Indexed OCR Text
Pages 281-300
الموطأ التمهيد أخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، حدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ ، حدَّثَنَا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، حدَّثَنَا حفصُ بنُ عمرَ، عن شعبةً، عن سعيدِ بنِ أبِى بردةَ، قال : سمِعتُ الشعبىَّ قرأ: (وأتِمُوا الحجّ والعمرةُ للهِ)(١) . رفعًا. وقال الشعبىُّ: ولا أُراها إلا تطوُّعًا. قال سعيدٌ: وسمِعتُ أبى قرَّأ: ﴿وَيِّقُواْ الَْجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾. نصبًا. وقال: لا أُراها إلا واجبةٌ(١). قال أبو عمر : لا أعلم أحدًا من أئمة القراء تعلّق بالشعبئ فى قراءته هذه ، ولا تابعه عليها ، والناسُ على نصبٍ العمرةِ عَطْفًا على الحَجّ ، وقراءةُ الشعبىِّ ليست بصحیحة المعنی ؛ لأن الإتمام یچِبُ فى العمرة کما یچِبُ فى الحجّ لمَنْ دخّل " فى واحدٍ منهما بإجماع، ولو صحَّت قراءةُ الشعبىّ، كان فيها خلافُ الإجماعِ، وما خالَفه مردودٌ، ومعلوم أن الحَجَّ للهِ، كما العمرةُ للهِ(١، فلا وجه لقراءةِ الشعبىّ . واللهُ أعلمُ . حدَّثنا محمدُ بنُ خليفةَ، قال: حدَّثَنَا محمدُ بنُ نافع، قال: حدَّثَنَا إسحاقُ، قال: حدَّثَنا محمدُ بنُّ زُنْبُورٍ، حدَّثَنا الفضيلُ بنُ عياضٍ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: العمرةُ الحَجُ الأصغرُ(٤) . القبس (١) وهى أيضا قراءة على وابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس وابن عمر وأبى حيوة . ينظر البحر المحيط ٧٢/٢ . (٢) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٣٣٢/٣ من طريق شعبة به . (٣) بعده فى ص ١٦: ((لأن القصد بهما وجه الله تعالى ذكره)). (٤) أخرجه ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ٢٢٢، وابن جرير فى تفسيره ٣٣٩/١١ من طريق منصور به . ٢٨١ الموطأ التمهید وذكّر عبدُ الرزاقِ ، أخبرنا معمرٌ، عن ابنٍ طاوسٍ ، عن أبيه، قال: العمرةُ على الناس إلا على أهلٍ مكةً . قال : وأخبرنا معمر والثوریُّ ، عن لیث ، عن عطاء ، وطاوسٍ ، ومجاهدٍ ، قالوا : العمرةُ واجبةٌ، وتُجزِئُ منها المتعةُ . قال(١): وأخبرنا الثورىُّ ومعمرٌ، عن داودَ بنِ أبى هندٍ ، قال: قلتُ لعطاءٍ : العمرةُ علينا فريضةٌ كالحجّ؟ قال: نعم. قلتُ : أَتُّجزتُنا منها المتعةُ؟ قال : نعمْ . قال(٢): وأخبرنا معمرٌ، عن الزهرىِّ، عن سالم، عن أبيه ، قال: المتعةُ فى الحجّ تَقْضِى. قال معمرٌ: وقال الزهرىُّ: كان أهلُ الجاهليةِ يقولون : العمرةُ الحَجُّ الأصغرُ. قال معمرٌ: وقال قتادةُ : العمرةُ واجبةٌ . قال : وأخبرَنا ابنُ جريج، عن "عمرَ بنِ) عطاءٍ، عن عكرمةً، عن ابنٍ عباسٍ، قال : العمرةُ واجبةٌ كوجوبٍ الحجّ . قال : وأخبرنا الثورىُّ، عن يونسَ، عن الحسنِ وابنٍ سيرينَ ، قالا: العمرةُ واجبةٌ . قال: وأخبرَنا معمرٌ والثورىُّ، عن ابنٍ جريج، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال : العمرةُ واجبةٌ . قال(٥) : وأخبرنا عبدُ الملكِ بنُ أبي سليمانَ ، قال: سألتُ سعيد بن جبيرٍ القبس (١) عبد الرزاق - كما فى المحلى ١٣/٧. (٢) عبد الرزاق - كما فى المحلى ١٢/٧. (٣ - ٣) فى ص ١٦: ((عمرو بن))، وفى م: ((معمر عن)). وينظر تهذيب الكمال ٤٦١/٢١. (٤) أخرجه عبد بن حميد فى تفسيره - كما فى التغليق ١١٧/٣ عن عبد الرزاق به . (٥) عبد الرزاق فى أماليه (١٢٩). ٢٨٢ الموطأ عن العمرةِ ؛ أواجبةٌ هى؟ فقال: نعم. فقال له قيسُ بنُ رُومانَ ١١ : فإن الشعبىَّ التمهيد يقولُ: ليست واجبةً . فقال: كذَب الشعبىُّ، إن الله عزَّ وجلَّ يقولُ: ﴿وَأَيِقُواْ اْحَجَّ وَاَلْعُبْرَةَ لِلَّهِ﴾ قال أبو عمرَ : فهؤلاءِ ذهَبُوا إلى أن العمرةَ واجبةٌ فرضًا كالحجّ، وخالَفَهم غيرُهم على ما قدَّمنا ذكرَه فى هذا البابِ، فذهبوا إلى أن العمرةَ سُنَّةٌ أو تطوُّعٌ على حَسَبٍ ما ذكّرنا عنهم . ذكَر عبدُ الرزاقِ ، أخبرنا عثمانُ بنُ مطرٍ، عن سعيدٍ، عن أبى مَعْشَرٍ ، عن إبراهيمَ، عن ابنِ مسعودٍ ، قال: الحجُ فريضةٌ ، والعمرةُ تطوٌّ . قال: وأخبرنا الثورىُّ، عن سماكِ، عن إبراهيمَ ، قال: العمرةُ سُنَّةٌ وليست بفريضةٍ . وأَما اختلافُهم فى جوازِ العمرةِ مرارًا فى سَنَّةٍ واحدةٍ ، فقال مالك: لا أَرَى لأحدٍ أن يعتمِرَ فى السنةِ مرارًا . وكرِه عمرتين فى سَنَّةٍ واحدةٍ ، ومنَع منها الحاجّ ما لم يتحلَّلْ مِن آخِرٍ عملِه بمنَّى . ومِن حُجّةٍ مَن ذهَب مذهب مالك فى ذلك أن رسولَ اللهِ وَ ﴿ لم يَعتمِرْ عمرتَيْن فى عامٍ واحدٍ، واعتمرَ ثلاثَ عُمَرٍ أو أربعًا، كلُّ عمرةٍ منها فى سَنَةٍ . ومِن حُجَّتِّه أيضًا فى ذلك ، أن عائشةً كانت فى آخِرِ أمرِها إذا حَجَّت بَقِيَت بمكةً حتى يُهِلُّ المُحَرَّمُ، ثم تَخرُجُ من مكةَ إلى الميقاتِ فتُهِلٌ منه بعمرةٍ، فكان يقَعُ حَجُها فى عامٍ ، وعمرتُها فى عامٍ آخَرَ. وقال أبو حنيفةً القبس (١) عند عبد الرزاق: ((روحان)). (٢) بعده فى الأصل: ((واحد)). ٢٨٣ الموطأ التمهيد وأصحابُه: العمرةُ مباحةٌ فى السَّنَةِ كلِّها إلا يومَ عرفةَ، ويومَ النحرِ، وأيامَ التشریقِ. قال : والحائج وغیرُه فى ذلك سواء. وروَی بشرُ بنُ الولیدِ ، عن أبى يوسفَ ، قال: لا بأسَ بالعمرةِ يومَ عرفةً. وقال الثورىُّ: يعتمِرُ متى شاء. وقال الحسنُ بنُ صالحٍ بنٍ حىٍّ: يعتمِرُ فى السَّنَةِ كُلِّها إلّا فى أيام التشريقِ. وقال الشافعى: لا بأس أن يعتمِرَ فى السّنّةِ مِرارًا ، ومتى شاءإلا الحاج، فإنه لا يعتمُ ما دام حاتجًا . قال أبو عمر: ذکر عبد الرزاقِ ، أُخبرنا عبيدُ اللهِ وعبدُ اللهِ ابنا عمرَ، عن نافعٍ، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ اعتمرَ فى السّنّةِ مرتین . قال : وأخبرنا معمرٌ والثورىُّ، عن صدقةَ بنِ يسارٍ، عن القاسمِ بنِ محمدٍ ، أن عائشةَ اعتمرَت. قال الثورىُّ فى حديثه: مرارًا فى السّنةِ. وقال معمرّ فى حديثه : ثلاثَ مراتٍ فى سَنةٍ. قال صدقةٌ : فقلتُ للقاسم : آأنكر ذلك عليها أحدٌ ؟ فقال: أَعَلَى أمّ المؤمنين عائشةً ؟ قال أبو عمر : فی قول صدقةً بن يسارٍ للقاسم بن محمدٍ : آآنگر ذلك عليها أحدٌ ؟ دليلٌ على أن الاختلافَ بينَ السلفِ فى هذه المسألةِ قديمٌ معروفٌ . قال: وأخبرنا ابنُّ عيينةً، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، قال : اعتمرَت عائشةُ فى سنةٍ ثلاثَ مراتٍ؛ من الجحفةِ مرةً ، ومرةً من التنعيمِ، ومرةً من ذى الحليفة . قال : وأخبرنا معمر، عن صدقةً بنِ يسارٍ، قال : سمِعتُ القاسم بن محمد القبس ٢٨٤ الموطأ التمهید يقولُ: فى كلِّ شهرٍ عمرةٌ. وكان يَكرّةُ عمرتين فى شهرٍ واحدٍ . قال: وأخبرنا معمرٌ، عن ابنٍ طاوسٍ، عن أبيه، قال: فى كلِّ شهرٍ عمرةٌ. قال : وأخبرنا الثورىُّ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ ، قال: كانوا لا يعتمرون فى السنةِ إلا مرةً واحدةً(١). قال أبو عمرَ: لا أعلَمُ لمن كرِه العمرةَ فى السنةِ مرارًا حُبَّةً من كتابٍ ولا سنةٍ يجِبُ التسليمُ لمثلها، والعمرةُ فعلُ خيرٍ، وقد قال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَفْعَلُواْ الْخَيْرَ﴾ [الحج: ٧٧]. فواجبٌ استعمالُ عمومٍ ذلك ، والندبُ إليه حتى يمنَعَ منه ما يجبُ التسليمُ له . وأما اعتمارُ رسولِ اللهِ وَ﴿ قبلَ الحجُ، فقد ذكّرنا فيه حديثَ ابنٍ جريجٍ، عن عكرمةَ بنِ خالدٍ، عن ابنِ عمرَ، أن رسولَ اللهِ وَلِّلـ اعتمَرٍ قبلَ أن يحُبّ(١) . وهو أمرٌ مشهورٌ عندَ جميع أهلِ السِّيَرِ والعلمِ بالأَثْرِ ، يُغْنِى عن الإسنادِ ، وحديثُ ابنِ عمرَ هذا حديثٌ ثابتٌ من جهةِ الإسنادِ متصلٌ، ومما يدُلَّك على أنه اعتمرَ قبلَ الحَجّ وَ﴿ أن عمرتَه كانت والمشركون بمكةً يومئذٍ . أخبرنا محمدُ بنُّ إبراهيم بن سعيدٍ ، قال: حدَّثَنا محمدُ بنُ معاويةً ، قال: حدَّثَنا أحمدُ بنُ شعيبٍ، قال: أخبرَنا عمرُو بنُ علىٍّ، قال: حدَّثَنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثَنا إسماعيلُ - يعنى ابنَ أبى خالدٍ - قال: حدَّثَنَا ابنُّ أبى أوفَى، قال: اعتمرَ رسولُ اللهِ وَلِّ، فطاف بالبيتِ، ثم خرّج بين الصفا القبس (١) أخرجه ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص٨٧ من طريق الثورى به. (٢) تقدم تخريجه ص ٢٧٥، ٢٧٦. (٣) فى الأصل: ((من)). ٢٨٥ الموطأ التمهيد والمروةِ يطوفُ، فجعلنا نستُرُه من أهل مكةً ؛ أنْ يرميّه أحدُهم أو يُصيبَه (١) بشیء قال أبو عمر: ولم یکنْ فی حجة الوداع بمكةً رجلٌ مشرك ، وهذا أشهر من أن يُحتاجَ إلى الاستشهادِ عليه، وقد اعتمرَ رسولُ اللهِ وَ لَه قبلَ حجتِه عُمَرًا؛ قیل : ثلاثًا. وقيل: أربعًا. وسنذكر ذلك، وما جاء فيه من الأثرِ، فی بابٍ هشامِ بنِ عروةً (١ ، ونزيدُ ذلك بيانًا فى بابٍ بلاغاتٍ مالكٍ(٢) من كتابنا هذا إن شاء اللهُ . ذكَر عبدُ الرزاقِ ، أُخبرنا هشامُ بنُ حسانَ ، عن محمدِ بنِ سیرینَ، عن كثيرٍ بنِ أفلحَ، قال : سئل زيدُ بنُّ ثابتٍ عن رجلٍ اعتمرَ قبلَ أن يحُجّ، فقال : صلاتان لا يضُؤُكِ بأَيُّهما بدَأتَ . قال هشامٌ: وقال الحسنُ : نُسُكانٍ لا يَضُرُك بأَيُّهما بدَأْتَ . قال: وأخبرنا الثَّورىُّ، عن سليمانَ التيمىِّ و(٤) سعيدِ الجُرَيْرىِّ، عن حَيَّنَ بنِ عميرٍ ، قال : سألتُ ابنَ عباسٍ: آلْعتمِرُ قبلَ الحجّ؟ فقال: نُسُكَان للهِ القبس (١) النسائى فى الكبرى (٤٢٢٠). وأخرجه أحمد ١٥١/٣٢ (١٩٤٠٧)، وابن خزيمة (٢٧٧٥) من طريق يحيى به، وأخرجه البخارى (١٦٠٠)، وأبو داود (١٩٠٢)، والنسائى (٤٢١٩) من طريق إسماعيل به . (٢) تقدم ص ٢٧٠ - ٢٧٣ . (٣) تقدم ص ٢٦٧ - ٢٦٩ . (٤) فى النسخ: ((عن)). والمثبت موافق لما سيأتى ص ٢٨٨، وينظر تهذيب الكمال ٣٣٨/١٠، ٥/١٢ . ٢٨٦ ٧٧٢ - مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسَيَّبِ ، أن الموطأ عمرَ بنَ أُبی سلمةً استأذن عمر بن الخطاب أن يعتمِر فی شوال ، فأُذِن له فاعتمرَ، ثم قفَل إلى أهلِه ولم يَحُجّ . التمهيد عليك ، لا يضُرُكِ بأَيُّهما بدَأْتَ (١) . قال حَيَّانُ: وقال ابنُ عباس : العمرةُ واجبةٌ . قال : وأخبرنا ابنُ عيينةً، عن هشام بنٍ مُجیْرٍ، قال : قيل لابنٍ عباسٍ : تزعُمُ أن العمرةَ قبلَ الحجّ، وقد قال اللهُ عزَّ وجلّ: ﴿وَتِقُوْ اَلْتَجَّ وَاَلْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾؟ قال ابنُ عباسٍ: فكيف تقرَأَ : ﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١ أفبالدَّئِنِ تبدَأُ أم بالوصيةِ ، وقد بدأ بالوصيةِ ؟ وعن ابن شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيّبِ، أن عمرَ بنَ أبى سلمةَ استأذن عمرَ بنَ الاستذكار الخطاب أن يعتمر فی شوال، فأذن له فاعتمر، ثم قفَل إلى أهلِه ولم یحځّ(١) . قال أبو عمرَ: الحجّ والعمرةُ نُسُكانٍ لا يختلفُ العلماءُ فى ذلك؛ أن ·المستطيعَ السبيلَ إليهما يبدأ بأيُّهما شاءً، وقد جاءذلك عن جماعةٍ مِن السلف . ذكّر عبدُ الرزاقِ، عن هشامِ بنِ حسانَ، عن محمدِ بنِ سیرینَ، عن كثيرٍ بنٍ أفلحَ، قال : سُئل زيدُ بنُ ثابتٍ عن رجلٍ اعتمر قبلَ أن يحجّ ، فقال : صلاتان لا يضرّك بأيّهما بدأتَ . قال هشامٌ: وقال الحسنُ : نُسكانٍ لا يضؤك بأيُّهما بدأتَ . القبس (١) أخرجه ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص٢٢٢ من طريق التيمى - وحده- به . (٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٤٤٧)، وبرواية أبى مصعب (١١٠٥). ٢٨٧ الموطأ وعن معمرٍ، عن أيوبَ ، عن ابنِ سيرينَ، عن زيد بن ثابتٍ مثلَه(١) . الاستذكار وعن الثوری ، عن سلیمان التیمئ و ()سعید المجریریِّ ، عن حیان بن عمیٍ ، قال : سألتُ ابنَ عباسٍ. فذكر مثله(٢) . والحجةُ ما قاله سعيدُ بنُّ المسيَّبِ لسائِلِه: قد اعتمر رسولُ اللهِ وَلَّهِ قبلَ أن (٤) یح﴾(). حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُّ أصبغَ، قال: حدّثنا أحمدُ بنُّ زهيرٍ، قال: حدَّثنا أبى، قال: حدَّثنا إسحاقُ الأزرقُ، قال: حدّثنا زكريا، عن أبى إسحاقَ، عن البراءِ، قال: اعتمر رسولُ اللهِ وَله قبلَ الحجّ(٥). قال أبو عمر : إنما اعتمر رسولُ اللهِ پے قبلَ الحجّ فی شهور الحجّ، على ما ذكره العلماءُ كبراءُ أصحابِهِ ، أن العمرةَ فى شهورِ الحجّ جائزةٌ، خلافًا لِما کان علیه المشر کون فی جهالتهم ، ولذلك استأذن - واللهُ أعلم - عمرُ بنُ أبی سلمةَ عمرَ بنَ الخطابِ أن يعتمرَ فى شوالٍ؛ ليقف على ما فى ذلك عمرُ ، لأنه لم يكنْ ممن حفِظ عن النبيِّ نَّهِ، لصغرِ سنّه، إلا قليلاً. وكان سفيانُ بنُّ عيينةَ القبس (١) أخرجه ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع). ص ٢٢١، وابن حزم ١٢/٧ من طريق أيوب به ، وأخرجه الدارقطنى ٢٨٥/٢، والبيهقى ٣٥١/٤ من طريق ابن سيرين به . (٢) فى م: ((عن)). (٣) تقدم تخريجه ص ٢٨٧،٢٨٦. (٤) تقدم فى الموطأ (٧٧١) . (٥) تقدم تخريجه ص ٢٧٦ . ٢٨٨ الموطأ قَطْعُ التلبيةِ فى العمرةِ ٧٧٣ - مالكٌ، عن هشام بن عروةً ، عن أبيه ، أنه كان يقطَعُ التَّلبيةً فى العمرةٍ إذا دخّل الحرمَ . قال مالكٌ فيمن أحرَم من التَّتْعيم، أنه يَقطَعُ التلبيةً حينَ يرَى البيت . يقولُ: معنى قولِ رسولِ اللهِ وَ﴾: ((دخَلت العمرةُ فى الحجّ إلى يومٍ الاستذكار القيامةِ))(١). لم تُرِدْ به فسخَ الحجّ، وإنما أراد جوازَ عملٍ العمرةِ فى أشهرِ الحجّ إلى يومِ القيامةِ مفردةً ، ويُستمتَعُ بها إلى الحجّ، وأن تُقرَنَ مع الحجّ، كلُّ ذلك جائزٌ إلى يومِ القيامةِ. وهو قولٌ حسنٌ جدًّا. بابُ قطع التلبية فى العمرة مالكٌ، عن هشام بن عروةَ، عن أبيه ، أنه كان يقطعُ التلبيةَ فى العمرةِ إذا (٢) دخّل الحرمَ(). قال مالكٌ فيمَن أَحرَم مِن التنعيم، أنه يقطعُ التلبيةَ حينَ يرَى البيتَ . القبس (١) أخرجه أحمد ٢٣/٤ (٢١١٥)، ومسلم (١٢٤١)، وأبو داود (١٧٩٠)، والنسائى (٢٨١٤) من حديث ابن عباس . (٢) الموطأ برواية أبى مصعب (١١٢١). ٢٨٩ ( موسوعة شروح الموطأ ١٩/١٠) الموطأ قال يحيى: وسُئِل مالك عن الرجلِ يَعتَمِرُ مِن بعضٍ المواقيتِ وهو مِن أهلِ المدينةِ أو غيرِهم ، متى يَقطَعُ التلبيةَ؟ قال: أما المُهِلُّ من المواقيتِ فإنه يُقطَعُ التلبيةَ إذا انتَهى إلى الحرمِ . ٧٧٤ - قال مالكٌ: وبلغنى أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان يصنَعُ ذلك. قال يحيى : سُئل مالكٌ عن الرجلِ يعتمِرُ مِن بعضِ المواقيتِ وهو من أهلِ الاستذكار المدينةِ أو غيرِهم ، متى يقطعُ التلبيةَ؟ قال: أما المُهِلَّ مِن المواقيتِ فإنه يقطعُ التلبيةَ إذا انتهى إلى الحرمِ . قال: وبلَغنى أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان يصنعُ ذلك (١). قال أبو عمرَ: اختلَف العلماء فى قطع التلبيةِ فى العمرةِ ؛ فقال مالكٌ ما ذكره فى ((موطئِه)) على ما ذكرناه ، وأضاف قولَه ذلك إلى ابنِ عمرَ وعروةَ بنِ الزبيرِ . وقال الشافعىُّ: يقطعُ المعتمرُ التلبيةَ فى العمرةِ إذا افتتح الطوافَ . وقال مَرةً: يلِّى المعتمِرُ حتى يستلمَ الركنَ. وهو شىءٌ واحدٌ. وقال أبو حنيفةً وأصحابُه : لا يزالُ المعتمرُ يلبِّى حتى يفتتحَ الطوافَ . قال أبو عمرَ: لأن التلبيةَ استجابةٌ لِما دُعى(١) إليه فرضًا أو ندبًا ، فإذا وصل إلى البيتِ وشرَع فيما له قطَع الاستجابةَ ، واللهُ أعلمُ. وهؤلاء كلَّهم لا يفرّقون بِينَ المُهِلِّ بالعمرةِ ؛ بَعيدٍ أو قريبٍ . القبس . (١) الموطأ برواية أبى مصعب (١١٢٤) . (٢) فى الأصل، م: ((ذكر)). والمثبت يستقيم به السياق. ٢٩٠ الموطأ ما جاء فى التمتعِ ٧٧٥ - مالك ، عن ابن شهاب، عن محمد بنِ عبدِ اللهِ بنِ الحارثِ بنِ نوفَلِ بنِ عبدِ المطلبِ، أنه حدَّثَه، أنه سَمِعَ سعدَ بنَ أبى وقاصٍ والضحاكَ بنَ قَيسٍ عامَ حَّ معاويةُ بنُ أبى سفيانَ وهما يَذكُرانِ التَمَتُّعَ بالعمرةِ إلى الحجِّ، فقال الضحاكُ بنُ قيسٍ : مالكٌ ، عن ابن شهاب، عن محمد بنِ عبدِ اللهِ بنِ الحارث بن نوفلِ بنِ الحارِثِ بنِ عبدِ المطّلبٍ(١)، أنَّه حدَّثه، أنَّه سَمِع سعدَ بنَ أبى وَقَّاصٍ والضَّخَاكَ بنَ قيسٍ عامَ حَجَّ معاويةُ بنُّ أبى سفيانَ وهما يَذْكُرَانِ التَّمَتُّعَ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ، فقال الضََّّاكُ: لا يَصْنَعُ ذلك إلَّ مَن جَهِل أمرَ اللهِ . فقال سعدٌ: التمهيد القبس • (١) قال أبو عمر: ((وهو محمد بن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم، معروف النسب . وأما الرواية فلا أعرفه إلا برواية ابن شهاب عنه ، وأبوه عبد الله يلقب (بية)) مشهور. نزل البصرة وتراضى به أهلها فى الفتنة عند موت يزيد بن معاوية فولى أمرهم، وكانت فيه غفلة ، وأخوه عبد الله بن عبد الله بن الحارث ، معروف عند أهل العلم ، وأهل النسب ، روى عنه ابن شهاب أيضا ، وروى ابن شهاب ، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عنه حديث الطاعون ، من رواية مالك وغيره ، عن ابن شهاب، قال الحسن بن على الحلوانى : سمعت أحمد بن صالح قال : روى الزهرى ، عن عبيد الله بن عبد الله بن الحارث ، وعن عبد الله ابن عبد الله بن الحارث ، وعن محمد بن عبد الله بن الحارث بن نوفل، وهؤلاء كلهم إخوة . ولم يسمع من أبيهم عبد الله بن الحارث شيئا . وقال محمد بن يحيى الذهلى : لعبد الله بن الحارث بن نوفل ثلاثة بنين ؛ عبد الله ، وعبيد الله ، ومحمد ، بنو عبد الله بن الحارث بن نوفل ، وأما سعد بن أبى وقاص والضحاك بن قيس فموضع ذكرهما كتاب الصحابة)). طبقات ابن سعد ٣١٨/٥ ، وتهذيب الكمال ٤٦١/٢٥ . ٢٩١ الموطأ لا يصنَعُ ذلك إلا مَن جَهِلَ أمرَ اللهِ. فقال سعدٌ: بئسَ ما قُلتَ يا بنَ أخى . فقال الضحاك : فإن عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلك . فقال سعدٌ: قد صنَعها رسولُ اللهِ آله وصنعناها معه . التمهيد بِئْسَ ما قلتَ يابنَ أخى. فقال الضَّحَّاكُ: فإِنَّ عمرَ قد نَهَى عن ذلك. فقال سعدٌ: قد صَنَعها رسولُ اللهِ وَهِ وصَنَغْناها معه(١). "لم تَخْتلِفِ الرواةُ عن مالك فى إسنادٍ هذا الحديثِ ومَتْنِه بمعنى واحدٍ ، فيما عَلِمْتُ ، وكذلك رواه معمرٌ، عن الزهرىِّ، بإسْنادٍ مالِكِ ومَعْناه ، ولم يُقِمْه ابنُ عيينةٌ(٢). وروَى هذا الحديثَ الليثُ ، عن تُقَيْلِ، عن ابنِ شِهَابٍ، بهذا الإسْنادِ ، مثله سواءً ، إلَّ انَّه لم يَذْگُوْ فیه نَهْیَ عمر عن النّمتُّع. وقد ذگونا فى بابِ ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، اخْتِلافَ الآثارِ فيما كان رسولُ اللهِ وَلِّ به فى خاصَّتِّه مُخْرِمًا فى حَجَّتِه، وذكَوْنا مذاهِبَ العلماءِ فى الأفضلِ مِن ذلك(٢) ، ولا خِلافَ عَلِمْتُهُ بِينَ علماءِ المسلمين فى جوازِ التَّمَتُّعِ بالعمرةِ إلى الحجّ. وفى هذا الحديثِ ذِكْرُ التَّمَتُّع بالعمرةِ إلى الحجّ، وذلك عندَ العلماءِ على أربعةِ أوجهٍ ؛ منها ما اجْتُمِع على أنَّه تَمَتُّعُ، ومنها ما اخْتُلِف فيه، فأمَّا الوجهُ المجْتَمَعُ على أنَّه القبس (١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٣٩٦)، وبرواية يحيى بن بكير (٣/١٨ و - مخطوط) ، وبرواية أبى مصعب (١١٠٧). وأخرجه أحمد ٩٣/٣ (١٥٠٣)، والترمذى (٨٢٣)، والنسائى (٢٧٣٣) من طريق مالك به . (٢) ذكره الدارقطنى فى العلل ٣٩٣/٤ عن ابن عيينة به مرسلا. (٣) سيأتى فى شرح الحديث (٩٤٤) من الموطأ . ٢٩٢ الموطأ التَّمَتُّعُ المرادُ بقولِ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿فَنَ تَمَنَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْتَحْ لَمَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ التمهيد الْمَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. فهو الرجلُ يُخْرِمُ بِعُمْرَةٍ فِى أَشْهُرِ الحَجّ؛ وهى شَؤَّالٌ، وذُو القَعْدَةِ ، وعَشْرٌ مِن ذِى الحِيَّةِ. وقد قيل: ذو الحِجَّةِ كلُّه . فإذا أخْرَمَ أحدٌ بعمرةٍ فى أشهرِ الحَجّ، وكان مَسْكَتُه مِن وراءِ المواقيتِ مِن أهلِ الآفاقِ ، ولم يكنْ مِن حاضِرِى المسجدِ الحرامِ. وحاضِرُو المسجدِ الحرامِ عندَ مالِك وأصحابِه هم أهلُ مكّةً وما اتَّصَل بها خاصَّةً . وعندَ الشافعىّ وأصحابه هم مَن لا يَلْزَمُه تَقْصِيرُ الصلاةِ مِن مَوْضِعِه إلى مكةً، وذلك أقْرَبُ المواقيت . وعندَ أُبی حنيفةً وأصْحابِهِ هم أهلُ المواقِيتِ ومَن وراءَها مِن كلِّ ناحِيَةٍ ، فمَن كان مِن أهلِ تلك(١) المواقيتٍ، أو مِن أهلٍ ما وراءَها، فهم مِن حاضري المسجد الحرامِ . وعندَ غيرِ هؤلاءهم أهلُ الحرمٍ . وعلى هذه الأقاوِيلِ الأربعةِ مذاهِبُ السلف فى تَأْوِيلٍ قولِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُمُ حَاضِرِ الْمَسْجِدِ اٌلْحَرَاءِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. فمن كان أهلُه من حاضرى المسجد الحرام فليس له التَّمَتُّعُ بالعمرةِ إلى الحجّ ، ولا يكونُ مُتَمَتِّعًا أبدًا. أَعْنِى التَّمَتُّعَ الموجِبَ للهَدْي، ما كان هو وأهلُه كذلك، ومَن لم يكنْ أهْلُه حاضرِى المسجدِ الحرامِ، فخرج مِن مَوْضعِه مُخْرِمًا بعمرةٍ فى أشهرِ الحُجُ، أو أخْرَم بها مِن مِيقاتِهِ، وقَدِم مكةً " مُخْرِمًا بالعُمْرَةِ)، فطاف لها، وسَعَى، وحَلَّ بها فى أشهرِ الحجّ، ثم أقام حَلالًا بمكةً إلى أن أَنْشَأ الحجَّ منها فى عامِه ذلك قبلَ رُجوعِه إلى بَلَدِه، وقبلَ القبس (١) ليس فى : الأصل ، م . (٢ - ٢) سقط من : م . ٢٩٣ الموطأ التمهيد ◌ُروجِه إلى مِيقاتٍ أهلٍ ناحِيّتِه، فهو مُتَمَتِّعٌ بالعمرةٍ إلى الحَجّ ، وعليه ما أوجبه اللهُ على مَن تَمَتَّع بالعمرةِ إلى الحجّ؛ وذلك ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ، يَذْبَحُه للهِ ، ويُعْطِيه المساكينَ بمنّى أو بمكةً، فإن لم يَجِدِ الهَدْىَ صام ثلاثةَ أيامٍ فى الحَجّ وسبعةً إذا رَجَع إلى بَلَدِه، والثلاثةُ الأيامِ فى الحجّ آخِرُها يوم عرفةَ ، فإن صامَها مِن حِينٍ يُخْرِمُ بحَجّه إلى يومِ النَّخْرِ فقد أدَّى ما عليه مِن صيامٍ أَيَّامِ الحَجّ ، وإن فاتَّه ذلك فليس له صِيامُ يومِ النحرِ بإجماعٍ مِن علماءِ المسلمين، نَقْلًا عن النبيّ وَله . واخْتُلِف فى صِيامِه أيامَ التَّشْرِيقِ؛ إذ هى مِن أيامِ الحجّ، فرَخّص له خاصةً فى ذلك قومٌ، وأتَى مِن ذلك آخرون، وسَذْكُرُ ذلك إن شاء اللهُ. فهذا إِجْمائٌ مِن أهلِ العِلْمِ قديمًا وحديثًا فى المتعةِ والتَّمَتُّع المرادِ بقولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿فَنَ تَمَنَّعَ بِلْعُمْرَةِ إِلَى الْحَيْ﴾. والمعنى واللهُ أعلمُ أنَّه تَمَنَّعَ بحِلُّه كلِّه، فحلَّ له النّساءُ وغير ذلك مما يَحْرُمُ على المحرم، وسقَط عنه السَّفَرُ لحجّه مِن بلدِه، وسقَط عنه الإحرامُ مِن مِيقاتِه فى الحجّ، وقد قال بعضُ أصحابِنا: إنَّما ذلك لسُقُوطٍ السَّفَرِ خاصَّةً لا لتَمَتُّعِه بالحِلِّ ؛ لأنَّ القارِنَ لم يَتَمَتَّعْ بحِلُ، وعليه دَمٌّ . والوَجْهُ العام ما ذكَوْتُ لك مِن تَمَتُّعِه بحِلُه، وسُقُوطٍ سَفَرِهِ، وسُقُوطٍ الإخرامِ مِن میقاته ، فلذلك كلُّه وجَبَ الدَّمُ علیه، إذْ حصَلَ حائًّا ولم يُخْرِمْ بحجّه ذلك مِن مِيقاتٍ أهْلِ ناحيتِه ، ولا شَخَص لذلك الحجّ مِن مَوْضِعِه بعدَ أنْ حَصَل مُخْرِمًا فى أَشْهُرِ الحَجِّ وزمانِهِ وحَجَّ مِن عامِه. فهذه العِلَّةُ الموجِبَةُ عليه الدَّمَ. واللهُ أعلم. فإِنِ اعْتَمَر فی اشْهُرِ الحُ ، ثم رجع إلى بَلَدِه ومَثْزِلِه، ثم حََّ مِن عامِه ذلك، فليس بمُتَمَتِّع، ولا هَذْىَ عليه ولا صِيامَ عندَ جماعةِ العلماءِ أيضًا ، إلَّا الحسن البصرىَّ، فإنَّه قال: عليه هَدْىٌ، حَجَّ أو لم يَحُجَّ. قال: لأنَّه كان يقالُ: القبس ٢٩٤ الموطأ التمهيد عمرةٌ فى أشهرٍ الحجّ مُتْعَةٌ . وروَى سعيدُ بنُ أَبِى عَرُوبَةَ ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ المسَیَّبِ قال : كان أصحاب رسول الله قالټ يَغْتَمِرونَ فی أشهر الحجّ ثم تَرْجِعون ولا يُهْدُون . فقيل السعيدِ بنِ المسَيَّبِ : فإن حَجَّ مِن عامِه ؟ قال: عليه الهَدْىُ . قال قتادةُ : وقال الحسنُ: عليه الهَدْىُ، حَجّ أو لم يَحُجّ(١). وهُشَيْمٌ، عن يُونُسَ، عن الحسنِ ، أَنَّه قال: عليه الهَدْىُ ، حَجَّ أو لم يَحُجّ(١) . وقد رُوِىَ عن يُونُسَ ، عن الحسنِ قال: ليس عليه هَدْىٌّ. والصحيحُ عن الحسن ما ذکونا . أخبرنا أحمدُ بنُ محمدٍ ، حدّثنا أحمدُ بنُ الفضلِ ، حدثنا محمدُ بنُ جریرٍ ، قال: أخبرنا ابنُ حميدٍ، حدَّثنا هارونُ بنُ المغيرةِ ، عن عَنْبَسَةَ، عن أَشْعَثَ النَّجَّارِ، عن الحسنِ قال: إنِ اعْتَمَر فى أشهرِ الحجّ ، ثم رجَعَ إلى أهْلِه ، ثم خَ﴾ّ مِن عامِه ذلك، فعليه هَدْىٌ ؛ لأَنَّه كان يقالُ: عُمرَةٌ فى أشهرِ الحَجِّ مُتْعَةٌ . وقد رُوِى عن الحسنِ أيضًا فى هذا البابِ قولٌ لم يُتَابَع عليه أيضًا ، ولا ذهَب إليه أحَدٌ مِن أهلِ العلمِ، وذلك أنَّه قال: مَن اعْتَمَر بعدَ يومِ النَّحْرِ فهى مُتْعَةٌ . والذى عليه جماعَةُ الفقهاءِ وعامَّةُ العلماءِ ما ذَكَوْتُ لك قبلَ هذا. روَى هُشَيْمٌ وغيرُه ، عن يحيى بن سعيدٍ ، عن سعيدِ بنِ المسَيَّبِ قال : مَن القبس (١) أخرجه ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ١٢٥ من طريق قتادة به، بالشطر الأول. (٢) أخرجه ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص١٢٦ من طريق هشيم به . ٢٩٥ الموطأ التمهيد اعْتَمَر فى أشهر الحجّ ، ثم أقام حتى يَحُجّ ، فهو مُتَمَتٌِّ ، وعليه الهَدْئُ ، فإن رجع إلى مِصْرِهِ، ثم حَجَّ مِن عامِه، فلا شىءَ عليه١ . وعلى هذا الناسُ . فإن ظَنَّ ظانٌّ أَنَّ مَعْنَى حديثِ مالِكِ ، عن عبدِ اللهِ بنِ دینارٍ ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ قال : مَن اعْتَمَر فى أشهرِ الحَجِّ؛ شَؤَالٍ، أو ذى القَعْدَةِ، أو ذِى الحِجَّةِ ، قبلَ الحَجّ، فقد اسْتَمْتَع، ووَجَب عليه الهَدْىُ، أو الصيامُ إن لم يَجِدْ هَذْيًا (٢). كمَعْنَى ما رُوِى عن الحسنِ فى إيجابِ الهَدْىِ على مَن اعْتَمَر فى أَشْهُرِ الحَجّ وإن لم يَحُجُّ، فليس كما ظَنَّ، ولا يُعْرَفُ ذلك مِن مَذْهَبِ ابنِ عُمَّرَ . وفى قولِه فى هذا الحديثِ : قبلَ الحَجِّ . دليلٌ على أنَّه حَجَّ، (ولذلك قال فيه : فقد استمْتَعَ، ووجَب عليه الهدىُ. وهذا هو المعروفُ من مذهبٍ ابنٍ عمرَ)، وكذلك فَشَرَه مالِكٌ فى ((الموطأً))، فقال باثْرِ حديثه ذلك: قال مالك: وذلك إذا أقام حتى الحجّ ثم حَجّ . وذكَر إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضى، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ حمزةَ الزُّبَيْرِىُّ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُّ محمدِ الدَّرَاوَزْدِىُّ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عُمَرَ ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، أَنَّه كان يقولُ : مَن اعْتَمَر فى أَشْهُرِ الحجّ ؛ شؤالٍ ، أو ذى القَعْدَةِ، أو ذى الحِجَّةِ، ثم أقام حتى يَحُجَّ، فهو مُتَمَتِّعٌ ، عليه الهَدْئُ ، أو الصيامُ إن لم يَجِدْ هَدْيًا (٤). القبس (١) أخرجه ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ١٢٥، وابن جرير فى تفسيره ٤١٧/٣ من طريق هشيم به ، وسيأتى فى الموطأ (٧٧٨) . (٢) سيأتى فى الموطأ (٧٧٧). (٣ - ٣) سقط من : م . (٤) ذكره ابن حزم ٢١٩/٧ من طريق عبيد الله العمرى به . ٢٩٦ الموطأ قال إسماعيلُ: وحدَّثنا سليمانُ بنُ حربٍ، حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زيدٍ، عن التمهيد يحيى بن سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ المسَيَّبِ ، أَنَّه قال: إذا اعْتَمَر الرجلُ فى أَشْهُرٍ الحَجّ، ثم رجَعَ إلى أهْلِه، ثم حَجَّ مِن عامِه، فليس عليه هَدْىٌ(١) . وعلى هذا جماعَةُ العُلَماءِ على ما قَدَّمْنا . وقد رُوِىَ عن طاؤُسٍ فى التَّمَنُّع قولان هما أَشَدُّ شُذُوذًا مِمَّا ذكَوْنا عن الحسنِ ؛ أحَدُهما ، أُنَّ مَن اعْتَمَر فى غير أشهر الحجّ، ثم أقام حتى الحجّ ، ثم حَجَّ مِن عامِه، أَنَّه مُتَمَتِّعُ(١) . وهذا لم يَقُلْ به أحَدٌ مِن العلماءِ فيما عَلِمْتُ غيرُه، ولا ذهَب إليه أحدٌ مِن فقهاءِ الأمصارِ، وذلك، واللهُ أعلمُ ، أنَّ شُهورَ الحَجِّ أُحَقُّ بالحَجِّ مِن العمرةِ ؛ لأنَّ العمرةَ جائزةٌ فى الشَّنَةِ كلِّها ، والحَجّ إنَّما مَوضِعُه شُهورٌ مَعْلُومَةٌ ، فإذا جعَل أحَدٌ العمرةَ فى أَشْهُرِ الحَجّ ، ولم يَأْتِ فى ذلك العامِ بِحَجّ ، فقد جعَلَها فى مَوْضِع كان الحَجُّ أَوْلَى به، "إلا أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قد رخّص فى ذلك رحمةً منه، وجعَل فيه ما استيسَرَ من الهدي ". والآخَرُ، قاله فى المكيّ إذا تَمَنَّعَ مِن مِصْرٍ مِن الأَمْصارِ فعليه الهَدْئُ(٤) . وهذا لم يُعَرَّجْ عليه؛ لظاهِرٍ قولِ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَّمْ يَكُنَّ أَهْلُمُ حَاضِرِ الْمَسْجِدِ الْحَرَاءِ﴾ [البقرة: ١٩٦] . القبس (١) أخرجه ابن أبى شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص ١٢٤ من طريق يحيى به . (٢) ذكره ابن حزم ٢١٩/٧ . (٣ - ٣) فى م: (( ثم رخص الله عز وجل فى كتابه وعلى لسان رسوله فى عمل العمرة فى أشهر الحج للمتمتع والقارن للحج معها ولمن شاء أن يفردها فى أشهر الحج كما فعل رسول الله وَلية)). (٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٢/٤ . ٢٩٧ الموطأ التمهيد توفیقُنا . والتَّمَتُّعُ على ما قد أُوْضَحْنا عن جماعةِ العلماءِ بالشَّرائطِ التى وصَفْنا . وباللهِ واخْتَلَفوا فيمن أَنْشَأْ عمرةً فى غيرٍ أشهرِ الحَجّ، ثم عَمِلَها (١) فى أشهرِ الحَجِّ، ثم حجّ مِن عامِه ذلك ؛ فقال مالك : عمرتُه فى الشهرِ الذی حَلَّ فیه . یریدُ إن كان حَلَّ منها فى غيرِ أشهرِ الحَجّ ، فليس بمُتَمَتِّعٍ ، وإن كان حَلّ منها فى أشهرٍ الحجّ فهو مُتَمَتِّ إِن حُّ مِن عامِه . وقال الثورىُّ : إذا قَدِم الرجلُ مُعْتَمِرًا فى شهرٍ رَمَضانَ وقد بَقِى عليه منه يومٌ أو يَؤْمانِ ، فلم يَطُفْ لهُمْرَتِه حتى رِىءَ هِلالُ شَؤَّالٍ ، فكان إبراهيمُ يقولُ: هو مُتَمَتِّعٌ، وأحَبُّ إِلَىَّ أَن يُهَرِيقَ دَمًّا . وقال أبو حنيفةً وأصحابُه: إن طاف للعمرةِ ثلاثةَ أَشْواطِ فى رَمضانَ، وأربعةَ أَشْواطٍ فى شوالٍ ، كان مُتَمَتِّعًا ، وإن طاف لها أربعةً فى رمضانَ ، وثلاثةً فی شوالٍ ، لم یکنْ مُتَمَتِّعًا . وقال الشافعىُّ: إذا طاف بالبيتِ فى أشهرِ الحَجِّ للعمرةِ فهو مُتَمَتِّعٌ إِن حَجَّ مِن عامِه ذلك، وذلك أنَّ العمرةَ إنَّما تَكْمُلُ بالطّوافِ بالبيتِ، وإنَّما يُنْظَرُ إلى إكْمالِها. وقال أبو ثورٍ: إذا دخَل فى العمرةٍ فى ١) أشهرِ الحَجّ ، فسواءٌ طاف لها فى رمضانَ أو فى شوالٍ، لا يكونُ بهذه العمرةِ مُتَمَتِّعًا . واختلفوا فى وقتٍ وُجوپ الهدي على المتمتع ؛ فذكر ابنُ وهبٍ، عن مالِكٍ، أَنَّه سُئِل عن المتَمَتِّعِ بالعمرةِ إلى الحَجِّ يموتُ بعدَما يُخْرِمُ بالحَجّ بعرفةً أو غيرِها ، أتَرَى عليه هَذْيًا؟ قال: مَن مات مِن أولئك قبلَ أن يَرْمِىَ جَمْرَةَ العَقَبَةِ ، القبس (١) فى ق: ((عمل لها)). (٢) بعده فى الأصل: ((غير)). ٢٩٨ الموطأ التمهید فلا أَرَى عليه هَدْيًا ، ومَن رَمَى الجَمْرَةَ ثم مات ، فعليه الهَدْئُ . قيل له : فالھَدْئُ مِن رأسِ المالِ أو مِن الثُّلُثِ ؟ قال: بل مِن رأسِ المالِ. وقال الشافعىُّ: إذا أحْرَمَ بالحَجّ فقد وجَب عليه دَمُّ المتْعَةِ إذا كان واجِدًا لذلك. ذكَرَه الزَّعْفَرانِىُ عنه . وقال عنه الربيعُ: إذا أَهَلَّ المتَمَتِّعُ بالحَجِّ ثم مات مِن ساعَتِه أو بعدُ قبلَ أن يصومَ ، ففيها قَوْلانٍ ؛ أحدُهما ، أنَّ عليه دَمَ المتعةِ ؛ لأَنَّه دَيْنٌ عليه ، ولا يجوزُ أن يُصامَ عنه . والآخَرُ، أَنَّه لا دَمَ عليه؛ لأنَّ الوَقْتَ الذى وجَبَ عليه فيه الصومُ قد زال وغُلِب عليه . وأنَّفَق مالكٌ، والشافعىُ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه، أنَّ المتَمَتِّعَ إذا لم يَجِدْ هَدْيًا ، صام الثلاثةَ أيامٍ إِذا أَخْرَمَ وأَهَلَّ بالحجِّ ، إلى آخِرٍ يومٍ عَرَفَةَ. وهو قولُ أبى ثورٍ . وقال عطاء: لا بأسَ أن يصومَ المتَمَتِّعُ فى العشرِ وهو حَلالٌ قبلَ أن يُخْرِمَ ١) . وقال مجاهدٌ وطاوسٌ: إذا صامَهُنَّ فى أشهرِ الحَجِّ أَجْزأهُ(١) . : وأجْمَع العلماءُ على أنَّ الصومَ لا سبيلَ للمُتَمَتِّع إليه إذا كان يَجِدُ الهَدْىَ . واخْتَلَفوا فيه إذا كان غيرَ واجِدٍ للهَدْيِ فصام ثم وَجَد الهَدْىَ قبلَ إِكْمالِ صَوْمِه؛ فذَگر ابنُ وَهْبٍ ، عن مالك ، قال : إذا دخل فى الصوم ثم وجَد هَذْیًا ، فأحبُّ إلىَّ أَن يُهْدِىَ، فإِنْ لم يَفْعَلْ أَجْزَأَه الصِّيامُ . وقال الشافعىُّ : يَعْضِى فى صَوْمِه ، وهو فرضُه. وكذلك قال أبو ثورٍ . وقال أبو حنيفةً: إذا أَيْسَر المتَمَتِّعُ فى اليومِ الثالثِ مِن صَوْمِه بَطَل الصومُ ووَجَب عليه الهَدْىُ، وإن صام ثلاثةَ أيَّامٍ فى الحَجّ القبس (١) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٤٢٩/٣ . (٢) ينظر تفسير ابن جرير ٤٢١/٣، ٤٢٨. ٢٩٩ ٠٫ الموطأ التمهيد ثم أيْسَر كان له أن يصومَ السبعةَ الأيامِ ولا يَرْجِعَ إلى الهَدْيِ. وقال إبراهيمُ النخعُ : إذا وجد ما يَذْبَحُ قبلَ أن يَحِلَّ فلیَذْبَغ وإن كان قد صام ، وإن لم يَجِدْما يَذْبَحُ حتى يَحِلَّ فقد أجْزَأه الصومُ. وقال عطاءٌ: إن صام ثم وَجَد ما يَذْبَحُ، فَلْيَذْبَعْ، حَلَّ أو لم يَحِلَّ، ما كان فى أيَّامِ التَّشْرِيقِ. واخْتَلَفوا فيما على مَن فاتَه صومُ الثلاثةِ أيامٍ قبلَ يومِ النَّخْرِ ؛ فَذَكَر ابنُ وهب، عن مالِكِ قال: مَن نَسِى صومَ الثلاثةِ أيامٍ فى الحَجُّ، أو مَرِضَ فيها ، فإن كان بمَّةَ ، فَلْيَصُم الأيامَ الثلاثةَ بمكةً. وقال: وإن لم يَصُمْ قبلَ يومٍ عَرَفَةً فَلْيَصُمْ أيامَ مِنَّى الثلاثةَ ، ولْيَصُمْ إذا رجَع إلى أهْلِه سبعةً ، وإن كان رجَع إلى أهْلِه فلْيُهْدِإِن قَدَر، فإن لم يَقْدِرْ فَلْيَصُمْ ثلاثةَ أيامٍ فى بَلَدِه وسبعةً بعدَ ذلك . وهو قولُ أبى ثورٍ . وتَحْصِيلُ مذهبٍ مالِكِ أنَّه إذا قَدِم بلَدَه ولم يَصُمْ، ثم وَجَدَ الهَدْىَ، لم يُجْزِئْه الصومُ، ولا يصومُ إلَّا إذا لم يَجِدْ هَذْيًا. وقال أبو حنيفةً وأصحابُه: إن انْقَضَى يومُ عَرَفَةَ ولم يَصُمِ الثلاثةَ أيامٍ ، فعليه دَمٌ ، لا يُجْزِتُه غيرُه . وقال الشافعىُّ بالعراقِ: يصومُ أيامَ منّى إن لم يكنْ صام قبلَ يومِ النَّخْرِ. وقال بمصرَ: لا يصومُها. وعليه أكثرُ أصحابِهِ ، ويصومُها كلَّها إذا رجَّع إلى بَلَدِهِ، فإن مات قبلَ ذلك أُطْعِمَ عنه . وأجْمَعوا على أنَّ رجلًا مِن غيرِ أهلِ مكةً لو قَدِم مكةً مُعْتَمِرًا فى أَشْهُرِ الحَجّ عازِمًا على الإِقامَةِ بها ، ثم أَنْشَأُ الحَجَّ مِن عامِه ذلك، فحَجَّ ، أَنَّه مُتَمَتٌِّ ، عليه ما على المتَمَتِّعِ . القبس ۵ ٣٠٠