Indexed OCR Text

Pages 361-380

الموطأ
عرفةَ. وأجمعوا على أن الإمامَ لو صلَّى بعرفةَ يومَ عرفةَ بغيرِ خطبةٍ أن صلاتَه الاستذكار
جائزةٌ . واختلفوا فى وجوبِ الجمُعةِ بعرفةً ومنَّى ؛ فقال مالكٌ: لا تجبُ الجمعةُ
بعرفةً ولا بمنَّى أيامَ الحجّ ؛ لا على أهل مكةً ولا غيرِهم ، إلا أن يكونَ الإمامُ مِن
أهلِ عرفةَ فيُجَمِّعَ بعرفةً . وقال الشافعىُّ: لا تجبُ الجمُعةُ بعرفةً إلا أن يكون فيها
مِن أهلِها أربعون رجلاً، فيجوزُ حينئذٍ أن يصلِّىَ بهم الإمامُ الجمُعةً . یعنی إن
كان مِن أهلها أو كان مكيًّا. وقال أبو حنيفةً وأبو يوسفَ: إذا كان الإمام أمير
الحاج ممن لا يقضِى الصلاةَ بمنَّى ولا بعرفةَ ، فعليه أن يصلِّىَ بهم الجمعةَ بمنَّی
وبعرفةً فى يومِ الجمُعةِ . وقال محمدُ بنُّ الحسنِ: لا جمُعةً بمنَّى ولا بعرفاتٍ .
وقال أبو ثورٍ : إذا كان الإمامُ مِن أهلِ مكةً جَمَّع يومَ الجمُعةِ بعرفةً . وقال
أحمدُ بنُ حنبلٍ : إذا كان وإلى مكةَ بمكةَ جمَّع بها . وقال عطاءٌ: يُجمِّعُ بمكةً
إِمامُهم ويخطُّبُ(١) .
وذكَر عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا ابنُ جريج، عن عطاءٍ، قال: لا يرفعُ
الصوتَ بالقراءةِ يومَ عرفةً، إلا أن يوافقَ يومَ جمُعةٍ فيرفعَ صوتَهُ(١) .
قال : وأخبرنا معمرٌ، قال: قيل للزهرىِّ: إنه وافق يومَ جمُعةٍ يوم عرفةً ، فلم
يدرِ هشامُ بنُ عبدِ الملكِ أيجهرُ بالقراءةِ أم لا؟ فقال الزهرىُّ: أمّا كان أحدٌ
يخيِرُهم أنه ليس ثَمَّ جمُعةٌ ، وإنما هم سَفْرٌ .
قال: وأخبرنا ابنُ جريج، قال: حضَرتُ يومَ عرفةً وذلك يومَ جمُعةٍ ،
القبس
(١) ينظر أخبار مكة للفاكهى ١٩٠/٣ (١٩٥٧).
(٢) عبد الرزاق - كما فى المحلى ٤٢٨/٧ .
٣٦١

الموطأ
صلاةُ المزدلفةِ
٩١٧ - مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن سالم بنِ عبدِ اللهِ ، عن
عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أنَّ رسولَ اللهِ نَّهِ صلَّى المغربَ والعشاءَ بالمزدلفةِ
جميعًا .
الاستذكار فصلَّى لنا إبراهيمُ بنُ هشامٍ، فجهَر بالقراءةِ، فسبّح سالمُ بنُ عبدِ اللهِ مِن
ورائِه ، فنظَر إليه إبراهيم، فأومأ إليه سالم أن اسكُتْ. فسكَت(٢).
قال أبو عمرَ : حُجّةُ مَن قال: لا جمعةً بعرفةَ ولا بمنَى . أنهما ليستا بمصرٍ ،
وإنما الجمعةُ على أهلِ الأمصارِ .
وحُجَّةُ مَن قال بقولٍ مالكِ أن أهلَ مكةَ لمَّا كان عليهم أن يَقصُّروا بمنّی
وعرفةً عندَه كانوا بمنزلةِ المسافرين ، ولا جمُعةً على مسافرٍ؛ لا فى يوم النحرِ ولا
فى غيرِه، وهذا إنما يُخرَّجُ على إمامٍ قادمٍ مكةً مِن غيرِها مسافرٍ، فإن كان مِن
أهلِها فكما قال عطاء، وبالله التوفيقُ.
التمهید
مالكٌ، عن ابنٍ شهابٍ، عن سالِمِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ، عن أبيه، أنَّ رسولَ
اللهِ وَ لِّ صلَّى المغرب والعشاءَ بالمزْدَلِفَةِ جميعًاً).
القبس
(١) فى م: (( له)).
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٢٩٧ من طريق ابن جريج به .
(٣) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٤٨٩)، وبرواية يحيى بن بكير (٢١/٤ و - مخطوط )،
وبرواية أبى مصعب (٣٧٢، ١٣٤٧). وأخرجه أحمد ٢١٥/٩، ٤٥٥/١٠ (٥٢٨٧، ٦٣٩٩)،
ومسلم ٩٣٧/٢ (٢٨٦/٧٠٣)، وأبو داود (١٩٢٦)، والنسائى (٦٠٦)، وابن خزيمة (٢٨٤٨)
من طريق مالك به .
٣٦٢

الموطأ
التمهید
هكذا رَواه جماعَةُ الزّواةِ عن مالكِ فيما عَلِمْتُ ، إلَّاّ محمدَ بنَ (١عَمٍو
الغَرِّىّ(١)، فإنَّه ذكَرَ فيه الظهر والعصرَ بعَرَفَةَ، وزادَ ألفاظًا ليست فى ((الموطاً))
عندَ أَحَدٍ مِنَ الرُّواةِ .
أخبرنى محمدٌ، حدَّثنا علىُ بنُ عُمرَ الحافِظُ، حدَّثنا علىُّ بنُ محمدِ بنِ
أحمدَ المصرىُّ، حدَّثنا بكرُ بنُ سَهْلِ الدِّمياطِئُ، حدَّثنا محمدُ بنُ عمرو،
حدَّثنا مالكُ بنُ أنسٍ، عن الزهرىِّ، عن سالِم، عن ابنِ عمرَ قال: جمَع
رسولُ اللَّهِ وَلّهِ بِينَ الظهرِ والعصرِ بِعَرَفَةَ، وبينَ المغربِ والعشاءِ بالمزْدَلِفَةِ ،
لم يُنَادِ فى واحدةٍ منهما إلَّا بالإِقامَةِ، ولم يَفْصِلْ بينَهما تَطَوَّعًا ولا إِثْرَ واحدةٍ
منهما. قلتُ: فما بالُ الأذانِ؟ قال: إنَّما الأذانُ داع يَدْعُو الناسَ إلى
الصلاة، فمَن يَدُو وهم معه؟
لم يُتَابَعْ عليه عن مالكِ، وزاد فيه قومٌ مِن أَصْحابٍ ابنٍ شهابٍ ألفاظًا
ستَذْكُرُها، ونُوَضِّحُ القولَ فى معانِيها إن شاء اللهُ .
قال أبو عمرَ: لا خِلافَ عَلِمْتُه بِينَ علماءٍ(١) المسلمين مِن الصحابةِ
والتابعين، ومَن بعدَهم مِن الخالفين، أنَّ المغرب والعشاءَ يُجْمَثُ بينَهما فى وقتٍ
العشاءِ ليلةَ النَّخْرِ بالمزدلِفَةِ لإمامِ الحاجُ والناسِ معه . واخْتَلَف العلماءُ فيمَن لم
يَدْفَعْ مع الإمامِ على ما سنَذْكُرُه إن شاء اللهُ.
القبس
(١ - ١) فى ر: ((عمر العدنى). وينظر الجرح والتعديل ٣٣/٨، والإكمال ١٤٣/٧.
(٢) سقط من : ر ، ى .
٣٦٣

الموطأ
التمھید
والمزْدَلِفَةُ هى المشعر الحرامُ، وهى جَمْعٌ؛ ثلاثةُ أسماءِ لموضِعٍ واحدٍ .
ومِن الدليلِ على أنَّ ذلك كذلك لإمامِ الحاجّ والناسِ فى تلك الليلةِ ، قولُه
وَلِّهِ" فى حديثٍ أسامةَ بنِ زيدٍ: ((الصلاةُ أمامَك)). بالمزْدَلِفَةِ. وستَذْكُرُ
هذا الحديثَ ووجهَ القولِ فيه فى بابٍ موسى بنِ عُقْبَةً مِن كتابِنا هذا(٢) إن
شاء الله ؟
.
واخْتَلَف العلماءُ فى هَيْئَةٍ الجمع بينَ الصلاتين بالمزدلِفَةِ على وَجْهَيْنِ ؛
أحدُهما ، الأُذانُ والإقامَةُ. والآخرُ، هل يكونُ جَمْعُهما مُتَّصِلًا لا يُفْصَلُ بينَهما
بِعَمَلٍ ، أم يجوزُ العَمَلُ بينَهما بعَملِ مثلِ العَشَاءِ وحَطُ الرَّحَالِ ونحوِ ذلك؟
فأمَّا اخْتِلافُهم فى الأذانِ والإِقامَةِ ، فإنَّ مالِكًا وأصحابَه يقولونَ : يُؤَذَّنُ لكلِّ
واحدةٍ منهما ويُقامُ بالمزدلِفَةِ . وكذلك قولُه فى الظهرِ والعصرِ بعرفةً أيضًا ، إلَّا
أنَّ ذلك فى أوَّلِ وَقْتِ الظهرِ بإجماعٍ . قال ابنُ القاسِمِ : قال لی مالك فى جَمْع
الصلاتين بعَرَفَةً وبالمشعر الحرام ، قال: لكلِّ صلاةٍ أذانٌ وإقامةٌ . قال : وقال
مالكٌ: كلُّ شيءٍ إلى٣) الأثمَّةِ، فلكُلِّ صلاةٍ أذانٌ وإِقامَةٌ .
قال أبو عمرَ : لا أعلمُ فيما قاله مالكٌ فى هذا البابِ حديثًا مرفوعًا إلى النبيِّ
ڵ﴾ بوجه من الوجوه، ولكنّە رُوِی عن عمر بن الخطابِ مِن حديث إسرائيلَ،
القبس
(١ - ١) فى ى، م: ((لأسامة)).
(٢) سيأتى ص ٣٨٣ - ٣٩٢.
(٣ - ٣) فى المدونة ٤١٢/٢: ((شأن)).
٣٦٤

الموطأ
عن سماكِ بنِ حربٍ، عن النُّعْمانِ بنِ حميدٍ (١) أبى قُدَامَةَ، أَنَّه صَلَّاها مع عمرَ التمهيد
بالمزدَلِفَةِ كذلك (١) . واخْتُلِفَ فيه، وليس "من قَوِىِّ" الحديثِ.
وژُوی عن ابن مسعودٍ مِن حدیث أبی إسحاق ، عن عبد الرحمنِ بنِ تَزِيدَ
قال: خرَجْتُ مع عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ إلى مكةَ، فَلَمَّا أتَى جَمعًا صَلَّى الصلاتَيْنِ
كلَّ واحدةٍ منهما بأذانٍ وإقامةٍ ، ولم يصلُّ بينَهما شيئًا . رَواه الثورىُّ، وشعبةُ ،
وجماعةٌ، عن أبى إسحاقَ(٤).
والذى يَحْضُرُنى مِن الحُجَّةِ لمالكِ فى هذا البابِ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ، أَنَّ
رسولَ اللَّهِ وَ لَهِ سَنَّ فى الصَّلاَتَيْن بعرفةً والمِزْدَلِفَةِ أَنَّ الوَقْتَ لهما جميعًا
وَقْتٌ واحِدٌ، وإذا كان وَقْتُهما واحِدًا، وكانت كلُّ واحدةٍ تُصَلَّى فى
وَقْتِها ، لم تكُنْ واحدةٌ منهما أولى بالأذان والإقامةِ مِن الأُخْرَى ؛ لأن ليس
واحدةٌ منهما فائِتَةً تُقْضَى، وإنَّما هى صَلاةٌ تُصَلَّى فِى وَقْتِها، وكلُّ صلاةٍ
صُلِّيَتْ فِى وَقْتِها فشنّتُها أن يُؤَذِّنَ لها ويُقامَ فى الجماعَةِ، وهذا بَيِّنَّ. واللهُ
أعلمُ .
القبس
(١) بعده فى ى: ((عن)). وينظر الكنى والأسماء ٦٩١/١.
(٢) أخرجه محمد بن الحسن فى الحجة ٤٣٦/٢، وابن أبى شيبة ( القسم الأول من الجزء الرابع )
ص٢٧٧، وابن حزم فى حجة الوداع ص ٢٥١ ، وفى المحلى ١٦٣/٧ من طريق سماك به .
(٣ - ٣) فى م: ((بقوى)) .
(٤) أخرجه أحمد ٧٩/٧ (٣٩٦٩)، والبخارى (١٦٨٣) من طريق أبى إسحاق به .
٣٦٥

الموطأ
التمهید
وقال آخرون: (الأُولَى منهما تُصَلَّى١) بأذانٍ وإِقامَةٍ ، وَأَمَّا الثانِيَةُ فتُصَلَّى بلا
أذانٍ ولا إقامةٍ . قالوا: وإنَّما أمَرَ عمرُ بالتَّأَذِينِ للثانيةِ ؛ لأنَّ الناسَ كانوا قد تَفَرَّقوا
لعَشَائِهم، فأذَّن ليجمَعَهم. قالوا : وكذلك نقولُ نحن : إذا تفرّق الناسُ عن
الإمامِ لعَشاءٍ أو غيرِه ، أمَرَ المؤذِّنِين فأذَّنُوا لجَمْعِهم، وإذا أذَّنَ أقام . قالوا : فهذا
مغْنَی ما ژُوی عن عمر رضی اللهُ عنه . قالوا : والذی رُوِی عن ابن مسعودٍ فمثلُ
ذلك أيضًا .
وذكروا ما حدَّثناه محمدُ بنُّ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطَرِّفٍ ، قال :
حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ، قال: حدَّثنا يُونسُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: حدَّثنا
سفيانُ، عن أبى إسحاقَ ، عن عبد الرحمنِ بنِ يزيدَ قال: كان ابنُ مسعودٍ يجْعَلُ
العَشَاءَ بالمزدلفةِ بينَ الصَّلاتَيْن(١).
وذگرَ عبدُ الژزَّاقِ ، قال : أخبرنا أبو بكرِ بنُ عَیَاشِ ، عن أبى إسحاق ، عن
عبد الرحمنِ بنِ يزيدَ قال : كنتُ مع ابنٍ مسعودٍ بجَمْعٍ، فجعَلَ بينَ المغربِ
والعِشاءِ العَشاءَ، وصلَّى كلَّ صلاةٍ بأذانٍ وإِقامَةٍ(١).
وذَكَر الطحاوىُّ(٤) ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي داودَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ
القبس
.
(١ - ١) فى م: ((أما الأولى فتصلى)).
(٢) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٢١١/٢ عن يونس به .
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ( القسم الأول من الجزء الرابع ) ص٢٧٧ عن أبى بكر بن عياش به .
(٤) الطحاوى فى شرح المعانى ٢١١/٢ .
٣٦٦
٠٠
٠

الموطأ
التمهید
يُونُسَ، قال: حدّثنا إسرائيلُ، عن منصورٍ، (١ عن إبراهيمَ()، عن الأسودِ، أَنَّهـ
صلَّى "مع عمرَ بنِ الخطابٍ)) الصَّلاَتَيْنِ(١) مَرَّتَيْنِ بِجَمْعٍ، كُلَّ صلاةٍ بأذانٍ
وإقامَةٍ ، والعَشَاءُ بينَهما .
وقال آخرونَ : تُصَلَّى الصَّلاتانِ جميعًا بالمزْدَلِفَةِ بِإِقامَةٍ واحدةٍ ، ولا يُؤَذِّنُ
فى شىءٍ منهما. واخْتَجُوا بما روَاه شعبةُ، عن الحَكَم بن عتيبةً وسلمةَ بنِ
كُهَئِلِ، قالا: صلَّى بنا سعيدُ بنُّ جبيرٍ يإِقامَةٍ(٢) المغربَ ثلاثًا، فلمَّا سلَّمَ قام
فِصَلَّى رَكْعَتَي العِشاءِ، ثم حَدَّث عن ابنِ عمرَ أَنَّه صنَعَ بهم فى ذلك المكانِ مثلَ
ذلك، وحدَّثَ ابنُّ عمرَ أنَّ رسولَ اللَّهِ فَلَهِ صِنَعَ بهم فى ذلك المكانِ مثلَ
ذلك(٥) .
وذكَر عبدُ الرزاقِ وعبدُ المَلِكِ بنُّ الصََّّاحِ، عن الثورىِّ، عن سَلَمَةَ بنِ
كُهَيْلٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابنِ عمرَ قال: جمَعَ رسولُ اللهِ وَلَهُ بِينَ
المغرب والعِشاءِ بجَمْع؛ صَلاةِ المغربِ ثلاثًا، والعِشَاءِ رَكْعَتَيْنِ، بإقامَةٍ
(٦)
واحدةٍ (١) .
القبس
(١ - ١) سقط من: ر ، ى .
(٢ - ٢) سقط من النسخ. والمثبت من مصدر التخريج .
(٣) فى ر : ((الصلاة)).
(٤) بعده فى ر، ى : ((صلى).
(٥) أخرجه مسلم (٢٨٨/١٢٨٨)، والطحاوى فى شرح المعانى ٢١٢/٢ من طريق شعبة به .
(٦) أخرجه مسلم (١٩٠/١٢٨٨) من طريق عبد الرزاق به .
٣٦٧

الموطأ
التمهيد
وقالا أيضًا عن الثورىِّ، عن أبى إسحاقَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مالك قال:
صَلَّيْتُ مع ابنِ عمرَ المغربَ ثلاثًا ، والعِشَاءَ رَكْعَتَيْن، بالمِزْدَلِفَةِ ، بِإِقامَةٍ واحدةٍ .
فقال مالِكُ بنُ خالِدٍ - قال عبدُ الرزاقٍ: هو الحارثىُّ . وقال عبدُ الملكِ: هو
المحاربيُّ -: ما هذه الصَّلاةُ يا أبا عبدِ الرَّحمنِ؟ قال: صَلَّتُها مع رسولِ اللَّهِ
﴿ ﴿ فى هذا المكانِ بِإِقامَةٍ واحدةٍ (١).
قال أبو عمرَ : الصَّوَابُ الحارِثِىُّ .
وقد رَوَی شعبةُ هذا الحدیث ، عن أبى إسحاق ، عن عبدِ اللهِ بنِ مالِكِ بنِ
الحارث، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ وَ﴿١١)، كما رَواه الثورىُّ.
ورواه زهيرُ بنُّ معاويةً، عن أبى إسحاقَ ، عن مالِكِ بنِ الحارثِ ، عن ابنِ
عمرَ، عن النبيِّ وَهُ) . والصَّوابُ ما قاله شعبةُ والثورىُّ. واللهُ أعلمُ .
وحدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطَرِّفٍ، قال: حدّثنا
سعيدُ بنُ عثمانَ، قال: حدَّثنا يُونُسُ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن ابنٍ
أبى نَجيحِ، عن مجاهدٍ قال: حدَّثنى أربعةٌ كلَّهم ثقةٌ؛ منهم سعيدُ بنُّ
جبيرٍ، وعلىٌّ الأزْدِىُّ، عن ابنِ عمرَ، أَنَّه صلَّى المغربَ والعِشاءَ بالمزدلِفَةِ
القبس
(١) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٢١٢/٢ من طريق الثورى به .
(٢) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٢١٢/٢ من طريق شعبة به .
(٣) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٢١٢/٢، ٢١٣ من طريق زهير به .
٣٦٨

الموطأ
بإِقامَةٍ واحدةٍ(١).
التمهید
وذكّرَ عبدُ الرزاقِ ، عن ابنٍ عيينةً ، عن ابنٍ أبى حسينٍ، عن علىِّ الأُزدِىِّ،
عن ابنِ عمرَ مثلَه .
وبه يقولُ سفيانُ الثورىُّ وجماعَةٌ .
وقد حمل قوم حدیث ابنِ أبی ذِئْبٍ ، عن ابنِ شهاب ، عن سالِم بنِ عبدِ اللَّهِ
ابنِ عمرَ، عن أبيه، أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ صلَّى المغربَ والعِشاءَ بالمزْدَلِفَةِ
جميعًا، لم يُنَادِ فى واحدةٍ منهما إلَّ بالإقامَةِ(٢). على هذا أيضًا؛ أى: بإقامَةٍ
واحدةٍ، وحمَلَه غيرُهم على الإقامَةِ لكلِّ صلاةٍ منهما دُونَ أذانٍ، وهو
الصَّوابُ، وهو محفوظٌ فى حديث ابنٍ أبى ذِئْبٍ مِن رِوايَةِ الحُفَّاظِ الثقاتِ.
و كذلك ذكر معمٌ وغیرُه فى هذا الحدیث، عن ابن شهاب ، على ما
ستَذْكُرُه إن شاء اللهُ.
وقد رُوِى مِن حديثٍ أبى أيوب الأنصارىِّ، عن النبيِّ وَِّ أَنَّه صَلَّى
المغربَ والعِشاءَ بجَمْع بإقامَةٍ واحدةٍ (٤). ولا يَصِحُ قولُه فيه: بإِقامَةٍ واحدةٍ .
القبس
(١) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٢١٣/٢ عن يونس به .
(٢) سيأتى تخريجه ص٣٧٢ .
(٣) فى ر : ((عباس).
(٤) أخرجه محمد بن الحسن فى الحجة ٤٣٩/٢، والطحاوى فى شرح المعانى ٢١٣/٢، والطبرانى
(٣٨٧٠، ٣٨٧١)، والبيهقى ٤٠٢/١ .
٣٦٩
(موسوعة شروح الموطأ ٢٤/١١)

الموطأ
التمهيد
لأنَّ مالِكًا وغيرَه مِن الحُفَّاظِ لم يَذْكُرُوا ذلك فيه(١). ورُوِى ذلك أيضًا مِن
حديث البراء ) ، وهو عند أهل الحديث خطأً ، وسنذْكُو ذلك فى بابهِ مِن کتابِنا
هذا إنْ شاءَ اللهُ .
وقال آخرونَ: تُصَلَّى الصَّلَاتَانِ جميعًا بالمزْدَلِفِةِ بأذانٍ واحدٍ وإِقامَتَيْنِ .
واخْتَبُوا بحديثٍ جَعْفَرِ بنِ محمدٍ، عن أبيه، عن جابرٍ، عن النبيِّ وَّرِ بذلك.
وهو أكْمَلُ حديثٍ رُوِى فى الحجّ وأتَتُه وأُحْسَنُه مَسَاقًا ، روَاه بتَمَامِه عن جَعْفَرِ
ابنِ محمدٍ، يحيى بنُ سعيدِ القَطَّانُ(٣)، وحاتِمُ بنُ إِسْمَاعِيلَ(4)، وجماعَةٌ. وإلى
هذا ذَهَب أبو جعفرِ الطحاوىُّ واختارَه، وزَعَمْ أَنَّ النَّظرَ يَشْهَدُ له؛ لأنَّ الآثارَ لم
تَخْتَلِفْ أَنَّ الصَّلاتَيْنِ بِعَرَفَةَ صَلََّّهما رسولُ اللهِ لَّهِ بِأذانٍ واحدٍ وإِقامَتَيْن،
فكذلك صَلاتا المزْدَلِفَةِ فى القِياسِ ؛ لأَنَّهما فى حُزْمَةِ الحجّ، والآثارُ مُخْتَلِفةٌ فى
ذلك بالمزْدَلِفَةِ ، وغيرُ مُخْتَلِفَةٍ فى ذلك بعرفةً . وخالَفَ الطحاوىُّ فى ذلك أبا
حنيفةً وأصحابَه ؛ لأنّهم يقولونَ: إِنَّ الصَّلاتَيْن تُصَلَّيَانٍ بالمزْدَلِفَةِ بأذانٍ واحدٍ
وإقامةٍ واحدةٍ . وذهبوا فى ذلك إلى ما رَوَاه مُشَئم ، عن يُونسَ بنِ عبيد ، عن
سعیدِ بنِ جبیرٍ ، عن ابنِ عمرَ ، أَنَّه ◌َمّع بين المغرب والعشاءِ بجمْع بأذان واحدٍ
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (٩١٩).
(٢) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٢١٣/٢ .
(٣) أخرجه أحمد ٣٢٥/٢٢ (١٤٤٤٠) عن يحيى بن سعيد به .
(٤) أخرجه مسلم (١٤٧/١٢١٨)، وأبو داود (١٩٠٥) من طريق حاتم به .
٣٧٠

الموطأ
وإقامَةٍ واحدةٍ ، ولم يجْعَلْ بينَهما شيئًا(١). قالوا: فكان مُحَالًا أن يكونَ ابنُ عمرَ
أُدْخَلَ بينَهما أذانًا إلَّا وقد عَلِمَه مِن رسولِ اللهِ وَ لَهَ، وقد رُوِى مثلُ هذا مرفوعًا
مِن حديثٍ خُزَيْمَةَ بنِ ثابِتٍ (١) ، وليسَ بالقَوِىِّ.
التمهید
وقد حَكَى الجُوزْجاني، عن محمدِ بنِ الحسنِ، عن أبى يُوسفَ، عن
أبى حنيفةَ، أَنَّهما تُصَلَّانِ بأذانٍ وإقامَتَيْن؛ يُؤَذِّنُ للمغربِ، وَيُقَامُ العِشاءِ
فقط. وإلى هذا ذَهَب الطحاوىُّ. وبه قال أبو ثورٍ. وحُجَّتُهم فى ذلك
حديثُ جَعْفَرِ بنِ محمدٍ ، عن أبيه، عن جابٍ، عن النبيِّ نَلِّ. وَاعْتَلُّوا بنحوٍ
ما قَدَّمْنا ذِكْرَه مِن أنَّ عمرَ وابنَ مسعودٍ إنَّما أذَّنا للثانيةِ مِن أجْلٍ تَأْخِيرِهما
العِشاءَ .
وقال آخرون: تُصَلَّى الصَّلَاتانِ جميعًا بإِقامَتَيْنِ دونَ أذانٍ لواحِدَةٍ منهما .
وممَّن قال ذلك الشافعىُّ وأصحابُه. ومِن حُجَّةِ مَن ذهَبَ إلی ذلك ما ذكَرَه
عبدُ الرزاقِ ، عن معمرٍ ، عن ابن شهابٍ، عن سالمٍ، عن ابنِ عمرَ، أنَّ النبيَّ
وَّ لما جاء المزْدَلِفَةَ جمَعَ بينَ المغربِ والعِشاءِ؛ صلَّى المغربَ ثلاثًا، والعِشاءَ
رَكْعَتَيْنِ، يإِقامَةٍ لكلِّ واحدةٍ منهما ، ولم يُصَلِّ بينَهما شيئًا .
القبس
(١) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٢١٥/٢ من طريق هشيم ، عن أبى بشر، عن سعيد به .
(٢) أخرجه الطبرانى (٣٧١٤، ٣٧١٥)، وفى الأوسط (٨٤٠٦)، والخطيب ٥٦/١٤ . وينظر علل
الدار قطنى ١١٤/٦.
٣٧١

"الموطأ
التمهید
ورواه اللیثُ بنُ سعدٍ، عن عبد الرحمنِ بنِ خالِدِ بنِ مُسافرٍ، عن ابنٍ
شهابٍ، عن سالمٍ بنِ عبدِ اللهِ، عن أبيه، عن النبيِّ وَلِهِ مثلَهُ(١).
وليس فى حديثٍ مالكٍ هذه الزِّيادَةُ ، وهؤلاءِ حُفَّاظٌ زِيادَتُهم مقبولةٌ .
وذَگر الشافعىُ، عن عبد الله بن نافعٍ، عن ابنٍ أُبی ذئبٍ (٢، عن ابنٍ
شهابٍ، عن سالم، عن أبيه مثلَه (١) ، غيرَ أنَّه قال: لم يُتَادِ بينَهما ولا علی إثْرِ
واحِدَةٍ منهما إلَّا بإقامةٍ .
حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُّ أصبغَ، قالَ: حدّثنا
بكرُ بنُ حَمَّادٍ ، قال: حدَّثنا مُسَدَّدٌ ، قال: حدَّثنا يحيى بنُّ سعيدٍ ، عن ابنِ أبى
ذِئْبٍ، عن الزهرىِّ، عن سالم، عن أبيه، أنَّ النبيَّ وَلّهِ صلَّى بجَمْعِ بِإِقامَةٍ
إِقامَةٍ، لم يُسَبِّع بينَهما ولا على إِثْرِ واحِدَةٍ منهماً) .
واختُ الشافعىُّ أيضًا بحديث مالك(٥) ، عن موسى بن عقبةً ، عن كُرَیْپ
مَوْلَى ابنِ عباسٍ، عن أسامةَ بنِ زيدٍ، أَنَّ سَمِعه يقولُ: دَفَعَ رسولُ اللهِ لَِّ مِن
عرفةً، حتى إذا كان بالشِّعْبِ نَزَل فبال ، ثم تَوَضَّأ فلم يُشبغ الوضوءَ، فقلتُ له :
القبس
(١) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٢١٤/٢ من طريق الليث به.
(٢) فى النسخ: ((حبيب)). والمثبت من مصدر التخريج.
(٣) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٢١٣/٢ من طريق الشافعى به.
(٤) أخرجه أحمد ١٦٦/٩ (٥١٨٦)، والنسائى (٣٠٢٨) من طريق يحيى بن سعيد به ، وأخرجه ابن
وهب فى موطئه (٩١)، والدارمى (١٩٢٦)، والبخارى (١٦٧٣) من طريق ابن أبى ذئب به .
(٥) سيأتى فى الموطأ (٩١٨).
٣٧٢

الموطأ
الصلاةَ؟ فقال: ((الصلاةُ أمامَكَ)). فرَكِب حتى جاء المُزْدَلِفَةَ فَزَل فَتَوَضَّأ
فأسْبَغَ الوُضوءَ ، ثم أُقِيمَتِ الصلاةُ فصلَّى المغربَ ، ثم أناخ كلٌّ إنسانٍ بَعِيرَه فى
مَنْزِلِه، ثم أُقِيمَتِ العِشاءُ فصَلَّاها ، ولم يُصَلِّ بينَهما شيئًا .
التمهيد
قال أبو عمرَ : هذه الآثارُ ثابِتَةٌ عن ابنِ عمرَ، وهى مِن اثْبَتِ ما رُوِى فى هذا
الباب عنه، ولكنَّها مُخْتَمِلَةٌ للتَّأْوِيلِ، وحديثُ جابٍ لم يُخْتَلَفْ عليه فيه .
أُخبرنی عبدُ الرحمنِ بنُ یحیی وغیرُه ، عن أحمد بن سعیدٍ ، قال : سَمِعْتُ
أحمدَ بنَ خالِدٍ يَعْجَبُ مِن مالك فى هذا البابٍ ، إذْ أخَذَ بحديث ابن مسعودٍ ولم
ێژڕە، وتَرك الأحادیث التی رَوَى .
قال أبو عمرَ: فهذا اخْتِصارُ ما بلَغَنا مِن الآثارِ واختلافِها فى هذا البابِ،
عن النبيِّ وَلّ وأصحابِهِ، وتَهْذِيبُ ذلك، وأُجْمَعَ العلَمَاءُ أنَّ رسولَ اللَّهِ وَلِهـ
دَفَع مِن عرفةً بالناسِ بعدَما غَرَبَتِ الشمسُ يومَ عرفةً، فأفاض إلى المزدَلِفَةِ ،
وأَنَّه عليه السلامُ أخَّر حينئذٍ صَلاةَ المغربِ فلم يُصَلِّها حتى أتى المزْدَلِفَةَ ،
فصَلَّى بها بالناسِ المغربَ والعِشاءَ جميعًا بعدَما غاب الشَّفَقُ ودَخَلَ وقتُ
العِشاءِ الآخِرةِ، وأجْمَعوا أنَّ ذلك سُنَّةُ الحاجّ فى ذلك الموضع. وقد قَدَّمْنا
ذِكْرَ ما اخْتُلِف فيه عنه وَّهِ مِن كَيْفِيَّةِ الأذانِ والإقامةِ فى حينٍ جمعِه
للصلاتَيْن بالمزْدلفَةِ .
وأمَّا اخْتِلافُ الفقهاءِ فى ذلك ؛ فإنَّ مالگا ذهب إلى أنَّ كلَّ صلاةٍ منهما
يُؤذَّدُ لها وثُقام، واحِدةً یاثْرِ أَخْرَى، وعلى ذلك أصحابُه. وذهب الثورىُّ إلى
القبس
٣٧٣
:

الموطأ
التمهيد
أنَّهما جميعًا تُصَلَّانِ بإقامةٍ واحدةٍ ، ولا يُفصَلُ بينَهما إلَّ بِالتَّسْلِيم. وذَهَب
الشافعىُّ إلى أنَّ كلَّ واحِدَةٍ منهما تُصَلَّى بإقامةٍ إِقامةٍ ، ولا يُؤَذَّنُ لواحِدَةٍ منهما .
وبه قال إسحاق بن راهُویہ. وهو أحدُ قَولَئ أحمد بن حنبل ، وژُوِی ذلك عن
سالِمٍ والقاسِمِ. وذهَب أبو حنيفةً وأصحابُه إلى أنَّهما يُصَلَّانِ بأذانٍ واحدٍ
وإقامتيْنِ. وهو قولُ ابی ثورٍ . واختئُّ بحديث جعفر بن محمدٍ ، عن أبيه ، عن
جابِرٍ، عن النبيِّ ◌َ لِّ بذلك. وقد ذكَّرْنا حُجّةَ كلِّ واحدٍ منهم من جِهَةِ الأثَرِ ،
ولا مَدْخَلَ فى هذه المسألةِ للنَّظَرِ، وإنَّما فيها الاتِباعُ.
واْتَلَفوا فيمَن صلَّى الصلاتَيْن المذكورَتَيْنِ قبلَ أن يَصِلَ إلى المزدلِفَةِ ؛
فقال مالكٌ: لا يُصَلِّيهما أحَدٌ قبلَ جَمْع إلَّا مِن عُذْرٍ، فإِنْ صَلَّهما مِن عُذْرٍ لم
يَجْمَغْ بینهما حتی یَغِیبَ الشّفَقُ . وقال الثورىُّ : لا يُصَلِّهما حتى يَأْتِیَ جَمْعًا ،
وله السَّعَةُ فى ذلك إلى نِصْفِ الليلِ، فإن صَلَّاهما دُونَ جَمْع أعاد . وقال أبو
حنيفةَ: إِن صَلَّهما قبلَ أن يَأْتِىَ المزدلِفَةَ فعليه الإِعادَةُ، وسَواءٌ صَلَّهما قبلَ
مَغِيبِ الشَّفَقِ أو بعدَه، عليه أن يُعِيدَهما إذا أتى المزدلفَةَ. واخْتُلِف عن أبى
یوسف ومحمدٍ ، فژُوِیَ عنهما مثلُ ذلك ، وژُوِى عنهما : إن صَلَاهما بعرفاتٍ
أُجْزَاه . وعلى قولِ الشافعىِّ، لا يَتْبَغِى أن يُصَلِّيَّهُما قبلَ جَمْع، فإن فَعَل أجزأه .
وبه قال أبو ثورٍ، وأحمدُ، وإسحاقُ. ورُوِى ذلكِ عن ◌َطَاءٍ، وعروةَ،
وسالِم، والقاسِمِ، وسعيدِ بنِ جبيرٍ. وقد رُوِىَ عن جَابِرِ بنِ عبدِ اللَّهِ قال: لا
القبس
(١) ينظر مصنف ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص٢٧٤، ٢٧٥.
٣٧٤

الموطأ
صلاةَ إلَّا بجَمْع(١). ومِن الحُجَّةِ لمَن ذهَبَ إلى ذلك قولُهُ وَّهِ: ((خُذُوا عَنِّى
مَناسِكَكم))(١). وصَلَّهما جميعًا بعدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ بجَمْع، فليس لأحدٍ أن
يُصَلِّهما إِلَّا فى ذلك الموضِعِ كذلك إِلَّ مِن عُذْرٍ، كما قال مالكٌ. واللهُ
أعلمُ .
التمهيد
وقد ذكَرْنا أقوال الفقهاءِ فيمَن فاتَتْه الصلاةُ مع الإمامِ بالمزدلِفَةِ ، هل له أن
يَجْمَعَ بينَ الصلاتَيْنِ أم لا؟ فى كِتابِنا هذا عندَ ذِكْرِ الصلاةِ بعرفةً(٣).
واخْتَلَفُوا فيمَن لم يَمُرَّ بالمزدَلِفَةِ ليلةَ النحرِ ، ولم يَأْتِهَا ، ولم يَبِتْ بها(٤) غَدَاةَ
النحرِ؛ فقال مالكٌ: مَن لم يُخْ بالمزدلِفَةِ ولم يَنْزِلْ بها ، وتقَدَّمَ إلى مِنَّى فَرَمَی
الجَمْرَةَ، فإِنَّه يُهَرِيقُ دَمًّا، فإن نَزَل بها ثم دَفَعَ منها فى أوَّلِ الليلِ أو وَسَطِه أو
آخِرِهِ، وتَرَك الوقوفَ مع الإمامِ ، فقد أجْزَأه، ولا دَمَ عليه . وقال الثورىُّ: مَن لم
يَقِفْ بجَمْعٍ ولم تَبِتْ(٢) بها ليلةَ النحرِ، فعليه دَمّ. وهو قولُ عطاءٍ فى
روايةٍ(٢)، وقولُ الزهرىِّ، وقتادةَ. وبه قال أحمدُ ، وإسحاقُ ، وأبو ثورٍ . وقال
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ( القسم الأول من الجزء الرابع ) ص٢٧٤ .
(٢) تقدم تخريجه ص ٨٢، وفى ٩٧/٢، وما سيأتى فى شرح الحديث (٩٦٢) من الموطأ .
(٣) ينظر ما تقدم ص٣٤٧، ٣٤٨ .
(٤) بعده فى ر : ((يقف بها)).
(٥) فى النسخ: ((يقف)). وتقدمت الرواية عن الثورى ص ٢٤٧ بلفظ: ((ينزل منها)).
(٦) تقدم تخريجه ص ٢٤٧ .
٣٧٥
و
مر

الموطأ
التمهيد
أبو حنيفةً، وأبو يُوسفَ، ومحمدٌ: إذا تَرَك الوقوفَ بالمزدلِفَةِ ولم يَقِفْ بها ،
ولم يَمُرَّ بها ، ولم تیتْ بها ، فعليه دَمّ. قالوا : فإن بات بها وتَعَّلَ فى الليلِ،
رجع، إذا کان ◌ُروُه مِن غیر ◌ُذْرٍ ، حتى يقف مع الإمامِ أو يُضْبِح بها ، فإن لم
يَفْعَلْ فعليه دَمٌّ . قالوا: فإن كان رجلٌ مَرِيضٌ أو ضعيفٌ، أو غلامٌ صغيرٌ، فتقَدَّموا
مِن المزدلِفَةِ بالليلِ ، فلا شىءَ عليهم. وقال الشافعىُّ: إِن نَزَل وخِرَج منها بعدَ
نِصْفِ الليلِ، فلا شىءَ عليه، وإن خَرَج قبلَ نِصْفِ الليلِ ولم يَعُدْ إليها لِيَقِفَ بها
مع الإمامِ ويُصبحَ ، فعليه شَاةٌ . قال: وإنَّما حَدَّدْنا نِصْفَ الليلِ لأَنَّ بَلَغَنا أنَّ النبيَّ
وَلّه أَذِن لضَعَفَةِ أَهْلِه أن يَرْتَحِلُوا مِن آخِرِ الليلِ، ورَخَّص لهم فى ألا يُصْبِحوا بها
ولا يَقِفُوا مع الإمَامِ) . والفَرْضُ على الضَّعِيفِ والقَوِىِّ سَواءٌ، ولكنَّه تأخّرَ
لموضِعِ الفَضْلِ وتعليمِ الناسِ. قال: وما كان بعدَ نِصْفِ الليلِ فهو مِن آخرٍ
الليلِ. ورُوِى عن عطاءٍ أَنَّه إن لم يَنْزِلْ بجَمْعٍ فعليه دَمّ، وإنْ نَزَل بها ثم ارتحلَ
بليل فلا شىءَ عليه. رَوَاه ابنُ جريجٍ وغيرُه، وهو الصحيحُ عنه . وكان عبدُ اللَّهِ
ابنُّ عمرٍو(١) يقولُ: إِنَّمَا جَمْعٌ مَنْزِلٌّ تَدَّلِجُ منه إذا شْتَ(٣). وقال علقمةُ، وعامِرٌ
الشعبىُّ، وإبراهيمُ النخعىُّ، والحسنُ البصرىُّ: مَن لم ينزِلْ بالمزدَلِفَةِ
وفاتَه الوُقوفُ بها، فقد فاتَّه الحَجُّ، ويجْعَلُها عِمِرَةً. وهو قولُ عبدِ اللَّهِ بنِ
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٢٥٦، ٢٥٧ .
(٢) فى ر : (عمر)).
(٣) تقدم تخريجه ص ٢٤٧، ٢٤٨ .
٣٧٦

الموطأ
الزبيرِ ) . وبه قال الأوزاعىُّ، أَنَّ الؤُقُوفَ بالمزدَلِفَةِ فرضٌ واجِبٌ يفوتُ التمهيد
الحجُ بفواتِه. وقد رُوِى عن الثورىِّ مثلُ ذلك، ولا يصحُ عنه، والأصحُ
عنه إن شاء اللَّهُ ما قَدَّمْنا ذِكْرَه. ورُوِى عن حمادِ بنِ أبى سليمانَ أنَّه
قال: مَن فاتته الإفاضَةُ مِن جَمْع فقد فاتَه الحجُّ، فلْيُحِلّ بِعُمْرَةٍ ثم لِيَحُجّ
قابلًاً(١) .
وحُجَّةُ مَن قال بهذا القولِ قولُ اللَّهِ عزَّ وجلّ: ﴿فَإِذَا
أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَأَذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ اُلْمَشْعَرِ الْعَرَاءِ﴾
[البقرة: ١٩٨]. وقولُ رسولِ اللَّهِ وَله: ((مَن أدرَكَ جَمْعًا مع الناسِ
حتى يُفِيضَ فقد أدْرَك)). وهذا المعنَى رَواه عروةُ بنُ مُضَرِّسٍ، عن
النبيِّ وَه
٥٠٠
حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا
أحمدُ بنُ زهيرٍ، قال: حدَّثنا أبو نُعَيْم، قال : حدّثنا زكريا بنُ أبی زائِدَةً ، عن
عامِرٍ قال : حدَّثنى عروةُ بنُ مُضرّسٍ بنِ أوْسٍ بنٍ حارثةَ بنِ لَامٍ ، أَنَّه حَجَّ على عَهْدِ
رسولِ اللَّهِ ﴿ه فلم يُدْرِكِ الناسَ إِلَّ لَيْلًا وهم بجَمْعِ، فانطلَق إلى عَرَفاتٍ ليلًا
فأفاضَ منها، ثم رَجَع إلى جَمْعٍ، فأتى رسولَ اللَّهِ وَله فقال: يا رسولَ اللَّهِ،
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٢٤٦ .
٣٧٧

الموطأ
أَتْعَبْتُ(١) نفسى، وأَنْضَيْتُ (١) راحِلَتِى، فهل لى مِن حَجِّ؟ فقال: ((مَن صَلَّى معنا
التمهید
الغَدَاةَ بِجَمْعٍ ، وَقَف معنا حتى نُفِيضَ ، وقد أفاض مِن عرفاتٍ قبلَ ذلك ليلًا أو
نَّهَارًا، فقد تَمَّ حَجُّه، وقَضَى تَفَتَه)»(٣) .
رواه عن الشعبىِّ جماعَةٌ؛ منهم إسماعيلُ بنُ أبی خالِدٍ ، وعبدُ اللَّهِ بنُ ابی
السفرِ(٤)، وداودُ بنُ أبي هندٍ(٤) ، وكان سفيانُ بنُ عبينةً يقولُ: زَكرِيًّا أخفظُهم
لهذا الحديثِ عن الشعبىِّ .
قال أبو عمرَ: معناهم كلُّهم(٥) واحِدٌ مُتَقارِبٌ .
أخبرنا عبدُ اللَّهِ بنُّ محمدٍ ، حدّثنا محمدُ بنُ بکرٍ ، حدّثنا أبو داودَ ، حدّثنا
مُسَدَّدٌ، حدَّثنا يحيى، عن إسماعيلَ، حدَّثنا عامِرٌ، أخبرنا عروةُ بنُ مُضَرِّسٍ
الطَّائِىُّ قال: أَيْتُ رسولَ اللَّهِ وَلټ بالموقف - یعنی بجمع - فقلتُ : چِئْتُ یا
رسولَ اللَّهِ مِن جَبَلَى طَيِّئَّ، أَكْلَلْتُ مَطِى، وأَتْعَبثُ نَفْسِى، واللَّهِ ما
تَرَكتُ مِن حَبلِ إِلَّ وَقَفْتُ عليه، فهل لى من حَجّ؟ فقال رسولُ اللَّهِ
وَِّ : (مَن أَدْرَكَ معنا هذهِ الصلاةَ، وأتى عَرَفَاتٍ قبل ذلكَ ليلًا أو نهارًا،
القبس
(١) فى ر: ((أعملت)).
(٢) فى ى، م: ((أنصبت)). وينظر ما تقدم ص ٢٤٣.
(٣) تقدم تخريجه ص ٢٤٣، ٢٤٤.
(٤) تقدم تخريجه ص ٢٤٣ .
(٥) فى ى، م: ((كله)).
٣٧٨

الموطأ
التمھید
فقد تَمَّ حَجُّه، وَقَضَى تَفَتَه))(١).
قال إسماعيلُ القاضى: ظاهِرُ هذا الحديثِ إن كان صحيحًا ، واللَّهُ أعلمُ،
يدُلُّ على أنَّ الرجلَ سأله عمَّا فاتَه مِن الوُقوفِ بالنَّهارِ بعرفةَ ، فَأَعْلَمَه أنَّ مَن وَقَف
بعرفةً ليلًا أو نهارًا فقد تَمَّ حَجُه، فدَارَ الأُمرُ فى الجوابِ) على أنَّ الؤُقُوفَ
بالنهارِ لا يَضُرُّه إن فاتَه؛ لأَنَّه لمَّا قيل: ((ليلًا أو نهارًا)). والسَّائِلُ يعلَمُ أنَّه "إذا
وقَف نهارًا فقد أدرَك الوقوفَ بالليلِ ، فَأَعْلِمَ أنه إذا وقَف بالليلِ وقد فاتَّه الوقوفُ
بالنهار ، أن ذلك لا يضُرُه ) .
قال: ولو محُمِل هذا الحديثُ أيضًا على ما يَحتَجُ به مَن احْتَجّ به، لوجَبَ
على مَن لم يُدْرِكِ الصلاةَ مع الإمامِ بجَمْع أن يكونَ «حَجُه فاسِدًا) ، ولكنَّ
الكَلامَ يُحْمَلُ على صِخَّتِه وصِحَّةٍ (٢) المعنى فيه ؛ لأنَّ الرجلَ إنَّما سأل وقد أدرَكَ
الصلاةَ بجَمْعٍ، وقد وَقَف ("قبلَ ذلك٣) بعرفةَ لَيْلًا، فَأُعْلِم أنَّ حَجَّه تامّ .
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٢٤٤ .
(٢ - ٢) سقط من : ى، م .
(٣ - ٣) فى م: ((إذا وقف بالليل وقد فاته الوقوف بالنهار أن ذلك لا يضره وأنه قد تم حجه لأنه
رأى له بهذا القول أن يقف بالنهار دون الليل وعلم أن المعنى فيه إذا وقف بالليل وقد فاته الوقوف
بالنهار أن ذلك لا يضره)) . وذكره فى حاشية : ((ى)) وأشار أنه جاء فى نسخة أخرى .
(٤ - ٤) فى ر : ((حجته فاسدة)).
(٥) بعده فى ى ، م : ((هذا)).
٣٧٩

الموطأ
٠
التمهید
وقال أبو الفرج: مَعنَى قولِ رسولِ اللهِ وَ ﴿ه فى حديثٍ عُزْوَةَ بنِ مُضَرِّسٍ:
(وقد أَفاض قبلَ ذلك ليلًاً أَو نَهارًا)). أراد ، واللهُ أعلمُ، لَيْلًا ، أو نَهارًا ولَيْلًا .
فسَكَت عن أن يقولَ: ليلًا. لعِلْمِه بما قَدَّم مِن فِعْلِه؛ لأنَّ مَن وقَف نَهارًا فقد
أدرَك الليلَ، لأَنَّه أراد بذِكْرِ النهارِ أَتِّصالَ الليلِ به . قال: وقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ
قولُه: ((ليلًا أو نَهارً). بمعنَى: ليلًا ونَهارًا، فتكونَ (أُؤْ)) بمَغْنَى الواوِ، كما قال
اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ ءَائِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]. أى: آئِمًا
وكَفُورًا . واللهُ أعلمُ.
قال أبو عمر: لو کان کما ذکّرَ، کان الوقوفُ واچِئًا ليلا ونهارًا ، ولم يُغْنِ
أحَدُهما عن صاحِبِهِ، وهذا لا يقولُه أحَدٌ، وقد أجْمَع المسلمون أنَّ الوقوفَ
بعرفةً لَئِلَا يُجْزِئُ عن الوُقوفِ بالنهارِ ، إلّا أنَّ فاعِلَ ذلك عندَهم إذا لم يكنْ
مُرَاهِقًا ولم يكنْ له عُذْرٌ فهو مُسِىءٌ. ومِن أهلِ العِلْمِ مَن رَأى عليه دَمًّا ، ومنهم مَن
لم يَرّ عليه شيئًا، وجماعَةُ الفقهاءٍ(١) يقولون: إنَّ مَن وَقَف بعرفةَ ليْلًا أو نهارًا بعد
زَوَالِ الشمسِ مِن يوم عرفةَ، أَنَّ مُدْرِكٌ للحَجُ . إلَّا مالِكَ بنَ أنسٍ ومَن قال بقوله،
فإنَّ الفرضَ عنده الليلُ دونَ النّهارِ ، وعندَ سائر العلماءِ الليلُ والنهارُ بعد الزوالِ فى
ذلك سَواءٌ فى الفرضِ، إلّا أنَّ الشُنَّةَ أن يَقِفَ كما وَقَف رسولُ اللَّهِ وَّهِ نهارًا
القبس
(١) فى ى، م: ((العلماء)).
٣٨٠