
(٢) فى م: ((على)). والمثبت من مصدر التخريج، وقال ابن حجر: ذكر ابن عبد البر فى ((التمهيد))
أن أبا داود أخرجه عن الحسن بن على الحلوانى، عن المقرئ. النكت الظراف بحاشية تحفة الأشراف
٣٢٤/٧ . وكل من الحسين بن عيسى والحسن بن علی قد روى عن عبد الله بن يزيد المقرئ وروى
عنهما أبو داود. وينظر تهذيب الكمال ٦/ ٢٥٩، ٤٦٠.
(٣) النسائى فى الكبرى (١٤١). وهو فى المجتبى (١٤٨) لكن فيه: ((ثمانية أبواب الجنة)).
٥١٨

الموطأ
:
فى خَبرِ عمرَ هذا: ((فُتِح له ثَمانيةُ أبوابِ الجنةِ)). ليس فيها ذكرُ ((مِن)). واللهُ التمهيد
أعلمُ .
أخبرنا عبيدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال : حدثنا عبدُ الله بنُ مسرورٍ ، قال : حدثنا
عيسى بنُ مسكينٍ، قال: حدثنا محمدُ بنُ سَنْجَرَ، قال : حدثنا عبدُ اللهِ بنُ
صالحٍ، قال : حدثنى معاويةُ بنُ صالح، عن أبى عثمانَ ، عن جُبَيرٍ ، وربيعةً بنِ
يزيدَ ، عن أبى إدريسَ الخَوْلانيّ، جميعًا عن عقبةَ بنِ عامِرٍ، عن عمرَ بنِ
الخطابٍ، عن النبيِّ وَّ أَنَّه قال: ((ما مِن أحدٍ يتوضَّأُ فيُسبِغُ الوضوءَ، فيقولُ :
أشهدُ أن لا إلهَ إلَّ اللهُ وحده لا شريكَ له، وأن محمدًا عَبدُه ورسولُه. إلَّا فُتِحت
له أبوابُ الجنة الثمانيةُ، يَدخُلُ مِن أيُّها شاءٍ))(١) ..
فعلى هذا اللفظِ أبوابُ الجنةِ ثمانيةٌ كما قالُوا .
وكذلك ما حدثنا قاسمُ بنُ محمدٍ، قال: حدثنا خالدُ بنُ سَعْدٍ (١) ، قال:
حدثنا أحمدُ بنُ عمرو بن منصورٍ ، قال : حدثنا محمدُ بنُ سَنْجَرَ ، قال : حدثنا
عاصمُ بنُ علىّ، قال: حدَّثنا أبو الأحوصِ، عن أبى إسحاقَ ، عن عبدِ اللهِ بنِ
عطاءٍ، عن عقبةَ بنِ عامرِ الجُهَنِىٌّ، عن عمرَ بنِ الخطّابِ، عن النبيِّ نَّإِ قال:
و
(( ما مِن رجلٍ يتوضَّأْ فيُسبغُ الوضوءَ، فيقولُ: أشهدُ أن لا إلَهَ إِلَّ اللهُ وحدَه لا
القبس
(١) أخرجه الفسوى فى المعرفة ٢/ ٤٢٦، ٤٢٧، والبيهقى ٧٨/١ من طريق عبد الله بن صالح به،
وأخرجه أحمد ٦١٥/٢٨ (١٧٣٩٣)، ومسلم (٢٣٤)، وأبو داود (١٦٩) من طريق معاوية بن
صالح به .
(٢) فى م: ((سعيد)). وينظر بغية الملتمس ص ٢٨١، ٤٤٦.
٥١٩

الموطأ
التمهيد شريكَ له ، وأن محمدًا عبدُه ورسولُه. إلَّا قُتِحت له ثمانيةُ أبوابِ الجنَّةِ ، يَدخُلُ
(١)
مِنْ أيُّها شاء))(١).
وقد رُوِّينا مِن حديثٍ مالكٍ فى هذا البابِ حديثًا غريبًا .
حدثنا خلفُ بنُ القاسم، قال : حدثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ أحمدَ
القاضى، حدثنا أبى، حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ بَحِيرِ بنِ رَيْسانَ،
حدثنى أبى ، حدثنا مالكٌ، عن صفوانَ بنِ سُليمٍ ، عن عطاءِ بنِ یسارٍ ، عن أبى
هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ وَلَّهِ: ((ما مِن أحدٍ يُنفِقُ زوجين مِن مالِهِ إلَّ دُعِى مِن
أبواب الجنةِ الثمانيةِ: يا عبدَ اللهِ ، هذا خيرٌ. فمَن كان مِن أَهلِ الصلاةِ دُعِى مِن
بابِ الصلاةِ، ومَن كان مِن أهلِ الصيامِ دُعِى مِن بابِ الرَّانِ )) .
لا يَصِحُ هذا الإِسنادُ عن مالكِ، ومحمدُ بنُ ("عبدِ الرحمن٣ِ) بنِ بَحيرٍ وَأَبُوه
يُتَّهَمانِ بوضْعِ الأحاديثِ والأسانيدِ .
؛
وقد ذكَر البزَّارُ، عن حاجبٍ بنِ سليمانَ، حدثنا وكيع، حدثنا الثورىُّ،
عن أبى حازم، عن سهلٍ بنِ سعدٍ قال: قال رسولُ اللهِ وَلَهِ: ((إن للجنَّةِ بابًا
يُدعَى الرَّانَ، يَدخُلُ منه الصائمون، فإذا دخَل آخِرُهم أُغلِق(٤)).
القبس
(١) أخرجه الحاكم ٢/ ٣٩٨، ٣٩٩ من طريق أبى الأحوص به، وأخرجه ابن ماجه (٤٧٠) من
طريق أبى إسحاق به. ووقع فى المستدرك: ((ثمانية أبواب من الجنة)). وفى تلخيصه: ((ثمانية أبواب
الجنة)) .
(٢ - ٢) فى م: ((عبد الله بن بحير بن يسار)). وينظر الإكمال ٢٠٠/١، والكشف الحثيث (٦٩١).
(٣ - ٣) فى م: ((عبد الله)).
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٥/٣، والطبرانى (٥٩٧٠) من طريق وكيع به، وأخرجه ابن حبان =
٠
٥٢٠