Indexed OCR Text

Pages 301-320

الموطأ
التمهيد
مِن تلك الصَّفَةِ بذلك الدِّرهَم ، والذى عليه مالكٌ وأصحابُه أنَّ الجميعَ يَلْزَمُه إذا
وافَقَ الصَّفَّةً وزاد مِن جِئْسِها؛ لأَنَّه مُحسِنٌّ. وهذا الحديثُ يَعضُدُ قولَهم فى
ذلك، وهو حديثٌ جيدٌ، وفيه ثبوتُ صحَّةٍ مِلكِ النبيِّ عليه السلامُ للشَّاتَين،
ولولا ذلك ما أَخَذَ منه الدِّينارَ، ولا أمضَى له البيعَ .
وقد اختُلِفَ عن مالكِ وأصحابِهِ فيمَن نُحِرَتْ أَضِيتُه بغيرِ إذنِه ولا أمرِهِ ؛
فروى عنه أنَّها لا تُجْزِئُ عن الذابح، وسواء نوَى ذبحها عن نفسِه أو عن
صاحبها ، فعلى الذابحِ ضمانُها. ورُوِىَ عنه أن الذابحَ لها إذا كان مثلَ الولدِ أو
بعضَ العيالِ فإنها تُجزئُ . وقال محمدُ بنُ الحسنِ فى رجلٍ تطوّعَ عن رجلٍ
فذْبَح له ضَحَّةً قد أوجَبّها، أنَّه إن ذبَحَها عن نفسِه متعمِّدًا لم تُجْزِئْ عن
صاحبِها، وله أن يُضَمِّنَ الذابحَ، فإن ضمَّنه إياها أجزَأْت عن الضامنِ، وإن
ذبحها عن صاحبِها بغيرِ أمرِه أُجْزَأتْ عنه . وقال الثورىُّ: لا تُجْزِئُ ، ويضمَنُ
الذابخ . وقال الشافعىُّ : تُجْزِئُ عن صاحبها ، ويضمَنُ الذابح النقصان . وروى
ابنُ عبدِ الحكم ، عن مالكٍ: إن ذبَح رجلٌ ضَحِيَّةَ رجلٍ بغيرِ أمْرِه لم تُجْزِئُ عنه ،
وهو ضامِنٌّ لضَحِيَّتِهِ، إِلَّا أن يكونَ مثلَ الولدِ أو بعضَ العِيَّالِ، إنَّما ذَبَحوها على
وَجْهِ الكِفايةِ له ، فأرجو أنْ تُجْزِئَ . وقال ابنُّ القاسم عنه : إذا كانُوا كذلك فإنَّها
تُجْزِئُ . ولم يقلْ: أرجو.
وإن أخطأ رجلان فذبح كلُّ واحدٍ منهما ضِيَّةً صاحبه ، لم تُجْزِئ عن
واحِدٍ منهما فى قولٍ مالكٍ وأصحابِهِ، ويَضْمَنُ عندَهم كلَّ واحدٍ منهما قيمةً
القبس
٣٠١

الموطأ
التمهيد ضَحِيَّةٍ صاحِبِه. لا أعلَمُ خِلافًا " فى ذلك(١) بينَ أصحابٍ مالك فى الضَّحايا.
وأمَّا الهَدْئُ فاخْتُلِف فيه عن مالكٍ، والأشهرُ عنه ما حكاه ابنُ عبدِ الحَكَم
وغيرُه ، أنَّه لو أُخْطَأ رجلانٍ كلُّ واحدٍ منهما بهَدْي صاحبِهِ ، أْزَأهما ، ولم يكنْ
عليهما شىء. وهذا هو تحصيلُ المذهب فی الھدیِ خاصَّةً، وقد رُوِی عن
مالكٍ فى المُعْتَمِرَيْنِ إِذا أَهْدَيا شاتَيْن فذبَح كلُّ واحدٍ منهما شاةَ صاحبِهِ خَطَأَ ، أنَّ
ذلك لا(٢) يُجْزئُ عنهما، ويضمَنُ كلُّ واحدٍ منهما قيمَةً ما ذَبَح، وأَتْتَفًا
الهدىَ. وقال الشافعىُ: يضمَنُ كلُّ واحدٍ منهما ما بينَ قيمةِ ما ذَبَح حيًّا
ومذبوحًا، وأجْزَأتْ(٣) كلَّ واحدٍ منهما أُضْحِيْتُه أو هَدْيُه. وقال الطبرىُّ:
يُجْزِئُ عن كلِّ واحدٍ منهما ضَحيتُه أو هذيُه، التى أُوجَبَها، ولا شىءً على
الذَّابح؛ لأَنَّ فعَل ما لا بُدَّ منه، ولا ضمانَ على واحدٍ منهما ، إلا أنْ يَسْتَهلِكَ
شيئًا مِن لحمِها ، فيضمَنَ ما استهلَكَ. وقال ابنُ عبدِ الحكم أيضًا عن مالك : لو
ذَبَح أحدُهما - يعنى المعتمِرَيْن - شاةً صاحبِهِ عن نفسِه ، ضَمِنها ، ولم تُجْزِئْه ،
وذَبَح شاتَه التى أُوجَبَها ، وغَرِم لصاحبه قيمةً شَاتِه التى ذبحها ، واشتَرَى صاحبُها
شاةً وأهداها . قال ابنُ عبدِ الحكم : والقولُ الأولُ أعجبُ إلينا . يعنى المعتمِرَيْن
يَذْبَحُ أحدُهما شاةَ صاحبِه وهو قد أخطَأ بها ، أنَّ ذلك يُجزتُهما .
القبس
(١ - ١) ليس فى : الأصل، م.
(٢) سقط من : م .
(٣) بعده فى الأصل، م: ((عن)).
٣٠٢

الموطأ
قال أبو عمرَ: فی حدیثِ مالكِ الذی قدَّمْنا ذ کرَه اُنَّ رسولَ الله ێ نخر
بعضَ هَدیه بيده، ونحر غيرُه بعضه. وغیرُه فى هذا الموضع هو علىُّ بن أبى
طالبٍ رضِى اللهُ عنه . وذلك صحيح فى حديث جابرٍ وحديثٍ علىَّ أيضًا .
التمھید
أخبرنا عبدُ الوَارِثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدّثنا
أحمدُ بنُ زُهيرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سعيدِ الأصبهانيُّ وهارونُ بنُ معروفٍ ،
قالا : حدّثنا حاتِمُ بنُ إسماعيلَ، عن جعفر بن محمدٍ ، عن أبيه ، عن جابرٍ فی
حديثِه الطويلِ فى الحجّ، قال: ثم انصَرَف - يعنى رسولَ اللهِ وَهِ - بعدَ أن
رَمَى الجمرةَ مِن بَطنِ الوادى بسبعِ حَصَياتٍ، فَتَحَر ثلاثًا وستِّين بَدَنَةً ، ثم أعطَى
عليًّا فَتَحَر سائِرَها. وذكر الحديثَ(١).
أخبرنا أحمدُ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا وهبُ بنُ مسرَّةَ، قال: حدَّثنا ابنُ
وضَّاحِ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُّ أبى شيبةَ، قال: حدَّثنا حاتمُ بنُّ إسماعيلَ، عن
جعفرِ بنِ محمدٍ ، عن أبيه ، عن جابرٍ فى الحديثِ الطويلِ فى الحجّ مثلَه ، قال :
فَتَحَر رسولُ اللهِ وَ له ثلاثًا وستِينَ بَدَنَةً، ثم أعطَى عليًّا فتَحَرَ ما غبر. وذكّر
(٢)
الحديثَ(٢).
٠٨
القبس
(١) تاريخ ابن أبى خيثمة (١٥٩٣). وأخرجه الدارمى (١٨٩٣) عن محمد بن سعيد به ، وأخرجه
الدارمى (١٨٩٢)، ومسلم (١٢١٨)، وأبو داود (١٩٠٥)، وابن ماجه (٣٠٧٤) من طريق حاتم
ابن إسماعيل به .
(٢) ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٣٧٧ - ٣٨١، وعنه عبد بن حميد
(١١٣٣- منتخب)، ومسلم (١٢١٨) .
٣٠٣

الموطأ
التمهيد
وأخبرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةً، قال: حدَّثنا
أحمدُ بنُّ شعيبٍ ، قال : أخبرنا علىُ بنُ محجرٍ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ جعفرٍ،
قال: حدّثنا جعفر بن محمدٍ، عن أبيه، عن جابر بنِ عبدِ اللهِ قال : ساق
رسولُ اللهِ وَ لِّ مِائَةَ بَدَنةٍ، فَتَحَرَ منها رسولُ اللهِ وَّهِ ثلاثًا وستِینَ بيدِه، ونَحَر
علىِّ ما بَقِى، ثم أمَرَ رسولُ اللهِ نَّهِ أَنْ تُؤخَذَ بَضعَةٌ مِن كلِّ بَدَنَةٍ فتُجعَلَ فى
قِدْرٍ، فأكّلاً مِن لحمِها وحَسَيًا مِن مَرَقِها(١).
وأخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ الجُهَنِىُّ، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمدٍ
الكنانِىُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيبِ النَّسائِىُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ
ابن عبد الحکم ، عن شُعیپٍ بنِ اللیثِ ، قال : حدّثنی الليثُ ، عن ابنِ الهادِی،
عن جعفر بن محمد ، عن أبيه، عن جابر بن عبدِ اللهِ قال : قَدم علىٍّ مِن الیمنِ
بِهَدْي لرسولِ اللهِ وَله، وكان الهدىُ الذى قَدِم به رسولُ اللهِ نَّهِ وعلىٌّ مِن
اليمنِ مائةَ بَدَنةٍ، فَتَحَر رسولُ اللهِ وَّهِ منها ثلاثً وستِينَ بَدَنَةً، ونحَر علىِّ سبعًا
وثلاثين، وأُشرَكَ عليّا فى بُدْنِهِ، ثم أخَذ مِن كلِّ بَدنةٍ بَضْعَةً، فجُعِلت فى قِدْرٍ
فَطَبَخَه، فَأُكَلَ رسولُ اللهِن ◌َّهِ وعلىّ رضِىَ اللهُ عنه مِن لَحْمِها، وشَرِبًا مِن مِرَقِها ".
هکذا قال أکثر الرواة لهذا الحدیثِ : عن جعفر بن محمدٍ ، عن أبيه، عن
القبس
(١) النسائى فى الكبرى (٤١٣٩). وأخرجه ابن خزيمة (٢٨٩٢) عن على بن حجر به .
(٢) النسائى فى الكبرى (٤١٤٠). وينظر ما تقدم ص ١٥٩، ١٦٠.
٣٠٤

الموطأ
جابرٍ، أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ نَحَر مِن تلك البُدْنِ المائةِ ثلاثًا وستِينَ، ونحَر علىّ التمهيد
بقيّتها . إلَّا سفيان بن عيينةً ، فإنَّه رَوَی هذا الحديثَ عن جعفر بن محمدٍ ، عن
أبيه، عن جابرٍ قال: ونَحَر رسولُ اللهِ وَ لَّه ◌ِئًا وستِّينَ بَدَنَةً، ونَحَر علىّ أربعًا
(١)
وثلاثينَ ).
وأمَّا روايةُ علىٍّ بن أبى طالبٍ فى ذلك، فحدَّثنا أبو محمدٍ عبدُ اللهِ بنُ
محمدٍ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرِ التََّّارُ، قال: حدَّثنا أبو
داود ، قال: حدّثنا هارونُ بنُ عبدِ اللهِ ، قال : حدثنا محمدٌ ویعلی ابنا مُبيدٍ ،
قالا : حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاق، عن ابنٍ(٢) أبی نَجیحِ، عن مجاهدٍ، عن
عبدِ الرحمنِ بنِ أبى ليلَى، عن علىِّ رضِى اللهُ عنه، قال: لما نَحَر رسولُ اللهِ
وَِّ بُّدْنَه فَتَحَر ثلاثين بَدَنَةً بِيَدِه، وأمَرنى فتَحَوْتُ سَائِرَها(١).
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُّ أصبغَ، قال: حدّثنا محمدُ بنُ
إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحميدىُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، قال: حدّثنا
عبدُ الكريمِ الجزرِىُّ، قال: سمِعتُ مجاهدًا يقولُ: سمِعتُ عبدَ الرحمنِ بنَ
أبى ليلَى يقولُ: سمِعتُ علىَّ بنَ أبى طالبٍ يقولُ: أَمَرَنى رسولُ اللهِ وَ له أن أقومَ
على بُدْنِه، وأنْ أقسِمَ جِلالَها وجُلُودَها، وألَّ أَعطِىَ الجازِرَ منها شيئًا، وقال:
القبس
(١) أخرجه الحميدى (١٢٦٩) عن سفيان بن عيينة به .
(٢) ليس فى : الأصل ، م .
(٣) أبو داود (١٧٦٤). وأخرجه أحمد ٤٦٧/٢ (١٣٧٤) عن محمد بن عبيد - وحده - به .
٣٠٥
(موسوعة شروح الموطأً ٢٠/١١ )

الموطأ
التمهيد ((نحن نُعطِیه مِن عندنا))(١).
قال سفيانُ : وحدّثناہ ابنُّ ابی نَجیح ، عن مجاهدٍ ، عن عبد الرحمنِ بنِ أُبی
ليلى، عن علىّ، وحديثُ عبدِ الكريمِ أَتَمُ().
قال أبو عمر: فى "هذا الحديث" أنّ رسولَ الله پټ اگل مِن هدیه الذى
ساقَه فى حَجَتِه، وهَذْيُه ذلك كان تطوُّعًا عندَ كلِّ مَن جعَلَه مُفرِدًا، وأجمَعَ
العلماءُ على جوازِ الأكلِ مِن هدي (٢) التَّطوُّع إذا بَلَغْ مَحِلَّه؛ لقولِ اللهِ عزَّ وجلَّ:
﴿فَإِذَا وَجَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنْهَا﴾ [الحج: ٣٦]. واختلَفوا فى جوازِ الأكلِ ممَّا عدَا
هدىَ التَّطوَّعِ ("إذا بلَغْ)؛ فقال مالكٌ: يُؤْكَلُ مِن كلِّ هدي سِيق فى الإحرامِ إلَّا
جزاءَ الصيدِ، وفديَةَ الأَذَى، وما نُذِرَ للمساكينِ. والأصلُ فى ذلك عندَ
مالكٍ وأصحابِهِ أنَّ كلَّ ما دخَلَه الإطعامُ مِن الهَدْيِ والنَّسُكِ لمَن لم يَجِدْه
فسبيلُه سبيلُ ما جُعِل للمساكينِ، ولا يجوزُ الأكلُ منه، وما سِوَى ذلك
يُؤْكَلُ منه؛ لأنَّ اللهَ قد أطلَقَ الأكْلَ مِن الهُدْنِ وهی مِن شعائرِ اللهِ ، فلا یجبُ
القبس
(١) الحميدى (٤١). وأخرجه أحمد ٣١/٢، ٣٢ (٥٩٣)، ومسلم (١٣١٧)، وأبو داود
(١٧٦٩)، وابن ماجه (٣٠٩٩)، والنسائى فى الكبرى (٤١٤٦)، وابن خزيمة (٢٩٢٢) من طريق
سفيان به .
(٢) الحميدى (٤٢). وأخرجه مسلم (١٣١٧) من طريق سفيان به .
(٣ - ٣) فى الأصل، م: ((حديث هذا الباب)).
(٤) ليس فى : الأصل ، م .
(٥ - ٥) ليس فى : الأصل، م .
٣٠٦

الموطأ
٩٠٣ - مالك، عن نافع، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ قال: مَن نذَر بدنةً ،
فإنه يقلِّدُها نعلين ويُشعِرُها ، ثم ينحَرُها عندَ البيتِ ، أُو بمنّى يوم النحرِ ،
ليس لها مَحِلٌّ دونَ ذلك، ومَن نذَر جَزُورًا مِن الإبلِ أو البقرِ فَلْينحَرْها
حیثُ شاء.
التمهید
أنْ يُمنعَ مِن أكلِ شىءٍ منها إلَّ بدليلٍ لا مُعارضَ له، أو بإجماع، وقد أجمَعُوا
على إباحةٍ الأكلِ مِن هَدْيِ التَّطوع إذا بلَغَ مَحِلَّه، ولم يجعلُوه رُجوعًا فيه،
فكذلك كلِّ هَذي إلَّ ما اجتُمِعَ عليه. وقال أبو حنيفةً: يأكُلُ مِن هدي المتْعَةِ
وهَذْىِ التَّطوُّعِ إذا بلَغَ مَحِلَّه لا غيرُه. وقال الشافعىُّ: لا يجوزُ أن) يأكلَ مِن
شىءٍ مِن الهَدْيِ الواجبٍ. وقال فى معنَى قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ
جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنْهَا﴾ [الحج: ٣٦] : إِنَّ ذلك فى هذي التَّطوّع لا فى الواجبِ ؛ بدليلٍ
الإجماع على أنَّه لا يُؤْكَلُ مِن جزاء الصيدِ وفديةِ الأذى ، فكانت العِلَّةُ فى ذلك أنَّه دم
واجبٌ فى الإحرامِ مِن أجلِ ما أتاهُ المحرِمُ ، فكلَّ هدي وجَبَ على المحرِمِ بسببٍ فعل
أَتَاه فهو بمنزلَتِه ، والواجباتُ لا يجوزُ الرُّجوُ فى شىءٍ منها ، كالزكاةِ . وبالله التوفيقُ.
مالك، عن نافع، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ قال: مَن نذَر بَدَنَةً ، فإنه يقلُّدُها نعلَيْن الاستذكار
ويُشعِرُها، ثم ينحَرُها عندَ البيتِ ، أو بمنَى يومَ النحرِ، ليس لها مَحِلِّ دونَ ذلك ،
ومَن نذَر جَزُورًا مِن الإبلِ أو البقرِ فَلْينحَرْها حيثُ شاءٍ(٢).
القبس
(١ - ١) ليس فى : الأصل ، م .
(٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٤٠٩) ، وبرواية يحيى بن بكير (٨/٥و - مخطوط) ، وبرواية
أبى مصعب (١٣٨٢) . وأخرجه البيهقى ٢٣١/٥ من طريق مالك به .
٣٠٧

الموطأ
٩٠٤ - مالكٌ، عن هشام بن عروةً، أن أباه كان ينحَرُ بُدْنَه
قيامًا.
الاستذكار
قال أبو عمرَ: جعَل ابنُ عمرَ البدنةَ كالهدىِ، والهدىُ لا خلافَ بينَ
العلماء أنه ◌ُهدی إلى البيتِ العتيقِ ؛ یرادُ بذلك مساكين أهل مكةً . والهدئُ سُنّتُه
أن يُقلَّدَ ويُشعرَ ويُنحرَ، إِن سلِم، بمكةً، فمَن قال: للهِ علىَّ بدنةٌ. فهو كمّن
قال: للهِ علىَّ هدىّ. وأما إذا قال: جَزورٌ. فإنه أراد إطعامَ لحمِه مساكينَ
موضعه، أو ما يَرى مِن المواضعِ .
مالكٌ عن هشام بن عروةَ، أن أباه كان يَنْحَرُ بُدْنَه قيامًا (١).
قال أبو عمر : قد مضی الکلامُ فی نحر الثُذْنِ قیامًا فی حدیث ابنٍ عمر فى
هذا الكتاب، وذكرنا أن معنى قوله تعالى: ﴿صَوَآَنَّ﴾. قيامًا . وأظنُّ اختيارَ
العلماءِ لنحرِ البُذْنِ قيامًا؛ لقولِه تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ . والوجوبُ
السقوطُ إلى الأرضِ عِندَ العربٍ. واختصارُ اختلافِهم فى هذا البابِ ؛ قال
مالكٌ : تُنحرُ البُذْنُ قيامًا وتُعقلُ إِن خِيف أن تَنْفِرَ ، ولا تُنحرُ باركةٌ إلا أن يصعُبَ
نحرها(١) . قال الشَّافعىُّ: وقال الثورىُّ: إن شاء أضجعها، وإن شاء نخرها
قائمةً .
القبس
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (١٣٨٣).
(٢) فى الأصل، م: ((نحره)). وينظر تفسير القرطبى ٦٣/١٢ .
٣٠٨

قال يحيى: قال مالكٌ: لا يجوزُ لأحدٍ أن يحلِقَ رأْسَه حتى ينحَرَ الموطأ
هديَه ، ولا ينبغى لأحدٍ أن ينحَرَ قبلَ الفجرِ يومَ النحرِ ، وإنما العملُ كلُّه
يومَ النحرِ ؛ الذبح، ولَبسُ الثيابِ ، وإلقاءُ الثَّفَثِ ، والحِلاقُ ، لا يكونُ
شىءٌ من ذلك يُفعَلُ قبلَ يومِ النحرِ .
الحِلاقُ
٩٠٥ - مالك، عن نافع، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أن رسولَ اللهِ
وَخَلَه قال: ((اللهمَّ ارحَم المُحلِّقِين)). قالوا: والمقصِّرين يا
رسولَ اللهِ؟ قال: ((اللهمَّ ارحَمِ المُحلّقين)). قالوا: والمقصِّرین یا
رسولَ اللهِ؟ قال: ((والمقصِّرين)).
قال مالكٌ: لا يجوزُ لأحدٍ أن يحلِقَ رأْسَه حتى ينحَرَ هديه، ولا ينبغى لأحدٍ الاستذكار
أن ينحَرَ قبلَ الفجرِ يومَ النحرِ، وإنما العملُ كلُّه يومَ النحرِ؛ الذبحُ، ولُبْسُ
الثيابٍ ، وإلقاءُ التَّقَثِ، والحِلاقُ، لا يكونُ شىءٌ مِن ذلك يُفعلُ قبلَ يومِ النحرِ .
قال أبو عمرَ: هذا لا خلافَ فيه بينَ العلماءِ أن جمرةَ العقبةِ إنما تُرمی
ضُحَى يومِ النحرِ، وتمامُ حِلُّها أولُ الحِلِّ وإلقاءُ التََّثِ كلِّه، وقد تقدَّم القولُ
فيمن رَماها قبلَ الفجرِ وبعدَ الفجرِ فى موضعِه ، وأعمالُ يوم النحرِ كلَّها جائزٌ فيها
التقديم والتأخيرُ إلا ما نذكُرُ الخلافَ فيه فى موضعه، إن شاء اللهُ.
التمهيد
مالك، عن نافع، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أنَّ رسولَ اللهِ وَ الإِقال: ((اللهمَّ
القبس
٣٠٩

٠
الموطأ
ارحم المحلِّقِين)). قالوا: والمقصِّرينَ يا رسولَ اللهِ؟ قال: ((اللهمَّ ارحَم
المحلّقِين)). قالوا: والمقصِّرين يا رسولَ اللهِ؟ قال: ((والمقصِّرين)) ".
التمهید
هکذا هذا الحدیثُ عندهم جمیعًا عن مالك ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ .
وكذلك رواه سائرُ أصحابٍ نافع، لم يذكُّرْ واحدٌ من رواتِه فيه أنَّه كان يومَ
الحديبيةِ، وهو تقصيرٌ وحذفّ. والمحفوظُ فى هذا الحديثِ أنَّ دعاءً
رسولِ اللهِ وَّه للمُحلِّقين ثلاثًا وللمقصِّرينَ مرةً إنما جرَى يومَ الحديبيةِ حينَ
صُدَّ عن البيتِ ، فنحَر وحلَق ودعا للمُحلِّقين، وهذا معروفٌ مشهورٌ محفوظٌ
من حديثٍ ابنِ عمرَ ، وابنِ عباسٍ (٢)، وأبى سعيد الخدرىِّ، وأبى هريرةَ(٤)،
ومُبْشىٍّ بنِ مُنادةً ، وغيرهم.
أخبرنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ محمدٍ ، قالٍ: حدَّثنا الميمونُ بنُ حمزةَ ، قال:
حدَّثنا أبو جعفرِ الطحاوىُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ ميمونٍ ، قال :
حدَّثنا الوليدُ، قال: حدّثنا الأوزاعىُّ، عن يحيى بنٍ أبى كثيرٍ، عن أبى إبراهيمَ
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٤٦٢)، وبرواية يحيى بن بكير (٩/٥ظ - مخطوط) - وعنده
الدعاء للمحلقين ثلاث مرات - وبرواية أبى مصعب (١٣٩٠). وأخرجه أحمد ٣٦٢/٩، ٣٦٣،
٣٥٧/١٠ (٥٥٠٧، ٦٢٣٤)، والبخارى (١٧٢٧)، ومسلم (٣١٧/١٣٠١)، وأبو داود
(١٩٧٩) من طريق مالك به .
(٢) تقدم فى الموطأ (٨١٤).
(٣) سيأتى تخريجه ص ٣١١، ٣١٢.
(٤) سيأتى تخريجه ص ٣١٢، ٣١٣.
(٥) أخرجه أحمد ٥١/٢٩ (١٧٥٠٧) .
٣١٠

الموطأ.
الأنصارىِّ، قال: حدَّثنا أبو سعيد الخدرىُّ قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ وَلِتِ
يستغفِرُ يومَ الحديبيَّةِ للمُحلِّقِين ثلاثًا، وللمُقصِّرينَ مرَّةً (١).
التمهید
أخبرنا أحمدُ بنُ سعيدِ بنِ بشرٍ ، حدَّثنا مسلمةُ بنُ قاسم ، حدَّثنا جعفرُ بنُ
محمدٍ الأصبهانيُ، حدَّثنا يونسُ بنُ حبيبٍ ، حدَّثنا أبو داود الطيالسيُّ ، قال :
حدَّثنا هشام ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن أبى إبراهيمَ الأنصارىِّ، عن أبى سعيدٍ
الخدرىِّ، أنَّ رسولَ اللهِ وَ له وأصحابَه حلَقوا رءوسَهم يومَ الحديبيةِ، إِلَّا عثمانَ
ابنَ عفانَ وأبا قتادةَ، واستغفَر رسولُ اللهِ وَلِّ للمُحلِّقِينَ ثلاثًا، وللمُقصِّرين
.(٢)
مرَّةٌ(١).
ووجَدتُ فى أصلِ سماع أبى بخطُّه رحِمه اللهُ ، أنَّ محمدَ بنَ أحمدَ بنِ
قاسمِ بنِ هلالٍ حدَّثهم، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ الأعناقِىُ، قال: حدَّثنا
نصُ بنُ مرزوق ، قال : حدّثنا أسدُ بنُ موسی ، قال : حدثنا یحیی بنُ ز کریا بنِ
أبى زائدةَ، قال: حدَّثنا ابنُ إِسحاقَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُّ أبى نَجيحِ، عن
مجاهدٍ ، عن ابنِ عباسٍ قال : حَق رجالٌ يومَ الحديبيةِ ، وقصَّر آخرون ، فقال
رسولُ اللهِ وَهِ: ((رحم اللهُ المحلِّقين)). قالوا: يا رسولَ اللهِ، والمقصِّرين؟
القبس
(١) الطحاوى فى شرح المعانى ٢٥٦/٢، وفى شرح المشكل (١٣٦٩).
(٢) الطيالسى (٢٣٣٨). وأخرجه أحمد ٢٣٨/١٧، ٣٥٩/١٨ (١١١٤٩، ١١٨٤٧)، وأبو
يعلى (١٢٦٣) من طريق هشام به، وأخرجه أحمد ٣٦٠/١٨ (١١٨٤٨)، والطحاوى فى شرح
المشكل (١٣٦٨) من طريق يحيى به .
٣١١

الموطأ
التمهيد قال: ((رحِم اللهُ المحلِّقين)). قالوا: يا رسولَ اللهِ، والمقصِّرين؟ قال: ((رحم
اللهُ المحلّقين)). قالوا: يا رسولَ اللهِ، والمقصِّرين)؟ قال: ((والمقصِّرين)).
قالوا (٢): فما بالُ المحلِّقينَ ظاهَرتَ لهم بالترحُم؟ قال: ((لم يَشُكّوا))(٣).
وأخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ یوسفَ ، قال: حدّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ
يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ زيادٍ ()، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ
عبدِ الجَّارِ العُطارِدِىُّ، قال: حدَّثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ، قال: أخبرنا ابنُ إسحاقَ .
فذکر یاسنادِه مثله(٥) .
وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ
وضاحٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُّ أبى شيبةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ فضيلٍ، عن
عُمارةَ بنِ القَعقاعِ، عن أبى زُرعةَ، عن أبى هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ وَِهِ .
فذگره بمعناه().
القبس
(١ - ١) ليس فى: الأصل، وفى م: ((قال رحم الله المحلقين)).
(٢) فى الأصل: ((قال))، وفى م: (( قال يا رسول الله )).
(٣) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٢٥٥/٢، وفى شرح المشكل (١٣٦٤) من طريق أسد بن
موسى به ، وأخرجه الطيرانى (١١١٥٠) من طريق يحيى به ، وأخرجه ابن أبى شيبة (القسم الأول
من الجزء الرابع) ص ٢١٦، ٤٥٣/١٤، وأحمد ٣٣٧/٥ (٣٣١١)، وأبو يعلى (٢٧١٨) من
طریق ابن إسحاق به .
(٤) فى م: ((زيان)). وينظر سير أعلام النبلاء ٥٢١/١٥.
(٥) أخرجه ابن ماجه (٣٠٤٥) من طريق يونس به .
(٦) ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٢١٥ - وعنه مسلم (١٣٠٢)، وابن =
٣١٢

الموطأ
التمهيد
وقد ثبت أنَّ ذلك كان عامَ الحديبيةِ حينَ خُصِرَ النبيُّ ◌َّارِ، ومُنِع من
النهوضٍ إلى البيتِ ، وصُدَّ عنه، وهذا موضعً اختلف فيه العلماءُ؛ فقال منهم
قائلون : إذا نخر المحصر هدیه فلیس علیه أن يَحلِقَ رأسَه ؛ لأنَّه قد ذهب عنه
التَّسُكُ كلُّه . واحتجُوا بأنَّه لما سقَط عنه بالإحصارِ جميعُ المناسِكِ؛ كالطّوافِ
بالبيتِ ، والسَّعي بينَ الصَّفا والمروةِ، وذلك ممَّا يَحِلَّ به المحرِمُ من إحرامِه ؛
لأَنَّه إذا طاف بالبيتِ حلَّ له أن يحلِقَ، فَيَحِلَّ له بذلك الطِّيبُ واللِّبَاسُ، فلمّا
سقَط عنه ذلك كلُّه بالإِحصارِ ، سقط عنه سائرُ ما يَحِلُّ به المحرمُ من أجلِ أنَّه
مُحصَرَّ. وممَّن قال بهذا القولِ واحتجَّ بهذه الحَّةِ؛ أبو حنيفةً ومحمدُ بنُ
الحسنِ، قالا : ليس على المحصَرِ تَقصيرٌ ولا حِلاقٌ . وقال أبو يوسفَ : يَحلِقُ
المحصَرُ، فإن لم يحلِقْ فلا شىءَ عليه. وخالَفهما آخرون، فقالوا: يحلِقُ
المحصَرُ رأسَه بعدَ أن يَنحَرَ هديه، وذلك واجبٌ عليه كما يَجِبُ على الحاج
والمعتمرِ سواءً. ومن الحُبَّةِ لهم أنَّ الطوافَ بالبيتِ، والسعىَ بينَ الصفا
والمروةٍ، ورمىَ الجِمارِ، قد مُنِعَ من ذلك كلِّه المحصَرُ، وقد صُدَّ عنه، فسقَط
عنه ما قد حیل بينه وبينه ، وأمّا الحلاقُ ، فلم يُخَلْ بينه وبينه ، وهو قادرٌ على أن
يفعلَه، وما كان قادرًا على أنْ يفعلَه، فهو غيرُ ساقطٍ عنه ، وإنما يسقُطُ عنه ما
حِيلَ بينَه وبينَ عملِه، وقد رُوِى عن النبىِّ ◌َّرِ فى الحديثِ المذكور فى هذا
البابِ ما يدُلُّ على أنَّ حكم الحَلْقِ باقٍ على المحصّرينَ، كما هو علی مَن قد
القبس
= ماجه (٣٠٤٣) - وأخرجه أحمد ٧٣/١٢ (٧١٥٨)، والبخارى (١٧٢٨) من طريق محمد بن
فضیل به .
٣١٣

الموطأ
التمهيد وصَل إلى البيتِ سواءً؛ لدُعائِه للمُحلِّقينَ ثلاثًا وللمُقصِّرينَ واحِدةً، وهو الحُجَّةُ
القاطعةُ(١) . وإلى هذا ذهَب مالكٌ وأصحابُه ؛ الحِلاقُ عندَهم نُشْكٌ يجبُ على
الحاجّ الذى قد أتمَّ حبّه، وعلى مَن فاتَه الحجُّ، و(١) المحصَرِ بعدُوٌّ، والمحصّرِ
بمرضٍ. وقد حكَى ابنُّ أبى عمرانَ، عن ابنِ سِماعةً، عن أبى يوسفُ فى
((نوادرِهِ))، أنَّ عليه الحِلاقَ أو التَّقصيرَ، لابدَّله منه. واختلف قولُ الشافعىِّ فی
هذه المسألةِ على قولينٍ ؛ أحدُهما ، أنَّ الحِلاقَ للمُحصَرِ من النّسكِ . والآخرُ،
ليس من النُّسُكِ .
واختلف العلماءُ فى المحصّرِ ؛ هل له أنْ يَحلِقَ، أو يَحِلَّ بشىءٍ مِن(٣) الحِلّ
قبلَ أنْ ينحَرَ ما استَيْسَر من الهدي؟ فقال مالكٌ: السُّنةُ الثابتةُ التى لا اختلافَ
فیھا عندنا أنَّه لا يجوز لأحدٍ أن یأخذَ من شعره حتی ینخرَ هدیه، قال اللهُ فی
كتابِهِ: ﴿ وَلَا تَخْلِّقُواْ رُءُوسَكُمٍ حَّ بَلُغَ اَلْهُدْىُ تَحِلَّهُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]. ومعنى هذا من
قوله فيمن أتمّ حبّه لا فى المحصَرِ؛ لأنَّه قد تقدَّم قولُه فى المحصرِ أنَّه لا هدىَ
عليه إن لم يكنْ ساقَه معه، والحِلاقُ عندَه للحاج والمعتمرِ سُنَّةٌ، وعلى تارِ كه
الدمُ، والتَّحلَّلُ فى مذهبِهِ عندَ أصحابِهِ لا يتعَلَّقُ بالحِلاقِ، وإنما التَّحلُّلُ الرَّمِئُّ أو
ذَهابُ زمانِه، أو طوافُ الإفاضةِ، فمَن(٤) تحلَّل فى الحِلِّ من المحصَرينَ كان
القبس
(١) بعده فى م: ((والنظر الصحيح)).
(٢) فى ن: ((أو))، وفى م: ((وعلى)).
(٣) فى م: (( فى)).
(٤) فى ق، ن: (( فيمن)).
٣١٤

٠
الموطأ
التمهيد
حِلاقُه فيه، ومَن تحلَّلَ فى الحرَم كان حِلاقُه فيه ، والاختيارُ أن يكونَ الحِلاقُ
بمنّى، فإن لم يكنْ فبمكةَ، وحيثُما حلَق أجزأه ، من حِلِّ وحرمٍ ، ويجبُ حِلاقُ
جميعِ الرأسِ أو تقصيرُ جميعِه، والحِلاقُ أفضلُ، إِلَّ أنَّ النساءَ لا يجوزُ لهنَّ غيرُ
التَّقصيرِ، وحِلاقُهُنَّ معصيةٌ عندَهم إن لم يكنْ لضرورةٍ، ويجوزُ للمريضِ أن
يحلِقَ ويفتَدِىّ، ولاُ(١) ينقُضُ ذلك إحرامَه، وجميعُ مُحرّماتِ الحجّ لا
يُفسِدُها(١) إلّ الجماع. وقد ذكرنا أحكام الفدية على مَن حلق رأسه من مرضٍ
وغيرِهِ، فى بابِ حميدِ بنِ قيسٍ (١ ، والحمدُ للهِ . وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه : إذا
حلَّ المحصژ قبل أن ينخر هديه فعليه دم ، ويعودُ حرامًا کما کان حتى ينخرَ
هديه، وإن أصاب صيدًا قبل أن ينحَرَ الهدىَ فعليه الجزاءُ. قالوا: وسواءٌ(٤)
الموسِرُ فى ذلك والمعسِرُ، لا يَحِلُّ أبدًا حتى ينحَرَ أو يُنْحَرَ عنه . قالوا : وأقلُّ ما
يُهديه شاةٌ لا عمياءُ ولا مقطوعةُ الأذنين. وليس هذا عندَهم موضعَ صيامٍ ولا
إطعامٍ . وقال الشافعىُ فى المحصَرِ إذا أعسَر بالهدي: فيه قولانٍ؛ أحدُهما(*) .
لا يحلُّ أبدًا إلا بهذي. والقولُ الآخر ، أنَّه مامور بأن یأتی بما قدر عليه ، فإن لم
يقدِرعلی شیءٍ ، خرج مما علیه ، و کان علیه أن یأتی به إذا قدر علیه . قال : ومن
القبس
(١) سقط من : م .
(٢) كذا فى النسخ، ولعل الصواب: ((يفسد بها)).
(٣) ينظر ما سيأتى ص ٥٥٦ - ٥٦٣ .
(٤) فى م: ((هو)).
(٥) ليس فى : الأصل ، ق ، ن .
٣١٥

الموطأ
التمهيد قال هذا قال: يَحِلَّ مكانَه ويذبَحُ إذا قدَر، فإن قدَر على أنْ يكونَ الذبحُ بمكةً،
لم يُجِئْه أن يذبحَ إلّ بها، وإن لم يقدِرْ ذبَح حيثُ قدَر. قال : ويقالُ: لا يُجزُه
إلَّا هدىٌ. ويقالُ: إذا لم يجِدْ هديًا كان عليه الإطعامُ أو الصيامُ، فإن لم يجِدْ
واحدًا من هذه الثلاثِ أتَى بواحدٍ منها إذا قدَر. وقال فى العبدٍ: لا يُجزُه إِلَّ
الصومُ إذا أُحصِرَ، تُقوَّمُ له الشاةُ دراهمَ، ثم الدَّراهِمُ طعامًا ، ثم يصومُ عن كلِّ مُدِّ
يومًا . قال : والقولُ فى إحلالِه قبل الصومِ واحدٌ من قولينٍ؛ أحدُهما ، يَجِلُّ.
والآخر، لا يَحِلُّ حتى يصومَ. والأُولُ أشبَهُهما بالقياسِ؛ لأَنَّه أُمِرَ بالإحلالِ
للخوفٍ ، فلا يؤمرُ بالإقامةِ على خوفٍ ، والصومُ يُجزُه . هذا كلُّه قولُه بمصرَ،
رواه المُزنىُّ والرَّبِيعُ عنه. وقال ببغدادَ فى العبدِ يُعطِيه سيِّدُه فى التَّمتُّعِ والقرانِ
هذيًا، ذكَّر فيها الوجهينِ، قال: وفيها قولٌ آخرُ، إِن أَذِن له بالتَّمتُّعِ ليس يلزَمُه
الدمُ . رَواه الحسنُ بنُ محمدِ الزَّعفرانىُّ عنه . وذكَّرِ الرَّبِيعُ عنه فى المحصّرِ أَنَّه
لو ذبح ولم یحلِقْ حتى زال خوفُ العدوّ، لم يكنْ له الحِلاقُ، وكان عليه
الإتمامُ؛ لأَنَّه لم يَحِلَّ حتى صار غيرَ محصورٍ. قال: وهذا قولُ مَن قال : لا
يكثلُ إِحلالُ المحرمِ إِلَّ بحِلاقٍ. قال: ومَن قال: يكمُلُ إحلالُه قبلَ الحِلاقِ،
والحِلاقُ أُولُ (١) الإحلالِ. فإنه يقولُ: إذا ذبَح فقد حلَّ، وليس عليه أنْ يمضِىَ
إلی وجهه إذا ذبح .
القیس
(١) فى ق: (أولى))، وفى ن: ((الأول)).
٣١٦

٩٠٦ - مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، أنه كان الموطأ
يدخلُ مكةً ليلاً وهو معتمرٌ، فيطوفُ بالبيتٍ وبينَ الصفا والمروةِ،
ویؤخّز الحلاقَ حتى يُصبح . قال : ولکنه لا يعودُ إلى البيتِ فيطوفُ به
حتى يحلِقَ رأْسَه. قال: وربما دخَل المسجدَ فأوتَر فيه ولا يقرَبُ
البيت .
مالك، عن عبد الرحمنِ بن القاسم ، عن أبيه ، أنه كان يدخلُ مكةً ليلًا وهو الاستذكار
معتمرّ، فيطوفُ بالبيتٍ وبينَ الصفا والمروةِ، ويؤخِّرُ الحلاقَ حتى يُصبحَ .
قال : ولكنه لا يعودُ إلى البيتِ فیطوفُ به حتی یحلق رأسه . قال : وربما دخّل
المسجدَ فأوتّرُ(١) فيه ولا يقرَبُ البيتَ(٢).
قال أبو عمرَ : لیس علیه فی تأخير الحلاقِ حرج إذا شغله عنه ما يمنعُه منه ،
وأظنُّ القاسمَ لم يجِدْ فى الليلِ مَن يَحلِقُه . وأما امتناعُهِ مِن الطوافِ قبلَ الحلقِ
فين أجلٍ ألاُ) يطوفَ فى عمرتِه طوافَين، واللهُ أعلمُ، لأنه خلافُ الشّنةِ
المجتمعِ عليها ، فإذا حلَّ بالحلاقِ طافَ تطوُّعًا ما شاء .
وأما قولُه : وربما دخَل المسجدَ فأوتَر فيه ولا يقرَبُ البيتَ . فذلك لئلا
تدعُوَه نفسُه إلى الطوافٍ فينسَى ، فيطوفَ فى موضع ليس له أن يطوفَ فيه مِن
القبس
(١) فى الأصل: ((فأحرم)).
(٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٤٧٣) ، وبرواية يحيى بن بكير (٩/٥ظ - مخطوط) ، وبرواية
أبى مصعب (١٣٩١) .
(٣) فى الأصل: (( أن )).
٣١٧

قال مالكٌ : الثَّفَتُ حِلاقُ الشعَرِ، ولُيُسُ الثيابِ، وما يَتْبَعُ ذلك .
الموطأ
قال يحيى : سُئِل مالك عن رجلٍ نسِى الحِلاقَ بمنّی فی الحجّ،
هل له رخصةٌ فى أن يحلِقَ بمكةً؟ قال: ذلك واسِعٌ، والحِلاقُ بمنّى
أحبُ إلىّ.
الاستذكار أجلِ الحِلاقِ المانع له ذلك، فإذا حلَق خرَج مِن عمرته كلُّها ، فصنَع ما شاءمِن
طوافٍ للهِ(١) . وهذا يدُلُّك أن حِلاقَ الرأسِ يُعَدُّ مِن مناسكِ الحجّ والمُعتمَّرِ،
على ما ذكرنا مِن مذهب مالكٍ فى ذلك .
وأما قولُ مالكِ: التَّقَتُ حِلاقُ الشعَرِ ، ولُبْسُ الثيابِ ، وما يتبعُ ذلك . فهو
کما قال، ذلك لا خلافَ فیه .
سُئل مالكٌ عن رجلٍ نسِى الحِلاقَ بمنّى فى الحجّ، هل له رخصةٌ فى أن
يحلِقَ بمكةً؟ قال: ذلك واسعٌ، والحِلاقُ بمنّى أحبُ إلىّ.
قال أبو عمر : إنما استحبّ ذلك لیکون حلق رأسِه فی حجه ، حیثُ ينخر
هَدْيَه فى حجّه، وذلك بمنّى و (١) هو مَنْحرُ الحاجُ عندَ الجميع، وأجازه بمكةً،
كما يجوزُ النحرُ بمكةَ لمَنُ(١) لم ينحَرْ هنا؛ لأن الهدىَ إذا بلغ (٢) مكةً
فقد بلَغ محِلَّه.
القبس
(١) فى م: (( كله )).
(٢) زيادة يقتضيها السياق .
(٣) فى الأصل، م: ((لم يبلغ)). والمثبت يقتضيه السياق .
٣١٨

الموطأ
قال يحيى: قال مالكٌ: الأمر الذى لا اختلافَ فيه عندَنا ، أن
أحدًا لا يحلِقُ رأسَه ولا يأخذُ من شعَرِه حتى ينحَرَ هديًا إن كان
معه، ولا يَحِلّ من شيءٍ حرم عليه حتى يَحِلّ بمنّى يومَ النحرِ ،
وذلك أن الله تباركَ وتعالى قال: ﴿وَلَا تَخْلِّقُواْ رُهُوسَكُمْ حَتَّ بَتَّلُغَ
[البقرة: ١٩٦] .
الحَدْىُ مِلَهُ﴾
قال مالكٌ: الأمر الذى لا اختلافَ فيه عندَنا ، أن أحدًا لا يحلِقُ رأسَه ولا الاستذكار
بأخذُ مِن شعرِه حتی ینحرَ هدیًا إن کان معه ، ولا يَحِلّ مِن شىءٍ حژُم علیه حتی
يَجِلَّ بمنّى يومَ النحرِ، وذلك أن الله تبارك وتعالى قال: ﴿وَلَا تَخْلِقُواْ رُءُوسَكُمْ حَّ
بَُّغَ الهَدْىُ عَلَّ﴾ .
قال أبو عمرَ : اختلف الناسُ فيمَن حلَق قبلَ أن ينحرَ أو قبلَ أن يرمىَ ؛ فقال
مالكٌ : إذا حلَق قبلَ أن يرمىَ فعليه دمٌ ، وإن حلَق قبلَ أن ینحرَ فلا شىءَ عليه . وبه
قال أبو يوسفَ ومحمدٌ . وقال الشافعىُّ: إن حلَق قبلَ أن يرمىَ أو قبلَ أن ينحرَ فلا
شىءَ عليه . وقال أبو حنيفةً والثورىُّ: إن حلَق قبلَ أن ينحرَ أو قبلَ أن يرمىّ فعليه
دمّ، وإن كان قارنًا فعليه دَمَانٍ . وقال زُفَرُ: إن كان قارنًا فعليه ثلاثةُ دماءٍ؛ دم
للقِرانِ، وَدَمَانٍ للحِلاقِ قبلَ النحرِ .
وسنذ گرُ هذه المسألةً باتمُ ذکرٍ مِن ههنا ، عندَ ذکرٍ حديث ابن شهاب عن
عيسى بن طلحةً فى بابٍ جامع الحجُ(١) إن شاء اللهُ عزَّ وجلَّ.
القبس
(١) سيأتى فى شرح الحديث (٩٦٢) من الموطأ .
٣١٩

الموطأ
التقصير
٩٠٧ - مالكٌ، عن نافعٍ، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان إذا أفطّر من
رمضانَ وھو یریدُ الحجّ، لم يأخذ من رأسِه ولا من لحیتِه شيئًا حتى
يحجّ. قال مالك : وليس ذلك على الناسٍ .
الاستذكار
بابُ التقصير
مالكٌ، عن نافع، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان إذا أفطَر مِن رمضانَ وهو يريدُ
الحجّ ، لم يأخذْ مِن رأسِه ولا مِن لحیته شیئا حتی یحج ). قال مالك : ولیس
ذلك على الناسٍ).
قال أبو عمرَ : إنما كان ابنُّ عمرَ يفعلُ ذلك ، واللهُ أعلم ؛ لأنه كان يتمَُّ
بالعمرة إلى الحجّ فُهدى، ومَن أهدى أو ضخّى لم يأخذْ مِن شعرِه ولا مِن
أظفارِه شيئًا حتى يُضحِّىَ عندَ طائفةٍ مِن أهلِ العلم ؛ لحديثِ مالك ، عن عمرو
ابنِ مسلم بنِ أُكَيمةً، عن سعيدِ بنِ المسيّبِ، عن أمّ سلمةً، عن النبيِّ ◌َِّ قال:
((من رأى منكم هلالَ ذي الحجةِ، فأراد أنْ يُضحّىَ، فلا يأخذْ مِن شعَرِه ولا مِن
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٠/٥ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٣٩٦). وأخرجه
الشافعى ٢٥٣/٧، والبيهقى ٣٣/٥ من طريق مالك به .
(٢ - ٢) سقط من : م .
٣٢٠