Indexed OCR Text
Pages 421-440
الموطأ
غرائزُ يضَعُها اللهُ حيثُ شاء؛ فالجبانُ يَفِرُّ عن أبيه وأُمِّه ، والجرىءُ يُقاتِلُ
عمَّا لا يُثُوبُ به إلى رَحْلِه ، والقتلُ حَتْفٌ من الحُتُوفِ، والشهيدُ مَن
احتسَب نفسه على اللهِ .
الاستذكار
كرمُ المؤمنِ تقواه، ودِينُه حسَبُه، ومُروءتُه خُلُقُه، والجرأةُ والجبنُ غرائزُ
يضعُها اللهُ حيثُ يشاءُ؛ فالجبانُ يفِرُّ عن أبيه وأمِّه، والجرىءُ يقاتِلُ عمَّن
لا يُوبُ به إلى رَحْلِهُ(١)، والقتلُ حَتْفٌ من الخُتوفِ، والشهيدُ مَن
احتسَب نفسَه على اللهِ (٢).
قال أبو عمرَ : أما قولُه: كرمُ المؤمنِ تقواه . فمِن قولِ اللهِ تعالى: ﴿إِنَّ
أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَكُمْ﴾ [الحجرات
﴿إِنَّ أَكْرَ مَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقْنَكُمْ﴾. فليس(١) يُشرِّفُ المرءَ ولا يُجِلُّ قدْرَه إلا قدْئُ القبس
تقواه ، كما أنه لا فخرَ بحسَبٍ ولا نَسَبٍ ولا استعداد بهما ، إنما الاستعدادُ بالدینِ ؛
قال النبيُّ وَلَّ: ((الناسُ معادنُ، خيارُهم فى الجاهليَّةِ خيارُهم فى الإسلامِ إذا
فَقُهوا)) (٥) . كما أن الرجلَ لا تكونُ له مروءةٌ إلا بحُسنِ الخُلقِ، وهى مأخوذةٌ من
(١) أى من غير نظر لنفع يعود عليه. شرح الزرقانى ٥٢/٣.
(٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٨/٨ ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٩٣٦).
(٣) فى ج، م: ((فلن)).
(٤) سقط من : ج .
(٥) أخرجه البخارى (٣٤٩٣)، ومسلم (٢٥٢٦) من حديث أبى هريرة .
٤٢١
الموطأ
وأما قولُه: ودينُه حسَبُهُ(١) . فإِنه أراد أن الحسَبَ الرفيعَ حقيقةً الدينُ ، فمن
الاستذكار
انتسب إلى أپ ذی دین فھو الحَسِبُ ، وهذا إنکارٌ منهعلى مَن يَنتسِبُ إلى أُبِ
كافرٍ يفخَّرُ به، كما جاء فى الحديثِ المرفوع على طريقِ العَيْبِ: (( ينتسبون
إلى حِمَمٍ من حِمِمٍ جَهنمَ ، لَمَا يُدَهْدِهُ الجُعَلُ(٢) بأنِفِه خيرٌ منهم)) (٤) .
وكذلك قولُهُ مَِّ: (( ثلاثٌ لا تزالُ فى أُمَّتى؛ النياحةُ على الموتى،
والاستمطارُ بالأنواءِ، والتفاخرُ بالأحسابِ)) (٥). خرَج أيضًا على سبيلٍ(١) الذمّ .
القبس المرءِ؛ فإن (٧) الرجلَ لا يكونُ امرأً"). بصورته الظاهرةِ التى يُشارِكُه فيها
البهائمُ، وإنما يكونُ امرأً بأخلاقِه الباطنةِ التى بها شرفُ الآدميةِ؛ فلا يكونُ
سبعًا ضاريًا فى الإذايةِ، ولا ثعلبًا فى المَكرِ والخيانةِ، ولا خِنزيرًا فى
الجشعِ ) والحرصِ، إلى غيرِ ذلك من أخلاقِ البهيمةِ"(١) الدنيئةِ، ثم قال:
(١) بعده فى س: ((مروءته خلقه)).
(٢ - ٢) فى الأصل: ((ذكر العيب))، وفى م: ((ذكر الكفرة)).
(٣) يدهده: يدحرج، والمراد النتن الذى يدحرجه، والجعل حيوان معروف كالخنفساء. النهاية ٢٧٧/١،
٠١٤٣/٢
(٤) أخرجه أحمد ٤٥٥/١٦ (١٠٧٨١)، وأبو داود (٥١١٦)، والترمذى (٣٩٥٥) من حديث
أبى هريرة بنحوه .
(٥) تقدم تخريجه فى ٦/ ٤٧٤.
(٦) فى الأصل، م: ((حساب)).
(٧) فى ج: ((كأن)).
(٨) فى ج، م: ((رجلا)).
(٩) أشار الناسخ فى حاشية د إلى أنها فى نسخة: ((الجمع)).
(١٠ - ١٠) فى م: ((الأخلاق البهيمية)).
٤٢٢
الموطأ
ومثلُه ما رُوِى عنه وَّلِ أنه قال: ((إن أحسابَ أمتى التى ينتمون إليها المالُ))(١). الاستذكار
خرَّج(٢) هذا أيضًا على وجهِ الذمّ؛ لأنه قال ◌َِّ: ((لكلِّ أمةٍ فتنةٌ، وفتنةُ أمتى
المالُ))(٢). ومِن هذا قولُه: «تُنكَحُ المرأةُ على حَسَبِها، وعلى مالِها، وعلى
جَمالِها ، وعلى دينها ، فعليك بذاتِ الدينِ )) (١).
وأما قولُه: ومروءتُه خُلُقُه. فمِن قولِ رسولِ اللهِ وَالَ: ((إنما يُعِثتُ لأتمِّمَ
محاسنَ الأخلاقِ)). أو قال: ((حسنَ الأخلاقِ)) (٤). فلا تكادُ تجِدُ حَسَنَ
القبس
والجرأَةُ والجبنُ(٥) غرائزُ يضعُها(١) اللهُ حيثُ شاء. يريدُ أن ما تقدَّم يصِحُ
اكتسابُه، بخلافِ الجرأةِ والجُبنِ فإِنها وضعٌ من اللهِ عزَّ وجلَّ فيه، وذلك
بِحَسَبٍ ما يكونُ من قوةٍ قلبِهِ وضعفِهِ، أَمَا إنه قد يَكتسِبُ العبدُ فيها(١) دُربةٌ
بمكافحةِ الحروبِ، ولم يكْنْ فى الأمَّةِ ولا يكونُ كشجاعةِ أبى بكرٍ
الصدِّيقِ، فإن الشجاعةَ والجرأةَ إنما حدُّها ) ثُبُوتُ القلبِ عندَ محُلولٍ
المصائبٍ، ولا مصيبةَ أعظمُ من موتِ النبيِّ نَّهِ، فَظهَرت فيها شجاعةُ أبى
بكرٍ وعلمُه؛ قال الناسُ: لمْ يمُتْ رسولُ اللهِ وَلِّ. منهم عمرُ رضِىَ اللهُ
(١) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٢٦٠) من الموطأ .
(٢) ليس فى : الأصل ، ب ، م .
(٣) أخرجه أحمد ١٥/٢٩ (١٧٤٧١)، والترمذى (٢٣٣٦) من حديث كعب بن عياض به .
(٤) سيأتى فى الموطأ (١٧٤٢).
(٥) فى م: ((الجهن)).
(٦) فى م: ((يبغضها)).
(٧) فى د: ((فيه)).
(٨) فى م: ((حدهما)).
٤٢٣
الموطأ
الاستذكار الخُلُقِ إِلا ذا مُروءةٍ وصبرٍ. ومنه قولُه، وقد تذاكَروا المُروءةَ عندَه، فقال:
(( مُروءتُنا أن نعفُوَ عمن ظلمنا، ونعطِىَ مَن حرَمنا، ( ونصِلَ مَن قطَعنا))). وهذا
كلُّه لا يَتَمُ إلا بحسنِ الخُلُقِ. وقد رُوِى أن فى حكمةِ داودَ: المُروءةُ الصلامحُ فى
الدينِ، وإصلامحُ المعيشةِ، وسخاءُ النفسِ، وصِلةُ الرحمِ .
وأما قولُه : والجُرأةُ والجبنُ غرائزُ. فلا تحتاجُ إلى تفسيرٍ ولا شرحٍ.
القبس عنه، وخَرسَ ) عثمانُ، واستخفَى علىٍّ، واضْطَرب الأمرُ، فجاء أبو بكرٍ،
وكان غائبًا، فكشَف الثوبَ عن وجهِه الكريم وقال: بأبى أنت وأمى،
طِبْتَ(٢) حيًّا وميتًا، ثم خطَب الناسَ وقال: مَن كان يعبُدُ محمدًا فإِنَّ محمدًا
قد مات، ومَن كان يعبُدُ اللهَ فإن اللهَ حىٍّ لا يموتُ، ﴿وَمَا مُحَمَّدُّ إِلَّا رَسُولٌ
قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ الآية [آل عمران: ١٤٤].
فخرَج الناسُ يَتَلُونها فى سِكَكِ المدينةِ كأنها لم تنزِلْ قطَّ إلا ذلك اليومَ. ولم
يعلَمْ أحدٌ حيثُ يُدفَنُ، فقال أبو بكرٍ رضِىَ اللهُ عنه: سمِعتُه يقولُ: ((لم يُدفَنْ قطُ نبٌ
إلا حيثُ يموتُ))(4). وطلبت فاطمةُ ميراثَها، فقال: سمِعتُه يقولُ: ((إنا معشرَ
الأنبياءِ لا نُورَثُ، ما ترَكْنا صدقةٌ)) (٥). وارتدَّتِ العربُ فمنَعتِ الزكاةَ، فقال له عمرُ
وسِواه : اقتَعْ منهم بالصلاةِ حتى يتمهَّدَ الإسلامُ. فقال: واللهِ لو منَعونى عِقالا كانوا
(١ - ١) ليس فى : الأصل ، م .
(٢) فى د: ((خرش)). والخَرَسُ هو ذهاب الكلام عيًّا أو خلقة. التاج (خ ر س).
(٣) فى د: ((طب)).
(٤) تقدم فى الموطأ (٥٤٧) .
(٥) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٩٤٠) من الموطأ .
٤٢٤
الموطأ
٠
الاستذكار
ذكَرِ أبو بكرِ بنُ أبى شيبةً (١) ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحيم بنُ سليمانَ، عن
مجالدٍ ، عن الشعبيّ، عن مسروقٍ ، قال: ذُكِر الشهدَاءُ عندَ عمرَ بنِ
الخطابِ ، فقال عمرُ للقومِ: ما ترَون الشهداءَ؟ فقال القومُ: يا أميرَ المؤمنين ،
هم مَن يُقْتلُ فى هذه المغازى. فقال : إن شهداءَ کم إذنْ لكثيرٌ ، إنی أخبر كم عن
ذلك؛ إن الشجاعةَ والجبنَ غرائزُ فى الناسِ ؛ فالشجاُ يقاتلُ من وراءٍ من لا يبالى
ألَّ يَتُوبَ به إلى أهلِه، والجبانُ فارّ عن حليلتِهِ، ولكنَّ الشهيدَ مَن احتَسب
القبس
يُؤَدُّونه إلى رسولِ اللهِ لَقاتلتُهم عليه (١٢) . وقيل له: أمسِكْ جيشَ أسامةَ تستعينُ به على
قتالِ أهلِ الرِّدَّةِ . فقال: واللهِ لو لعِبتِ " الكِلابُ بخلاخِيلِ نساءِ أهلِ المدينةِ ما
ردَدْتُ جيشًا أَنفَذَه رسولُ اللهِ نَّهِ. قال له عمرُ: ومعَ مَن تُقاتِلُهم؟ قال له: وحْدِى
حتى تَنْفرِدَ سالِفتى(٢). فكان(١) هذا أصلًا فى ألَّ يَرْدَّ حاكم حكمًا أَنفَذَه غيرُه قبلَه وإن
رأى الناسُ خلافَه، ثم اختلَف المهاجرون والأنصارُ فيمَن تكونُ الإمامةُ ، فقصَّدهم
فى محَلِّهم، وتوسَّط مجتمعَهم، وخطَب ( خُطبتَه المعروفةً ) عليهم فقال: إِنَّ هذا
الأمرَ لا يَصلُحُ إلا لِقريشٍ، هم أصلُ العربِ وأهلُ اللهِ، وقد قال النبىُ وَهِ: ((الأثمَّةُ
من قريشٍ)) . وقد سمَّانا اللهُ الصادقين وسمَّاكم المفلحين ، وقد أمَر كم أن تكونوا
معَنا حيثُ كنا ، فقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَتَّقُواْ اللَّهَ وَّكُونُواْ مَعَ الصَّدِقِينَ﴾
(١) ابن أبى شيبة ٣٤٣/٥، ٣٤٤.
(٢) فى الأصل، ب، م: ((مجاهد)). وينظر تهذيب الكمال ٢١٩/٢٧ - ٢٢١.
(*) من هنا خرم فى المخطوط ((ب)) وينتهى ص ٤٣٨ .
(٣) تقدم تخريجه فى ٤٣١/٨، ٤٣٢
(٤) فى د: ((لقيت)).
(٥) السالفة: هى صفحة العنق وهما سالفتان من جانبيه، وكنّى بانفرادها عن الموت لأنها لا تنفرد عما يليها
إلا بالموت ، وقيل: حتى يفرق بين رأسى وجسدى. وينظر النهاية ٣٩٠/٢، اللسان (س ل ف).
(٦) بعده فى د: (( فى)).
(٧ - ٧) فى د: ((خطبة المعروف)).
(٨) أخرجه أحمد ١٩٩/١ (١٨) بنحوه، وأخرجه أحمد ٣١٨/١٩ (١٢٣٠٧) من حديث أنس بلفظه .
٤٢٥
الموطأ
هـ
ـ
الاستذكار نفسَه، والمهاجر من هجر ما نهَى اللهُ عنه، والمسلمُ من سلِم المسلمون مِن
لسانه ويده .
قال(١): وحدثنا وكيعٌ، قال: حدثنا سفيانُ، عن أبى إسحاقَ، عن حسانَ
ابنِ فائدِ العبسىِّ قال: قال عمرُ: الشجاعةُ والجبنُ غرائزُ فى الرجالِ ؛ فيقاتلُ
الشجاعُ عمَّن يعرِفُ وعمَّن لا يعرِفُ، ويفِرُ الجبانُ عن أبيه وأمُّه .
قال(١) : وحدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيانُ، عن عبدِ الملِكِ بنِ عُميرٍ ، عن
قَبيصةَ بنِ جابرٍ قال: قال عمرُ: الشجاعةُ والجبنُ شِيمةٌ وخُلُقٌ فى الرجالِ ؛
فيقاتلُ الشجاعُ عمَّن لا يبالى ألَّ يَتُوبَ به إلى أهلِه، ويفرُ الجبانُ عن أبيه
وأمّه .
قال(٣): وحدثنا محمدُ بنُ بكرٍ ، عن ابن جريج، عن عبدِ الكريمِ قال :
قالت عائشةُ : مَن أحسَّ مِن نفسِه جبنًا فلا يَغزُ .
القبس [التوبة: ١١٩]. وقد قال فى آخرِ خُطبةٍ خطَبها: ((أوصيكم بالأنصارِ خيرًا)) (٤). ولو
كان لكم فى الأمرِ شىءٍ ما وصّى بكم .
وأما قولُه: القتلُ حتفٌ من الحتوفِ (٥) . فإن ذلك إشارةٌ إلى أن الأُجلَ بيدِ اللهِ
تعالى، وأن خيرَ مواقعِه الشهادةُ التى يحتسِبُ نفسَه فيها الشهيدُ على الله تعالی.
(١) ابن أبى شيبة ٢٣٣/١٢.
(٢) ابن أبى شيبة ٢٣٣/١٢، ٢٣٤.
(٣) ابن أبى شيبة ٣٥٢/٥.
(٤) أخرجه البخارى (٣٧٩٩) من حديث أنس مطولًا .
(٥) فى د: ((الخوف)).
٤٢٦
الموطأ
العملُ فى غَسلِ الشهيدِ
١٠١٥ - مالكٌ، عن نافع، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أن عمرَ بنَ
قال(١) : وحدثنا وكيعٌ، قال: حدثنا همام، عن أبي عمران الجونيّ قال: الاستذكار
قال رسولُ اللهِ وَّةِ: (( للجبانِ أجران)).
وأما قولُه : والشهيدُ مَن احتَسب نفسَه على اللهِ . فقد جاء عنه ما يفسّرُ قولَه
هذا .
روَى سفيانُ بنُ عيينةَ، عن عمرٍو بنٍ دينارٍ ، عن ابنِ شهابٍ قال : أصِيبت
سَريّةٌ على عهدٍ عمرَ بنِ الخطابِ ، فتكلّم الناسُ فيها ، فقام عمرُ على المنبرِ ،
فحمِد اللهَ، وأثنى عليه، ثم قال : إِن الرجلَ يقاتلُ حَمِيةٌ ، ويقاتلُ رياءً ، ويقاتلُ
شجاعةٌ ، واللهُ تعالى أعلمُ بنِيَّاتِهم وما قُتِلوا عليه، وما منَّا أحدٌ يعلمُ ما هو
مفعولٌ به إلا هذا؛ و"رسولُ اللهِ وَِّ غَفَرَ اللهُ له ما تقدَّم مِن ذنبِه وما تأخّر (١).
قال أبو عمرَ : هذا أيضًا يدُلُّ على ما تقدَّم ؛ ألَّ يُقطَعَ بفضلٍ فاضِلٍ على مثلِه
فى ظاهرِ أمرِه ، وأن يُسكّتَ فی مثلِ هذا .
بابُ العملِ فى غَسلِ الشهداءِ
ذكَر فيه مالكٌ ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ ، أن عمرَ بنَ الخطابِ غُسِل وكفِّن
القبس
(١) ابن أبى شيبة ٢٦٢/١١ (طبعة الرشد).
(٢ - ٢) فى الأصل، م: ((أحد هو أعلم مما يفعل به إلا هذا)).
(٣) ينظر ما تقدم ص ٤١٩، ٤٢٠.
٤٢٧
الموطأ الخطابِ تُسِل وكُفِّن وصُلِّى عليه، وكان شهيدًا ، يرحَمُه اللهُ .
الاستذكار وصُلَّى عليه، وكان شهيدًا رضِى اللهُ عنه(١).
ذكَر عبدُ الرزاقِ (١) ، قال: أخبرنا ابنُ جريج، عن عطاءٍ، قال: ما رأيتُهم
يَغْسِلُون الشهيدَ، ولا يُحِّطُونَه، ولا يُكفِّئُونه. قلتُ: كيف يُصلَّى عليه؟
قال(٣): كما يُصَلَّى على الذى ليس بشهيدٍ .
قال(٤) : وأخبرنا ابنُ جريج، قال: سألنا سليمانَ بنَ موسى: كيف الصلاةُ
على الشهيدِ عندَكم؟ قال: كما (٥) يُصلَّى على غيرِ الشهيدِ. وسألناه عن دفنٍ
الشهيدِ، فقال: أمَّا إذا مات فى المعركةِ فإنما ندفتُه كما هو، ولا نَغسِلُه ولا
نُكفِّئُه ولا نُحتَّطُه. قال: وأمَّا إذا انقلَيْنا به وبه رَمقٌ، فإنا نَغْسِلُه ونُكفِّئُه ونُحتَّطُه ،
وجَدنا الناسَ على ذلك، وكان عليه مَن مضى مِن الناسِ قبلَنا .
قال(٢) : وأخبرنا معمر، عن أيوب، عن نافع، قال: كان عمرُ من خیرِ
الشهداءِ، فغُسِل وكُفِّن وصُلِّى عليه؛ لأنه عاش بعدَ طعنِه .
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٨/٨ ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٩٣٧). وأخرجه
الشافعى ٢٦٨/١، وابن سعد ٣٦٦/٣، والبيهقى ١٦/٤، وابن عساكر ٤٤٩/٤٤ من طريق
مالك، به .
(٢) عبد الرزاق (٦٦٣٨).
(٣) فى الأصل، م: ((قلت)).
(٤) عبد الرزاق (٦٦٤٣، ٩٥٨٩).
(٥) فى الأصل، م: (( کیف)).
(٦) عبد الرزاق (٦٦٤٥، ٩٥٩١).
٤٢٨
مالكٌ ، أنه بلغه عن أهل العلم ، أنهم كانوا يقولون : الشهداء فى
سبيلِ اللهِ لا يُغسَلون ، ولا يُصلَّى على أحدٍ منهم، وإنهم يُدفَنون فى
الموطأ
الاستذكار
قال(١) : وأخبرنا الحسنُ بنُ عُمارةَ، عن الحكم، عن یحیی بنِ الجزارِ ،
قال : غُسِل علىّ رضِى اللهُ عنه وكفِّن وصُلِّى عليه.
قال أبو عمرَ: مِن حُجَّةٍ مَن ذهَب إلى هذا - وهو معنى قولٍ مالك - أن
السُّنةَ المجتمَعَ عليها فى موتى المسلمين أنهم يُغسَلون ويُكفَّنون ويُصلَّى
عليهم ، فكذلك حكمُ كلِّ ميتٍ وقتيلٍ من المسلمين ، إلا أن يُجمِعوا على شىءٍ
من ذلك، فيكونَ خصوصًا من الإجماعِ بإجماع . وقد أجمَعوا - إلا من شدّ
عنهم - أن قتيلَ الكفارِ فى المعترَكِ إذا مات من وقته قبلَ أن يأكل ويشربَ ، أنه لا
يُغْسَلُ ولا يُصلَّى عليه، فكان مُستثنى من السُّنةِ المجتمَعِ عليها بالسُّنةِ المجتمَعِ
عليها، ومَن عَدَاه فحكمُه الغَسلُ والصلاةُ . وباللهِ التوفيقُ .
ومن حُجَّةٍ من جعَل قتيلَ البُغاةِ والخوارجِ واللصوصِ، وكلَّ من قُتِل ظلمًا ،
إذا مات من وقتِه، كقتيلِ الكفارِ فى الحربِ إذا مات فى المُعترَكِ - القياسُ على
قتيلِ الكفارِ ، قالوا: وأما عمرُ وعلىّ فإنهما غُسِلا وصُلِّى عليهما؛ لأنهما عاشا
وأكَّلا وشرِبا بعدَ أن أُصيبا . وباللهِ التوفيقُ.
التمهيد
مالكٌ ، أنه بلَغه عن أهلِ العلم أنَّهم كانوا يقولون : الشهداءُ فى سبيلِ اللهِ لا
يُغْسَلون ، ولا يُصلَّى عليهم، ويُدفَنون فى الثيابِ التى قُتِلوا فيها(١).
القبس
(١) عبد الرزاق (٦٦٤٦، ٩٥٩٣).
(٢) الموطأ برواية أبى مصعب (٩٣٩).
٤٢٩
الموطأ الثياب التى قُتلوا فيها .
قال يحيى : قال مالكٌ: وتلك الشُنَّةُ فيمن قُتِل فى المعترَكِ فلم
يُدرَكْ حتى مات. قال: وأمَّا مَن حُمِل منهم فعاش ما شاءَ اللهُ بعدَ
ذلك، فإنه يُغْسَلُ ويُصلَّى عليه، كما عُمِل بعمرَ بنِ الخطابِ رضِى اللهُ
عنه .
التمهيد
قال مالكٌ: وتلك السُّنةُ فيمن قُتِل فى المُعتَركِ فلم يُدرَكْ حتى مات . قال:
وأمَّا من حُمِل منهم فعاش ما شاء اللهُ بعدَ ذلك، فإنه يُغْسَلُ ويُصلَّى عليه، كما
عُمِل بعمرَ بنِ الخطابِ رضِى اللهُ عنه .
وذكّر مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، أن عمرَ بنَ الخطابِ رضِى اللهُ عنه
تُسِل وكُفِّن وصُلِّى عليه، وكان شهيدًا رحمه اللهُ .
قال أبو عمرَ: فيما حكاه مالكٌ عن أهلِ العلم فى هذا البابٍ فى الشهداءِ
المقتُولين فى المعتَركِ أَنَّهم لا يُغْسَلون، ولا يُصلَّى عليهم ، حديثُ جابر انفَرَد به
الليثُ ، عن الزهرىِّ، عن عبد الرحمنِ بنِ كعبِ بنِ مالكِ ، أن جابرَ بنَ عبدِ اللهِ
أخبره، أنَّ رسولَ اللهِ وَلِّ كان يجمعُ بينَ (١) الرَّجلَین مِن قَتْلَى أُحدٍ فى ثوب
واحدٍ، ويقولُ: ((أَيُّهما أكثرُ قرآنًا؟)). فإذا أَشَاروا إلى أحدِهما قدَّمه فى اللَّحدِ،
وقال: ((أنا الشَّهيدُ على هؤلاء يومَ القيامةِ)). وأمَر بدفنِهم بدمائهم ولم يصلُ
عليهم ولم يُغْسَلوا .
القبس
(١) ليس فى : الأصل، ر.
٤٣٠
الموطأ
التمهيد
ذكره أبو داودَ (١) ، عن قتيبةَ ويزيدَ بنِ خالدٍ ، جميعًا عن الليثِ .
و کذلك رواه ابنُ وهب، عن اللیثِ(٢) .
وفى هذا البابِ أيضًا حديثُ شعبةَ، عن عبدِ ربِّه ("بنِ سعيد٣ٍ)، عن
الزهرىِّ، عن ابنِ جابرٍ، (٢)عن جابرٍ)، عن النبيِّ أَخَ(9).
وفیه عن الزهرى ، عن أنسٍ . رواه أسامةُ بنُ زیدٍ عنه. ذكره ابنُ وهب ، عن
أسامةَ بنِ زيدٍ، عن الزهرىِّ، عن أنسٍ، أن شهداءَ أَحدٍ لم يُغْسَلوا ودُفِنوا
بدمائهم، ولم يُصلَّ عليهم(٢) .
ورواه ابنُ عباسٍ أيضًا، ذكَره أبو داودَ(٧) قال: أخبرنا زيادُ بنُّ أيوبَ، حدَّثنا
علىُّ بنُ عاصمٍ، عن عطاءِ بنِ السائبِ ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ ، عن ابن عباسٍ قال :
أمَر رسولُ اللهِ وَلَّه بقتلَى أَحدٍ أن يُنزعَ عنهم الحديدُ والجلودُ، وأن
يُدفَنوا بدمائهم وثيابِهم .
ورواه ابن وهب ، عن عبدِ اللهِ بنِ الشّمح ، أنّه أخبره، عن عبّادِ بنِ کثیرٍ ،
القبس
(١) أبو داود (٣١٣٨).
(٢) أخرجه أبو داود (٣١٣٩) من طريق ابن وهب به .
(٣ - ٣) سقط من: ف، ر، ر١.
(٤ - ٤) سقط من: م.
(٥) تقدم تخريجه ص ٣٩٦.
(٦) أخرجه أبو داود (٣١٣٥) من طريق ابن وهب به .
(٧) أبو داود (٣١٣٤).
٤٣١
الموطأ
التمهيد عن" عطاءٍ بنِ السائبِ ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ قال: قال النبى
وَ لَهُ يومَ أحدٍ: ((انْزِعوا عنهم الحديدَ، وادْفِنوهم فى ثيابِهم)).
واختَلَف الفقهاءُ فى غَسْلِ الشُّهداءِ والصلاةِ عليهم ؛ فذهَب مالكٌ، وأبو
حنيفةً، والشافعىُّ، والثورىُّ، والليثُ بنُ سعدٍ، إلى أنَّهم لا يُغْسَلون. وحجّتُهم
حديثُ جابرٍ وسائرُ ما ذكرنا عن النبيِّ وَ لِّ مِن(١) الأحاديثِ فى هذا البابِ.
وبذلك قال أحمدُ بنُ حنبلٍ، والأُوزاعىُّ، وإسحاقُ، وداودُ، وجماعةُ فقهاءِ
الأمصارِ، وأهلُ الحديثِ ، وابنُ عُليةَ. وقال سعيدُ بنُ المِشَّيبِ والحسنُ
البصرىُّ: يُغْسَلُ الشهداءُ(٣) . قال أحدُهما: إنما لم يُغْسَلْ شهداءُ أَحدٍ لكثرتهم
وللشّغلِ عن ذلك . ولم يقلْ بقولِ سعيدٍ والحسنِ هذا أحدٌّ من فقهاءِ الأمصارِ إلا
عبيدَ اللهِ بنَ الحسنِ العَنبرىَّ البصرىَّ، وليس ما ذكَّروا من الشُّغلِ عن غَشْلٍ
شهداءٍ أُحدٍ علَّةٌ؛ لأن كلَّ واحدٍ مِنهم كان له وَلِىٌّ يشتغِلُ به ويقومُ بأمرِهِ،
والعلَّةُ ، واللهُ أعلمُ ، فى تَوْكِ غَسْلِهم ما جاء فى الحديثِ المرفوع فى دمائهم ؛
أنَّها تأتى يومَ القيامةِ كريح المسكِ. رواه الزهرىُّ، عن عبدِ اللهِ بنِ
ثعلبةً، أن النبيَّ وَلِّ قال لقتلَى أَحدٍ: ((زَمِّلوهم بجراحِهم، فإنه ليس من
كُلْم يُكْلَمُه المؤمنُ فى سبيلِ اللهِ إلَّا أَتَى يومَ القيامةِ لونُه لونُ الدمِ،
وریحُه ريح المسكِ)))).
القبس
(١ - ١) فى م: ((عمر بن الخطاب)).
(٢) فى م: ((مثل)).
(٣) ينظر مصنف عبد الرزاق (٦٦٥٠، ٩٥٩٦)، ومصنف ابن أبى شيبة ٢٥٣/٣، ٢٩١/١٢.
(٤) تقدم تخريجه ص ٤١٣ .
٤٣٢
الموطأ
ورُوِى مثلُ هذا من وجوهٍ ، فبان أن العلَّةَ ليست الشُّغلَ كما قال من قال التمهيد
ذلك . وليس لهذه المسألةِ مَدْخَلٌ فى القياسِ والنظرِ ، وإنما هى مسألةُ اتباع للأثرِ
الذى نقَلْه الكافةُ فى قَتْلَى أَحُدٍ أنهم لم يُغْسَلوا، ولثبوتِ أخبارِ الآحادِ العدولِ
بذلك عن النبيِّ بَّلَه. وقد احتَجَّ بعضُ المتأخِّرين ممن ذهَب مذهبَ الحسنِ
وسعيدٍ فى هذه المسألةِ بقولِهِ وَِّ فى شهداءٍ أَحدٍ: ((أنا شهيدٌ على هؤلاء يومَ
القيامةِ)). وقال: هذا يدُلُّ على خصوصِهم، وأنهم لا يَشْرَكُهم فى ذلك
غيرُهم . قال : ويلزَمُ مَّن قال فى المحرِمِ الذى وقَصته ناقتُه ، فقال فيه رسولُ اللهِ
وَلَه: ((لا تُخمِّروا رأسَه، ولا تُقرِّبوه طِيبًا؛ فإنه يُبعَثُ ملبيًا)) (١). أن ذلك
خصوصٌ، بذكْرٍ بَعْثِه مليًّا، ولا يقالُ ذلك فى غيرِهِ . أن يقولَ مثلَ ذلك فى
الشهداءِ بِأَحدٍ؛ لقولٍ رسولِ اللهِ وَّلِّ لشهداءٍ أَحدٍ: «أنا شهيدٌ على هؤلاءِ)).
ءُ
وخصَّهم بتركِ الغَسْلِ .
قال أبو عمرَ: القولُ بهذا خلافٌ على الجمهورِ ، وهو يُشبِهُ الشُّذوذَ ،
ء
والقولُ بتركِ غَسلِهم أولى، لثبوتِ ذلك عن النبيِّ وَّ فِى قَتَلَى أَحدٍ وغيرِهم.
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، "حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ)، حدَّثنا أبو داودَ ،
حدَّثنا عبيدُ اللهِ بنُ عمرَ، حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهدىٍّ، عن إبراهيمَ بنِ
طَهِمانَ ، عن أبى الزبيرِ ، عن جابرٍ قال: رُمِى رجلٌ بسهم فى صدرِه أو فى حَلْقِه
القبس
(١) تقدم تخريجه فى ٦٩/١٠.
(٢ - ٢) سقط من: م.
٤٣٣
(موسوعة شروح الموطأ ٢٨/١٢)
الموطأ
التمهيد فمات، فأدرج فى ثيابِه كما هو. قال: ونحن مع رسولِ اللهِ وَه(١).
(١)
وأما الصلاةُ عليهم، فإن العلماءَ اختَلَفوا فى ذلك، واختلفت فيه الآثارُ؛
فذهَب مالكٌ، والليثُ ، والشافعىُّ، وأحمدُ ، وداودُ ، إلى ألَّا يُصلَّى عليهم؛
لحديثِ الليثِ ، عن الزهرىِّ، عن ابنٍ كعبِ بنِ مالكِ، عن جابرٍ، عن النبىّ
وَالْ﴿ بذلك فى قتلى أَحدٍ، على ما تقدَّم ذِكرُهُ(١) . وقال فقهاءُ الكوفة والبصرةِ
والشامٍ: يُصلَّى عليهم. وروَوْا آثارًا كثيرةً أكثرُها مراسيلُ، أن النبىّ وَهِ صِلَّى
على حمزةً وعلى سائرٍ شُهداءٍ أُحدٍ (٣) .
وأجمع العلماءُ على أن الشهيدَ إذا محُمِل حيًّا ولم يَمُتْ فى المعتَركِ،
وعاش ()وأكَل٢٤ ، فإنه يُصلَّى عليه كما صُنِعِ بعمرَ رضِى اللهُ عنه . واختلفوا فى
غَسلِ من قُتِل مظلومًا؛ كقتيلِ الخوارجِ، وقُطّاعِ السبيلِ، واللصوصِ، وما
أشبهَ ذلك ممن قُتْل مظلومًا؛ فقال مالك: لا يُحْسَلُ(٥) مَن قتله الكفارُ ومات فى
المُعتَركِ، هذا وحدَه، وأما مَن قُتِل فى فتنةٍ أو ثائرةٍ، أو قتله اللصوصُ ، أو
البُغاةُ ، أو قُتْل قَوَدًا، أو قتَل نفسَه، وكلَّ مقتولٍ غيرِ المقتولِ فى المعتركِ قتيلٍ
القبس
(١) أبو داود (٣١٣٣)، وابن طهمان فى مشيخته (٣٦)، ومن طريقه أحمد ٢٠٩/٢٣
(١٤٩٥٢)، والبيهقى ١٤/٤.
(٢) تقدم تخريجه ص ٤٣١ .
(٣) ينظر مصنف عبد الرزاق (٦٦٥٣، ٩٥٩٩)، والطبقات لابن سعد ١٦/٣، وشرح معانى الآثار
٥٠٣/١، والحلية لأبى نعيم ٩/ ٦١.
(٤ - ٤) فى ف، م: ((أقل شىء)).
(٥) بعده فى الأصل، م: ((إلا)).
٤٣٤
١٠٫٠٠
الموطأ
الكفارِ ، فإنه يُغْسَلُ ويصلَّى عليه. وقال أبو حنيفةَ والثورىُّ: كلُّ مَن قُتِل التمهيد
مظلومًا لم يُعْسَلْ، ولكنه يُصلَّى عليه وعلى كلِّ شهيدٍ. وهو قولُ سائرٍ أهلٍ
العراقٍ . ورَوَوْا من طرقٍ كثيرةٍ صِحاحٍ عن زيدِ بنِ صُوحانَ أنه قال: لا تَنزِعوا
عنِّی ثوبًا ، ولا تغسلوا علِّی دمًا، واڈفنونی فی ثیایی. وقد رُوِی عنه: إلا
الخُقَين (١) . وقُتِل زيدُ بنُ صُوحانَ يومَ الجملِ ، وثبت عن عمارِ بنِ ياسرٍ أنه قال
مثلَ قولِ زيدِ بنِ صُوحانَ(٢) ، وقُتِل عمارٌ بصِفِينَ سنةً سبعٍ وثلاثين، وصَلَّى
عليه علىٌّ ولم يَغْسِلْه (٢).
وروَی هشامُ بنُ حسان ، عن محمدِ بنِ سیرینَ ، فی خبرِ حُجْرِ بنِ عدیِ بنِ
الأَذْبَرِ، أنه قال: لا تُطلِقوا عنِّى حديدًا، ولا تَغْسِلوا عنِّى دمًا، وادْفِنونى فى
ثيابِى، فإِنِّى لاقٍ معاويةَ بالجادَّةِ ، وإنى مُخاصِمٌ .
وللشافعيِّ فى ذلك قولان؛ أحدُهما ، يُغْسلُ جميعُ الموتى إلا من قتله أهلُ
الحربِ . والآخرُ، لا يُعْسَلُ قَتيلُ البُغاةِ . وقولُ أحمدَ بنِ حنبلٍ فى هذا البابِ كلِّه
کقول مالك سواءً .
القبس
(١) أخرجه ابن سعد ٦/ ١٢٥، وعبد الرزاق (٦٦٤٠، ٩٥٨٦)، وابن أبى شيبة ٢٨٧/١٢،٢٥٢/٣،
٢٨٨.
(٢) أخرجه ابن سعد ٢٦٢/٣، وابن أبى شيبة ٢٥٣/٣، ٢٨٨/١٢، وابن أبى عاصم فى الآحاد
والمثانى (٢٧٠)، والبيهقى ١٨٥/٨.
(٣) أخرجه ابن سعد ٢٦٢/٣.
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٥٢/٣، والحاكم ٤٦٩/٣، ٤٧٠ من طريق هشام به .
٤٣٥
الموطأ
ما يُكرَهُ من الشىءٍ يُجعَلُ فى سبيلِ اللهِ
التمهيد
وروَى شعبةٌ (١)، والثورىُّ(١)، ومِشعرٌ، بمعنى واحدٍ ، عن قيسٍ بنِ مسلمٍ،
عن طارقٍ بنِ شهابٍ، أن سعدَ بنَ عُبيدِ القارئَ، وهو أبو زيدٍ، قال يومَ .
القادسيةِ: إنى مُستشهَدٌ غدًا، فلا تَغسِلوا عنِّى دمًا ، ولا تنزِعوا عنِّى ثوبًا .
وسُئل مكحولٌ عن الشهيدِ: أَيُصلَّى عليه؟ قال: نعم، ويُنْزَعُ عنه كلُّ خُفِّ
ومِنْطَقةٍ وخاتَمٍ وجِلدٍ إِلا الفَروَ فإنه من ثيابِه ، ولا يُنزَُ عنه شىءٌ من ثيابِهِ ، ولا
يُرادُ عليه ثوبٌ إلا أن تُضمَّ عليه ثيابُه بثوبٍ يَلُقُونه به . قال مكحولٌ: فإن لم يُقتلْ
قَعْضًا (٣) ولم يُجهَزْ عليه، وبات وطَعِم ثم مات، نُزِعت عنه ثيابُه وطُهِّر. وهو
قولُ فقهاءِ الشامِ ؛ الأوزاعىّ، وسعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ، وجماعتهم.
قال أبو عمرَ: غَسْلُ الموتَى قد ثبت بالإجماع وتَقْلِ الكافةِ ، فواجبٌ غَسْلُ كلِّ
ميتٍ إلا مَن أُخرَجِه إجماعٌ أو سنةٌ ثابتةٌ . وهذا قولُ مالكٍ. واللهُ الموفِّقُ للصوابِ.
الاستذكار
بابُ ما يُكرَّهُ من الشىءِ يُجعلُ فى سبيلِ اللهِ
هكذا وقَعت ترجمةُ هذا البابِ عندَ يحيى ، ولم يذكُرْ فيه إلا حديثَ يحيى
ابنِ سعيدٍ فى حملٍ عمرَ إلى الشامِ وإلى العراقِ . وترجمةُ البابِ عندَ القعنبیِّ وابنٍ
القبس
(١) ذكره ابن الأثير فى أسد الغابة ٣٥٩/٢، وأبو نعيم فى المعرفة ٤٠٤/٢ عن شعبة به .
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٩٥٨٨)، وابن سعد ٤٥٨/٣، والطبرانى (٥٥٤٠)، والبيهقى ١٨٦/٨
من طريق الثورى ، عن قيس، عن عبد الرحمن بن أبى ليلى، عن سعد بن عبيد .
(٣) القَعْصُ: أن يُضرب الإنسان فيموت مكانه. النهاية ٨٨/٤.
٤٣٦
الموطأ
١٠١٦ - مالكٌ، عن يحيى بن سعيدٍ، أن عمرَ بنَ الخطابِ كان
يَحمِلُ فى العامِ الواحدِ على أربعينَ ألفَ بعيرٍ؛ يحملُ الرجلَ إلى الشامِ
على بعيرٍ ، ويحملُ الرجلَين إلى العراقِ على بعيرٍ ، فجاءه رجلٌ من أهلِ
العراقِ فقال: احمِلْنى وسُحْمًا. فقال له عمرُ بنُ الخطابِ: نشَدتُكَ
اللهَ ، أسُحَيمُ زِقٌّ ؟ قال له : نعمْ .
الاستذكار
بكيرٍ : بابُ ما يُكرهُ من الرجعةِ فى الشىءٍ يُجعلُ فى سبيلِ اللهِ . وفيه عندَهما
حديثُ عمرَ فى الفرسِ الذى حَمَّل عليه فى سبيلِ اللهِ ، من طريقِ زيدِ بنِ أسلمَ ،
ومن طريقِ نافعٍ (١) ، ثم حديثُ(١) يحيى بن سعيدٍ هذا. وقد ذكرنا حديثَ عمرَ
فى كتابِ الزكاةِ . وحديثُ هذا البابِ لم يقعْ فى رواية يحيى بنٍ يحيى فى
((الموطأُ)) إلا فى هذا البابِ.
مالكٌ ، عن يحيى بن سعيدٍ ، أن عمرَ بنَ الخطابِ كان يحمِلُ فى العامِ
الواحدِ على أربعين ألفَ بعيرٍ؛ يَحمِلُ الرجلَ إلى الشامِ على بعيرٍ، ويحملُ
الرجلين إلى العراقِ على بعيرٍ، فجاءه رجلٌ من أهلِ العراقِ فقال: احمِلْنى
وسُحَيْمًا. فقال له عمرُ: نشَدتُكَ اللهَ، أَسُحَيْمٌ زِقٌّ(٢)؟ قال: نعم (٤).
قال أبو عمرَ : الحَملُ على الإبلِ والخيلِ سُنةٌ مسنونةٌ ؛ من مالِ اللهِ، ومن
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٨/٨ظ - مخطوط).
(٢) فى الأصل، م: ((حدثنا)).
(٣) الزِّقُّ: السّقاء. اللسان ( ز ق ق ).
(٤) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٩/٨و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٩١٣). وأخرجه ابن
سعد ٣٠٢/٣ من طريق مالك به .
٤٣٧
الموطأ
الاستذكار مالٍ مَن شاء أن يتطوَّعَ فى سبيلِ اللهِ، قال اللهُ عزَّ وجلَّ(٥): ﴿وَلَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا
مَآ أَتَوَّكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَآَ أَجِدُمَا أَخِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾، الآية [التوبة: ٩٢].
وروَى أبو مسعودٍ الأنصارىُّ، عن النبيِّ وَرِ، أنه أتاه رجلٌ فقال: يا
رسولَ اللهِ، إنه أُبدِعَ بِى(١) فاحمِلْنى. فقال له: ((ائتِ فلانًا فاستحمِلْه)). فأتاه ،
فحمّله، ثم أتى النبيَّ وَِّ فأخبره، فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((الدالُّ على الخيرِ
كفاعله)). وقد ذكرنا هذا الحديثَ من طرقٍ فى صدرِ كتابٍ ((العلمِ)) (١).
والحمدُ للهِ .
ومن حديثٍ أبى موسى الأشعرىِّ، أنه أتى النبيَّ وَِّ فى رهطٍ من
الأشعريِّين يَستحمِلُونه، فوجَدُوه غضبانَ، فقال(٢): ((واللهِ لا أحمِلُكم)). ثم
حمَّلهم على الإبلِ، وقال: ((لا أحلِفُ على يمينٍ فأرى غيرَها خيرًا منها إلا
كفَّرتُ عن يمينى وأتيتُ الذى هو خيرٌ )) ).
وذكَّر أبو بكرٍ بِنُ أبى شيبةً(٥) ، قال: حدَّثنا عبدةُ، عن(٩) سعيدٍ، عن قتادةَ ،
أن عثمانَ حمَل فى جيشِ العُشْرةِ على ألفٍ بعيرٍ إلا سبعين .
وروَى سفيانُ بنُّ عيينةً ، عن ابنِ جريج ، عن عطاءٍ ، عن صفوانَ بنِ يَعلى بنِ
القبس
(*) هنا ينتهى الخرم فى المخطوط ((ب)) والمشار إليه ص ٤٢٥.
(١) أبدع بى: انقُطِع بى لكلال راحلتى. النهاية ١٠٧/١.
(٢). جامع بيان العلم وفضله (٥٨، ٥٩).
(٣) بعده فى الأصل، م: (( له)).
(٤) سیأتی تخريجه ص ٦٢٨ .
(٥) ابن أبى شيبة ٤٣/١٢.
(٦) فى الأصل، ب، م: ((بن)). وينظر تهذيب الكمال ١٨/ ٥٣٠، ٤٩٨/٢٣.
٤٣٨
الموطأ
أميةَ، عن أبيه قال: غزوتُ مع النبيِّ نَلَهِ غزوة تبوكَ، فحمَلْتُ فيها على الاستذكار
بَكْرِ(١) ، فكان أوثقَ عملى فى نفسِى " .
وأما حملُ عمرَ رضِى اللهُ عنه الرجلَ من أهلِ الشامِ على بعيرٍ ، والرجلينِ من
أهلِ العراقِ على بعيرٍ، فذلك عندى على حسَبٍ ما أدَّاه إليه اجتهادُه،
وعسى أن يكونَ ذلك فى عامِ دونَ عامٍ؛ لِما رآه من أهلِ العراقِ وأهلِ
الشامٍ، فاجتَهد فى ذلك، وما أُحسَبُ ذلك كان إلا من العطاءِ لأَهلِ
الديوانِ " يُعينُهم على الغزوِ) .
وأمَّا فِراستُه فى الذى أَلَغَز له وأراد التحيَّلَ عليه ليُحمَلَ وحدَهُ " على بعيرٍ،
وهو عراقيٍّ من بينٍ سائرِ أهلِ العراقِ ، فقَطِن له ، فلما ناشدَه اللهَ صدَقه أنه عنى
بقولِه: سُحيمًا. زِقًّا كان فى رحلِه . فذلك معروفٌ من ذكاءِ عمرَ وفَطانتِه،
وكان يتفقُ له(٤) ذلك كثيرًا. ألا ترى إلى قولِه للذى قال له: ما اسمك ؟ قال:
جمرةُ . قال: ابنُ مَن؟ قال: ابنُ شهابٍ. قال: ممن؟ قال: من الحُرَقَةِ . قال :
أين مسكنُك؟ قال : بحرَّةِ النارِ . قال : بأيُّها؟ قال : بذاتٍ لظَّى. قال عمر:
أُدرِكْ أهلَك فقد احترَقُوا . فكان كما قال عمرُ.
القبس
(١) البَكْر: الفتى من الإبل، بمنزلة الغلام من الناس. النهاية ١٤٩/١.
(٢) أخرجه الحميدى (٧٨٨)، والبخارى (٢٩٧٣) من طريق سفيان به .
(٣ - ٣) فى الأصل: ((بعينهم عام غزو))، وفى م: ((بعينهم عام غزوا)).
(٤) ليس فى : الأصل ، م.
٤٣٩
الموطأ
الترغيب فى الجهادِ
١٠١٧ - مالكٌ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللهِ بن أبی طلحةً ، عن أنس
ابنِ مالكٍ قال: كان رسولُ اللهِ وَّه إذا دَهَب إلى قُباءٍ يَدخُلُ على أمّ
حَرام بنتِ مِلْحانَ فتُطْعِمُه، وكانت أَمّ حَرامِ تحتَ عُبادةَ بنِ الصامتِ ،
فدخَل عليها رسولُ اللهِ وَّلَهِ يومًا فأطعَمتْه، وجلَستْ تَفْلِى فى رأسِه،
فنام رسولُ اللَّهِ وَلِّ، ثمّ استيقَظَ وهو يضحكُ، قالت: فقلتُ : ما
يُضحِكُكَ يا رسولَ اللهِ؟ قال: ((ناسٌ من أُمَّتِى عُرِضوا علىَّ غُزاةً فى
ذكره مالكٌ أيضًا عن يحيى بن سعيدٍ (١).
الاستذكار
وقد رُوِى عن النبيِّ وََّ من طرقٍ حِسانِ أنه قال: ((سيكونُ فى أَمَّتى
مُحدَّثون، فإن يكنْ فعمرُ)) . وباللهِ التوفيقُ.
التمهيد
مالكٌ ، عن إسحاق بن عبدِ اللهِ بنِ أبی طلحةً ، عن أنس بن مالك قال : كان
رسولُ اللهِ وَ لَ إذا ذهَب إلى قُباءٍ يَدخُلُ على أَمّ حرام بنتِ مِلحانَ فتَطْعِمُه،
وكانت أمُّ حرامِ تحتَ عُبادةَ بنِ الصامِتِ، فدخَل عليها رسولُ اللهِ وَلَّ يومًا
فَأَطْعَمَتْه ، وجلَستْ تَفْلِى رأسَه، فنام رسولُ اللهِ وَلِّ ، ثم استَئِقَظَ وهو يَضحكُ ،
قالت : فقلْتُ: ما يُضحِكُكَ يا رسولَ اللهِ؟ قال: ((ناسٌ مِن أمَّتِى مُرِضُوا علىَّ
غُزاةً فِى سبيلِ اللهِ ، يَركَبُونَ ثَبَجَ هذا البحرِ ، مُلوكًا على الأسِرَّةِ، أو مثلَ الملوكِ
القبس
(١) فى الأصل، م: ((يحيى)). والمثبت مما سيأتى فى الموطأ (١٨٨٩).
(٢) أخرجه أحمد ١٧٦/١٤ (٨٤٦٨)، والبخارى (٣٦٨٩) من حديث أبى هريرة، وأخرجه
أحمد ٣٢٩/٤٠ (٢٤٢٨٥)، ومسلم (٢٣٩٨) من حديث عائشة .
٤٤٠