Indexed OCR Text

Pages 481-500

شيخًا كبيرًا لا يستَطِيعُ أن يثبُتَ على الراحِلةِ، أَفْأُحُجُ عنه؟ قال: الموطأ
((نعم)). وذلك فى حََّةِ الوَداعِ.
فى حَجَّةِ الوَدَاعِ(١).
التمهید
هذا حديثٌ صحيحٌ ثابتٌ، لم يُخْتَلَفْ فى إِسْنادِهِ، وقد سَمِعَه سُلَيْمانُ بُّ
يَسَارٍ من ابنِ عباسٍ، كذلك قال الأوزاعىُّ، عن الزُّهْرِىِّ، عن سليمانَ بنِ يَسَارٍ ،
أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ، أَخْبَرَه أنَّ امْرَأَةً مِن خَثْعَمَ اسْتَفْتَتْ رسولَ اللهِ وَّهِفِى حَجَّةٍ
الوَدَاعِ، والفضلُ بنُّ عَبَّاسٍ رَدِيفُ رسولِ اللهِ وَلّهِ، فقالت: يا رسولَ اللهِ، إِنَّ
فَرِيضَةَ اللهِ. فَذَكَرَ الحديثَ(١) . وكذلك رواه ابنُ عُبَيْنَةً، عن الزُّهْرِىِّ.
حدَّثنى سعيدُ بنُّ نصرٍ ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ ، قال : حدثنا محمدُ بنُ
إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحميدىُّ، وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا
قاسِمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكوُ(١) بنُ حَمَّادٍ، قال: حدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قالا
جميعًا: حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا الزُّهْرِىُّ، قال: سمِعتُ سليمانَ بنَ يَسَارِ
يقولُ: سَمِعْتُ ابنَ عَبَّاسٍ يقولُ: إِنَّ امْرَأةً من خَتْعَمَ سأَلَتْ رسولَ اللهِ وَلَهِ غَدَاةَ
النَّخرِ والفضلُ رِفقُه، فقالت : إنَّ فَرِيضَةَ اللهِ فی الحَجِّ علی عبادِه أَذْرَ كَتْ أَیِی
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٤٨١)، وبرواية يحيى بن بكير (٦/١٨و- مخطوط)، وبرواية
أبى مصعب (١١٨٢). وأخرجه أحمد ٢٩١/٥، ٣٧٠ (٣٢٣٨، ٣٣٧٥)، والبخارى (١٥١٣،
١٨٥٥)، ومسلم (٤٠٧/١٣٣٤)، وأبو داود (١٨٠٩)، والنسائى (٢٦٤٠، ٥٤٠٦)، وابن
خزيمة ( ٣٠٣١، ٣٠٣٣، ٣٠٣٦) من طريق مالك به .
(٢) أخرجه أحمد ١٦٩/٥ (٣٠٤٩)، والدارمى (١٨٧٥)، والبخارى (٤٣٩٩)، والنسائى.
(٥٤٠٥) من طريق الأوزاعى به.
(٣) فى ى، م: ((نصر)).
٤٨١
(موسوعة شروح الموطأ ٣١/١٠)

الموطأ
التمهيد
وهو شَيْخٌ كبيرٌ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَستمسِكَ(١) على الراحلةِ، فهل تَرَى أنْ أَحُجَّ عنه؟
قال: ((نعم)). قال الحميدىُّ: وحدَّثنا سفيانُ، قال: كان عمرُو بنُ دِینَارِ
حدَّثناه أوَّلًا عن الزُّهْرِىِّ، عن سليمانَ بنِ يَسَارٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ، وزادَ فيه :
فقالت: يا رسولَ اللهِ ، أَوَ يَنْفَعُه ذلك؟ قال: ((نَعَمْ، كما لو كان عَلَى أحَدِ کم
دَيْنٌّ فقَضَاه)). فلمَّا جاءَنَا الزهرىُّ، تفَقَّدْتُ هذا، فلم يَقُلْه(٢) .
واختَلَفَ العلماءُ فى تأويل هذا الحديثِ ومَعْنَاه، ونحنُ نَذْكُرُ ذلك إِنْ شاءَ
اللهُ ونُبَيْتُه، ولا قُوَّةَ إِلَّ باللهِ.
وفيه من الفِقْهِ إِباحَةُ ركوبٍ نَفْسَيْن على دائَّةٍ، وهذا ما لا خِلَافَ فى
جَوازِه ، إذا أطاقَت الدَّابَّةُ ذلك، وفيه إباحَةُ الارْتِدَافِ، وذلك من التواضُعِ،
والجَلِيلُ من الرِّجَالِ جَمِيلٌ به الارْتِدَافُ ، والأنَفَةُ منه تَجَبُرُ وتَكَبُرُ ، حَبَّبَ اللهُ إِلينا
الطَّاعَةَ برَحْمَتِه .
وفيه بيانُ ما رُكِّبَ فى الآدَمِيِّين مِن شَهَواتِ النِّسَاءِ، وما يُخَافُ من التَّظَرِ
إليهنَّ، وكان الفضلُ بنُ عَبَّاسٍ مِن شُبَّانِ بَنِى هاشِمٍ، بل كان أجْمَلَ أهْلِ " زَمَانِه
فیما ذَگرُوا .
القبس
(١) فى الأصل، ى، م: ((يتمسك)).
(٢) الحميدى (٥٠٧). وأخرجه البيهقى ١٧٩/٥ من طريق مسدد به، وأخرجه أحمد ٣٧٨/٣
(١٨٩٠)، والدارمى (١٨٧٦)، والنسائى (٢٦٣٤)، وابن خزيمة (٣٠٣٢، ٣٠٤٢) من طريق
سفيان به .
(٣) ليس فى: الأصل، وفى م: ((أهله)).
٠ ٤٨٢

الموطأ
التمهيد
وفيه دليلٌ على أنَّ الإِمَامَ يجِبُ عليه أن يَحُولَ بينَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فى التَأْمُّل
والنَّظَرِ، وفى معنَى هذا مَنْعُ النِّسَاءِ اللَّوَّتِى لا يُؤْمَنُ عَلَيهنَّ ومنهنَّ الفِتْنَةُ من
الخُروجِ والمَشْيِ فى الحَواضِرِ والأُسْوَاقِ ، وحيثُ يَنْظُرْنَ إلى الرِّجَالِ . قال
وَه: ((مَا تَرَكْتُ بَعْدِى فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ من النِّسَاءِ)) (١) .. وفى قَوْلِ اللهِ
عزّ وجلّ: ﴿قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُواْ مِنْ أَبْصَِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ﴾
الآية [النور: ٣٠]. ما يَكْفِى لِمَنْ تَدَبَّرَ كِتابَ اللهِ وؤُفِّقَ للعَمَلِ به .
حدَّثنا أحمدُ، حدَّثنَا مَسْلَمَةُ، حدَّثَنَا جَعْفَرٌ، حدَّثنا يُونِسُ(١) بَنُ حَبِيبٍ،
حدَّثنا أبو داودَ الطَّيَالِسِىُّ، قال: حدَّثنا سُكَيْنُ بنُ عبدِ العَزِيزِ، قال: حدَّثنى أَبِى،
عن ابنِ عَبَّاسٍ، أنَّ الفضلَ كان رَدِيفَ النبيِّ وَهِ يَوْمَ عَرَفَةَ، فجعَلَ يَلْحَظُ إلى
امرأةٍ، فقال النبيُّ وَله: ((مَهْ يَا غُلَامُ، فإنَّ هذا يَوْمٌ مَنْ حَفِظَ فيه بَصَرَه غُفِرَ
(٣)
له)) ).
وفيه دليلٌ على أنَّ إِخْرامَ المَرأَةِ فى وَجْهِها ، وهذا ما لم يَخْتَلِفْ فيه الفقهاءُ.
وفيه دليلٌ على أنَّ المَرَةَ تَحُجُ وإنْ لم يكُنْ معها ذُو مَخْرَمٍ؛ لأَنَّ رسولَ اللهِ وَّلـ
قال للخَتْعَمِيَّةِ: ((حُجِّى عن أَبِيكِ)). ولم يَقُلْ: إن كان معكِ ذُو مَحْرَمٍ. وفى
القبس
(١) أخرجه أحمد ٧٥/٣٦، ١٥١ (٢١٧٤٦، ٢١٨٢٩)، والبخارى (٥٠٩٦)، ومسلم
(٢٧٤٠، ٢٧٤١) من حديث أسامة بن زيد .
(٢) فى م: ((يوسف)). وينظر تهذيب الكمال ٤٠٤/١١.
(٣) الطيالسى (٢٨٥٧). وأخرجه أحمد ١٦٤/٥، ٣٥٥ (٣٠٤١، ٣٣٥٠)، وابن خزيمة.
(٢٨٣٤) من طريق سكين به .
٤٨٣

الموطأ
التمهید
ذلك دليلٌ على أنَّ المحرّمَ ليس من السَّبِيلِ، واللهُ أعلمُ، وستأتى هذه المَسْأَلَةُ
واختلافُ العُلَماءِ فيها فى بابٍ سعيدِ بنِ أبى سعيدٍ (١) إن شاءَ اللهُ .
وأمَّا اختلافُ أهلِ العِلْم فى معنَى هذا الحديثِ ، فإنَّ جماعَةٌ منهم ذَهَبُوا
إلى أنَّ هذا الحديثَ مخصوصٌ به أبو الخَتْعَيِيَّةِ ، لا يجوزُ أَنْ يُتَعَدَّى به إلى
غيرِهِ، بدليلٍ قولِ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿مَنِ أَسْتَطَاعَ إِلَيْهٍ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧].
وكان أبو الخَثْعَمِيَّةِ مِمَّنْ لا يَسْتَطِيعُ، فلم يكنْ عليه الحَجُ، فَلَمَّا لم يكُنْ
ذلك عليه لعَدَمِ استطاعتِهِ، كانت ابنتُه مخصوصةٌ بذلك الجوابٍ، ومِمَّنْ
قال ذلك مالِكُ بنُ أَنَسٍ وأصحابُه، وجَعَلُوا أبا الخَتْعَمِيَّةِ مخصوصًا بالحَجّ
عنه، كما كان سَالِمُ مَؤْلَى أبِى حُذَيْفَةَ عندَهم وعندَ مَن خالَفّهم فى هذه
المَسْألَّةِ مخصوصًا برَضّاعِه فى حالِ الكِبرِ، مع اشْتِراطِ اللهِ عزَّ وجلَّ تَمَامَ
الرَّضَاعَةِ فى الحولين، فكذلك أبو الخَتْعَمِيَّةِ مع شَرْطِ اللهِ فى وجوبِ الحَجّ
الاسْتِطَاعَةَ ؛ وهى القُدْرَةُ. وذهب آخرون إلى أنَّ الاستطاعةً تكونُ بالبَدَنِ
والقُدْرَةِ، وتكونُ أيضًا فى المالِ لمَنْ لم يَسْتَطِعْ بَبَدَّنِه، واسْتَدَلُّوا بهذا
الحدیث ومِثْلِه، ومثنْ قال ذلك الشافعىُّ .
واخْتَلَفَ العلماءُ فى الاستطاعةِ التى عَنَّى اللهُ عزَّ وجلُ بقَوْله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى
النَّاسِ حِبُّ الْبَيْتِ مَنِ أَسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. فرُوِىَ عن النبيِّ وَّلِ أَنَّه قال:
((السَّبِيلُ الزَّادُ والرَّاحِلَةُ)). وهذا الحديثُ لو صَحَّ لكان فَرْضُ الحَجّ فى المالِ
القبس
(١) سيأتى فى شرح الحديث (١٩٠٢) من الموطأ .
٤٨٤

الموطأ
التمھید
والبَدَنِ نَصَّا، كما قال الشافعىُّ ومَن تابَعَه، ولكنَّه حديثٌ انْفَرَدَ به إِبراهِیمُ بنُ
يَزِيدَ الخُوزىُّ، وهو ضعيفٌ .
روَى عبدُ الرَّزَّاقِ وغيرُه، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ تَزِيدَ، قال: سمِعتُ
محمدَ بنَ عَبَّادٍ بنِ جَعْفَرٍ يُحَدِّثُ عنِ ابنِ عُمَرَ، قال: قامَ رجلٌ إلى النبيِّ وَچِ،
فقال: مَنِ الحَاجُ يا رسولَ اللهِ؟ قال: ((الشَّعِتُ التَّفِلُ (١)). فقامَ رجلٌ آخَرُ،
فقال: أُّ الحَجِّ أَفْضَلُ يا رسولَ اللهِ؟ قال: ((العَجُ والَّجُ))(٢) . فقام رَجُلٌ آخَرُ،
فقال: ما السّبِيلُ يا رسولَ اللهِ؟ قال: ((الزَّادُ والرَّاحِلَةُ))(٣).
وروِىَ عن عمرَ بنِ الخَطَّابِ وعبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهما قالا: السَّبِيلُ الزَّادُ
والراحلةُ(٤) . وروَى معاويةُ بنُّ صالح، عن علىٍّ بن أبى طلحةً، عن ابنِ عَبَّاسٍ فى
قَوْلِهِ: ﴿مَنِ أُسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. قال: السَّبِيلُ أنْ يَصِحَّ بَدَنُ العَبْدِ، ویکونَ له
ثَمَنُ زادٍ وراحِلَةٍ مِن غيرٍ أنْ يُجْحِفَ به ) . وبه قال الحَسَنُ البَصْرِىُّ، وسعيدُ بنُ
بجبَيْرِ، ومُجَاهِدٌ (١) . وإليه ذهَب الشَّافِعِىُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُهما، وأحمدُ
القبس
(١) التفل: الذى قد ترك استعمال الطيب. النهاية ١/ ١٩١.
(٢) العج: رفع الصوت بالتلبية، والثج: سيلان دماء الهدى والأضاحى. النهاية ٢٠٧/١، ١٨٤/٣.
(٣) أخرجه الفاكهى فى أخبار مكة ٣٧٨/١ (٧٩٧)، والترمذى (٢٩٩٨)، وابن جرير فى تفسيره
٦١٢/٥ من طريق عبد الرزاق به .
(٤) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٤/ ٩٠، وتفسير ابن جرير ٥/ ٦١٠، وسنن البيهقى ٣٣١/٤.
(٥) أخرجه ابن المنذر فى تفسيره (٧٤٧)، وابن جرير فى تفسيره ٥/ ٦١٠، والبيهقى ٣٣١/٤ من
طريق معاوية به .
(٦) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٨٩/٤ - ٩١، وتفسير ابن جرير ٦١٠/٥، ٦١١، وتفسير ابن
المنذر (٧٤٥ - ٧٤٧)، وتفسير ابن أبى حاتم ٧١٣/٣ عقب الأثر (٣٨٦٠).
٤٨٥

الموطأ
التمهيد ابنُ حَنْبَلِ، وإسحاقُ بنُ راهُويَه، وقال أبو حنيفةً والشافعى : لا یجِبُ الحُ إلّا
على مَن مَلَكَ زادًا وراحلةً من الأَحْرَارِ البالِغِين. وعندَ أبى حنيفةً وأصحابِهِ ،
وأحمدَ، وطائفةٍ، ذُو المَخْرَمِ فى المَرْأَةِ من السَّبِيلِ. وسَنُبيِّنُ هذا فی بابِ
سعيدِ بنِ أبى سعيدٍ (١) إن شاءَ اللهُ، والذى عَوَّلَ عليه الشافعىُّ وأصحابُه فى هذا
البابِ ، حديثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فى قصَّةِ الخَتْعَمِيَّةِ ، وبه اسْتَدَلُّوا على أنَّ الحَجَّ فَوْضٌ
واجِبٌ فى المالِ ، قالوا : وأمَّا البَدَنُ فمُجْتَمَعٌ عليه، والتَّكْتَةُ التى بها اسْتَدَلُّوا ،
وعليها عَوَّلُوا، قولُ المرَةِ فى هذا الحديثِ: إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ فى الحَجِّ على عِبَادِه
أدْرَكَتْ أَبِى شَيْخًا كبيرًا لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَثْبُتَ على الراحلةِ. فَأُخْبَرَتْه أنَّ الحَجَّ إِذْ (٢)
فُرِضَ على المسلمين، كان أبُوها فى حالٍ لا يَسْتَطِيعُه بَدَنِهِ ، فَأَخْبَرَها رسولُ اللهِ
وَلَّ انَّه يُجْزِتُهُ أَنْ تَحُجَّ عنه، وأُعْلَمَها أُنَّذلك كالدَّتِنِ تَقْضِیهعنه ، فكان فى هذا
الكلامِ مَعَانٍ ؛ منها أنَّ الحَجَّ وجَبَ عليه كِؤُجُوبِ الدَّيْنِ، ومَعْلُوم أنَّ الدَّيْنَ
واجبٌ فى المالِ لا فى البَدَنِ ، ومنها أنَّ عَمَلَها فى ذلك يُجْزِئُ عنه، فدَلَّ على أنَّ
ذلك ليس كالصلاةِ التى لا يعْمَلُها أَحَدٌ عن أَحَدٍ. ومنها ( أنَّ الاسْتِطَاعَةَ تكونُ
بالمالٍ، كما تكونُ بالتَدَنِ . واحْتَجُوا مِن الآثارِ بِكُلِّ ما ذُكِرَ فيه ٢ تَشْبِيهُ الحَجّ
بالدَّيْنِ، وسنَذْكُرُها فى هذا البابِ إنْ شاءَ اللهُ.
القبس
(١) سيأتى فى شرح الحديث (١٩٠٢) من الموطأ .
(٢) فى النسخ: ((إذا)).
(٣ - ٣) سقط من: ر، ى.
٤٨٦

الموطأ
التمهيد
وأجْمَعَ علماءُ المسلمين أنَّ الحَجّ غيرُ واجِبٍ على مَن لم يَتْلُغْ مِنَ الرجالِ
والنساءِ، وقال داودُ: الحَجُّ واجِبٌ على العَبْدِ. وقال سائِرُ الفقهاءِ: لا حَجّ
عليه (١). وقال الشافعىُ: الاسْتِطَاعَةُ على وَجْهَيْن ؛ أحدُهما ، أن يكُونَ مُستَطِيعًا
بَيَدَنِهِ، واجِدًا مِن مَالِه ما يُلِّغُه الحَجَّ بزَادٍ وراحِلَةٍ. وَاحْتَبَّ بحديثِ النبىِّ وَّ
المَذْكُورِ ، قال: والوَجْهُ الآخَرُ، أَن يكونَ مَعْضُوبًا بِبَدَنِهِ لا يَقْدِرُ أنْ يَثْبُتَ على
مَرْكَبٍ (١٢) بحالٍ، وهو قادرٌ على مَن يُطِيعُه إذا أمَرَه أَنْ يَحُجّ عنه بطَاعَتِه له، أو مَن
يَشْتَأْجِرُه، فَيَكُونُ هذا مِمَّنْ لَزِمَه فَوْضُ الحَجِّ ؛ لأَنَّه قادِرٌ بهذا الوَجْهِ . قال :
ومَعْرُوفٌ مِن لسانِ العربِ أنْ يَقُولَ الرجلُ : أَنَا مُسْتَطِيعُ أنْ أثْنِىَ دَارًا ، أو أخِيطَ
ثَوْبًا . يَعْنِى بالإِجارَةِ، أو بِمَنْ أَطَاعَه . واخْتَجَّ بحديثِ الخَتْعَمِيَّةِ ؛ حدیثِ ابنِ
عَبَّاسٍ هذا المَذْكُورِ فى هذا البابِ . وقال مالكٌ: كُلُّ مَن قَدَرَ على التَّوَصُّلِ إِلى
البَيْتِ ، وإِقامَةِ المَنَاسِكِ بأىِّ وَجْهِ قَدَرَ ، بزادٍ وراحِلَةٍ ، أو ماشِيًّا على رِجْلَيْه، فقد
لَزِمَه فَرْضُ الحَجِّ ، ومَنْ لم يَسْتَطِعْ بِمَرَضٍ أو زَمَانَةٍ ، فليس بمُخَاطَبٍ فى الحَجِّ .
هذا مَذْهَبُ مالِكِ وجميع أصْحابِهِ . واتَّفَقَ مالكٌ وأبو حنيفةَ أنَّ المَعْضُوبَ الذى
لا يَسْتَمْسِكُ(١) على الراحلةِ ليس عليه الحَجّ . ومِمَّنْ رُوِىَ عنه مثلُ قولِ مالِكِ ؛
عكرمةُ، والضَّحَاكُ بنُ مُؤَاحِمٍ .
والمَعْضُوبُ الضَّعِيفُ الهَرِيمُ، الذى لا يَقْدِرُ على النُّهُوضِ، وقال
القبس
(١) فى ر، ى: ((على العبد)).
(٢) فى م: ((رکب)).
(٣) فى الأصل، م: ((يتمسك).
٤٨٧

الموطأ
التمهید
الخَلِيلُ(١): رَجُلٌ مَعْصُوبٌ(٢) كأنما لُوِىَ لَيًّا، والمَعْصُوبُ(١) الذى كادَتْ
أمعاؤُهُ(٤) °ْتَنْيَسُ جوعًا).
أخبرنى أبو عبدِ اللهِ محمدُ بنُ خَلِيفَةَ، قال: حدَّثنا أبو الحَسَنِ محمدُ بنُ
نافِعِ المَكَُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أحمدَ الخُزَاعِىُّ، قال: حدَّثنا ابنُ
المُقْرِىُّ. قال: حدَّثنى أبِى، قال: حدَّثنا حَيْوَةُ وابنُ لَهِيعَةً، قالا: حدَّثنا
شُرَخْبِيلُ بنُ شَريك، قال : سَمِعْتُ عكرمةَ مَوْلَى ابنِ عباسٍ يقولُ فى قولِ اللهِ
عزَّ وجلَّ: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. قال: السِّيلُ الصَّحَّةُ(٦).
وقال الضَّحَّاكُ : إذا كان شَابًا فَلْيُؤَاجِرْ نَفْسَه بِأَكْلِهِ وعَقِهِ حتى يَقْضِىَ
ثُشگە(٧).
ومِن مُحَّةٍ مالِكٍ أيضًا ومَنْ ذهَبَ مَذْهَبَه ◌ُمُومُ قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿مَنِ
اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. فبأىٌّ وَجْهِ اسْتَطَاعَ ذلك بنَفْسِه وَقَدَرَ ، فقد لَزِمَه الحَجُّ،
القبس
(١) العين ٣٠٩/١.
(٢) فى ى، م: ((معضوب)).
(٣) فى ى، م: ((المعضوب)).
(٤) فى الأصل، م: «أعضاؤه)).
(٥ - ٥) فى الأصل، ى، م: ((تنتشر جزءاً))، وفى ر: ((تنتشر جوعا)). والمثبت من العين.
(٦) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٦١٦/٥، وابن المنذر فى تفسيره (٧٤٩)، وابن أبى حاتم فى
تفسيره ٧١٤/٣ (٣٨٦١) من طريق المقرئ به.
(٧) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٥/ ٦١٥، وابن المنذر فى تفسيره (٧٥١)، وابن أبى حاتم فى
تفسيره ٧١٤/٣ (٣٨٦٣).
٤٨٨

الموطأ
وليس استطاعةُ غيرِه استطاعةً له، والحَجُّ عندَه وعندَ أصْحابِهِ مِن عَمَلِ الأَبْدَانِ ، التمهيد
فلا يَنُوبُ فيه أَحَدٌ عن أَحَدٍ، قِيَاسًا على الصَّلاةِ، وحَمَلَ بعضُهم حديثَ
الخَتْعَمِيَّةِ على أنَّ ذلك على الاستحبَابِ لمَنْ شاءَ، لا على أدَاءِ واجِبٍ .
واخْتَجُوا بحديثٍ عبدِ الرَّزَّاقِ ، عن الثورىِّ، عن سليمانَ الشيبانيّ ، عن يَزِيدَ بنِ
الأَصَمِّ، عن ابنٍ عَبَّاسٍ، أنَّ رجلاً سألَ النبيُّ بَهِ، فقال: أَحُجُ عن أبى؟ قال:
«نَعَمْ، إن لم تَزِدْه خَیْرًا، لم تَزِدْه شَرًا))(١) .
قال أبو عمرَ : أمَّ هذا الحديثُ ، فقد حَمَلُوا فيه على عبدِ الرَّزَّاقِ لانْفِرَادِه به
عن الثَّوْرِىِّ مِن بينٍ سائِرٍ أَصْحابِهِ، وقالُوا: هذا حديثٌ لا يُوجَدُ فى الدُّنْيًا عندَ
أُحدٍ بهذا الإسنادِ ، إلّا فی کتابٍ عبد الرزاق ، أو فی کتابٍ مَن أُخْرَ جَه مِن کتاب
عبدِ الوَزَّاقِ، ولم يَزْوِهِ أحَدٌ عن الثَّوْرِىِّ غيرُه، وقد خَطَُّوه فيه، وهو عندهم
خَطَأْ . وقالُوا: هذا لَفْظٌ مُنْكَرٍ لا يُشْبِهُ الْفَاظَ النبىِ ێے؛ أَن يَأْمُرَه بما لا يَدْرِی هل
يَنْفَعُ أم لا يَنْفَتُ .
حدَّثنی خَلَفُ بنُ سعيدٍ ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا
أحمدُ بنُ خالِدٍ ، قال: حدَّثنا عُبَيْدُ بنُ محمدِ الكَشْوَرِىُّ، قال: لم يَرْوِ حديثَ
الشيبانيّ، عن يَزِيدَ بنِ الأَصَمِّ، عن ابنِ عَبَّاسٍ، أَحَدٌ غيرُ عبدِ الرَّزَّاقِ ، عن
الثَّوْرِىِّ، ولم يَرْوِه عن الثَّوْرِىِّ لا كُوفِىٌ ولا بَصْرِىٌّ ولا أحَدٌ .
القبس
(١) عبد الرزاق - كما فى المحلى ٤١/٧ - ومن طريقه أخرجه ابن ماجه (٢٩٠٤)، والطبرانى
(١٣٠٠٩).
٤٨٩

الموطأ
التمهید
قال أبو عمرَ: أَمَّا ظاهِرُ إِسْنادِ هذا الحديثِ فظاهِرٌ جميلٌ ؛ لأنَّ الشيبانىَّ
ثقةٌ، وهو سليمانُ بنُ أبي سليمانَ، ورَوَى عنه شُعْبَةُ، والثَّوْرِىُّ، وهُشَيْمٌ .
وكذلك تَزِيدُ بنُ الأَصَمّ ثِقَةٌ، ولَكِنَّه حديثٌ لا يُوجَدُ عندَ أصحابِ الثَّوْرِىِّ
الذين هم أعْلَمُ بالثَّوْرِىِّ مِن عبدِ الرَّزَّاقِ ، مثلَ القَطَّانِ ، وابنِ مَهْدِئٍّ، وابنٍ
المُبَارَكِ، ووَكِيعِ، وأبى نُعَيْم، وهؤلاء جِلَّةُ أَصْحابِ الثَّوْرِىِّ فى الحديثِ،
وعبدُ الرَّزَّاقِ ثقةٌ، فإِنْ صَحَّ هذا الخَبَرُ، ففِيه حُجّةٌ لمالِكِ وأَصْحابِه فيما
تَأَوَّلُوه فى حَدِيثِ الخَتْعَمِيَّةِ، ويَدْخُلُ عليهم منه ؛ لأنَّهم لم يجْعَلُوه أضْلًا
يَقِيشُون(١) عليه، ولا يُجِيزُون صَلاةَ أحَدٍ عن(١) أَحَدٍ ، ولا يقُولُون فيها: إِنَّها
إِنْ لم تَزِدِ المُصَلَّى عنه خَيْرًا، لم تَزِدْه شَرًّا. كما فى هذا الخَبَرِ فى الحَجّ،
ومِن حُجَّةِ مالِكٍ وأصْحابِهِ أَيْضًا الإجماعُ على أنَّ الفقيرَ إذا وَصَلَ إلى البَيْتِ
بِخِدْمَةِ الناسِ، أَوْ بالسُّؤَالِ ، أو بأَىِّ وَجْهٍ وصَلَ إليه، فقد تَعَيَّنَ عليه الفَرْضُ ،
ووَجَبَ عليه الحَجُّ، وأَنَّه إذا أَيْسَرَ، فلا قَضَاءَ عليه . ومِن قولٍ مالكٍ وأصْحابِه
أيضًا ، أنَّ الذى لا زادَ له ليس عليه الحَجُّ، وإن كان قادِرًا على المَشْي، إذا
لم يَكُنْ مِن عَادَتِهِ السُّؤالُ والتََّذُّلُ، فإن حَجَّ أْزَأه، فإن قيل: إنَّ الفَقِيرَ إذا
وَصَلَ إِلى البَيْتِ فقد تَعَيَّنَ عليهِ الفَرْضُ ولزِمَه؛ لأَنَّه مُسْتَطيعُ حِينَئِذٍ . قيل له :
القبس
(١) فى الأصل: ((يقيمون)).
(٢) فى م: ((من)).
٤٩٠

الموطأ
لو كان الحَجُّ لا يَجِبُ فَوْضًا إلَّ على مَنْ مَلَكَ زادًا وراحلةً لَمَا تَعَيَّن فَوْضُه التمهيد
على الفقيرِ بدُخُولِهِ مَكّةَ، كما لا يَتَعَيَّنُّ فَرْضُه على العَبْدِ بِدُخُولِهِ مَكّةَ، ولو
كان الزَّادُ والراحلةُ مِنْ شَرائِطِ الوُجُوبِ لاسْتَوَى فيه حَاضِرُو المسجدِ الحرامِ
وغيرهم، كما اسْتَوَوْا فى الحريةِ والبُلُوغ الذى لا يجوزُ الحَجُ إلَّ بهما.
ويَدْخُلُ على قائلى هذا القَوْلِ أنَّ العِلَّةَ فى العبيدِ باقيةٌ لم تَزُلْ؛ وهى الرّقُّ،
وعِلَّةُ الذى لم يَسْتَطِعْ ثم اسْتَطاعَ قد زالَتْ .
ومِن حُبَّةِ الشافعىِّ ومَنْ قال بقَوْلِه حديثُ شُعْبَةً، عن النُّعْمَانِ بنِ
سالِم، عن عَمْرِو بنِ أوْسٍ، عن أبى رَزِينِ العامِرِىِّ، أنَّه قال: يا رسولَ اللهِ،
إِنَّ أَبِى شيخٌ كَبِيرٌ لا يَسْتَطِيعُ الحَجَّ والعُمْرَةَ. قال: ((احْجُجْ عَنْ أبِيكَ
(١)
واعْتَمِرْ))(١).
وروی مَغْمٌ، عن الحكم بنِ أُبانٍ، عن عكرمةً ، عن ابنِ عبّاسٍ، قال :
قال رجلٌ: يا نَبِيَّ اللهِ ، إنَّ أبى ماتَ ولم يَحُجّ، أَفَأْحُجُ عنه؟ قال: ((أَرْأَيْتَ
لو كان عَلَى أبِيكَ دَيْنٌ، أَكُنْتَ قَاضِيَه؟)). قال: نعم. قال: ((فدَيْنُ اللهِ
(٢)
أخَثُ))(٢) .
وأخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ أَسَدٍ ، قال: حدَّثنا حَمْزَةُ بنُّ محمدٍ ، قال :
القبس
(١) سيأتى تخريجه ص٤٩٩ .
(٢) أخرجه النسائى (٢٦٣٨) من طريق معمر به .
٤٩١

الموطأ
التمهيد حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعَيْبٍ ، قال : أخبرنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ ، قال: حدَّثنا جريرٌ،
عن مَنْصُورٍ، عن مجاهدٍ ، عن يوسُفَ بنِ الزبيرِ ، عن عبدِ اللهِ بنِ الزبيرِ ، قال :
جَاءَ رجلٌ من خَتْعَمَ إلى رسولِ اللهِ وَّهِ، فقال: إِنَّ أَبِى شَيْخٌ كَبِيرٌ لا يَسْتَطِيعُ
الوَكُوبَ، وَأَدْرَ كَتْه فَرِيضَةُ (اللهِ فى" الحَجُّ، فهل يُجْزِئُ أَنْ أُحُجَّ عنه ؟ قال :
((أنتَ أكبرُ وَلَدِهِ؟)). قال: نعم. قال: ((أَرَأَيْتَ لو كان عليه دَيْنٌّ، أَكُنْتَ
تَقْضِیه؟)). قال: نعم. قال: «فحَّ عنه))().
ورَوى هُشَيْمٌ، عن يحيى بنِ أبى إسحاقَ، عن سليمانَ بنِ يَسَارٍ، عن ابنٍ
عباسٍ، عن النَّبِىِّ ◌ِّهِ مثلَ حديثٍ ابنِ الزبيرِ هذا سواءً " .
ورَوَى عبدُ الرَّزاقِ ، عن هُشَيْمٍ بنِ بَشِيرٍ، عن جَعْفَرِ بنِ أبِى وَحْشِيَّةً، عن
سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: أتَى رجلٌ إِلى النَّبيِّ ◌َّمِفقال: إِن أُخْتِى
نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ وإنَّها ماتت. قال: ((أَرَأَيْتَ لو كان عليها دَيْرٌ، أَكُنْتَ
قَاضِيَه؟)). قال: نعم. قال: ((فاقْضُوا اللهَ، فهو أَحَقُّ بِالوَفَاءِ»(٤).
قالُوا: وَتَشْبِيهُهُ وَّهِذلك بالدَّيْنِ دليلٌ على وُجُوبِ الحَجِّ على مَن عجَزُ(١)
القبس
(١ - ١) سقط من: ر، ى، م.
(٢) النسائى (٢٦٣٧)، وفى الكبرى (٣٦١٨). وأخرجه أحمد ٤٧/٢٦ (١٦١٢٥)، والدارمى
(١٨٧٨) من طريق جرير به .
(٣) سيأتي تخريجه ص٥٠٤ .
(٤) أخرجه البخارى (٦٦٩٩)، والنسائى (٢٦٣١) من طريق جعفر به .
(٥) سقط من: م.
٤٩٢

الموطأ
يَدَنِه عن الاستمساكِ (١) على الدائَّةِ، وكان له مالٌ يَسْتَأْجِرُ به. قالُوا: وكذلك هو التمهيد
واجِبٌّ على مَنْ ماتَ قبلَ أنْ يُؤَدِّيَه إذا اسْتَطاعَ ذلك ببَدَنِه أو بمَالِه .
قال أبو عمرَ : حُبَّةُ أَصْحابٍ مالِكِ فى تَشْبِيهِ الحَجِّ بالدَّيْنِ أنَّ ذلكَ أيضًا
خُصُوصٌ للخَتْعَمِيَّةِ، كما خُصَّ أَبُوها بأنْ يُعْمَلَ عنه ما لم يَجِبْ عليه، وكذلك
◌ُخُصَّتْ بالعَمَلِ عنه لُِّؤْجَرَ وَيَلْحَقَه ثوابُ عَمَلِها، بدليلِ القرآنِ فى الاستطاعةِ ،
وبدليلِ الإِجْمَاعِ، أَنَّهُ لا يُصَلِّى أَحَدٌ عن أحدٍ فرضًا وَجَبَ عليه، وقد يعْمَلُ عنه ما
لم يَجِبْ عليه، ويَشْرَكُه فى ثَوَابِهِ، هذا مَعْنَى قَوْلِهِم، وجعَلُوا حَجَّ الخَتْعَيِيَّةِ عن
أبِيْها كالحَجّ بالصَّبِىِّ الذى أُرِيدَ بِه التَُّكُ لا الفَرْضُ، وأَدْخَلَ بعضُ مَن يَخْتَجُ
لمالِكٍ على أصحابِ الشَّافِعِيِّ، أنْ قال: لو ثَبَتَ تَشْبِهُ الحَجّ بالدَّيْنِ، لَكُنْتَ
مُخَالِفًا له؛ لأَنَّكَ زَعَمْتَ أَنَّ مَن ◌ُحُجَّ عنه، ثم وجَدَ قُوَّةً، أنَّه لا يُجْزِئُه، وليس الدَّئْنُ
كذلك؛ لأَنَّه إذا أَدِّىَ لم يُحْتَجْ أنْ يُؤَدَّى ثانِيَةً. وانْفَصَلَ مِن ذلك أصْحابُ
الشَّافِعِيِّ بأنَّه إِنَّمَا أُمَرَ بالحَجّ عنه لعَدَمِه الاسْتِطاعَةَ بَدَنِه، فلَمَّا صَحَّ کان حينئذٍ قد
تَوَجَّهَ إليه فَوْضُ الحَجُّ، ولَزِمَه قَضاؤُه عن نَفْسِه لقُدْرَتِه على ذلك ببَدَنِهِ، فأشارَ
على المُعْتَدَّةِ بالشُّهُورِ يَطْرَأْ عليها الحَيْضُ فتَعُودُ إليه. وأُدْخَلَ(٢) بعضُ أصْحابٍ
الشَّافِعِيِّ أنَّ مالِكًا يُجِيزُ أنْ يَحُجَّ الرجلُ عن المَيِّتِ إذا أَوْصَى بذلك، ولا يُجِيزُ
الصَّلاةَ ولا الصِّيامَ أَنْ يَعْمَلَها (١) أحَدٌ عن أحَدٍ غيرِهِ مَيِّتٍ ولا حَيٍّ، وفى ذلك دليلٌ
القبس
(١) فى الأصل، م: ((الامتساك)).
(٢) بعده فى ر، ى: ((عليه)).
(٣) فى م: ((يعملهما)).
٤٩٣

الموطأ
على خِلَافِ الحَجِّ الصَّلاةِ وَأَعْمَالِ البَدَنِ . ولبَعْضِهم على بعضٍ تَشْغِيبٌ يطُولُ
ذِكْرُه ولا یجْمُلُ اجْتِلَابُه.
التمهيد
وفى هذا الحديثِ أيضًا دليلٌ على جَوازِ حَجِّ الرَّجُلِ عن غيرِهِ، واخْتَلَفَ
الفقهاءُ فى ذلك؛ فقال الحسنُ بنُ صالحِ بنِ حَىٍّ: لا يَحُجُّ أحَدٌ عن أحَدٍ، إِلَّ عن
مَيِّتٍ لم يَحُجَّ حَبَّةَ الإسلامِ. وهو قولُ مالِكِ واللَّيْثِ .
وقال أبو حنيفةً: للصَّحِيحِ أنْ يَأْمُرَ مَن يَحُجُّ عنه، ويكونُ ذلك تَطَوُّعًا.
وقال: وللمريضِ أنْ يَأْمُرَ مَنْ يَحُجُّ عنه حَجَّةَ الإِسْلامِ، فإِنْ ماتَ كان ذلك
مُسْقِطًا لفَرْضِه، وإنْ أَوْصَى أنْ يُحَجَّ عنه، كان ذلك فى ثُلُثِهِ، وإنْ تَطَوَّعَ رجلٌ
بالحَجّ عنه بعدَ الموتِ أَجْزَأَه . ولا يجوزُ عندَه أنْ يُؤَاجِرَ أَحَدٌ نَفْسَه فى الحَجّ .
وقال الثورىُّ نحوَ قولٍ أبى حنيفةً .
أخبرنا إبراهيمُ بنُ شاكِرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ عثمانَ، قال: حدَّثنا
طاهِرُ بنُ عبدِ العَزِيزِ، قال: حدَّثنا عَبَّدُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثَنَا يَزِيدُ بنُ أبى
حَكِيمٍ، قال : سمِعتُ سفيانَ قال : إذا ماتَ الرجلُ ولم يَحُجَّ، فلُوصِ أن يُحَمَّ
عنه ، فإن هو لم يُوصِ، فحَجَّ عنه وَلَدُه، فَحَسَنٌ ؛ إِنَّما هو دَيْنٌ يَقْضِیه . وقد كان
يَسْتَحِبُّ لِی القَرَابَةِ أن يَحُّ عن قَرایتِه، فإن كان لا قَرَابَةً له ، فمَوالِیه إن كان،
فإِنَّ ذلك يُسْتَحَبُّ، فإِنْ أَحَجُوا عنه رجلًا تَطَؤُّعًا، فلا بَأْسَ، قال : وإذا أَوْصَى
الرجلُ أنْ يُحَجَّ عنه، فلْيَحُجّ عنه مَن قد حَجَّ، ولا يَنْبَغِى لرجلٍ أَنْ يَحُجَّ عن غيرِه إذا
القبس
٤٩٤

الموطأ
التمهيد
لم يَحُجُ(١) ، وإنْ لم يَجِدْ ما يَحُجُ به. قال: وإذا كان الرجلُ علیه دَیْنٌ، ولم يَحُّ،
فلْيَتِدَأْ بدَيْنِهِ، فإنْ كان عندَه فَضْلٌ يَحُ به حَجّ، وإنْ كان عندَه قَدْرُ ما إِنْ حَجَّ به
أُضوّ بعیاله، فلیتفِقْ علی عِیَالِه، ولا بأسَ أنْ يَحُجَّ الرّجلُ بدَیْنِ إِذا كان له عُرُوضٌ
إِنْ ماتَ تَرَكَ وَفَاءٌ، وإنْ لم يَكُنْ للرَّجُلِ شىءٍ ولم يَحُجَّ، فلا يُعْجِبُنِى أَنْ يَسْتَقْرِضَ
ويَشْأَلَ الناسَ، فَيَحُجّ به، فإِنْ فَعَلَ أو آجَرَ نَفْسَه، أجْزَأَه مِن حَّةِ الإسلامِ، قال :
وإذا كان عندَه ما يَحُبُّ به، ولم يَكُنْ حَجَّ حَجَّةَ الإِسلامِ، فَأَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ ، وخَشِىَ
على نَفْسِه، فلا بَأْسَ أَنْ يَتَزَوَّجَ، ويَحُجَّ بعدَ أنْ يُوسِرَ. هذا كلُّه قولُ الثَّوْرِىِّ
رَحِمَه اللهُ، وقال ابنُ القاسم، عن مالِكِ: يَتْبَغِى للأَعْزَبِ إِذا أَفَادَ مالًا أنْ يَحُجَّ قبلَ
أنْ يَنْكِحَ. قال: وحَجُه أوْلَى مِن قَضائِه دَيْنَا عن أبِيهِ. قال: وقال مالكٌ:
ولْتَخْرُجِ المرَةُ مع وَلِيُّها، فإِنْ أتى ولم يكُنْ لها وَلِىٌّ، ووَجَدَتْ مَن يَخْرُجُ معها من
الرِّجَالِ أو نساءً مَأْمُونين، فَلْتَخْرُجْ. وهو قولُ الشافعىِّ، وسنَذْكُرُ ما للعلماءِ مِن
المذاهبِ فى المرأةِ التى لا مَحْرَمَ لها يخْرُجُ معها عندَ ذِكْرٍ حدیثِ سعيد
المَقْرِىِّ(٢) إِنْ شاءَ اللهُ.
وقال ابنُ أَبِى لَيْلَى، والأوزاعىُّ، والشافعىُّ: يُحَجُّ عن المَيِّتِ، وإنْ لم يُوصِ،
ويُجْزِثُه . قال الشافعىُّ : ويكونُ ذلك مِن رأسِ المالِ. وقال مالكٌ: يجُوزُ أنْ
القبس
(١) بعده فى ر: ((عن نفسه)).
(٢) سيأتى فى شرح الحديث (١٩٠٢) من الموطأ .
٤٩٥

الموطأ
٠
التمهيد يَحُجَّ عن المَيِّتِ مَن لم يَحُجَّ قَطُّ، ولكنَّ الاختيارَ أَنْ يَحُجَّ عن نَفْسِه أوَّلًا . وهو
قولُ أبى حنيفةً، والثَّوْرِىِّ، والأوزاعيِّ. وقال الحَسَنُ بنُ صالِحٍ: لا يَحُجُّ عن
المَيِّتِ إِلَّ مَن قد حَجَّ عن نَفْسِه، ويُكْرَهُ أنْ تَحُجَّ المَرْأَةُ عن الرجلِ، ولا يُكْرَهُ أن
يَحُجَّ الرجلُ عن المرأةِ ؛ لأَنَّ المرأَةَ تَلْبَشُ، والرجلَ لا يَلْبَشُ. وقال الشافعىُّ: لا
يَحُجُّ عن المَيِّتِ إِلَّ مَن قد حَجَّ عن نَفْسِه، فإنْ حَجَّ عن المَيَّتِ صَرُورَةٌ ، كانت
نيُّه للنَّفْلِ لَغْوًا. وقال الشافعىُّ: جائزٌ أنْ يُؤَاجِرَ نَفْسَه فى الحَجُّ، ولستُ أكْرَهُه.
وقال مالكٌ: أكْرَهُ أَنْ يُؤَاجِرَ نَفْسَه فى الحَجِّ، فإِنْ فَعَلَ جازَ. وهو قولُ الشافعىِّ فی
روايةٍ، وعندَ أبى حنيفةً لا يجُوزُ، ومِن حُجَّتِهِ أنَّ الحَجَّ قُرْبَةٌ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ، فلا
يَصِحُ أنْ يعْمَلَه غيرُ المُتَقَرَّبِ به. وقال بعضُ أصحابِهِ: أَلَا تَرَى أَنَّه لا يجوزُ
بإجماع أنْ يُسْتَأْجَرَ الذِّمِىُّ أنْ يَحُجَّ عن مسلم؛ وذلك لأنَّه قربةٌ للمسلمِ .
ومِن ◌ُحَجَّةٍ مالك والشافعيّ على جَوازٍ ذلك إجماعُهم على كتابٍ
المُصْحَفِ، وبِنَاءِ المَساجِدِ، وحَفْرِ القُبورِ، وصِحَّةِ الاستئجارِ فى ذلك، وهو قُرْبَةٌ
إلى اللهِ عزَّ وجلَّ، فكذلك عَمَلُ الحَجُّ عن الغَيْرِ والصَّدَقاتُ قُرْبَةٌ إلى اللهِ عزَّ
وجلَّ، وقد أباحَ اللهُ للعامِلِ عليها أنْ يأْخُذَ منها على قَدْرٍ عَمَلِه، ولا مَعْنَى لاعْتِبارِ
الإجماع على أنَّ الذِّمِّيَّ لا يجوزُ استئجارُه فى ذلك؛ لأنَّهم قد أجْمَعُوا على أنَّ
الذِّمِّيَّ لا يَحُجُّ عن المسلمِ تَطَوَّعًا، وأنَّ ذلك جائزٌ فى المُسْلِمِ .
وفى حديثِ الخَتْعَمِيَّةِ هذا رَدّ على الحَسَنِ بنِ صالحِ بنِ حَىٍّ فى قَوْلِه : إنَّ
المرأَّةً لا يجُوزُ أَنْ تَحُجَّ عن الرجلِ . وحُجَّةٌ لمَنْ أجازَ ذلك .
القبس
٤٩٦
١

الموطأ
وأمَّا مُحَّةُ مَن أَتَى جَوازَ حَجّ الرجلِ عن الرجلِ وهو صَرُورَةٌ لم يَحُجّ عن التمهيد
نَفْسِه، فحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ .
حدَّثناه عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ المُؤْمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ،
قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إسماعيلَ الطَّالْقَانِىُ، قال: حدَّثنا
عَبْدَةُ بنُ سليمانَ، عن ابنِ أبى عَرُوبَةَ، عن قتادةَ، عن عَزْرةً (١ ، عن سعيدِ بنِ جبیٍ،
عن ابنِ عَبَّاسٍ، أنَّ النبيَّ وَّهِ سَمِعَ رَجُلًا يقولُ: لَبَيْكَ عن شُبْرُمَةً. فقال: ((مَنْ
شُبْرُمَةُ؟)) قال: أَخْ لى. أو: قَرِيبٌ لى. فقال: ((حَجَجْتَ عن نَفْسِكَ؟)). قال:
لا. قال: ((فُجَّ عن نَفْسِكَ، ثمّ حُجَّ عن شُبْرُمَةً)) (٣).
ومَنْ أَتَى القَوْلَ بهذا الحديثِ، عَلَّلَه بأنَّه قد رُوِىَ هذا الحديثُ موقُوفًا على
ابنِ عباسٍ ، وبعضُهم يجْعَلُه عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، لا يَذْكُرُ عزرةً(٥)،
وليست هذه عِلَلا يجِبُ بها التوقفُ عن القولِ بالحديثِ؛ لأنَّ زيادةَ الحافظِ
مقبولةٌ، محُكْمُها محُكْمُ الحديثِ نَفْسِه، لو لم يَجِئْ به غيرُه . وباللهِ التوفيقُ .
القبس
(١) الصُّرُورَة: هو الذى لم يحُجّ قطُّ. ينظر تاج العروس (ص ر ر).
(٢) فى ر، ى: ((عروة)). والمثبت موافق لمصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٥١/٢٠، وتحفة
الأشراف (٥٥٦٤).
٠
(٣) أخرجه البيهقى فى المعرفة (٢٦٧٤) من طريق محمد بن بكر به. وهو عند أبى داود (١٨١١).
وأخرجه أبو داود (١٨١١)، وابن ماجه (٢٩٠٣)، وابن الجارود (٤٩٩)، وابن خزيمة (٣٠٣٩)
من طريق عبدة به .
(٤) أخرجه الشافعى ١٢٣/٢، والبيهقى ٣٣٧/٤.
(٥) فى الأصل، ر، ى: ((عروة) .
والأثر أخرجه ابن وهب فى موطئه (١٥٩) .
٤٩٧
(موسوعة شروح الموطأ ٣٢/١٠)

الموطأ - ز .
التمهید
مالِكٌ، عن أَيوبَ بنِ أبِى تَمِيمَةَ السَّخْتِيَانِىِّ، عن محمدِ بنِ سِيرِينَ ، أن
رجلًا جعَل على نفسِه ألَّ يَتْلُغَ أحدٌ مِن ولدِه الحَلْبَ ، فَيَحْلِبَ ويشربَ وَيْقِيَه
إِلَّ حَجَّ، وحَجَّ به معه ، فبَلَغ رجلٌ مِن ولدِه الذى قال الشيخُ ، وقد كَبِرِ الشيخُ،
فجاء ابنُه إلى النبيِّ عليه السلامُ، فَأَخبره الخبرَ، وقال : إن أبی قد كَبِر ، ولا
يستطيعُ أن يَحُجَّ، أفأحُجُ عنه؟ فقال رسولُ اللهِ وَلِّ: ((نعم))(١).
هذا حديثٌ مقطوعٌ مِن رِواية مالكِ بهذا الإسنادٍ ، ولیس عندَ یحیی ، ولا
عندَ مَن ليس عندَه الحديثُ الذى قبلَ هذا، وهما جميعًا مِمَّا رمَاهُ(١) مالِكٌ بأخَرَةٍ
مِن كتابِهِ، وهما عندَ مُطَرِّفٍ والقَعْنَيِيِّ، وابنٍ وهبٍ، وابن القاسمِ فى
((المُوطّأُ)).
ومَعْنَى هذا الحديثِ والحدِيثِ الذى قبلَه سواءٌ، وما ذكَرنا مِن الأسانيدِ فى
الحديثِ الذى قبلَه يُغْنِى عن ذِكْرِها وتَكْرارِها ههُنا، إذِ المعنَى فيهما واحِدٌ ،
وهو حجّ المرءِ عن غيرِهِ، وهل يَلْزَمُ الحَجُّ مَن عجَز عنه ببدنِه(٢)، والقَولُ فى هذا
يأتِى فى بابٍ حديثِ ابنِ شِهابٍ، عن سليمانَ بنِ يَسَارٍ ، فى قصَّةِ الخثعَمِيَّةِ
وَأَبِيها (٤) إن شاءَ اللهُ .
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٤٨٣). وأخرجه محمد بن الحسن فى الحجة ٢٣٠/٢،
والشافعى ٢١١/٧، والبيهقى فى المعرفة (٢٦٥٩) من طريق مالك به .
(٢) فى ق: ((رواه)).
(٣) فى م: ( بدنه)).
(٤) ينظر ما تقدم ص ٤٨٤ - ٤٩٧ .
٤٩٨

الموطأ
التمهید
أخبرنا سعيدُ بنُ نصرٍ ، قال : حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ ، قال : حدثنا محمدُ بنُ
وَضَّاحِ، قال: حدَّثنا أبو بكْرٍ بنُ أبى شيبةَ، ح وحدَّثنا محمدُ بنُ إِبراهِيمَ ، قال:
حدَّثنا محمدُ بنُّ معاوِيةَ ، قالَ: حدَّثنا أحمدُ بنُّ شعيْبٍ ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ
إبراهيمَ ، قالا : أخبرنا وكيع، قال: أخبرنا شعبةُ، عن النعمانِ بنِ سالمٍ، عن
عمرِو بنٍ أَوسٍ، عن أبى رَزِينِ العُقَيلىِّ، أَنَّه قال: يا رسولَ اللهِ، إن أَبِى شيخْ
كبيرٌ، لا يستطيعُ الحُّ، والعُمْرَةَ، والظَّعْنَ. فقال: ((حُجَّ عَن أَبِيكَ، واعتَمِرْ)).
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: أخبرنا محمدُ بنُ بكرٍ ، قال: حدَّثنا أبو
داودَ، قال: حدَّثنا حفصُ بنُ عمرَ ، ومسلم ، قالا : حدَّثنا شعبةُ ، عن النعمانِ بنِ
سالمٍ، عن عمرٍو بنٍ أَوسٍ ، عن أَبِى رَزِينٍ - قال حفصٌ فى حديثه: رجلٍ مِن بَنِى
عامرٍ - أنه قال: يا رسولَ اللهِ ، إن أبِى شيخٌ كبيرٌ، لا يستطيعُ الحجّ، ولا
العمرةَ، ولا الظعنَ. قال: ((احجُجْ عن أَبِيكَ واعتَمِرْ))(١).
وأخبرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاوِيةَ، قال: حدّثنا
أحمدُ بنُ شعیبٍ ، قال : أخبرنا إسحاقُ بنُ إبراهيم ، قال : أخبرنا جریرٌ، عن
منصورٍ ، عن مُجاهِدٍ، عن يوسفَ بنِ الزبيرِ، عن عبدِ اللهِ بنِ الزُّبیرِ ، قال: جاء
القبس
(١) ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٤٢٤ - وعنه ابن ماجه (٢٩٠٦) - وأخرجه
ابن حزم ٣٩/٧ من طريق محمد بن معاوية به . وهو عند والنسائى (٢٦٣٦)، وفى الكبرى
(٣٦١٧). وأخرجه أحمد ١٠٣/٢٦ - ١٠٥ (١٦١٨٤، ١٦١٨٥)، والترمذى (٩٣٠) ، وابن
ماجه (٢٩٠٦) من طريق وكيع به، وأخرجه أحمد ١١٠/٢٦، ١١٧، ١١٩ (١٦١٩٠،
١٦١٩٩، ١٦٢٠٣)، والنسائى (٢٦٢٠) من طريق شعبة به .
(٢) أخرجه البيهقى ٣٥٠/٤ من طريق محمد بن بكر به. وهو عند أبى داود (١٨١٠) . وأخرجه
الطبرانى ٢٠٣/١٩ (٤٥٧) من طريق حفص بن عمر ومسلم بن إبراهيم به .
٤٩٩

الموطأ - ز
التمهید
رجلٌ مِن خَتْعَمَ، إلى رسولِ اللهِ وَلَه، فقال: إِن أَبِى شيخٌ كبيرٌ، لا يستطيعُ
الركوبَ ، وأدْرَ كْه فرِيضةُ اللهِ فى الحجُ، فهل يُجْزِئُّ أن أحجُّ عنه؟ قال: ((أَنْتَّ
أَكبرُ ولدِه؟)) قال: نعم! قال: ((أرأيتَ لو كان عليهِ دَينٌ، أَكُنْتَ تَقْضيه؟))
قال: نعم. قال ((فحجٌ عنه))(١) . وهذا المعنَى وما فيه مِن تَنَازُعِ العلماءِ سيأتى فى
بابِ ابنِ شهابٍ(٢) إن شاءَ اللهُ.
مالك ، عن أيوب السّختیانی ، عن محمد بنِ سیرینَ ، عن رجل أخبره ، عن
عبيدِ اللَّهِ بن عباسٍ، أن رجلًا جاء إلى رسولِ اللهِ وَلِّ، فقال: إن أُمِّى عجوزٌ
كبيرةٌ ، لا تَسْتَطِيعُ أن نُرْكِبَها على البعيرِ ، ولا تَشْتمسِكُ، وإن رَبَطْتُها خِفْتُ
عليها أن تموت ، أفأحجُ عنها؟ قال: ((نعم))(١).
هكذا روَاه القعنيِىُّ، ومُطَرّفٌ، وابنُ وهب(٤) ، عن مالكِ. واختُلِف فيه .
على ابن القاسم ؛ فمرّةً قال فيه: عن عبدِ اللَّهِ بنِ عباسٍ. وهو الأثبتُ عنه، ومَّةً
قال : عن عبيدِ اللَّهِ بنِ عباسٍ. والصحيحُ فيه مِن روايةِ مالكِ عبيدُ اللَّهِ بنُ عباسٍ.
وقد اختُلِف فيه أيضًا عن ابن سيرينَ مِن غير رواية مالك ، ومِن غير رواية أيوبَ
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٤٩١، ٤٩٢ .
(٢) تقدم ص ٤٨٤ - ٤٩٧ .
(٣) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٤٨٢)، وفيه: ((عبد الله بن عباس)). وأخرجه محمد بن الحسن
فى الحجة ٢٢٩/٢ عن مالك به، وفيه: ابن عباس. غير مسمى .
(٤) ذكر ابن أبى حاتم فى المراسيل ص ١١٦ أن ابن وهب رواه عن مالك، عن أيوب، عن ابن
سیرین، عن عبيد الله بن عباس، وكذا أخرجه ابن وهب فى موطئه (١٥٨) - ومن طريقه البيهقى
٣٢٩/٤ - من طريق ابن وهب به ، لكن وقع عندهما: عبد الله بن عباس .
(٥) فى الأصل، م: ((على)).
٥٠٠