Indexed OCR Text
Pages 81-100
الموطأ
وهو الذى عليه العملُ عندَ الفقهاءِ، ورُوِىّ عنه أنَّه مَن جَهِلَ ذلك أجزَأَ التمهيد
عنه. والحُجَّةُ لمالكِ ومَن قال بقوله ما قدَّمنا ذِكْرَه. وأمَّا تَرْجِيحُهم
بالاحتياطِ فى الصلاةِ، فَأَضْلٌ غيرُ مُطَّرِدٍ عندَ الجميع، ألا تَرَى أَنَّ الشافعىَّ
لم يَرَ ذلك محُبَّةً فى اختلافٍ نيّةِ المأمومِ (١) والإمام، وفى الجُمُعةِ خَلْفَ
العَبْدِ، وفى الوضوءِ بما حَلَّت فيه النَّجاسَةُ إِذا كان فوقَ القُلَّتَيْن ولم يتغيَّرْ؟
وهذا كلُّه الاخْتِياطُ فيه غيرُ قولِه، ولم يَرَ للاحتياطِ معنًى إذا قامَ له الدَّليلُ
على صِحَّةٍ ما ذهب إليه، فكذلك لا معنى لِمَا ذكّروه من الاحتياطِ مع
ظاهرٍ قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ، والمشهورِ مِن لسانِ العَرَبِ. وأمّا قولُهم: مَن
فَعَل فِعلَنا كان مُصلِّيًا بإجماع. فهذا أيضًا أصلٌ لا يُراعِيه أحدٌ من الفقهاءِ
مع قيامِ الدَّليلِ على ما ذهَب إليه. وأمّا قولُهم: إنَّ وجوبَ التَّرتيبِ أو جَبَ
التَّقديمَ والتأخيرَ فى آيةِ الوضوءِ. فظَنّ، والظَّنُّ لا يُغْنِى مِن الحقِّ شيئًا،
والتَّقديمُ والتَّأخيرُ فى القرآنِ كثيرٌ، وهو معروفٌ فى لسانِ العَرَبِ، مُتَكِّرٌ
فى كتابِ اللهِ، فليس فى قولِهم ذلك شىءٌ يُلْزَمُ. واللهُ أعلمُ.
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُّ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: أخبرنا أحمدُ بنُ
سلمانَ النَّجَّادُ ببغدادَ ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُّ أحمدَ بنِ حنْبَلٍ، قال:
حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الأنصارىُّ، قال: حدَّثنا
عَوْفُ بنُ أبى جَميلَةَ الأعرابي، قال: حدَّثنى عبدُ اللهِ بنُ عمرو بنٍ هند
الجَمَلِىُّ ، أنَّ عليًّا قال: ما أُبالِى بأىِّ أعضائِى بِدَأْتُ إذا أَتْمَمْتُ وُضوئى.
القبس
(١) فى م: ((المأمور)).
٨١
(موسوعة شروح الموطأ ٦/١١ )
الموطأ
التمهيد قال عوفٌ: ولم يَسْمَعْ مِن علىّ(١).
وذكَّر عبدُ الرَّزَّاقِ، عن ابنٍ نجريجٍ، عن عطاءٍ، قال: أحَبُّ إلىّ أن يَدَأَ
بالأُولِ فالأولِ ؛ المَضمَضةِ ، ثم الاستنشَاقِ ، ثم الوجهِ ، ثم اليَدَينِ ، ثم المسحِ
على الرأسِ، ثم الرّجلينِ. قال: فإن قدَّمَ شيئًا على شىءٍ، فلا حرجَ. وهو
یکرهُه .
قال أبو عمرَ: قولُ مالكِ فى هذا مثلُ قولِ عَطَاءٍ سَواءٌ، وأمَّا(٢) على قولُ مَن
لم يَرَ بَنكِيسِ السَّعي وتَنكيسِ الطَّافِ بأسًا، فالحُجَّةُ عليه أنَّ رسولَ اللهِ ◌ِّ
بَدَأُ بالصَّفا وخَتَمَ بالمروةِ فى السَّعي ، وطافَ بالبيتِ على رُتْبَتِه، ثم قال: ((خذُوا
عَنِّى منَاسِكَكم)). والحجُ فى الكتابِ مُجمَلٌ، وتِيَانُه له كبيانِه لسائرٍ
المُجمَلاتِ من الصلواتِ والزَّكَواتِ، إلّا أن يُجمَعَ على شىءٍ من ذلك فيخرُجَ
بدَليله . وبالله التوفيقُ .
ذكَر عبدُ الرَّزَاقِ ، عن الثورىِّ، عن أبى الزُّبِيرِ، عن جابرٍ ، قال: دفَعَ رسولُ اللهِ
وَه وعليه السّكِينَةُ، وأَمَرهم بالسّكينَةِ ، وأن يُوضِعُوا فى وادِى مُحَسِّرٍ ، وأمرهم
بمثْلِ حَصَى الخَذْفِ ، وقال: ((خُذُوا عَنِّى منَاسِكَكم، لعَلَّى لا أَحُجُ بعدَ عَامِى
(٣)
هذا »
.
القبس
(١) أحمد فى العلل ومعرفة الرجال ٧٢/١ (٢٠٧). وأخرجه ابن أبى شيبة ٣٩/١، والدار قطنى ٨٨/١،
٨٩ من طريق عوف به .
(٢) بعده فى الأصل، م: ((على )).
(٣) أخرجه الرافعى فى التدوين فى أخبار قزوين ٣٤١/٣ من طريق عبد الرزاق به ، وينظر ما تقدم
فى ٩٧/٢، وما سيأتى فى شرح الحديث (٩٦٢) من الموطأ .
٨٢
٨٤٣ - مالك، عن جعفرِ بنِ محمدِ بنِ علىٍّ، عن أبيه، عن الموطأ
جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، أن رسولَ اللهِ وَلّهِ كان إذا وقَف على الصفا يُكبّرُ
ثلاثًا ويقولُ: ((لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له ، له الملك وله الحمدُ،
وهو علی کل شیءٍ قدیٌ)). يصنعُ ذلك ثلاثَ مراتٍ ويدعُو ، ويصنعُ
على المروةِ مثلَ ذلك .
مالكٌ، عن جعفرِ بنِ محمدٍ ، عن أبيه، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ، أَنَّ رسولَ اللهِ التمهيد
وَالَّ كان إذا وقَف على الصَّفا يُكَبُّرُ ثلاثًا ويقولُ: ((لا إلهَ إلَّ اللهُ وحدَه لا شريكَ
له ، له الملك وله الحمدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ)). يصنَعُ ذلك ثلاثَ مراتٍ
ويَدْعُو، ويصْنَعُ على المروةِ مثلَ ذلك(١) .
فى هذا الحديثِ أَنَّ الوقوفَ على الصَّفا والمروةِ ، والمشْىَ بينَهما والسَّعىّ،
مِن شعائرِ الحجّ؛ لقولِه وَلّ: ((خُذوا عنِّى مَنَاسِكَكم))(٢). وفيه أنَّ الصَّفا
والمروةَ مَوضِعُ دعاءٍ تُرجَى فيه الإجابةُ .
وفيه أنَّ الدعاءَ يُفْتَتَعُ بالتَّكْبِيرِ والتَّهليلِ. وفيه أنَّ عدَدَ التَّكْبِيرِ فى ذلك
الموضِعِ ثلاثٌ، والتَّهْليلَ مَرَّةٌ واحدةٌ، ثم الدُّعاءُ والذِّكْرُ. والدُّعاءُ فى ذلك
الموضعِ وغیرہ مِن سائرٍ مواقف الحجّ مَنْذُوبٌ إلیه، مُشْتَخَبٌ ؛ لِما فيه مِن
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٨/٤ ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٣١٢). وأخرجه
أحمد ٣٥٩/٢٣ (١٥١٧١)، والنسائى (٢٩٧٢)، وابن حبان (٣٨٤٢)، والبغوى فى شرح السنة
(١٩١٩) من طريق مالك به .
(٢) تقدم تخريجه الصفحة السابقة .
٨٣
الموطأ
التمهید
الفضلِ ورجاءِ الإجابة ، وليس بفَرضٍ عندَ الجمیع ، ومن زاد علی ما ذُكِر فى هذا
الحديثِ مِن التكبيرِ والتَّهْليلِ والذِّكْرِ، فلا حَرَجَ، وأُحَبُّ إلىَّ اسْتِعْمَالُ ما
فيه على حَسَبِهِ. وبالله التوفيقُ. وكذلك أُحِبُّ للمُرتَقِى على الصَّفا
والمروةِ أن يَعْلُوَ عليهما حتى يَبْدُوَ له البيتُ؛ لِما رواه عبدُ الرزاقٍ ، عن
مالكِ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، أنَّ النبيَّ ◌َلِّ كان يصعَدُ على الصَّفا
والمروة حتى يَبْدُوَ له البيتُ(١).
وهو حديثٌ انفَرَدَ به عبدُ الرزاقٍ ، عن مالكِ. فإِنْ لم يفعَلْ فلا حَرَجَ .
وكذلك انفَرَد الوليدُ بنُّ مسلِمٍ، عن مالك ، عن جعفرِ بنِ محمدٍ ، عن أبيه ،
عن جابرٍ، أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ لَّا انْتَهَى إلى المقامِ قَرَأْ: ((﴿وَأَخِذُواْ مِن ◌َّقَامِ
إِبْرَهِعَمَ مُصَلٌ﴾)) [البقرة: ١٢٥]. فصلَّى ركْعَتَين، قرأ فيهما بـ: ((فاتحةٍ
الكتابِ))، و﴿قُلْ بَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ﴾، و﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ﴾. ثم عاد إلى
الؤُكْنِ فاسْتَلَمَه، ثم خَرَج إلى الصَّفا فقال: ((نَبْدَأَ بما بَدَأ اللهُ به، ﴿إِنَّ الصَّفَا
وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَابِرِ اللَّهِ﴾))(٢) [البقر
[البقرة: ١٥٨] .
والذى انفَرَد به الوليدُ وأغْرَب فيه عن مالكِ قولُه: لمَّا انتَهَى إلى مقامِ
إبراهيمَ قرَأ: ((﴿وَأَتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلّ﴾)). وسائرُ ذلك فى
(((الموطأُ)).
القبس
(١) أخرجه تمام فى فوائده (٦٤٣ - الروض البسام) من طريق عبد الرزاق به .
(٢) تقدم تخريجه ص ٢١ .
٨٤
٨٤٤ - مالكّ، عن نافع، أنه سمِع عبدَ اللهِ بنَ عمرَ وِهو على الصفا الموطأ
ج
يدعو ويقولُ: اللهمّ إنك قلتَ: ﴿أُدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾
[غافر: ٦٠].
وإنك لا تُخلفُ الميعادَ، وإنى أسألُك كما هدَيتَنى للإسلام ألا تنزِعَه
منى حتى تتوفَّنى وأنا مسلمٌ .
مالكٌ، عن نافع، («أنه سمع عبدَ اللهِ بنَ عمرَ وهو على الصفا يدعو الاستذكار
ج
ويقولُ : اللهمَّ إنك قلتَ: ﴿أَدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾. وإنك لا تُخلفُ الميعادَ ،
وإنى أسألُك كما هدَيتَنى للإسلام ألَّ تنزعَه منى حتى تتوفّانى وأنا مسلمٌ(١).
قال أبو عمرَ: هو موضعٌ(١٢) عندَ جماعةِ العلماءِ تُرجَى فيه الإجابةُ ، والدعاءُ
فيه اتباعُ للسنةِ ، وفى قولِ ابنِ عمرَ المذكورِ دليلٌ على أن الدعاء مجابٌ كلُّه . وقد
فشرنا ذلك عن العلماءِ، وذكرنا وجوه الاستجابةِ عندَهم بترتيب قوله تعالى :
فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ﴾ [الأنعام: ٤١]. فى آخرِ كتابٍ الصلاةِ ".
والدعاءُ عبادةٌ ، بل قالوا: إنه أفضلُ العبادةِ؛ لِما فيه مِن الإخلاصِ واليقينِ
والرجاءٍ. وأما دعاؤُه ألّ ينزعَ الإِسلامَ منه، ففيه الامتثالُ والتَأسِّى بإبراهيم
عليه السلامُ فى قولِه: ﴿وَأَجْتُبْنِ وَبَنِىَّ أَنْ تَعْبُدَ اُلْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥].
ويوسفَ عليه السلامُ فى قولِه: ﴿تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِىِ
القبس
(١ - ١) فى الأصل: ((أن عبد الله بن عمر سمعه)).
(٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٤٧٤) مطولًا، وبرواية يحيى بن بكير (١٨/٤ظ، ١٩و -
مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٣١٣). وأخرجه الفاكهى فى أخبار مكة ٢٣١/٢ (١٤١٤)،
والبيهقى ٩٤/٥ من طريق مالك به .
(٣) بعده فى : ب .
(٤) ينظر ما تقدم فى ٢١٠/٧، ٢١١، ٣٠٢ - ٣٠٧.
٨٥
الموطأ
جامع السعي
٨٤٥ - مالكٌ، عن هشام بن عروةَ، عن أبيه، أنه قال : قلتُ
لعائشةَ أمّ المؤمنينَ ، وأنا يومَئذٍ حديثُ السنّ: أرأيتٍ قولَ اللهِ تبارك
وتعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ
ج
أَعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]. فما على
الرجلِ شىءٌ أَلَّا يطوَّفَ بهما؟ فقالت عائشةُ: كلًّا ، لو كان كما تقولُ
لكانت: فلا جناحَ عليه ألّا يطوَّفَ بهما. إنما أُنزلت هذه الآيةُ فى
الاستذكار بِالصَّلِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]. وبالنبيِّ محمدٍ بَّهِ فيما رُوِى عنه مِن قوله: (وإذا
أردتَ بالناسِ (١) فتنةً فاقبِضْنى إليك غيرَ مفتونٍ)) (١). قال إبراهيمُ النخعىُّ: لا يأمنُ
الفتنةَ والاستدراجَ إلا مفتونٌ. ولا نعمةَ أفضلُ مِن نعمةِ الإسلامِ؛ فیه تزكو
الأعمالُ، ومَن ابتغَى دينًا غيرَه فلن يُقبلَ منه ولو أَنفَق ملءَ الأرضِ ذهبًا ، أماتنا اللهُ
عليه، وجعَلَنا مِن خيرِ أهلِه . آمين .
التمهيد
مالكٌ، عن هشام بن عروةَ ، عن أبيه ، أنه قال : قلتُ لعائشةَ أَمّ المؤمنين،
وأنا يومَئذٍ حديثُ السنِّ: أرأيتِ قولَ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن
شَعَِّرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَّأَ﴾ . فما
على الرجلِ شىءٌ أَلَّا يطَّوَّفَ بهما؟ قالت عائشةُ: كلًّا، لو كان كما تقولُ
القبس
(١) بعده فى ب: ((أو أوردت فى الناس)).
(٢) تقدم فى الموطأ (٥١٠).
٨٦
الأنصارِ، كانوا يُهِلَّون لمناةَ، وكانت مناةُ حذْوَ قُدَيدٍ، وكانوا الموطأ
يتحرَّجون أن يَطوفُوا بِينَ الصفا والمروةِ، فلما جاء الإسلامُ سألوا
رسولَ اللهِ وَ عن ذلك، فأنزل اللهُ تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا
وَالْمَرْوَةَ مِن سَعَابِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ
يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾.
التمهید
لكانت : فلا جناح عليه ألّ يطٌّوَّفَ بِهما. إنما أُنزِلت هذه الآيةُ فى الأنصارِ،
كانوا يُهِلُّون لمناةَ، وكانت مناةُ حَذْوَ قُدَيدٍ ، وكانوا يتحرّجون أن يطوفوا بينَ
الصفا والمروة، فلمَّا جاء الإسلامُ سألوا رسولَ اللهِ وَلِّ عن ذلك، فأَنزَل عزَّ
وجلّ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ
عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾(١) .
قال ابنُ وهبٍ : مناةُ حجرٌ كان أهلُ الجاهليةِ يَعبدُونه ، وكان فى المُشَلَّلِ؛
الجبل الذى تتحدِئُ(١) منه إلی قُدیدٍ .
قال أبو عمرَ: فى هذا الحديثِ من قولٍ عائشةً دليلٌ على وجوبٍ السعي
بينَ الصفا والمروةِ فى الحجّ، وقد بيّنت عائشةُ معنى نزولِ الآيةِ ومخرجَها ،
وجاءت بالعلمِ الصحيحِ فى ذلك، وعلى قولِها على وجوبِ السعىِ بينَ
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٩/٤و، ١٩ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٣١٦).
وأخرجه البخارى (١٧٩٠، ٤٤٩٥)، وأبو داود (١٩٠١)، والنسائى فى الكبرى (١١٠٠٩) من
طريق مالك به .
(٢) فى م: ((تصدر)).
٨٧
الموطأ
التمهيد الصفا والمروة؛ مالكٌ والشافعىُّ وأصحابُهما. وبه قال أحمدُ ، وإسحاقُ ،
وأبو ثورٍ. كلُّ هؤلاء يقولُ: إن السعىَ بينَ الصفا والمروةِ واجبٌ فرضًا،
وعلی من نسِیه أو نسی شوطًا واحدًا منه أن ینصرِفَ إلیه حیثُ ذكّره فى بلده
أو غيرٍ بلدِه حتى يأتىَ به كاملاً، كمن نَسِى الطوافَ الواجبَ طوافَ الإفاضةِ
سواءً، أو نَسِی شيئًا منه .
ولا خلافَ بينَ علماءِ المسلمين فى وجوبٍ طوافٍ الإفاضةِ، وهو الذى
يُسمِّيه العراقيون طوافَ الزيارةِ ، يومَ النحرِ بعدَ رَمي جمرة العقبةِ ، إلّا أن منهم من
يقولُ : إِن عملَ الحجّ ينوبُ فيه التطوعُ عن الفرضِ. على ما بتَنَّه عنهم فى غيرِ
هذا الموضعِ . واخْتَلفوا فى وجوبِ السعي بينَ الصفا والمروةِ ؛ فذهَب مالكٌ ،
والشافعىُّ، وأصحابُهما، وأحمدُ ، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ ، إلى ما ذكّرنا. وهو
مذهبُ عائشةَ رضِى اللهُ عنها، ومذهبُ عروةً، وغيرِه. وكان أنسُ بنُّ مالكٍ،
وعبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ، ومحمدُ بنُّ سيرينَ ، يقولون : هو تطوع وليس ذلك
بواجپٍ . وژُوی ذلك عن ابن عباس(١) . ويُشْبةُ أن يكونَ مذهبَ أُبىّ بن كعب
وابن مسعودٍ ؛ لأن فى مصحفِ أبيِّ و "ابن مسعودٍ: (فلا جناحَ عليه ألَّ يَطَّوَّفَ
بهما )(٤) . وقال أبو حنيفةً والثورىُّ: من تَرَك السعىّ بينَ الصفا والمروةِ فعليه
القبس
(١) ينظر تفسير ابن جرير ٧٢٣/٢، ٧٢٤.
(٢) أخرجه أبو عبيد فی فضائل القرآن ص ١٦٣، وابن جریر فی تفسیرہ ٢/ ٧٢٣، وابن أبى داود
فى المصاحف ص ٧٣، والبيهقى فى المعرفة (٢٩٨٤).
(٣) بعده فى م: ((مصحف)).
(٤) ينظر تفسير ابن جرير ٧٢٢/٢، والمحلى ١١١/٧.
٨٨
الموطأ
دمّ. وهو قولُ الحسن البصرىِّ(١) ، إلا أن تلخيصَ مذهبٍ أبى حنيفةً فى التمهيد
ذلك، إن طاف أربعةَ أَشواطٍ وتَرَك ثلاثةً فعليه إطعامُ ثلاثةِ مساكينَ، لكلِّ
مسكينٍ نصفُ صاعٍ من حنطةٍ، وإن تَرَك شوطين أطعم مِسکِیتین كذلك ؛
نصفُ صاع لكلّ واحدٍ منهما، وإن تَرَك شوطًا واحدًا أطعمَ مِسْكِينًا واحدًا
نصفَ صاعٍ من حنطةٍ، إلا أن يكونَ طعامُه هذا يَبْلُغُ دمًا، فإن بَلَغ دمًا
أطعَم مِن ذلك ما شاء فأَجْزَأ عنه، وإن تَرَك السعىَ كلَّه بينَ الصفا والمروةٍ
فى الحجِّ ناسيًا، أو فى العمرةٍ، فعليه دمّ. وروى عن طاوسٍ فى هذه
المسألةِ أنه قال: على من تَرَك السعىَ بينَ الصفا والمروةِ عمرةٌ. واختُلِف
عن عطاءٍ فى هذه المسألةِ على ثلاثةِ أقوالٍ ؛ أحدُها ، أنه لا شىء على من
ترَك السعىّ بينَ الصفا والمروةِ. والآخرُ، أنه عليه دمٌ(٢) . والثالثُ، أنه إن
شاء أطعَم مساكينَ، وإن شاء ذَبَح شاةً فَأَطْعَمَها المساكينَ.
قال أبو عمرَ: قد مَضَت هذه المسألةُ مجوَّدةً ممهَّدةً مبسوطةً بما فيها من
الحُجَّةِ لمن قال بقولِنا من جهةِ الأثرِ ، إذ لا مَدخلَ فيها للنظرِ ، فى بابٍ جعفرِ بنِ
محمدٍ من كتابِنا هذا٢) ، فَكَرِهْنا إعادةَ ذلك ههنا .
القبس
(١) ينظر مصنف ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٣٠٢ .
(٢) ينظر مصنف ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٣٠٢ ، وتفسير ابن جرير ٧٢٢/٢،
والمحلى ١١١/٧ .
(٣) ينظر ما سيأتى ص١٠١ - ١١٠.
٨٩
الموطأ
٨٤٦ - مالكٌ، عن هشام بن عروةَ، أن سودةَ بنتَ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ
كانت عندَ عروةَ بنِ الزبيرِ ، فخرجت تطوفُ بينَ الصفا والمروةِ فى حجّ
أو عمرةٍ ماشيةً ، وكانت امرأةً ثقيلةً، فجاءت حينَ انصرَف الناسُ من
العشاءِ، فلم تقضٍ طوافَها حتى نُودِىَ بالأُولى من الصبحِ فقضَت
طوافَها، فيما بينها وبينَه . وكان عروةُ إذا رآهم يطوفون على الدوابِّ
ينهاهم أشدَّ النهي، فيعتُلُّون له بالمرضِ حياءً منه، فيقولُ لنا ، فيما بيننا
وبينَه : لقد خاب هؤلاءِ وخسروا .
الاستذكار
مالكٌ، عن هشام بن عروةَ، أن سودةَ بنتَ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ كانت
عندَ عروةَ بنِ الزبيرٍ ، فخرجت تطوفُ بينَ الصفا والمروةِ فى حجّ أو عمرةٍ
ماشيةً، وكانت امرأةً ثقيلةً(١) ، فجاءت حينَ انصرَف الناسُ من العِشاءِ،
فلم تقضٍ طوافَها حتى ("نودِى بالأُولَى٢) من الصبح فقضَت طوافَها، فيما
بينها وبينَه . وكان عروةُ إذا رآهم يطوفون على الدوابِّ ينهاهم أشدَّ النهي،
فيعتلَّون له بالمرضِ حياءً منه، فيقولُ لنا، فيما بيننا وبينَه: لقد خاب هؤلاء
(٣)
وخسروا(٣).
قال أبو عمرَ: فى هذا الخبرِ حجةٌ لمالكِ فى كراهته أن يطوفَ أحدٌ
القبس
(١) ليس فى : الأصل.
(٢ - ٢) فى الأصل: ((كان الثلث الأول)).
(٣) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٩/٤ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٣١٧). وأخرجه
البيهقى فى المعرفة (٢٩٩٢) من طريق مالك به .
٩٠
الموطأ
راكبًا من غيرِ عذرٍ لازم، وفيه إعلامٌ بما كان عليه الصالحون من الرجالِ الاستذكار
والنساءِ من الصبرِ على أعمالِ الطاعاتِ، وإن كان فى بعضِها رخصةٌ ؛ طلبًا
للأجرِ وجزيلِ الثوابٍ من اللهِ عزَّ وجلَّ، لم يَجهلْ رخصةَ" اللهِ فى الطوافٍ
بالبيتٍ وبالصفا والمروةِ راكبًا لذِى العذرِ من مرضٍ أو زَمانةٍ ، ألا ترَى أنه لما
اعتلُّوا لہ بالمرضِ لم ینکِرْ علیھم، ثم قال سِرًّا کلامًا معناه : إن كان هؤلاء
كذَبوا فيما اعتلُّوا به فقد خابوا وخسروا . وعلى كراهةٍ الركوبِ بينَ الصفا
والمروةِ من غيرِ علةٍ ولا ضرورةٍ جمهورُ أهلِ العلم، وبه قال مالكٌ
والكوفيون، وإليه ذهَب أحمدُ وإسحاقُ. ورُوِى ذلك عن عائشةً وعروةَ.
وقال الشافعىُّ: لا بأسَ به. وقال: رسولُ اللهِ وَلَّ فِعَله ولم يخبِرْ بعلةٍ ولا
ضرورةٍ . وقال (١) : حدَّثنی سعیدُ بنُ سالمٍ، عن ابنٍ جريجٍ، قال : أخبرنی أبو
الزبيرِ، عن جابرٍ قال: طاف رسولُ اللهِ وَله فى حَجِّه على راحلته بالبيتِ
وبينَ الصفا والمروةٍ ؛ ليراه الناسُ، وليُشرِفَ لهم ؛ لأن الناسَ غَشُوه . قال ابنُ
مجريج (١): وأخبرنى عطاءٌ أن رسولَ اللهِ وَهِ طاف بالبيتِ وبينَ الصفا
والمروةِ راكبًا . فقلتُ لعطاءٍ: لِمَ ؟ قال: لا أدرى.
قال أبو عمر : قد ژوى عن عطاءٍ ومجاهد أنهما سعيا راكتين. ولم تقدر
القبس
(١ - ١) فى م: ((يجد رخصة من)).
(٢) الشافعى ١٧٣/٢.
(٣) فی م: ( جرير)).
(٤) ينظر مصنف ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ١٤٦.
٩١
قال مالكٌ: مَن نسِى السعىَ بينَ الصفا والمروةِ فى عمرةٍ، فلم
الموطأ
یذكُرْ حتى يستبعِدَ من مكةً ، أنه يرجعُ فیسعَى ، وإن كان قد أُصاب
النساء فليرجعْ فَلْيسعَ بينَ الصفا والمروةِ حتى يُتَمَّ ما بقِى عليه من تلك
العمرة ، ثم عليه عمرةٌ أُخرَى والهدىُّ .
الاستذكار سودةُ بنتُ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، لثقلِ جسمِها، أن تقضِىَ الطوافَ بينَ الصفا
والمروةِ سبعًا، إلا بينَ العِشاءِ والأذانِ للصبح، ولا يكلِّفُ اللهُ نفسًا إلا وسْعَها،
ولو ر کیت کان فی ذلك رخصة لها ، وقد ◌ُشبِهُ أن يكون ذلك فی لیالی الصيف
مع التغليسٍ بالصبحِ . واللهُ أعلمُ .
وأما قولُ مالكِ فى هذا البابِ: من نسِى السعىّ بينَ الصفا والمروةِ فى
عمرةٍ، فلم يذكر حتى أبعد من مكةً، أنه يرجعُ فيسعَى ، وإن كان قد أصاب
النساءَ فَلْيرجع فلْيسعَ بينَ الصفا والمروةِ حتى يُمَّ ما بقِى عليه من تلك العمرةِ ،
ثمّ عليه عمرةٌ أُخرَى والهدىُّ . فقد وافقه الشافعىُّ فى أن العمرةَ من فروضِها
الطوافُ بالبيتِ والسعىُ بينَ الصفا والمروةِ ، وأنها لا تَتَمُّ إلا بذلك. وقولُ
الشافعى فى هذه المسألة قول مالك، وقد ذكرنا اختلاف العلماءِ فی وجوبٍ
السعي بينَ الصفا والمروةِ ، فكلَّ مَن أوجبه يوجبُ الرجوعَ إليه من كلِّ أَفْقٍ فى
العمرة كما يوجبُه فى الحجّ؛ لأن القرآنَ عمَّهما فى قولِه عزَّ وجلّ :
﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطّوَّفَ بِهِمَأْ﴾.
[البقرة: ١٥٨]. ومن لم يوجبْه ناب عنه عندَه الدمُ لمن أبعد عن مكةً؛ لأن هذا
شأنُ السُّننِ فى الحجّ؛ أن تُجبرَ بالدمٍ ، ولا ينصرفَ إليها مَن بعُد . وأما الوطءُ قبلَ
القبس
٩٢
وسُئِل مالكٌ عن الرجل يلقاه الرجلُ بينَ الصفا والمروةِ ، فيقفُ معه الموطأ
ويُحدِّثُه ، فقال: لا أُحبُّ ذلك .
السعي بين الصفا والمروة بالعمرةِ فسيأتى فى موضعه من هذا الكتاب إن الاستذكار
شاء اللهُ. وقد رُوِى عنِ ابنِ عباس أنه قال: العمرةُ الطوافُ بالبيتٍ(١).
وخالَفَه ابنُّ عمرَ، وجابرٌ، والناسُ .
ذكر عبدُ الرزاقِ ، عنِ ابنِ عبينةً ، عن عمرو بن دينارٍ قال: سألْنا ابن عمرَ عن
رجلٍ طاف بالبيتِ - يعنى فى العمرةٍ - أيقعُ على أهلِه قبلَ أن يسْعَى بينَ الصفا
والمروة؟ فقال: أما رسولُ اللهِ وَّهِ فطاف بالبيتِ، ثم أَتَى المقامَ فصلّى عندَه
ركعتين، ثم طاف بينَ الصفا والمروةِ . ثم قَرأ: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ
أُشْرَّةُ حَسَنَّةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. قال عمرو: فسألْنا جابرَ بنَ عبدِ اللهِ ، فقال: لا
يقربُها حتى يسعَى بينَ الصفا والمروةٍ (٢).
وأما قولُه : سُئل مالكٌ عن الرجلِ يلقاه الرجلُ بينَ الصفا والمروةِ ، فيقفُ معه
فيحدِّثُه ، فقال: لا أحبُّ ذلك. فقال: إنَّ العلماءَ يكرهون الكلامَ بغيرِ ذکرِ اللهِ
فى الطواف بالبيتِ ، وبينَ الصفا والمروةِ ، إلا فيما لابدَّ منه؛ لأنَّه موضعُ ذكرٍ
ودعاءٍ، والكلامُ بينَ الصفا والمروةِ عندَهم أخفُّ، فمَن تكلّم وتحدَّث لم يُفسِدْ
ذلك طوافه ولا سعيه عندَ الجميعِ .
عبدُ الرزاقِ ، عن الثورىِّ ، عن منصورٍ ، عن أبى وائلٍ ، عن مسروقٍ ، أن ابنَ
القبس
(١) ينظر المحلى ١١١/٧.
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٣٨٤ عن ابن عيينة به مقتصرًا على قول
جابر .
٩٣
الموطأ
الاستذكار مسعودٍ قال حينَ سعَى للوادى: اللهمَّ اغفِرْ وارحَمْ، وأنت الأعزُّ الأكرمُ(١).
وعن محمدِ بنِ مسلم الطائفىُ، عن إبراهيم بنِ ميسرةَ، عن مجاهدٍ ، أُنه
سمِع ابنَ عمرَ يقولُ وهو يرمُلُ بينَ الصفا والمروةِ : اللهمَّ اغفِرْ وارحَمْ ، وأنت
العزيزُ الأرحمُ .
روَى سفيانُ، عن زكريا بن أبى زائدةً، عن الشعبىِّ، عن وهبِ بنِ
الأجدع: كان عمرُ بنُ الخطابِ يُعلِّمُ الناسَ يقولُ : إذا قدِم أحدُكم حاتًّا أو
معتمرًا فلْيَطُفْ بالبيتِ سبعًا، ويصلِّى خلفَ المقامِ ركعتين، ثم يأتى الصفا
فيصعَدُ عليها فيكبُ سبعَ تكبيراتٍ ، بينَ كلِّ تكبيرتين حمدُ اللَّهِ وثنائٌ عليه وصلاةٌ
على النبيِّ نَّه، ويسألُه لنفسِه، وعلى المروةِ مثلُ ذلك(٣).
وعن مِشْعرٍ، عن فِراسٍ (١، عن الشعبىِّ، عن وهبٍ بنِ الأجدعِ مثلَه .
قال عبدُ الرزاقٍ : وأخبرنا ابنُّ أبى رؤَّادٍ، عن نافعٍ ، عن ابنِ عمرَ، أنه كان
كثيرًا ما يقولُ بينَ الصفا والمروةِ: لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، له الملك وله
الحمدُ ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ().
القبس
(١) أخرجه البيهقى ٩٥/٥ من طريق الثورى به .
(٢) أخرجه الفاكهى فى أخبار مكة ٢٢٢/٢ (١٣٩٧) من طريق سفيان به .
(٣) فى الأصل: ((قراص))، وفى م: ((قراض)). وهو فراس بن يحيى الهمدانى الخارفى، أبو يحيى
الكوفى المكتب، وينظر تهذيب الكمال ١٥٢/٢٣.
(٤) بعده فى الأصل: ((لا إله إلا الله، وممن قال وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو
على كل شىء قدير)). وبعده فى م: (لا إله إلا الله )).
٩٤
1
قال مالكٌ: مَن نسِى من طوافِه شيئًا ، أو شكّ فيه، فلم يذكره إلا الموطأ
وهو يسعَى بينَ الصفا والمروةِ، فإنه يقطعُ سعيَه ، ثم يُمُّ طوافَه بالبيتِ
على ما يستيقنُ، ويركعُ ركعتَى الطوافِ ، ثم يبتدئُ سعيَه بينَ الصفا
والمروة .
ومِن رواية ابن جريجٍ وأيوبَ، عن نافعٍ ، عن ابنِ عمرَ، أنه كان يقولُ إذا نزل الاستذكار
على الصفا والمروةٍ : اللَّهُمَّ استعمِلْنى لشنة نبيّك، وتوقَّى على ملَّتِه، وأچِزنى
من مُضلَّاتٍ الفتن، واعصِمنى بدينك وطواعيتك وطواعية رسولِك ، وجنِّبْنى
معاصيَك، واجعَلْنى ممن يحبُّك ويحبُّ ملائكتَك ورسلَك وعبادَك
الصالحين، وحبّثنى إلى ملائكتك وعبادك الصالحين، اللهمَّ واجعَلْنى من
أئمة المتقين، واجعلْنى من ورثة جنة النعيم ، ولا تُخزِنی يوم يبعثون . وزاد ابنُ
جريجٍ: حتى إنه ليسألُ اللهَ أن يقضىَ مَغْرَمَه) .
قال أبو عمرَ: هو موضعُ ذكرٍ ودعاءٍ، وليس فيه شىءٌ مُوَقَّتْ؛ فليدغُ
المؤمنُ بما شاءلدين ودنيا ، ولا يتعدَّى فى الدعاءِ إلى ما لا ينبغى . وبالله التوفيقُ.
وأما قولُ مالكٍ: من نسِى من طوافِه شيئًا ، أو شكَّ فيه، فلم يذكر إلا وهو
يسعَى بينَ الصفا والمروةِ، فإنه يقطعُ سعيّه، ثم يُمُ طوافَه بالبيتِ على ما
يَستيقِنُ، ويركعُ ركعتَى الطوافِ، ثم يبتدئُ سعيَه بينَ الصفا والمروةِ . فهذا ما
لا خلافَ فيه بينَ العلماءِ أن من شكَّ فى طوافِه يلزمُه البناءُ فيه "على يقينِه) ،
القبس
(١ - ١) سقط من: م. والحديث أخرجه البيهقى ٩٤/٥ من طريق ابن جريج وأيوب به .
(٢ - ٢) فى الأصل: ((على نفسه))، وفى م: ((على الأقل فى نفسه)). والمثبت يقتضيه السياق.
٩٥
٨٤٧ - مالك، عن جعفر بن محمدٍ ، عن أبيه، عن جابر بنِ
الموطأ
عبدِ اللهِ، أن رسولَ اللهِ وَ ظله كان إذا نزَل من الصفا والمروةِ مشَى،
حتى إذا انصبَّت قدماه فى بطنِ الوادى سعَى حتى يخرج منه .
قال مالكٌ فى رجلٍ جهِل فبدَأ بالسعي بين الصفا والمروةِ قبل
أن يطوفَ بالبيتِ، قال: ليرجع فليطُفْ بالبيتِ، ثم ليسعَ بِينَ
الصفا والمروةٍ، وإن جهِل ذلك حتى يخرجَ من مكةً ويَستبعِدَ ،
فإنه يرجِعُ إلى مكةً، فيطوفُ بالبيتٍ ، ويسعَى بينَ الصفا والمروةِ،
وإن كان أصاب النساءَ رجَع، فطاف بالبيتِ، وسعَى بينَ الصفا
والمروةِ حتى يُتُمَّ ما بقِى عليه من تلك العمرةٍ، ثم عليه عمرةٌ
أُخرَى والهَدىُ .
الاستذكار وليس عملُه فى السعي، وإن طال، مما يُلزمُّه ابتداءً الطوافٍ، ولكنه يبنى
على ما طاف حتى يُحِمَّ الطوافَ ، ويركعَ ركعتين، ثم يسعَى بينَ الصفا
(١)
والمروة (١).
التمهيد
مالكٌ، عن جعفرٍ بنِ محمدٍ، عن أبيه، عن جابرٍ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَِّ كان
إذا نزَل بينَ الصَّفا والمروةِ مَشَى ، حتى إذا انصبَتْ قَدَماه فى بَطْنِ المَسِيلِ سَعَى
حتى يخرج منه .
القبس
(١) أخرجه أحمد ٣٦٠/٢٣ (١٥١٧٢)، والنسائى (٢٩٨١) من طريق مالك به.
٩٦
الموطأ
هكذا قال يحيى عن مالكٍ فى هذا الحديث : إذا نَزَل بينَ الصَّفا والمروةِ. التمهيد
وغيرُه مِن رواةٍ ((الموطأُ)) يقولُ: إِذا نَزَل مِن الصّفا(١) مثنى، حتى إذا(١) انصئتْ
قَدَماه فى بطنِ المسِيلِ سَعَى حتى يخرج منه (٢) . ولا أعلَمُ لروايةٍ يحيى وجهًا إِلَّا
أنْ تُحمَلَ على ما رَوَاه الناسُ ؛ لأنَّ ظاهرَ قولِهِ: نزَلَ بينَ الصَّفا والمروةِ . يدُلُّ على
أنَّه كان راكبًا فنزَل بينَ الصَّفا والمروةِ . وقولُ غيرِهِ: نزَل من الصَّفا. والصَّفا
جبلٌ، لا يحتملُ إلَّا(٤) ذلك، وقد ◌ُمكِنُ أن يكونَ شُبّة علی یحتی برواية ابنٍ
جريج، عن أبى الزبيرِ، عن جابرٍ، أنَّ رسولَ اللهِ نَ فيِطافَ فى حبّةٍ الوداعِ على
راحَتِه بالبيتٍ وبينَ الصَّفا والمروةٍ ؛ ليراه الناسُ، وليُشرِفَ لهم ليسألُوه؛ لأنَّ
الناسَ غَشُوهُ(٥) . وهذا خبرٌ لم يذْكُرْ فيه: وبينَ الصَّفا والمروة . غيرُ ابن جريجٍ،
وإنّما المحفوظُ فى هذا حديثُ ابن شهابٍ ، عن عبدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ ، عن ابنٍ
عباسٍ، أَنَّ النبيَِّرَ﴿ طاف بالبيتِ على راحِلَتِهِ يَسْتَلِمُ الُّكنَ بِمِحْجَنِه (١) . وهذا
الحديثُ وإن كان ثابتَ الإسنادِ عندَهم(١) صحيحًا ، فإنَّ العلماء قد أجمعوا على
أنّه لم يكنْ لغيرِ عُذْرٍ وضرورةٍ ، واختلفُوا فى العُذْرِ ؛ فقال سعيدُ بنُّ جبيرٍ وطائفةٌ:
القبس
(١) بعده فى قى: ((والمروة)).
(٢) ليس فى : الأصل، م.
(٣) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٤٧٥)، وبرواية يحيى بن بكير (١٩/٤و - مخطوط)، وبرواية أبى
مصعب (١٣١٤)، وأخرجه أحمد ٣٦٠/٢٣ (١٥١٧٢)، والنسائى (٢٩٨١) من طريق مالك به .
(٤) كذا فى النسخ ، ويحذفها فى شرح الزرقانى ٤٢٤/٢ .
(٥) سيأتي تخريججه الصفحة التالية .
(٦) أخرجه البخارى (١٦٠٧)، ومسلم (١٢٧٢)، وأبو داود (١٨٧٧)، والنسائى (٢٩٥٤)،
وابن ماجه (٢٩٤٨) من طريق ابن شهاب به.
(٧) فى فى: ((عنهم).
٩٧
( موسوعة شروح الموطأ ٧/١١)
الموطأ
التمهید
كان شاكيًاً وَّه(١). وقال آخرون: بل كان ذلك منه لشدَّةِ ما غَشِيَه مِن السائلين
لِيُشْرِفَ لهم ويُعلِّمَهم ويُفَقِّهَهم(٢) ، وذلك فى حينٍ طَوافِه بالبيتِ ، لا بينَ الصَّفا
والمروةٍ. وقد وَهَم فيه ابنُ جريجِ حينَ ذكر فيه الصَّفا والمروةَ ؛ لأُنَّ ذلك كان
منه فى طوافٍ الإفاضَةِ . واللهُ أعلمُ .
وحدیثُ ابنٍ جریج حدَّثناه عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، حدّثنا محمدُ بنُ بکرٍ ،
قال : حدّثنا أبو داودَ ، قال : حدّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال : حدثنا یحتی ، عن ابنٍ
جريج، أخبرنى أبو الزبيرِ، أنَّه سَمِعَ جابِرَ بنَ عبدِ اللهِ يقولُ: طاف النبىُِّ نَّهِ فِى
حَتَّةِ الوداع على راحلَتِه بالبيتِ وبينَ الصَّفا والمروةِ ؛ ليَراه الناسُ ولِيَسألُوه ، فإنَّ
(٣)
الناسَ غَشُوهُ(١).
قال أبو عمرَ: قولُه فى هذا الحديثِ: وبينَ الصَّفا والمروةِ . تدْفَعُه الآثارُ
المتواتِرةُ عن جابرٍ بمثلِ روايةٍ مالكٍ هذه؛ لأَنَّ قولَه : انصبَّت قَدَماه فى بَطْنِ
المسیلِ ۔ یدفئُ أنْ يكونَ راکِبًا .
أخبرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبرنا محمدُ بنُ معاويةً، قال: حدَّثنا
أحمدُ بنُ شُعَيبٍ، قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ
القبس
(١) ذكره الشافعى ٢/ ١٧٤.
(٢) فى الأصل، م: ((يفهمهم)) .
(٣) أبو داود (١٨٨٠)، وأحمد ٣٠٧/٢٢ (١٤٤١٥). وأخرجه النسائى فى الكبرى (٣٩٠٢)، وابن
خزيمة (٢٧٧٨) من طريق يحيى بن سعيد به، وأخرجه أحمد ٤٣٦/٢٢، ٤٣٧ (١٤٥٧٩)، ومسلم
(٢٥٤/١٢٧٣، ٢٥٥)، والنسائى (٢٩٧٥)، وابن خزيمة (٢٧٧٨) من طريق ابن جريج به.
٩٨
الموطأ
سعيدٍ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أبى، قال: حدَّثنا جابرٌ، أنَّ التمهيد
رسولَ اللهِ وَ لِّ نَزَلَ - يعنى عن الصَّفا - حتى إذا انصبَّت قدَماه فى الوادِى
رمَلَ ، حتى إذا صَعِد مَشَى(١) .
والوجهُ عندَ أهلِ العلم فى طوافٍ رسولِ اللهِ وَ ل# راكبًا أنَّه كان فی طوافٍ
الإِفاضَةِ، وحينئذٍ أَظْ (١) الناسُ به يَسألونَه . وفى حديثِ طاوسٍ بيانُ ذلك .
روَى ابْنُّ عيينةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ طاوسٍ، عن أبيه، أنَّ رسولَ اللهِ وَلَهِ أَمْرَ
أصحابَه أن يُهَجّرُوا بالإفاضةِ، وأفاض فى نسائِه ليلًا، فطاف على راحلَتِه(٤).
وفى حديثٍ أمّ سلمةَ أنَّها اشتكَتْ يومَئذٍ، فقال لها رسولُ اللهِ وَلِقَةٍ :
(طُوفى راكبةً مِن وراءِ الناسِ)))).
وممَّا يدُلُّ على كراهةِ الطَّوافِ راكبًا مِن غيرِ عُذْرٍ، أَنِّى لا أعلمُ خلافًا بينَ
علماءِ المسلمين أنَّهم لا يستحُّون لأحدٍ أن يطوفَ بينَ الصَّفا والمروةِ على
راحلَتِه، ولو كان طَوافُه راكبًا لغيرِ عُذْرٍ لكان ذلك مُسْتَحبًّا عندَهم أو عندَ مَن
ضَخّ عنده ذلك منهم .
وقد رُوِّينا عن عائشةَ، وعروةَ بنِ الزبيرِ، كراهيَةً أَنْ يطوفَ أحدٌ بينَ الصَّفا
القبس
(١) فى م: ((على)).
(٢) أخرجه ابن حزم فى حجة الوداع ص١٥٦ من طريق محمد بن معاوية به . وهو عند النسائى
(٢٩٨٣)، وفى الكبرى (٣٩٧٨).
(٣) ألظ به: لزمه. التاج ( ل ظ ظ ).
(٤) أخرجه الشافعى ٢/ ١٧٤، ٢١١، والبيهقى ١٠١/٥ من طريق ابن عيينة به.
(٥) تقدم فى الموطأ (٨٣٩).
٩٩
الموطأ
التمهيد
والمروة راكبًا (١) . وهو قولُ جماعةِ الفقهاءٍ. فأمّا مالكٌ فلا أحفَظُ له فيه نصًّا ، إلَّا
أنَّه قال: مَن طاف بالبيتٍ مَحْمولًا أو راكبًا مِن غيرِ عُذْرٍ لم يُجْزِئْه، وأعاد .
و كذلك الشّعئُ بینَ الصَّفا والمروة عندی فی قوله ، بل الشّعئُ اُو گّدُ ماشيًا ؛ لِما
ورَد فيه مِن اشتِدَادِ رسولِ اللهِ وَّ فِى سَغْيِهِ ماشِيًّا على قدّمَيْه. وقال مالكٌ إِنَّه إن
سَعَى أحدٌ حامِلًا صَبًّا بينَ الصَّفا والمروة ، أجزأه عن نفسه وعن الصبىّ، إذا
نّژی ذلك . وقال فی الطائف بالبيت محمولاً : إن رجعإلى بلادِه كان عليه أن(٢)
تُهَرِيقَ دَمًّا . وقال الليثُ بنُّ سعدٍ: الطوافُ بالبيتِ وبينَ الصَّفا والمروةِ سواء ، لا
يُجْزِئُّ واحدٌ منهما راكبًا إلّا أن يكون له عذر. و کذلك قال أبو ثَوْرٍ: من سّعّی
بينَ الصَّفا والمروةِ راكِبًا لم يُجْزِئْه، وعليه أن يُعيدَ. وقال مُجاهدٌ: لا يركّبُ إلَّ
من ضرورةٍ . وهو قول مالك . وقال الشافعىُّ : لا ينبغى له أن يطوف بالبيتٍ ولا
یسعی را کبًا ، فإن فعلَ فلا دم علیه ، مِن ◌ُذْرٍ كان ذلك أو من غيرٍ عُذْرٍ. وذكَرَ ()
أُنَّ أنس بن مالك وعطاءً طافا را کبین . وقال أبو حنيفةً: إن سَعَی را کبًا بينَ الصَّفا
والمروة أعاد ما دام بمكةً ، وإن رجع إلى الكوفة فعليه دم. و كذلك إن طاف
بالبيت را کبا عنده . وقال هشامُ بنُ عبيد الله ، عن محمد بن الحسن : لو طاف
بأمّه حاملًا لها ، أُجْزَأَه عنه وعنها ، وكذلك لو استأُجَرَتِ امرأةٌ رجلًا يطوفُ بها ،
کان الطوافُ لهما جميعًا ، و کانتِ الأُخْرَةُ له .
القبس
(١) تقدم فى الموطأ (٨٤٦).
(٢) بعده فى م: ((لا)).
(٣) الشافعى ١٧٣/٢.
١٠٠