Indexed OCR Text
Pages 441-460
الموطأ
التمهيد
الزُّنْبُورِ(١) ؛ فشبَّهه بعضُهم بالحيّةِ والعقربِ. قال: ولولا أنَّ الزُّنْبُورَ لا يَتَدِئُُ
لكان أغلَظَ على الناسِ من الحيّةِ والعقربِ، ولكنَّه ليس فى طبعِه من العداءِ ما فى
الحيّةِ والعقربِ. قال: وإنَّما يَحمَى الزُّنُورُ إذا أُوذِى. قال: فإن عرّض الزُّنُورُ
لإنسانِ فدفَعه عن نفسِه لم يكنْ عليه فى قتلِه شىءٌ . قال: وقد جاء فى الفأرةِ أنَّها
تَحرِقُ على الناسِ ثُيُوتَهم(٢). قال: وقد رآها رسولُ اللهِ وَِّّهِ تَصْعَدُ بالفَتِيلَةِ إلى
الشَّقْفِ (١) ، فجاء فيها النَّصُر كما جاء فى الكلب العقورِ . قال : ولم يَعْنِ بالكلبِ
العقورِ هذه الكلابَ الإنْسِيَّةَ. قال: وإنَّما رخّصَ للمحرم فى قتلٍ هذه الدوابٌ
الوحشيّةِ. قال: وإنَّما عنَى بالكلبِ العقورِ، واللهُ أعلمُ، ما عَدا على الناسِ
وعقَرهم. قال: وقد رُوِىَ عن النبيِّ بَّهِ أَنَّه قال فى عُتبةَ بنِ أبى لهبٍ :
((سَيُسَلِّطُ اللهُ عليه - أو: اللَّهُمَّ سَلُّطْ عليه - كلبًا من كلاِك)). فعَدا عليه
(٤)
الأسدُ فقتله(٤) .
القبس
(١) الزنبور والزنبار : حشرة أليمة اللسع ، من الفصيلة الزنبورية ، واحدته زنبارة ، والجمع زنابير .
الوسيط ( زنبر ) .
(٢) سيأتى فى الموطأ (١٧٩٣).
(٣) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٧٩٣) من الموطأ .
(٤) أخرجه ابن قانع فى معجم الصحابة ٢٠٧/٣، وأبو نعيم فى الدلائل (٣٨٠) ، وابن عساكر
٣٠١/٣٨، ٣٠٢ من حديث هبار بن الأسود ، وأخرجه الدولابى فى الذرية الطاهرة (٧٧) ، وأبو
نعيم فى الدلائل (٣٨١) مرسلا، وأخرجه الحارث بن أبى أسامة (٥٧٢ - بغية)، والحاكم ٥٣٩/٢
من حديث أبى عقرب، وعندهما: ((لهب بن أبى لهب)) بدلًا من: ((عتبة بن أبى لهب)). وقد
ذكر العسكرى فى تصحيفات المحدثين ٧٠٨/٢ أن صاحب هذه القصة هو عتيبة بن أبى لهب ،
وذكر الحافظ فى الإصابة ٤٤٠/٤ أن عتبة بن أبى لهب أسلم وشهد حنينا مع النبى وَيهر .
٤٤١
الموطأ
التمهيد
قال(١) : وحدَّثنا نصرُ بنُ علىّ، قال: أخبرنا يزيدُ بنُ هارونَ ، قال : أخبرنا
الحَّائجُ، عن وَبَرَةَ قال: سمِعتُ ابنَ عمرَ يقولُ: أمَر رسولُ اللهِ وَلَه بقتلِ
الذِّئبِ، والغُرابِ، والفأرةِ. قلتُ: فالحيةُ والعقربُ؟ قال: قد كان يقالُ
(٢)
ذلك
قال إسماعيلُ : فإن كان هذا الحديثُ محفوظًا، فإنَّ ابنَ عمرَ جعَل الذِّئبَ
فى هذا الموضعِ كلبًا عقورًا. قال: وهذا غيرُ ممتنعِ فى اللغةِ والمعنَى. قال:
وأمَّا الحيةُ فلو لم يأتِ فيها نصٌّ لدخَلَتْ فى معنَى العقرب وفى معنَى الكلبِ
العقورِ ، فكيف وقد جاء فيها النصُ ؟
حذَّثنا ابنُ نُميرٍ، حدَّثنا حفصّ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن الأسودِ ،
عن عبدِ اللهِ قال: كنا مع رسولِ اللهِ وَله بمنّى ليلةَ عرفةً، فخرجت حيَّةٌ،
فقال: ((اقْتُلوا، اقتلوا)). فسَبَقَتْنَا (٣).
قال : وحدّثنا علىّ، قال: حدثنا جریُ بنُ عبدِ الحمیدِ ، عن یزیدَ بنِ ابی
زيادٍ ، عن عبد الرحمن بن أبى نُعْم ، عن أبى سعيد الخدرىِّ قال: قال رسولُ اللهِ
القبس
(١) سقط من : م .
(٢) أخرجه أحمد ٤٥٩/٨ (٤٨٥١)، والبيهقى ٢١٠/٥ من طريق يزيد بن هارون به ، وأخرجه
أحمد ٣٥٩/٨ (٤٧٣٧)، والدارقطنى ٢٣٢/٢ من طريق حجاج به.
(٣) أخرجه أحمد ٦٥/٦ (٣٥٨٦)، والبخارى (٤٩٣٤،١٨٣٠)، ومسلم (٢٢٣٥)، والنسائى
(٢٨٨٣) من طريق حفص به .
٠٤٤٢
الموطأ
التمهید
نِّهِ : ((يَقُلُ المحرمُ الأُفعَى، والأُسْودَ، والعقرَبَ، والحِدَأَةَ، والكلبَ
العقورَ، والفُوَيْسِقَةَ))(١).
قال أبو عمرَ: الأسودُ المذكورُ هلهنا الحيّةُ ، هو اسم من أسمائها . وفى
هذا الحدیثِ ذکژ قتل المحرم الأفعى والحيّةَ ، وليس ذلك ) فی حدیثِ ابنِ
عمرَ ، وإذا أضفْتَهما إلى الخمسِ الفَواسِقِ المذكورةِ فى حديثِ ابنِ عمرَ صِرْنَ
سبعًا، وفى ذلك دليلٌ على أنَّ الخمسَ لَسنَ مخصوصاتٍ، وأنَّ ما كان فی
معناها فله حکمُها(٢) ، وسیأتی بیانُ هذا الباب فى هذا كلِّه ومعناه، واختلافُ
العلماءِ فيه إن شاء اللهُ .
وذکر ابنُ عبدِ الحکم ، عن مالك كلَّ ما ذكرنا عنه من روایة أُشهب ، وابنٍ
القاسمِ، وزادَ : ولا يقتُلُ المحرمُ الوزعَ، ولا قردًا ، ولا خنزيرًا ، ولا يقتُلُ الحيّةَ
الصغیرةَ ، ولا صغارَ الدَّوابٌ ، ولا فراخَ الغِربانِ فی ؤُ كُورِها ، فإن قتل ثعلبًا ، أو
صقرًا، أو بازِيًّا، فداه.
وروَى ابنُّ وهبٍ وأشهبُ، عن مالكٍ قال: أمَّا ما ضَرَّمن الطيرِ فلا يَقْتُلُ منه
المحرّمُ إِلَّ الذى سَمَّى النبىُِّ نَّهِ: ((الغُرابُ، والحِدَأَةُ)). قال: ولا أرَى أن
يقتُلَ المحرمُ غُرابًا ولا حِدْأةً إِلَّا أن يَضُرَّاه . قال: ولا بأسَ بقتلِ الفأرةِ، والحيَّةِ،
القبس
(١) أخرجه أحمد ٢٧٨/١٨ (١١٧٥٥)، وأبو يعلى (١١٧٠) من طريق جرير به ، وليس عند
أحمد ذكر الأسود .
(٢) سقط من : م .
(٣) بعده فى ن، م: ((فتدبر)).
٤٤٣
الموطأ
التمهید
والعقرَبِ، وإن لم يضُرَّه. قال: ولا أرَى أن يقتُلَ المحرمُ الوزَعَ؛ لأُنَّ لیس من
الخمسِ التى أمر النبيُِّ نَ ◌ّهِ بِقَتْلِهِنَّ. قيل لمالكِ: فإن قتَل المحرمُ الوزَعَ ؟
فقال: لا ينبغِى له أن يقتْلَه، وأَرَى أن يتصَدَّقَ إِن قتله، وهو مثلُ شَخْمَةِ
الأرضِ (١)، وقد قال رسولُ اللهِ وَلّهِ: ((خمسٌ من الدوابِ)). فليس لأحدٍ أن
يجعَلَها سِتَّا ولا سبعًا.
قال أبو عمرَ : لا خلافَ عن مالكِ وجمهورِ العلماءِ فى قتلِ الحِيَّةِ فى الحلِّ
والحرمٍ، وكذلك الأُفعَى، وذلك مستعمَلٌ بالنصِّ وبمعنَى النَّصِ عندَ جميعهم
فى هذا البابِ ، فاقْهَمْه .
قال ابنُ القاسمِ، عن مالكٍ: إن طرَح المحرمُ الحَلَمَةَ(١)، أو القُرادَ(٣)، أو
الحَمْنانَ(٤) ، أو البُرغُوثَ عن نفسِه، لم يكنْ عليه شىءٌ. قال: وقال مالكٌ: فى
القملةِ حَفنةٌ من طعام . ( قال: وفى قملاتٍ أيضًا حَفنةٌ من طعامٍ . قال: ولم
أسمَعْه يحدُّ أقلّ من حَفنةِ طعامٍ فى شىءٍ من الأشياءِ. قال : وقال مالك: قولُ ابن
عمرَ أَنَّه كان يكرّهُ أَن يَنزِعَ المحرمُ حَلَمَةٌ أَو قُرادًا من بعيرِهُ(١ ، أعجبُ إلىّ من
القبس
(١) شحمة الأرض : دودة بيضاء، ينظر اللسان (ش ح م ).
(٢) الحَلَمة: هى القُراد الضخم أو الصغير . الوسيط (ح ل م)، وانظر الحاشية التالية .
(٣) القُراد : دُونِيَّة متطفلة من المفصليات ذات أربعة أزواج من الأرجل، تعيش على الدواب والطيور
وتمتص دمها . ينظر الوسيط (ق ر د) .
(٤) الحَقْن والحَمنان: صِغار القُراد. الوسيط ( ح م ن).
(٥ - ٥) ليس فى : الأصل، م .
(٦) سيأتى فى الموطأ (٨١٠).
٤٤٤
الموطأ
التمهيد
قولٍ عمرَ أَنَّه كان يُقَرَّدُ بعيرَهُ(١).
وقال ابنُ أبي أُويسٍٍ: قال مالكٌ: إنَّما يطْرعُ المحرمُ عن نفسِهِ القُرادَ،
والنملةَ ، والذَّرَّةَ(١)، وما ليس من دوابٌ جسدِه، إذا كان ذلك يُؤْذِيه. قال: وأمّا
دوابُّ جسدِه فلا يُلْقِى منها شيئاً عن نفسِه، إلّا أن يُؤْذِيَه شىءٌ من ذلك، فيَطْرَحُه
من موضعٍ من جسدِه إلى موضعٍ غيرِهِ ، وينقُلُ القملةَ من موضعٍ من جسدِه إلى
موضعٍ منه إن شاء. وسُئل مالكٌ عن الرجلِ يُؤْذِيه القملُ فى إزارِهِ وهو مُخْرِمٌ ،
أيضَعُه ويلبَسُ غيرَه ؟ قال : نعم.
وقال ابنُّ وهبٍ : سُئل مالكٌ عن البعوضِ والبراغيثِ يقتلُها المحرمُ ، أعليه
كفارةٌ؟ فقال: إِنِّى أُحِبُّ ذلك. قال: وقال مالكٌ: لا يصلُحُ للمحرمِ أن يقتُلَ
قملةً ، ولا يطرَحَها من رأسِه إلى الأرضِ ، ولا من جلدِه ، ولا من بدنه ، فإن قتلها
أو ألقاها ، أطعَم قبضةً من طعامٍ . قال: وقال لى مالكٌ: يُلْقِى المحرمُ القُرادَ عن
نفسِه. قال: وقال لى فى محرِم لدَغَتَهِ دَبْرةٌ(١) فقتلها وهو لا يشعُرُ، قال: أرى أن
يُطْعِمَ شيئًا . فقلتُ لمالكِ: أفرأيتَ النملةَ؟ قال: كذلك أيضًا. فهذه جملةُ قولٍ
مالكِ فى هذا البابِ ، فَتَدبَّرْها . وجملةُ مذهبِهِ عندَ أصحابِه فى هذا البابِ أَنَّ
المحرمَ لا يُقَرّدُ بعيرَه، ولا يطرَحُ عنه شيئًا من دوابِّه، فإِن طرَح عن البعيرِ قُرادًا
القبس :
(١) سيأتى فى الموطأ (٨٠٧) .
(٢) الذرة واحدة الذر: النمل الأحمر الصغير. التاج ( ذرر) .
(٣) الدَّبْرة: النحلة ، وقيل: الزنبور. ينظر النهاية ٩٩/٢.
٤٤٥
الموطأ
التمهيد أَطعَم، ولا بأسَ عليه أن يَرْمِىَ عن نفسِه القُرادَ ؛ لأنَّها ليسَتْ من دوابٌ بنى آدمَ ،
ولا يَطرَحُ عن نفسِه قملةً ؛ لأنَّها منه، وجائزٌ أن يطرَحَ عن نفسِه جميعَ دَوابٍّ
الأرضِ، مثلَ الحلمةِ ، والحَمْنَانِ ، والثَّملةِ، والذَّرَّةِ، والبرغوثِ ، ولا يَقْتُلُ شيئًا
من ذلك ، فإن قتَل منه شيئًا أطعَم ، وجائزٌ أن يطرَعَ المحرمُ عن دائَّتِهِ العَلَقةَ(١)؛
لأَنَّها ليست من دوابُّها المُتَخَلِّقةِ منها(٢) . فهذا أصلُ مذهبِه .
وقال أبو حنيفةً: لا يقتُلُ المحرمُ من السّباع إِلَّ الكلبَ والذِّئْبَ خاصَّةً،
ويقتُّلُهما ابتدَأاه أو ابتدَأهما، لا شىءَ عليه فى قتلهما، وإن قتَل غيرَهما من
السّباع فَداه . قال: وإن ابتدَأه غيرُهما من السّباع فقتله فلا شىءَ عليه، وإن لم
يَتَدِّثْه فداه إن قتله. قال: ولا شىءَ عليه فى قتلِ الحيَّةِ، والعقربِ، والحِدَأَةِ .
هذه جملةُ قولٍ أبى حنيفةَ وأصحابِهِ إلَّا زُفَرَ، وقال زفر: لا يقتُلُ إِلَّ الذِّئْبَ
وحدَه، ومَن قتَل غيرَه وهو محرمٌ، فعليه الفديةُ ، ابتدأه أو لم يَتَدِثْه .
وقولُ الأوزاعى، والثورىِّ، والحسنِ بنِ حىٍّ ، نحۇُ قولِ أبى حنيفةً . قال
الثورىُّ: المحرمُ يقتُّلُ الكلبَ العَقورَ. قال: وما عَدا عليك من السّباعِ فاقتُلْه،
وليس عليك كفارةٌ. قال: ويقتُلُ المحرِمُ الحِدَأَةَ والعقربَ .
وقال أبو حنيفةً وأصحابُه فى كلِّ ذى مِخلبٍ من الطيرِ: إن قتَله المحرمُ من
.
القبس
(١) العلقة ، واحدة العَلَق: دوبية حمراء تكون فى الماء تعلَقُ بالبدن وتمص الدم وهى من أدوية الحلق
والأورام الدموية ، لامتصاصها الدم الغالب على الإنسان. النهاية ٢٩٠/٣ .
(٢) فى الأصل، ق، م: ((فيها )).
٤٤٦
الموطأ
غيرِ أن يَتَتَدِثَه فعليهِ جزاؤُه، وإن ابتدأه الطيرُ فلا شىءَ عليه. قالوا: وإن قتَل
المحرمُ الذُّبابَ، والنملةَ(١)، والبَقَّةَ، والحَلَمَةَ، والقُرادَ، فليس عليه شىءٌ .
قالوا : ويُكْرَهُ قتلُ القَملةِ ، فإن قتلها فكُلُّ شىءٍ تَصَدَّق به فهو خيرٌ منها .
التمهيد
قال أبو عمر: قد احتجّ مالكٌ رحمه اللهُ لنفسِه فى هذا البابِ فی بعضٍ
مسائلِه، واحتجَّ له إسماعيلُ أيضًا بما ذكرنا، وجملةُ الحَّةِ لمذهبِهِ ومذهبٍ
العراقيّينَ أيضًا فى ذلك عمومُ قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِ مَا
دُمْتُمْ حُمً﴾ [المائدة: ٩٦]. فكلُّ وَحْشِئٍّ من الطيرِ أو الدَّوابِّ عندَهم صَيْدٌ ،
وقد خصَّ رسولُ اللهِ وَ لِّ دَوابَّ بأعيانِها، وأرخَص للمحرم فى قتلها من أجلٍ
ضَرَرِها ، فلا وجهَ أن يُزادَ عليها، إلّا أن يُجْمِعوا على شىءٍ فِيَدْخُلَ فى معناها .
واستدَلُّوا على أنَّه لم يُرِدْ بقولِه: ((والكلبُ العقورُ)). جُملةَ السِّباع؛ لأَنَّه أباح
أكلَ الضَّبُعِ، وجعَلها من الصَّيدِ، وجعَل فيها على المحرم إن قتلها، كبشًا(١)،
وهی سبُعٌّ، وأمّا القملةُ وما كان مِثلھا ممَّا يخرجُ من الجسد ، فليس من بابٍ
الصيدِ ، وإنَّما ذلك من بابِ التَّفَثِ وحِلاقِ الشَّعَرِ .
وأمَّا الشافعىُ رحِمه اللهُ فقال: كلُّ ما لا يُؤْكلُ لحمُه فللمُحرِمِ أن يَقتُلَه .
قال: وللمُحرم أن يقتُلَ الحيّةَ، والعقربَ، والفأرةَ، والحِدَأَةَ، والغُرابِ،
والكلبَ العقورَ، وما أشبهَ الكلبَ العقورَ، مثلَ السَّبُع، والنَّمِرِ، والفهدِ، »
القبس
٠٫٠
(١) فى الأصل، ق، م: ((القملة)).
(٢) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٠٨٦) من الموطأ .
٤٤٧
الموطأ
التمهيد
والذِّئبِ. قال: وصغارُ ذلك كلُّه وكبارُه سواءٌ. قال: وليس فى الرخَمَّةِ ،
والخنافسِ، والقِرْدانِ، والحَلَم، وما لا(٢) يُؤْكَلُ لحمُه، جَزاءٌ؛ لأُنَّ هذا ليس
من الصيدِ، قال اللهُ عزَّ وجلّ: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ أَلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ . فدلَّ
على (٢) أنَّ الصيدَ الذى حُرِّمَ عليهم ما كان لهم قبلَ الإحرامِ حلالاً؛ لأَنَّه لا يُشْبِهُ
أن يُحَرَّمَ فى الإحرامِ خاصَّةٌ إِلَّ ما كان مُباحًا قبلَه(٤). قال: وما أمَر رسولُ اللهِ
ۋال﴾ بقتله فلا يجوزُ أُ كلُّه؛ لأنَّ ما عمِلَتْ فيه الذ كاةُ بالاصطِیادِ أو الذبحِ لم يُؤْمَرْ
بقتلِه. حكَى هذه الجملةَ عنه المزنى والربيعُ. وحكى الحسنُ بنُ محمدٍ
الزَّعفرانىُّ عنه، قال: وما لا يُؤْ كلُ لحمُه على وجهين؛ أحدُهما ، عدوٌّ، فليقتُلْه
المحرمُ وغيرُ المحرم، وهو مأجورٌ عليه إن شاء اللهُ، وذلك مثلُ الأسدِ ، والنمِرٍ ،
والحيَّةِ، والعقربِ، وكلّ ما يعدُو على الناسِ وعلى دوابُّهم وطائرِهم مُكَابَرَةً،
فيقتُلُ ذلك المحرمُ وغيرُه وإنْ لم يَتَعَرَّضْه، وهو مأجورٌ على قتله ، ومنها ما يَضُرُ
من الطائرِ، مثلَ العُقابِ ، والصَّقْرِ ، والبازِىِّ، فهو يَعدُو على طائرِ الناسِ فيضُرُ،
القبس
(١) الرحمة والرخم : طائر غزير الريش ، أبيض اللون ، مبقع بسواد ، له منقار طويل قليل التقوس ،
رمادي اللون إلى الحمرة ، وأكثر من نصفه مغطى بجلد رقيق ، وفتحة الأنف مستطيلة عارية من
الريش ، وله جناح طويل مذبب يبلغ طوله نحو نصف متر ، والذنب طويل به أربع عشرة ريشة ،
والقدم ضعيفة ، والمخالب متوسطة الطول سوداء اللون . الوسيط ( رخ م ) .
(٢) سقط من : م .
(٣) ليس فى : الأصل ، ق، م .
(٤) فى م : ((قتله)).
٤٤٨
الموطأ
التمهيد
فله أن يقتُلَه أيضًا ، وله أن يَتْرُكَه ؛ لأُنَّ فيه منفعةً ، وقد يُؤْلَفُ ويُتآنَّسُ فيصطادُ ،
ويسعُ المحرمَ وغيرَه تركُه ؛ لأَنَّه لا يُؤْكلُ ، ولم يُؤْغَبْ فى قتلِه لمنفَعَتِه ، ومنها ما
لا يُؤْذی ولا منفعةَ فيه بأكلٍ لحمِه ولا غيرِ ذلك، فَيُقْتَلُ أيضًا، مثلَ الزُّنْبورِ وما
أُشبّهَه ، ألا ترى أنَّه إذا قتَل الفأرةَ والغُرابَ والحِدَأَةَ لمعنَى الضَّرَرِ، كان ما هو
أعظمُ ضَرَرًا منها أولَى أن يُقْتَلَ ؟ قال: فإن قال قائلٌ: فلِمَ تُقْدَى القملةُ وهى
تُؤْذِى، وهى لا تُؤْكَلُ؟ قيل: ليس تُقْدَى إلَّا على ما يُفْدَى الشَّعَرُ والظُّفُرُ ولُبْسُ
ما ليس له لُبْشِه؛ لأنَّ فى طرح القملةِ إماطَةً أَذِّى عن نفسِه إذا كانَت فى رأسِه
ولحيته ، وكأنَّه أماطَ بعضَ شَعَرِهِ، فأمّا إذا كانت ظاهرةً فقُتِلَتْ فإنَّها لا تُودَى .
وقال الربيعُ عنه: لا شىءَ على المحرمٍ فى قتلِه من الطَّيرِ كلَّ ما لا يَحِلُّ أكلُه .
قال: وله أن يَقْتُلَ من دوابِ الأرضِ وهَوامِّها كلَّ ما لا يَحِلُّ أكلُه . قال: والقملةُ
ليسَتْ صيدًا ولا مأكولَةٌ، فلا تُفْدَى بشىءٍ إِلَّ أن يطرَحَها المحرمُ عن نفسِه،
فتكونَ كإماطة الأذى من الشَّعَرِ والظُّفُرِ . وقولُ أبى ثورٍ فى هذا البابِ كلِّه مثلُ
قول الشافعىٍّ سواءً .
فهذه أقاويلُ أئمة الفتوَى فى أمصارِ المسلمين ، وقد جاء عن التابعين فى هذا
البابِ أقاويلُ شادَّةٌ تُخالِفُها الشُنَّةُ، أو تُخالِفُ بعضَها دليلًا أو نصًّا؛ فمِن ذلك أن
إبراهيمَ النَّخَعِىَّ كَرِه للمحرِمِ قتلَ الفأرةِ (١)، وقد ثبت عن النبيِّ وَ لَّ أَنَّه أباح
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٣٩٩، وابن حزم ٣٦٨/٧.
٤٤٩
( موسوعة شروح الموطأ ٢٩/١٠)
الموطأ
التمهيد للمحرم قتلها، وعليه جماعةُ الفقهاءِ، وقال عطاءٌ فى الجُرَذِ الوحشِيِّ : ليس
بصيدٍ فاقتُلْه. (" وهذا قولٌ صحيحٌ، إلَّا أنه تناقَضَ فقال فى الكلبِ الذى ليس
بِعَقُورٍ : إن قتَلَه ضمِنه بقيمته(٢) . ومعلوم أن الجُرَذَ الوحشىَّ ليس بصيد١ٍ) . وقال
الحكمُ بنُ عتيبةَ ، وحمادُ بنُ أبى سليمانَ: لا يَقْتُلُ المحرمُ الحيَّةَ ولا العقربَ .
رواه شعبةُ عنهما(٢) . ومن حُجَّتِهما أنَّ هذينٍ من هَوامِ الأرضِ، فمَن قال بقتلِهما
لزِمه مثلُ ذلك فى سائرٍ هَوامٌ الأرضِ. وهذا أيضًا لا وجه له ولا معنَى؛
لأَنَّ رسولَ اللهِ وبَّ قد أباح للمحرمِ قتلَهما .
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ ، قال: حدَّثنا أبو
داودَ ، قال: حدَّثنا علىُّ بنُ بحرٍ ، قال: حدَّثنا حاتمُ بنُ إسماعيلَ، قال : حدَّثنا
محمدُ بنُّ عَجلانَ ، عن القَعقاعِ بنِ حَكيمٍ ، عن أبى صالحٍ، عن أبى هريرةَ ، أنَّ
رسولَ اللهِ وَ لَهَ قال: ((خمسٌ قَتْلُهُنَّ حَلالٌ فى الحرم؛ الحيّةُ، والعقربُ،
والحِدَأَةُ ، والفأرةُ، والكَلِبُ العَقورُ))(٤).
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال : حدّثنا
أبو قلابةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الصمدِ بنُ عبدِ الوارثِ، قال: حدَّثنا حفصُ بنُ
القبس
(١ - ١) ليس فى: الأصل، ق ، ن .
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٤٧/٦ .
(٣) عزاه ابن حجر فى فتح البارى ٣٩/٤ إلى ابن أبى شيبة .
(٤) أخرجه البيهقى ٢١٠/٥ من طريق محمد بن بكر به. وهو عند أبى داود (١٨٤٧). وأخرجه
ابن خزيمة (٢٦٦٧) من طريق على بن بحر به .
٤٥٠
الموطأ
غِياثٍ ، عن الأعمشِ، عن أبى وائلٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، أنَّ رسولَ اللهِ
وَُّ قتَل حيَّةٌ بِمِنَى(١) .
التمهید
وروی مجاهدٌ، عن أبى عبيدةً بنِ عبد الله بن مسعودٍ، عن أبيه نحوَه
(٢)
مرفوعًا (٢) .
وأخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عمرَ بنِ علىٍّ بنِ
حربٍ، قال: حدَّثنا علىُ بنُ حربٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيينةَ، قال :
سمِعتُ الزهرِىَّ يقولُ: حدَّثنى سالمٌ، عن أبيه، أنَّ عمرَ سُئِلَ عن الحيّةِ يَقْتُلُها
المحرمُ، فقال: هى عدُوٌّ فاقتلُوها حيثُ وجَدْتُموها(٣).
وروَی شعبةُ، عن مُخارِقٍ بن (+عبد الله) ، عن طارقٍ بن شهابٍ ، قال :
اعْتَمَرْتُ فمرَرْتُ بالرِّمالِ ، فرأيتُ حَيَّاتٍ ، فجعَلْتُ أَقْتُلُهُنَّ، فسألتُ عمرَ فقال:
هُنَّ عَدُوٌّ فاقتلُوهُنَّ(٥) .
القبس
(١) أخرجه أحمد ٩٨/٧ (٣٩٩٠)، والشاشى (٦٠٨)، والطبرانى (١٠١٥١) من طريق
عبد الصمد به، وعند أحمد والطبرانى: ((أمر بقتل حية بمنى)).
(٢) أخرجه أحمد ١٦٠/٦ (٣٦٤٩)، والنسائى (٢٨٨٤) من طريق مجاهد به .
(٣) أخرجه البيهقى ٢١١/٥، ٢١٢ من طريق ابن عيينة به .
(٤ - ٤) فى مصدر التخريج: ((عبد الرحمن)). وهما قولان فى اسمه . ينظر تهذيب الكمال
٣١٤/٢٧ .
(٥) أخرجه ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٣٩٩ من طريق مخارق به . ووقع فى
إسناده تصحيف .
٤٥١
الموطأ
قال سفيانُ: وقال لنا زيدُ بنُّ أسلمَ: وَيْحَكَ، أُّ كلبٍ أعقَرُ من الحيّةِ()!
التمهيد
قال عبدُ الرحمنِ بنُ حرملةَ : رأيتُ سالمَ بنَ عبدِ اللهِ وهو محرِمٌ ضرَب حيَّةٌ
بسوطه حتى قتلها(٢) .
وقال السّرِىُّ بنُّ يحيى: سألتُ الحسنَ: أيقتُلُ المحرِمُ الحيَّةَ؟ قال : نعم .
وقال طائفةٌ : لا يُقتلُ من الغِربانِ إلَّ الغُرابُ الأَبقعُ خاصةً . واحتجُوا بما
حدَّثنا محمدُ بنُّ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ ، قال: حدّثنا أحمدُ بنُّ
شعيبٍ ، قال : أخبرنا عمرُو بنُ علىٍّ، قال: حدَّثنا يحيى، قال: حدَّثنا شعبةُ ،
قال: حدَّثنا قتادةُ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، عن عائشةَ، عن النبيِّ وَلِّ قال:
((خَمْسٌ يَقْتُلُهُنَّ المحرمُ؛ الحيّةُ، والفأرةُ، والحِدَاةُ ، والغُرابُ الأبقُ، والكلبُ
(٣)
العَقُورُ))(٣).
قال أبو عمرَ : الأبقعُ من الغِربانِ الذى فى ظَهرِه أو (٤) بطنِه بياضٌ، وكذلك
الكلبُ الأَبقعُ أيضًا، والغُرابُ الأَدرُ والدرعىُّ هو الأسودُ، والغرابُ الأعصمُ
هو الأبيضُ الرّجلينِ، وكذلك الوَعِلُ الأعصمُ ، عُصمتُه بياض فى رجله .
القبس
(١) أخرجه البيهقى ٢١١/٥ من طريق سفيان به.
(٢) ينظر علل ابن أبى حاتم (٨٥٧).
(٣) النسائی (٢٨٢٩)، وفی الکبری (٣٨١٢). وأخرجه أحمد ٤٥٣/٤٢ (٢٥٦٧٨) عن يحيى
به ، وأخرجه أحمد ٢٠١/٤١ (٢٤٦٦١)، ومسلم (٦٧/١١٩٨)، وابن ماجه (٣٠٨٧) من طريق
شعبة به .
(٤) فى ق، ن: (( و)) .
٤٥٢
الموطأ
وقال مجاهدٌ: تَزْمِى الغُرابَ ولا تقتُلُهُ(١) . وقال به قومٌ، واحتجُوا بما التمهيد
أخبَرناه عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ ، قال: حدّثنا أبو داودَ ،
قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبلٍ، وأخبرنا أحمدُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا
أحمدُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جريرٍ، قال: حدَّثنی يعقوبُ بنُ
إبراهيمَ ، قالا جميعًا: حدَّثنا هُشيمٌ ، قال : أخبرنا يزيدُ بنُ أبی زیادٍ ، قال: حدَّثنا
عبدُ الرحمنِ بنُّ أبى نُعم، عن أبى سعيد الخدرىِّ، أنَّ رسولَ اللهِ وَلَهِ سُئِلَ عمَّا
يقتُلُ المحرِيمُ، فقال: ((الحيّةُ، والعقربُ، والفُويسِقَةُ، ويَرْمِى الغرابَ ولا
يَقْتُلُه، والكلبُ العقورُ، والحِدَأَةُ، والسَّبُعُ العادِى))(١) .
قال ابنُ جريرٍ: وحدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا هارونُ(٤) بنُ
المغيرةٍ ، عن علىٍّ بنِ عبدِ الأُعلَى، عن أبيه ، عن عامرِ بنِ هُنَىٍّ ، عن محمدِ ابنِ
الحَنَفِيَّةِ، عن علىٍّ، أَنَّه قال: يقتُلُ المحرِمُ الحَّةَ ، والعقربَ، والغُرابَ الأبقعَ،
ويَرْمى الغرابَ تخويفًا(٥) ، والفُويسِقَةَ، والكلب العقُورَ.
قال أبو عمرَ: قد ثبت عن النبيِّ بَّه من حديث ابنِ عمرَ وغيرِهِ أَنَّه أباح
للمُحرِمِ قتلَ الغرابِ، ولم يَخْصَّ أَبقَعَ من غيرِهِ، فلا وجهَ لِما خالَفه؛ لأَنَّه لا
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٩٥/٤ .
(٢ - ٢) سقط من : م .
(٣) أبو داود (١٨٤٨)، وأحمد ١٥/١٧، ١٦ (١٠٩٩٠)، وأخرجه البيهقى ٢١٠/٥ من طريق
هشيم به .
(٤) فى الأصل، م: ((مروان)). وينظر تهذيب الكمال ١١٠/٣٠.
(٥) سقط من : م .
٤٥٣
الموطأ
التمهید
یثبُتُ ، وجمهور العلماءِ على القول بحديث ابن عمر وما كان مثله فی معناه من
حديثٍ أبى هريرةً (١) وغيرِه. وأمَّا حديثُ عبدِ الرحمنِ بنِ أبى نُغم، عن أبى
سعيد الخدرىِّ، عن النبيِّ وَ لَّ أَنَّه قال فى الغرابِ: ((يَرمِيه المحرِمُ ولا يقتُلُه)) .
فليس ممَّا يُخْتَجُ به على مثلٍ حدیثِ نافع ، عن ابن عمرَ ، وسالم، عن ابنِ عمرَ ،
والحديثُ عن علىِّ فيه أيضًا ضعفٌ ولا يثبتُ. وقد ثبت عن النبيِّ بَّه من
حديثِ أبى هريرةَ وغيرِهِ أَنَّه أباح للمحرِمِ قتلَ الحيّةِ . وهو قولُ عمرَ، وعلىٍّ،
وجمهورِ العلماءِ.
وأمَّا تقريدُ المحرم بعيرَه، فأكثرُ العلماءِ على إجازةٍ ذلك، وتقريدُه رَمیُ
القُرادِ ونزغُه عنه وقتلُه . روَی مالكٌ وغیرُه ، عن یحیی بنِ سعیدٍ ، عن محمدِ بنِ
إبراهيمَ بنِ الحارثِ ، عن ربيعةً بنِ عبدِ اللهِ بنِ الهُدَيْرِ ، أَنَّه رَأى عمرَ بن الخطّابِ
يُقَرّدُ بعيرًا له فى الطِّينِ بالشَّقْيا(١) . يعنى أنَّه كان يُغْرِقُ القُرادَ فى الطِّينِ، ويَنْزِعُه
عن بعيرِه . وكذلك رُوِىَ عن ابنِ عباسٍ، وجابرِ بنِ زيدٍ، وعطاءٍ: لا بأسَ أن
يُقَرَّدَ المحرمُ بعيرَه ◌ُ(١) . وهو قولُ الشافعىِّ، وأبى حنيفةَ، وأصحابِهما . وبه قال
أبو ثورٍ ، وأحمدُ ، وإسحاقُ، وداودُ. وكان عبدُ اللهِ بنُ عمرَ يَكْرَهُ للمحرم أن
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٤٥٠ .
(٢) سيأتى فى الموطأ (٨٠٧).
(٣) ينظر مصنف عبد الرزاق (٨٤٠٤ - ٨٤٠٦، ٨٤٠٨)، ومصنف ابن أبى شيبة ٢٢/٤،
٢٣.
٤٥٤
الموطأ
التمهيد
يَنْزِعَ القُرادَ عن بَعيرِه (١) . واتَّبَعه على ذلك مالكٌ وأصحابُه .
وقال الثورىُّ: إذا كثُر القملُ على المحرِمٍ فقتلها كفَّر. وقال أبو ثورٍ : لا
شىءَ على المحرمٍ فى قَتلِ القملِ ؛ قلَّ أو كثُر. وكذلك قال داودُ. وهو قولُ
طاوسٍ، وسعيدِ بنِ جبيرٍ، وعطاءٍ، وجابرِ بنِ زيدٍ(١) .
ذکر عبد الرزاق ، أخبرنا هشیم ، عن أبى بشرٍ ، قال : سُئِلَ جابرُ بنُ زید عن
المحرم تسقُطُ القملةُ على وجهِه، فقال: انبِذْها عنك - أو: عن وجهِك - ما
حقُّها فى وجهِك ؟ قلتُ : إذن تموتَ. قال : مَوتُها وحياتُها بيدِ اللهِ .
وقد رُوِى عن عطاءٍ أَنَّ فى القملةِ حَفنةً من طعام (١) كقولٍ مالكِ سواءً . وهو
.(٤)
قولُ قتادةً(٤).
وذگر عبد الرزاق(٥) ، أخبرنا معمر، عن جعفر بنِ بُرقانَ، عن میمونِ بنِ
مِهرانَ ، قال: كنتُ عندَ ابنِ عباسٍ ، فسألَه رجلٌ قال: وجَدتُ قملةً وأنا محرمٌ
فطَّرَحتُها، ثم ابْتَغِيتُها(١) فلم أجِدْها. فقال: تلك الضَّالةُ لا تُبْتَغَى .
وروَى الثورىُّ، عن جابرٍ، عن عطاءٍ، عن عائشةَ قالت : المحرمُ يقتُلُ
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (٨١٠).
(٢) ينظر مصنف عبد الرزاق (٨٢٥٢، ٨٢٥٣)، ومصنف ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء
الرابع ) ص ١٤٣ ، ١٤٤ .
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٨٢٥٥) .
(٤) أخرجه عبد الرزاق (٨٢٥٤) .
(٥) عبد الرزاق (٨٢٦٣) عن عبد الله بن محرر ، عن ميمون بن مهران به .
(٦) فى الأصل، ق: ((اتبعتها)).
٤٥٥
الموطأ
التمهيد الهوائَّ كلَّها غيرَ القملةِ ، فإنَّها منه(١).
قال أبو عمرَ: احتجَّ مَن كرِه أكلَ الغرابِ وغيرِهِ من الطيرِ التى تأكُلُ
الجِيَّفَ، ومَن كرِه أكلَ هَوامِ الأرضِ أيضًا، بحديث النبيِّ وَِّ هذا أنَّه أمر بقتلِ
الغرابِ، والحِدَأَةِ، والعقرَبِ، والحيّةِ، والفأرةِ. قال: وكلُّ ما أمَر رسولُ اللهِ
وَهُ بِقَتْلِه فلا يجوزُ أكلُه. هذا قولُ الشافعىِّ، وأبى ثورٍ، وداود . وهذا بابٌ
اختلف العلماءُ فيه قديمًا وحديثًا؛ فأمَّا اختلافُهم فى ذَوِى الأنيابِ من السِّباعِ
فقد مضى القول فى ذلك مُشْتْعَبًا ، فی باپٍ إسماعيلَ بنِ أبی حکیم من كتابنا
هذا (٢) . وأمَّا اختلافُهم فى أكلٍ ذى المِخلَبِ من الطيرِ ؛ فقال مالك: لا بأسَ
بأكلٍ سِباعِ الطيرِ كلّها؛ الرَّخَمِ ، والنُّسُورِ ، والعِقبانِ، وغيرِها ، ما أكَل الجِيَفَ
منها وما لم يأْكُلْ. قال: ولا بأسَ بأكلٍ لحومِ الدَّجاجِ الجَلَّالةِ، وكلِّ ما يأكُلُ
الجيّفَ . وهو قولُ الليثِ بنِ سعدٍ ، ويحيى بنِ سعيدٍ، وربيعةً، وأبى الزِّنادٍ . قال
مالكٌ: ولا تُؤْكلُ سِبائع الوحشِ كلُّها، ولا الهِرُّ الوحشىُّ ولا الأهلىُّ، ولا
الثَّعلبُ ، ولا الصَّبُعُ، ولا شىءٌ من السِّباعِ. وقال الأوزاعىُّ: الطير كلُّه حلالٌ ،
إلّا أنَّهم يَكرهونَ الرَّحَمَ . وحُبّةُ مالكٍ فى هذا البابِ أنَّه ذكَر أنه لم يرَأحدًا من
أهلِ العلمِ يكرَهُ أَكلَ سِباعِ الطَّيرِ، وأنكر الحديثَ عن النبيِّ وَّ أَنَّه نهى عن أكلٍ
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (٨٢٥٩) عن الثورى به .
(٢) ينظر ما سيأتى فى شرح الحديث (١٠٨٦) من الموطأ .
٤٥٦
الموطأ
التمهيد
ذى المِخْلَبِ من الطّرِ(١).
حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ محمدٍ ، أَنَّ أباه أخبره ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ
قاسم، قال : حدَّثنا يوسفُ بنُ يعقوبَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ كثيرٍ، قال :
حدَّثْنَا إِسرائيلُ، قال: حدَّثنا الحجّاجُ بنُّ أرطاةَ ، عن ميمونٍ بنِ مِهرانَ ، عن ابنِ
عباسٍ قال : كُلِ الطَّرَ كلَّه .
قال: وحدَّثنا إسرائيلُ، قال: حدَّثنا الحجَاجُ قال: سألتُ عطاءً عن الطيرِ ،
فقال: كُلْهِ كُلُّه. والحََّائجُ بنُ أرطاةَ ليس بحُجَّةٍ فيما نقَل.
وقال مالكٌ: لا بأسَ بأكلِ الحيّةِ إذا ذُكِّيَتْ. وهو قولُ ابنٍ أبى ليلَى،
والأوزاعيّ، إلَّا أنهما لم يشتَرِطا فيها الذَّكاةَ . وقال ابنُّ القاسم ، عن مالكٍ : لا
بأسَ بأكلِ الضِّفْدَعِ. قال ابنُ القاسم: ولا بأسَ بأکلٍ خشاشِ الأرضِ،
وعقاربها، ودُودِها، فى قولٍ مالكٍ؛ لأنَّه قال: مَوتُه فى الماءِ لا يُفسِدُه . وقال
الليثُ(٢) : لا بأسَ بأكلِ القُنفُذِ، وفراخِ النَّحلِ، ودُودِ الجُبنِ والتَّمرِ، ونحوِ
ذلك . وممَّا يُحتجُ به لقول مالكِ ومَن تابَعه فى ذلك حديثُ ملقامِ بنِ التَّلِبِّ ،
عن أبيه قال: صَحِبتُ النبىَّ وَّهِ فلم أسمَعْ لحشراتِ الأرضِ تحريمًا(٢).
القبس
(١) سيأتى تخريجه ص٤٥٨، ٤٥٩.
(٢) فى ق: ((مالك)).
(٣) أخرجه أبو داود (٣٧٩٨)، والطبرانى (١٢٩٩)، والبيهقى ٣٢٦/٩ من طريق ملقام بن التلب
به .
٤٥٧
الموطأ
ويُحْتَجُ لذلك أيضًا بقولِ ابنِ عباسٍ (١)، وأبى الدَّرداء(٢): ما أحلَّ اللهُ فهو حلالٌ،
وما حرّم اللهُ فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفوٌ .
التمهيد
وقال أبو حنيفةً وأصحابُه: لا يُؤْكَلُ ذو النَّابِ من السّباع، ولا يُؤْكلُ ذُو
المِخلبِ من الطَّرِ. وكَرِهوا أكلَ هَوامٌ الأرضِ؛ نحوَ اليَرْبُوعِ، والقُنْفُذِ ، والفأرِ ،
والحيَّاتِ، والعقاربِ، وجميع هوامِ الأرضِ. وحُجَّتُهم أنَّ رسولَ اللهِ وَالچ نھی
عن أكلِ كلِّ ذى نابٍ من السِّباعِ، وذِى مخلبٍ من الطيرِ .
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ ، حدَّثنا أبو داودَ ،
قال: حدَّثنا مسدَّدٌ، قال: حدَّثنا أبو عَوانَةً، عن أبى بشرٍ، عن ميمونِ بنِ
مهران(١) ، عن ابن عباس قال: نھی رسولُ اللهِ پټ عن أکلِ کلّ ذی ناپٍ من
القبس
(١) أخرجه أبو داود (٣٨٠٠)، والحاكم ٣١٧/٢، ١١٥/٤، والبيهقى ٣٣٠/٩، والضياء فى
المختارة ٥٢٢/٩ (٥٠٤) .
(٢) أخرجه البزار (١٢٣ ، ٢٢٣١ ، ٢٨٥٥ - کشف) ، وابن أبى حاتم - کما فى تفسير ابن كثير
٢٤٥/٥ - والدارقطنى ١٣٧/٢، والحاكم ٣٧٥/٢، والبيهقى ١٢/١٠ عن أبى الدرداء
مرفوعًا .
(٣) بعده فى النسخ: ((عن سعيد بن جبير)). وبدونها فى مصادر التخريج ، قال الخطيب :
والصحيح فى هذا الحديث : عن ميمون ، عن ابن عباس ، ليس بينهما سعيد بن جبير . ينظر التاريخ
الكبير ٢٦١/٦، وتحفة الأشراف (٦٥٠٦). وسيأتى فى شرح الحديث (١١٦٨) من الموطأ بذكر
سعيد بن جبير، ومن طريق على بن الحكم ، عن ميمون بن مهران . قال البزار : تفرد على بن الحكم
بإدخال سعيد بين ميمون وابن عباس . ينظر النكت الظراف ٢٥٣/٥.
٤٥٨
الموطأ
السّباعِ، وعن كلٌّ ذى مِخلبٍ من الطيرِ().
التمهید
ورُوِىَ عن النبيِِّ نَّهِ أيضًا من حديث علىٍّ(٢) وغيرِهِ، وأحسنُها إسنادًا
حدیثُ ابنِ عباسٍ هذا .
وقال الشافعىُّ: المحرَّمُ من كلِّ ذى نابٍ ما عَدا على الناسِ ؛ كالنَّمِرِ،
والذّئبِ، والأسدِ، وما شاكل ذلك. قال: وهى السّباعُ المعروفةُ. قال :
والمحرَّمُ من ذى المِخلبِ أيضًا كذلك ما عَدا على طيورِ الناسِ، فلا يُؤْ كلُ شىءٌ
من ذلك أيضًا؛ كالشَّاهينِ، والبازِىِّ، والعُقابِ ، وما أشبه ذلك. قال: وأمّا
الضبْعُ والَّعلبُ والهرّ، فلا بأسَ بأكلِها ، ويفديها المحرِمُ إن قتَلها . قال : وكلُّ
ما لم يكنْ أكلُه إلَّا العذِرةَ والجيفَ والمَيتَاتِ من الدوابٌ والطَّيورِ، فإِنِّى أكرَهُ
أكلَه؛ للنَّهي عن الجَلَّلةِ(١) . قال: ولو قُصِرَت أيَّامًا حتى يغلِبَ عليها أكلُ
الطاهرِ، وخرَجت عن حكم الجلالةِ جاز أكلُها .
قال أبو عمرَ: هذا عندَه فيما عدا السّباعَ العاديَةَ، وما عَدا سِباعَ الطيرِ التى
تعدُو على الطُّيُورِ، فإنَّ هذه عندَه لا تُؤكلُ ، قُصِرَت أم لم تُقْصَرْ، لورودِ النَّهی
عنه بالقصدِ إليها .
القبس
(١) أبو داود (٣٨٠٣). وأخرجه أبو عوانة (٧٦١٤) من طريق مسدد به ، وأخرجه أحمد ٧٤/٤
(٢١٩٢)، ومسلم (١٩٣٤) من طريق أبي عوانة به .
(٢) أخرجه عبد الله بن أحمد فى زوائد المسند ٤٠٩/٢ (١٢٥٤)، وأبو يعلى (٣٥٧)، والعقيلى
٢٢٤/١، وابن عدى ١٧٧٦/٥ .
(٣) سيأتى تخريجه ص٤٦١، ٤٦٢ .
٤٥٩
الموطأ
التمهید
قال الشافعى : الجَلَّالَةُ المكروهُ أكلُها إذا لم يكنْ أكلُه غيرَ العَذِرَةِ، أو
كانت العَذِرةُ أكثرَ أكلِه، فإن كان(١) أكثرُ أكلِه وعلَفِه غيرَ العَذِرةِ ، لم أكرَهْه.
قال : وكلُّ ما كانَت العربُ تستقذِرُه وتشتخيُه فهو من الخبائثِ التى حرَّم اللهُ؛
كالذئبٍ، والأسدِ، والغُرابِ، والحَيَّةِ، والحِدَأَةِ، والعَقْرَبِ، والفأرَةِ ؛ لأنَّها
دَوابُ تقصِدُ الناسَ بالأُذَى، فهى محرَّمَةٌ من الخبائثِ ، مأمورٌ بقتلها . قال :
وكانتِ العربُ تأكلُ الضبُعَ والثَّعلبَ ؛ لأنهما لا يعدُوانِ على الناسِ بنابِهما ،
فهما حلالٌ .
قال أبو عمرَ : قد تقدَّم القولُ فى السّباع المأكولةِ وغيرِ المأكولةِ، وما لأهلٍ
العلم فى ذلك من الائتلاف والاختلاف ، مبسوطًا مُمَھَّدًا ، فى بابٍ إسماعيلَ بنِ
أبى حكيم من هذا الكتاب (١) ، فلا مَعنَى لإعادةِ ذلك ههُنا .
وحجَّةُ الشافعيِّ فيما ذهَب إليه فى هذا البابِ نَهِيُّه ◌َ لّ عن أكِلِ كلِّ ذى
مِخْلَبٍ من الطيرِ، وكلِّ ذى نابٍ من السِّباعِ.
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدّثنا أبو
داودَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُّ خالدِ الكلبىُّ أبو ثورٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُّ
منصورٍ، وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثْنا قاسمُ بنُّ أصبغَ، قال :
حدَّثنا محمدُ بنُّ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ حمزةً ، قالا جميعًا: حدّثنا
القبس
(١) فى الأصل، ق: ((كانت العذرة)). وينظر مختصر اختلاف العلماء ٢١٧/٣.
(٢) ينظر ما سيأتى فى شرح الحديث (١٠٨٦) من الموطأ .
٤٦٠