Indexed OCR Text
Pages 321-340
الموطأ التمهيد فلْیُچِب ، فإن كان مُفطِرًا فلیاگُلْ)) . وژوى: ((فإن شاء اكَلَ ، وإن كان صائمًا فليدْعُ)). ورُويَ: ((فليصلٌ)). يريدُ: فليدْعُ. ورُويَ فى هذا الحديثِ أيضًا: ((وإن كان صائمًا فلا يأكُلْ)) (١) . فلو كان الفطرُ فى التَّطوَّع حسَنًا، لكان أفضلُ ذلك وأحسنُه فى إجابةِ الدَّعوةِ التى هى سُنَّةٌ مسنونةٌ ، فلمَّا لم يكنْ ذلك كذلك، عُلِمٍ أَنَّ الفطرَ فى التَّطوُّع لا يجوزُ. وقد رُويَ عن النبيِّ بَّهِ أَنَّه قال: (( لا تصومُ امرأةٌ وزوجها شاهدٌ يومًا من غيرِ شهرِ رمضانَ إلّا بإذنِهِ))(٢) . وفى هذا ما يدُلُّ على أنَّ المتطوَّعَ لا يُفطرُ، ولا يُفطِّرُ غيرَه ؛ لأنَّه لو كان للرجل أن يُفسِدَ عليها ما احتاجت إلىإذنه ، ولو كان مُباحًا كان إذنُه(٢) لا معنى له، والله أعلم . وقد ژُوِی عن النبيِّ وَ﴿ أَنَّ قُدِّمَ إليه سمنٌ وتمرّ وهو صائمٌ، فقال: ((رُدُّوا تمرَكم فى وِعائِه، ورُدُّوا سمنَكم فى سقائِه، فإِنِّى صائمٌ)) (١). ولم يُفطِرْ، بل أتمّ صومَه إلى الليلِ، على ظاهرٍ قولِ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿ِثُمَّ أَيِقُواْ الصِّيَامَ إِلَى أَلَيْلِ﴾. ولم يخُصَّ فرضًا من نافلةٍ. وقد رُوِىَ عن ابنِ عمرَ فى المفطرِ مُتعمِّدًا فى صومِ التَّطوّع أنَّه قال : ذلك اللََّعبُ بدينه. أو قال: بصومِه . القبس = أهل العلم فيها؛ وذلك أن العلماء فيها على قولين، فقول أكثر أهل السنة : لا تبطلوها بالرياء، أخلصوها لله. وقال آخرون: لا تبطلوا أعمالكم بارتكاب الكبائر. وممن روى عنه ذلك أبو العالية)). الاستذكار ٢٠٨/١٠ من النسخة المطبوعة . (١) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١١٧٥). (٢) أخرجه أحمد ٢٩٦/١٢ (٧٣٤٣)، والترمذى (٧٨٢)، وابن ماجه (١٧٦١) من حديث أبى هريرة. (٣) فى النسخ: ((ذلك)). والمثبت من الاستذكار ٢٠٩/١٠ من النسخة المطبوعة. (٤) أخرجه أحمد ١٠٩/١٩ (١٢٠٥٣)، والبخارى (١٩٨٢)، والنسائى فى الكبرى (٨٢٩٢) من حديث أنس. ٣٢١ (موسوعة شروح الموطأ ٢١/٩ ) الموطأ التمهید حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُّ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، حدثنا محمدُ ابنُ الجَهْمِ، حدَّثنا روحُ بنُ عبادةَ، حدَّثنا شعبةُ ، عن الحكم، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ ، أَنَّه دُعِى إلى طعامٍ وهو صائمٌ، فقال: لأن تختلِفَ الأسنَّةُ فى جوفِى أحبُ إليَّ من أن أَفْطِرٌ (). قال : وحدّثنا رومُ بنُ عُبادةَ ، قال : حدّثنا قرعةُ بنُ سُویدٍ ، قال : حدَّثنی معروفُ بنُ أبى معروفٍ، أَنَّ عطاءً صنَع لهم طعامًا بذِى طَوِّى (١) ، فقرَّبَه إليهم، وعطاءٌ صائمٌ، ومجاهدٌ صائمٌ ، وسعيدُ بنُّ جُبيرٍ صائمٌ ، فأفطَرَ عطاءٌ ومجاهدٌ ، وقال سعيدٌ: لأنْ تختلِفَ الشِّفارُ فى جوفِى أحبُّ إلىٍّ من أن أُفطِرَ. وقد رُوِىَ عن سعيدِ بنِ جبيرٍ خلافُ ذلك، على ما تقدَّمَ (٢) . قال أبو عمرَ : الاحتياطُ فى أعمالِ البرِّ أولَى ما قيلَ به فى ذلك . وباللهِ التوفيقُ. وذكَر عبدُ الرزاقِ (٤) ، عن الثورىِّ، عن حمَّادٍ ، عن إبراهيمَ قال: إن أفطر المتطوّعُ من غيرِ عُذرٍ، فعليه القضاءُ . وهو مذهبُ ابنِ عمرَ، وبه قال الحسنُ البصرىُّ ومكحولٌ(٥) . وهو قولُ مالك وأصحابه، وإليه ذهب أبو ثورٍ . القبس (١) أخرجه البغوى فى الجعديات (١٥٤) من طريق شعبة به . (٢) قال البكرى: بفتح أوله، مقصور منون، على وزن فعل، واد بمكة. معجم ما استعجم ٨٩٦/٣. (٣) تقدم تخريجه ص ٣١٨ . (٤) عبد الرزاق (٧٧٨٨). (٥) ينظر مصنف عبد الرزاق (٧٧٨٩)، ومصنف ابن أبى شيبة ٩٥/٣، وشرح معاني الآثار ١١١/٢. ٣٢٢ فديةُ مَن أفطَر فى رمضانَ مِن علَّةٍ الموطأ بابُ فديةِ مَن أفطَر فى رمضانَ مِن علَّةٍ الاستذكار حكمُ الفطرِ فى رمضانَ من (١) علَّةٍ القبس أما المريضُ والمسافرُ فقد تقدَّما، وأما الحائضُ فتَقْضِى الصومَ دونَ الصلاةِ للأثرِ الصحيح، وأما الذی لا یقدِرُ على الصيام من کېرٍ فقد اختلف الناسُ فى وجوبٍ الفديةِ عليه، وقد بيّنًّا أن قولَه تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤] . أو: (يُطَوَّقُونَه) - كيفما قُرِئ(١) - منسوخٌ على ما ثبت فى الحديثِ الصحيح ؛ فليس على العاجزِ من الكِبَرِ عن الصيامِ فديةٌ ؛ لأنه لم يتوَجَّهْ عليه خطابٌ فيفتدىَ مما لزِمَه . وأما الحاملُ والمرضعُ، فعن مالكِ فى ذلك روايتان ، وقال الشافعىُّ: تفتدِى الحاملُ ولا تفتدِى المرضعُ ؛ لأنَّ الحاملَ تخافُ على نفسِها ، والمرضعَ تخافُ على غيرِها ، فصارت المرضعُ بمنزلةٍ مَن يمرِّضُ مريضًا فى رمضانَ فيَضعُفُ عن الصومِ فلا فديةً علیه . والصحيح أنه ليس على المرضع ولا علی الحاملِ فدیةٌ ، على أنه قد ژُوی عن ابنِ عباسٍ أنه قال: نُسِخ قولُه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾. إلا فى الحاملِ والمرضعِ . وأراد ابنُ عباسٍ بقولِه: نُسِخ. خُصَّ، والتخصيصُ حكايةُ مذهبٍ ، والمذهبُ من الصاحبِ لا تقومُ به حجّةٌ، على ما تقدَّم بيانُه، وأما مَن أخّر رمضانَ (١) سقط من : م . (٢) تقدم تخريجه فى ٥٣٠/٣. (٣) قرأ الجمهور ﴿يطيقونه﴾. وقرأ ابن عباس وعائشة وسعيد بن المسيّب وطاوس وسعيد بن جبير ومجاهد، وعكرمة وأيوب السختيانى وعطاء: (يُطَوَّقُونه). ينظر تفسير ابن جرير ١٧١/٣ - ١٧٣ ، والمحتسب ١١٨/١، والبحر المحيط ٣٥/٢. (٤) أخرجه البخارى (٤٥٠٧)، ومسلم (١١٤٥) من حديث سلمة بن الأكوع . (٥) أخرجه أبو داود (٢٣١٨)، وابن جرير فى تفسيره ١٦٧/٣، والبيهقى ٢٣٠/٤. ٣٢٣ ٦٨٩ - مالكٌ، أنه بلغه أن أنسَ بنَ مالكٍ كَبِر حتى كان لا يقدِرُ الموطأ على الصيام ، فكان يَفتَدِى . قال مالكٌ: ولا أرَى ذلك واجبًا، وأَحَبُّ إلىّ أن يفعَلَه إن كان قويًّا عليه، فمَن فَدَى فإنما يُطعِمُ مكانَ كُلِّ يومٍ مُدَّا بِمُدِّ النبيِّ وَّهِ. الاستذكار ذگر فیه مالك أنه بلغه عن أنس بن مالك أنه کېر حتی کان لا يقدرُ علی الصيام، فکان یفتدِى(١). قال مالكٌ: ولا أرى ذلك واجبًا عليه - يعنى الفديةَ - وأُحبُّ إلىَّ أن يفعَلَه إن كان قويًّا عليه، فمَن فدَى فإنما يُطعِمُ مكانَ كلّ يومٍ مُدَّا بِمُدِّ النبيِّ وَله. قال أبو عمر: الخبر بذلك عن أنسٍ صحیح متصلٌ ؛ رواه حمادُ بنُ زيدٍ ، وحمادُ بنُ سلمةً ، ومعمرُ بنُ راشدٍ ، عن ثابت البناني ، قال: کپِر أنسُ بنُّ مالك حتى كان لا يُطيقُ الصومَ قبلَ موتِه بعامٍ أو عامين، فكان يُفطرُ وَيُطِعِمُ(١) . القبس حتى دخّلَ عليه رمضانٌ آخرُ ؛ فقال أبو حنيفةً : لا فديةً عليه . وقال سائرُ العلماءِ : عليه الفديةُ. ولستُ أعلم فى ذلك دليلاً فى الشريعةِ ، إلا أنَّ الدار قطنىّ أَسْتَد إلى النبيِّ وَلِ " أنَّ عليه٣) الفديةَ(٤) . ولم يَصِحَ. (١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٥/٧ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٨٠٩). وأخرجه الشافعى ٢٤٥/٧، والبيهقى فى المعرفة (٢٥٥٤) من طريق مالك به . (٢) أخرجه عبد الرزاق (٧٥٧٠)، وفى تفسيره ٧٠/١ عن معمر به. (٣ - ٣) سقط من : ج ، م .. (٤) الدارقطنى ١٩٧/٢. ٣٢٤ الموطأ وروَى قتادةُ، عن النضرِ بنِ أنسٍ مثلَه، قال: كان يُطعِمُ عن كلِّ يومٍ الاستذكار مسكينًا(١). قال أبو عمرَ: اختُلِف عن أنسٍٍ فى صفةٍ إطعامِه؛ فرُوِى عنه مُدٌّ لكلِّ مسكينٍ، ورُوِى عنه نصفُ صاعٍ، ورُوِى عنه أنه كان يجمعُهم فيُطعمُهم ؛ فربما أجمَعَ (١) ثلاثمائةٍ مسكينٍ فَأَطعَمهم وجبةً واحدةً، وربما أطعَم ثلاثين مسكينًا كُلَّ ليلةٍ مِن رمضانَ يتطوُ بذلك، وكان يصنَعُ لهم الجِفَانَ مِن الخبزِ (٣) واللحمِ(٣) . قال أبو عمرَ : أجمَع العلماءُ على أن للشيخ الكبيرِ والعجوزِ اللذَينِ لا يُطِيقان الصومَ الإفطارَ، ثم اختلفوا فى الواجبِ عليهما؛ فقال مالكٌ ما ذكرناه عنه فى ((موطئِه)). وروَى عنه أشهبُ، قال: قال ربيعةُ فى الكبيرِ والمُسْتَعْصَرِ : إذا أفطرا إنما عليهما القضاءُ، ولا إطعامَ عليهما. قال أشهبُ: وقال لى مالكٌ مثلَه. وقال الأوزاعى: قال اللهُ عزَّ وجلّ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ اُلْضِيَامُ كَمَا كُتِبَ عَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾. إلى قولِه: (فِذْيَةُ طَعَامِ مساكينَ) [البقرة: ١٨٣، ١٨٤]. قال: كان مَن أطاقَ الصيامَ إن شاء صام وإن شاء أطعَم، فنسختها هذه الآيةُ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْةٌ وَمَنْ القبس (١) أخرجه عبد بن حميد - كما فى تغليق التعليق ١٧٧/٤ - من طريق قتادة به : (٢) فى م: ((جمع)). وكلاهما بمعنى. الوسيط (ج. م.ع). (٣) ينظر سنن الدارقطنى ٢٠٧/٢، ٢٠٨، وسنن البيهقى ٢٧١/٤. (٤) هى قراءة نافع وأبى جعفر. وقرأ ابن عامر: (فديةٌ طعامُ مساكين). وقرأ الباقون: ﴿فديةٌ طعامٌ مسکین﴾. ينظر النشر ٢/ ١٧٠. ٣٢٥ الموطأ الاستذكار كَانَ مَرِيضًّا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَنَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. فثبَت الفديةُ للكبيرِ الذى لا يُطيقُ الصومَ ؛ أن يُطعِمَ لكلِّ يوم مسكينًا مُدًّا مِن حنطةٍ . وقال الشافعىُّ : الشيخُ الكبيرُ الذى لا يُطيقُ الصومَ ويقدرُ على الكفارةِ يتصدَّقُ عن كلّ يومٍ بِمُدٍّ مِن حنطةٍ، قلتُه خبرًا عن أصحابِ النبيِّ وَله، وقياسًا على مَن لم يُطِقِ الحَّ أنه يحُّ عنه غیرُه ، ولیس عملُ غیرِه عمله عن نفسِه، کما ليس الكفارةُ كعملِه . قال: والحالُ التى يترُكُ فيها الكبيرُ الصومَ أن يكونَ" يَجهَدُه الجَهدَ غيرَ المحتمَلِ . وقال أبو حنيفةً ، وأبو يوسفَ ، ومحمدٌ ، فى الشيخ الكبيرِ الذى لا يُطيقُ الصومَ : يُفطرُ ويُطعمُ لكلِّ يومٍ مسكينًا نصف صاعٍ مِن حنطةٍ ، ولا شىءَ عليه غيرَ ذلك. وقال أبو ثورٍ : أما الشيخُ الكبيرُ الذى يقدرُ على الصومِ، فإنه يفطرُ ويُطعِمُ مكانَ كلِّ يومٍ مسكينًا إذا كان الصومُ يَجِهَدُه، وإن كان لا يقدرُ على الصومِ فلا شىءَ عليه . قال أبو عمرَ: قال اللهُ تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾. إلى قولِه: (فعِدَّةٌ من أيامٍ أُخَرَ وعلى الذين يُطِيقونه فِدْيةُ طعامٍ مساكينَ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فهو خيرٌ له وأن تصوموا خيرٌ لكم). قولُه تعالى: ﴿يُطِيقُونَهُ﴾. هو الثابتُ بينَ لوحي المصحفِ المجتمعِ عليه، وهى القراءةُ الصحيحةُ التى يُقطعُ بصحتها ويُقطعُ العذرُ بمجيئِها. وقد اختلَفت العلماءُ بتأويلِها ؛ قال منهم قائلون : هى منسوخةٌ . قالوا: كان المقيمُ الصحيحُ المُطيقُ للصيامِ مخيّرًا بينَ أن يصومَ رمضانَ وبينَ أن يُفطِرَ ويُطعِمَ عن كلّ يومٍ مسكينًا ، وإن شاء صام منه ما شاء ا القبس (١ - ١) ليس فى: الأصل، م. والمثبت من الأم ١٠٤/٢. (٢) بعده فى الأصل، م: (( لا)). والمثبت يقتضيه السياق . ٣٢٦ الموطأ الاستذكار وأطعَم عما شاء، فكان الأمرُ كذلك حتى أنزل اللهُ عزَّ وجلّ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمّْةٌ وَمَن كَانَ مَرِيضًّا﴾ الآية. فَنَسَخ به ما تقدَّم مِن التخييرِ بينَ الصومِ والإطعامِ . واختلفوا مع هذا فى تأويلٍ قوله: ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ﴾. فقال بعضُهم: يُطعمُ مسكيتين عن كلِّ يومٍ مدَّا مدًّا، أو نصف صاع . وقال بعضُهم: يطعِمُ مسكينًا أكثرَ مما يجبُ عليه. وقال بعضُهم: أراد بقولِه: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ﴾. أن يصومَ مع الفديةِ. قال: والصومُ مع ذلك خيرٌ له مِن ذلك. وكلُّ هؤلاء يقولون: الآيةُ منسوخةٌ بقولِه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمّْةٌ﴾. وممن قال بذلك عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ، رواه أيوبُ وخالدٌ الحَذَّاءُ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، عن ابنِ عباسٍ (١) . ورواه يزيدُ النحوىُّ، عن عكرمةً، عن ابنِ عباسٍ . ورواه ابنُ جریچ وعثمانُ بنُ عطاءالخراسانیُ ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ ) . وهو قولُ سلمةَ بنِ الأكوع لم يُختَلَفْ عنه فيه، وقولُ علقمةَ، وعَبيدةً، وابنٍ سيرينَ، والشعبىِّ، وابنٍ شهابٍ الزهرىِّ(١). وهو قولُ جماعةٍ مِن أهلِ الحجازِ والعراقِ ، إلا أنهم فى قولهم: إنها منسوخةٌ. مُفترقون فرقتين؛ منهم من قال : منسوخةٌ جملةً فى الشيخ وفى غيرِه . ومِن قولِ هؤلاء أو بعضِهم ، القبس (١) أخرجه الطبرانى (١٢٨٧٥) من طريق أيوب به . (٢) أخرجه أبو داود (٢٣١٦) من طريق يزيد النحوى به . (٣) أخرجه أبو عبيد فى ناسخه ص٤٧، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٣٠٧/١ (١٦٣٧) من طريق ابن جريج وعثمان به . (٤) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ١٨/٣، ١٩، وتفسير ابن أبى حاتم ٣٠٨/١، وسنن البيهقى ٢٠٠/٤، وتفسير ابن جرير ١٦٦/٣. ٣٢٧ ٠ الموطأ الاستذكار أن الناسَ لا يَخْلون مِن إقامةٍ أو سفرٍ، ومِن صحةٍ أو مرضٍ، فالصحيحُ المقيمُ غيرُ مخيّرٍ؛ لأن الصومَ كان عليه فرضًا واجبًا، لقدرتِه على ذلك وإقامتِه ببلدِه، والمسافرُ يخيّرُ على ما تقدَّم مِن حكمِه فى كتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ، فإن أفطَر فعليه عِدَّةٌ مِن أيامٍ أخرَ ولا فديةَ ، والمريضُ لا يخلُومِن أن يُرجى بُرؤُه وصحتُه ، فهذا إن صح قضَى ما عليه عِدَّةٌ مِن أيامٍ أُخَرَ، وإن لم يُطمع له بصحةٍ ولا قوةٍ ؛ كالشيخ والعجوزِ اللذَين قد انقطعَت قوتُهما، ولا يطمَعان أن يثوبَ(١) إليهما حالٌ يمكنُهما فيه القضاءُ، فلا شىءَ عليهما مِن فديةٍ ولا غيرِها ؛ لأن الله تعالى لا يُكلِّفُ نفسًا إلا وسعها. هذا معنى قولِ القاسمِ بنِ محمدٍ، وسالمٍ بنِ عبدِ اللهِ، ومکحول الدمشقى ، وربیعةً بن عبد الرحمن ، وسعیدِ بنِ عبد العزيزِ ، ومالك وأصحابِهِ، وبه قال أبو ثورٍ، وداودُ، وروايةٌ عن قتادةً؛ إلا أن مالكًا يستحِبُّ للشيخ الذى لا يقدرُ على الصيامِ إذا قدَر على الفديةِ بالطعامِ ، أن يُطعِمَ عن كلِّ يومٍ مدًّا لمسكينٍ مِن قُوتِه، ولا يَرَى عليه ذلك واجبًا عليه . وذهبت الفرقةُ الأخرى تقرأُ: ﴿يُطِيقُونَهُ﴾. وترى الآيةَ منسوخةً، إلا أن النسخَ فيها على بعضٍ المُطيقين للصومِ، وهى محكمةٌ فى بعضِهم ؛ فقالوا: كلُّ مَن أطاق الصومَ بلا مشقةً تضُرُّ به، فالصومُ واجبٌ عليه، وكلَّ مَن لم يُطقِ الصومَ إلا بجَهدٍ ومشقةٍ مُضرةٍ به، فله أن يفطرَ ويفتدىَ؛ لقولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْمُسْرَ﴾. قالوا: وذلك فى الشيخ الكبيرِ، والعجوزِ، والحاملِ، والمرضعِ، الذين لا القبس (١) فى الأصل، م: ((يثوبا)). والمثبت يقتضيه السياق. ٣٢٨ الموطأ الاستذكار يُطيقون الصيامَ إلا بجهدٍ وبمشقةٍ خوفًا على الولدِ . ذهب إلى هذا جماعةٌ مِن العلماءِ؛ منهم أنسُ بنُ مالكِ، وابنُ عباسٍ فى روايةٍ، وعطاءٌ، ومجاهدٌ ، وطاوسٌ، وعكرمةُ (١). وشريح كان يُطعمُ عن نفسِه ولا يصومُ كفعلٍ أنسٍ بنٍ مالكٍ، وبهذا قال الثورىُّ، وأبو حنيفةً وأصحابُه، والحسنُ بنُ حىٍّ، والأوزاعىُّ ، والشافعىُ، وطائفةٌ مِن أهلِ المدينةِ؛ منهم يحيى بنُ سعيدٍ ، وأبو الزنادٍ ، وابنُ شهابٍ فى روايةٍ ١، وهو معنى قراءةٍ مَن قرأ: (يُطَوَّقُونه)(٢). لأن القراءتين على هذا التأويلِ غيرُ متنافيتين، وهذا شأنُ الحروفِ السبعةِ ، يختلِفُ سماعُها ويتفِقُ مفهومُها؛ فقراءةُ مَن قَرَأَ: ﴿يُطِيقُونَهُ﴾. يعنى بمشقةٍ، وهو بمعنى : ( يُطَوَّقونه). أى يُكلَّفونه، ولا يُطيقونه إلا بمشقةٍ. وعن ابنٍ شهاب روايةٌ أخرى، وهى أصحُ، وذلك أنه كان يرى الآيةَ فى التخييرِ بينَ الإطعامِ والصيامِ للمسافرِ والمريضِ خاصةً ، ويراها منسوخةً بما ذكرنا مِن قوله عزَّ وجلَّ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمّْةٌ﴾، ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾. قال: القضاءُ حتمًا ونُسِخ الخيارُ. قال أبو عمرَ : قولُ ابنِ شهابٍ هذا كالقولِ الأولِ الذى حكَيناه عن ربيعةً ومالك ومن ذكرنا معهم فى ذلك . القبس (١) ينظر مصنف عبد الرزاق (٧٥٧٤، ٧٥٧٥)، وسنن الدارقطنى ٢٠٤/٢، ٢٠٥، ١٦٥/٤، وسنن البيهقى ٤/ ٢٧١. (٢) فى م: ((يطيقونه)). (٣) أخرجه أبو عبيد فى ناسخه ص ٥٠، ٥١، وابن جرير فى تفسيره ١٦٤/٣، ١٦٥. ٣٢٩ الموطأ الاستذكار ومِن حُبَّةٍ مَن قال بوجوبِ الفديةِ ظاهرُ قولِ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾. يريد: يُطيقونه ويشُقُّ عليهم ويضُرُ بهم، ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ﴾. قال: لو يعى هؤلاء! هى الآيةُ محكمةٌ؛ أَلزَم الفديةَ بدلًا مِن الصومِ، كما أَلْزَم مَن لا يُطيقُ الحجّ بيدِنِه أن يُحِجَّ غيرَه بمالِه ، وكما ألزم الجميعُ الجانىَ على عضو مخوفٍ الدِّيةَ بدلًا مِن القصاصِ من (١) قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥ قال أبو عمرَ: الاحتجاجُ بهذه الأقوالِ يطولُ، وقد أكثروا فيها، والصحيح فى النظرِ ، واللهُ أعلمُ، قولُ مَن قال: إن الفديةَ غيرُ واجبةٍ على مَن لا يُطيقُ الصيامَ. لأن الله تعالى لم يوجبِ الصيامَ على مَن لا يُطيقُه ؛ لأنه لم يُوجِبْ فرضًا إلا على مَن أطاقَه، والعاجزُ عن الصومِ كالعاجزٍ عن القيامِ فى الصلاةِ، وكالأعمى العاجزِ عن النظرِ لا يُكلَّفُه، وأما الفديةُ فلم تجبْ بكتابٍ مجتمَع على تأويله، ولا سُنَّةٍ " نقَلها مَن تجبُ الحُجَّةُ بنقلِه ، ولا إجماع فى ذلك عن الصحابةِ ولا عمَّن بعدَهم، والفرائضُ لا تجبُّ إلا مِن هذه الوجوهِ ، والذمةُ بريئةٌ، فالواجبُ ألَّ يوجَبَ فيها شىءٌ إلا بدليلٍ لا تنازُعَ فيه، والاختلافُ عن السلفِ فى إيجابِ الفديةِ موجودٌ، والرواياتُ فى ذلك عن ابنِ عباسٍ مختلفةٌ، وحديثُ علىٍّ لا يصحُّ عنه، وحديثُ أنسٍ بنِ مالكٍ يحتمِلُ أن يكونَ طعامُه عن نفسِه تبرُّعًا وتطوُّعًا ، القبس (١) ليس فى: الأصل، وفى م: ((فى)). والمثبت من شرح الزرقانى ٢٥٥/٢. (٢ - ٢) فى م: ((يفقهها من تجب الحجة بفقهه)) ٣٣٠ الموطأ الاستذكار وهو الظاهرُ فى الأخبارِ عنه فى ذلك . وأما الذين كانوا يقرءون: (على الذين يطوَّقونه فديةٌ طعامُ مساكينَ). فهذه القراءةُ رُويَت عن ابنِ عباسٍ مِن طرقٍ، وعن عائشةً، كذلك كان يقرأ مجاهدٌ، وعطاءٌ، وسعيدُ بنُ جبيرٍ، وعكرمةُ، وجماعةٌ مِن التابعين غيرُهم(١) ، وكلَّهم يذهبُ إلى أن الآيةَ محكَمةٌ فى الشيخ، والعجوزِ، والحاملِ، والمرضعِ، الذين يُكلَّفون الصيامَ ولا يُطيقونه، وسيأتى ذكرُ الحاملِ والمرضعِ من هذا البابِ إن شاء اللهُ. ومعنى ( يُطَوَّقونه ) عندَ جميعِهم: يُكلّفونه. ثم اختلفوا؛ فقال بعضُهم: يكلَّفونه ولا يُطيقونه إلا بجَهدٍ ومشقةٍ مُضرةٍ، فهؤلاء جُعِلت عليهم الفديةُ. وهذا القولُ نحوُ ما قدَّمنا عن الذين ذهبوا إلى ذلك ممن قرَأ القراءةَ الثابتةً فى المصحفِ: ﴿يُطِيقُونَهُ﴾. وقال بعضُهم: يُكلَّفونه ولا يُطيقونه على حالٍ البَّةَ(٢)، فأُلزِموا الفديةَ بدلًا مِن الصوم. وذكروا نحوَ ما ذكّرنا مِن الحُجّةِ ومُعارضاتٍ لم أرَ لذكرِها وجهًا؛ لأن القراءةَ غيرُ ثابتةٍ فى المصحفِ، ولا يُقطَعُ بها على اللهِ تعالى، وإنما مَجْراها مَجْرى أخبارِ الآحادِ العدولِ فى الأحكام. وفيما ذكّرنا كفايةٌ ودلالةٌ على ما عنه سكتنا. وباللهِ توفیقُنا . القبس (١) ينظر ما تقدم ص٣٢٣ . (٢) فى م: ((النية)). ٣٣١ ٦٩٠ - مالكٌ، أنه بلغه أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ سُئِلَ عن المرأةِ الحامل الموطأ إذا خافَتْ على ولَدِها واشتَدَّ عليها الصيامُ، قال: تُفْطِرُ وتُطْعِمُ مكانَ كُلِّ يومٍ مسكينًا، مُدًّا مِن حِنطةٍ بِمُدِّ النبيِّ وَ لِ. قال مالكٌ: وأهلُ العلم يَرَونَ عليها القضاءَ، كما قال اللهُ عَّ وجلَّ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ تَِّضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾. [البقرة: ١٨٤]. ويَرَون ذلك مرضًا مِن الأمراضِ مع الخوفِ على ولَدِها. الاستذكار وأما حديثُ مالكِ فى هذا البابِ ، أنه بلغه أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ سُئل عن المرأةِ الحاملِ إذا خافَت على ولدِها واشتدَّ عليها الصيامُ ، قال : تفطِرُ وتطعِمُ عن كلّ يومٍ مسكينًا، مدًّا مِن حنطةٍ بِمُدِّ النبيِّ وَّةٍ(١). قال مالكٌ: وأهلُ العلمِ يرَون عليها القضاءَ، كما قال اللهُ عزَّ وجلّ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ فَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾. ويرَون ذلك مرضًا مِن الأمراضِ مع الخوفِ على ولدِها. قال أبو عمرَ : أما الخبرُ عن ابنِ عمر بما ذكَر مالكٌ أنه بلغه ، فقد رواه حماد ابنُ زيدٍ ، عن أيوبَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، وحمادُ بنُ سلمةً، عن أيوبَ وعبيدِ اللهِ بنِ عمرَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، أنه كان يقولُ فى الحامل والمرضعِ: تُقطران وتُطعِمان عن كلِّ يومٍ مدًّا لمسكينٍ(٢) . القبس (١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٥/٧ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٨٠٧). (٢) أخرجه الدار قطنى ٢٠٧/٢ من طريق حماد بن زيد به، وأخرجه إسماعيل بن إسحاق القاضى - كمافى المحلى ٣٩٩/٦ من طريق حماد بن سلمة به. ٣٣٢ الموطأ ومعمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمرَ، قال : الحاملُ إذا خشِيت علی نفسها فی رمضان تفطِئُ وتطعم، ولا قضاءً علیھا () . وهو قول سعيد بن جبيرٍ، والقاسمِ بنِ محمدٍ ، وطائفةٍ . قال إسحاقُ بنُّ راهُويه : والذى أذهبُ إليه فى الحاملِ والمرضعِ، أن يفطِرا ويطعما، ولا قضاءً عليهما . اتباعًا لابنِ عباسٍ وابنِ عمرَ. الاستذكار قال أبو عمرَ : رواه عن ابنِ عباسٍ سعيدُ بنُ جبيرٍ، وعطاءٌ، وعكرمةُ ، بأسانيدَ حِسانٍ ، أنهما يُفطِران ويطعمان، ولا قضاءَ عليهماً) . وقال ابنُ عباسٍ : خمسةٌ لهم الفطرُ فى شهرِ رمضانَ ؛ المريضُ ، والمسافرُ ، والحاملُ ، والمرضُ، والكبيرُ، فثلاثةٌ عليهم الفديةُ ولا قضاءَ عليهم ؛ الحاملُ، والمرضعُ، والكبيرُ. قال الوليدُ: فذكرتُ هذا الحديثَ لأبى عمرٍو - يعنى الأوزاعىَّ - فقال: الحملُ والرضائحُ عندَنا مرضّ مِن الأمراضِ، تقضِيان ولا إطعامَ عليهما . "قال أبو عمر : فى المسألةِ أربعةُ أقوال ؛ أحدُها : قول ابنِ عباسٍ وابنٍ عمرَ: الفديةُ ولا قضاءَ. والثانى: إن أفطَرتا فعليهما القضاءُ ولا إطعامَ عليهما" . رُوِى ذلك عن الحسن البصرىِّ، وإبراهيمَ النخَعيِّ، وعطاءٍ، والزهرىِّ، والضحاكِ، والأوزاعيِّ، وربيعةً، والثورىِّ، وأبى حنيفةً وأصحابِهِ ، والليثِ ، والطبرىِّ. وبه قال أبو ثورٍ، وأبو عبيدٍ (٤) . وهو قولُ مالك فى المرضعِ، القبس (١) أخرجه عبد الرزاق (٧٥٦١) عن معمر به. (٢) أخرجه عبد الرزاق (٧٥٦٧)، وإسماعيل بن إسحاق القاضى - كما فى المحلى ٣٩٩/٦- والدارقطنى ١٤١/٤ من طريق سعيد بن جبير بنحوه. (٣ - ٣) سقط من: م. (٤) ينظر مصنف عبد الرزاق (٧٥٦٥)، والمحلى ٣٩٩/٦. ٣٣٣ الموطأ وأحدُ قولي الشافعيّ فى الحاملِ . والثالثُ: عليهما القضاءُ والإطعامُ معًا . قال الاستذكار أبو عبدِ اللهِ المروزىُّ: لا نعلمُ أحدًا صحَّ عنه أنه جمَع عليهما الأمرين ؛ القضاءَ والإطعامَ، إلا مجاهدًا. قال: ورُوِى ذلك عن عطاءٍ (١) ، وعن ابنِ عمرَ أيضًا، ولا يصح عنهما. والصحيحُ عن ابنِ عمرَ فيهما ١١ الإطعامُ ولا قضاءَ. وبقولٍ(٣) مجاهدٍ فى جمعِ القضاءِ والإطعامِ عليهما يقولُ() الشافعىُّ فى روايةِ المُزنِىّ عنه . وروى عنه البويطئُ أن الحاملَ لا إطعامَ عليها ، وهى كالمريضِ تقضِى عدةٌ مِن أيامٍ أخرَ. وقولُ أحمدَ بنِ حنبلٍ كقول الشافعيِّ فى روايةِ المُزنيِّ ؛ قال أحمدُ : الحاملُ إذا خافَت على جنينِها ، والمرضعُ إذا خافَت على ولدِها ، أفطَرتا وقضَتا وأطعَمتا عن كلِّ يومٍ مسكينًا. قال: ومَن عجَز عن الصومِ لكِبَرٍ، أفطَر وأطعَم عن كلِّ يومٍ مسكينًا . والقولُ الرابعُ: الفرقُ بينَ الحاملِ والمرضعِ . قال مالكٌ: الحاملُ كالمريضِ، تُفطرُ وتقضِى، ولا إطعامَ عليها، والمرضعُ تفطرُ وتقضِى، وتطعمُ عن كلِّ يومٍ مُدًّا مِن ثٌُ. وقد ذكّرنا قولَه الآخَرَ فى المرضعِ . وقال بعضُ أصحابِهِ : إن الإطعامَ فى المرضعِ استحبابٌ . قال أبو عمرَ : الفقهاءُ فى الإطعامِ فى هذا البابِ وفى سائرِ أبوابِ الصيامِ وسائرِ الكفاراتِ على أصولِهم، كلٌّ على أصلِه، والإطعامُ عندَ الحجازيين مدَّ بمدِّ النبيِّ وَ لَه، وعندَ العراقيين نصفُ صاعٍ. القبس (١) ينظر المحلى ٣٩٩/٦. (٢) فى م: ((فيها)). (٣) فى الأصل، م: ((يقول)). والمثبت يقتضيه السياق. (٤) فى الأصل، م: ((بقول)). والمثبت يقتضيه السياق . ٣٣٤ ٦٩١ - مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، أنه كان الموطأ يقولُ : مَن كان عليه قضاءُ رمضانَ فلم يقضِه وهو قوىٌّ علی صیامِه ، حتى جاء رمضانٌ آخَرُ، فإنه يُطعِمُ مكانَ كُلِّ يومٍ مسكينًا مُدَّا مِن حِنطةٍ ، وعليه مع ذلك القضاءُ . ٦٩٢ - مالكٌ، أنه بلغه عن سعيدِ بنِ مجبيرٍ مِثْلُ ذلك . وأمَّا حديثُ مالكِ فى هذا البابِ ، عن عبد الرحمنِ بنِ القاسم ، عن أبيه، الاستذكار قال : مَن کان علیه قضاء رمضان فلم یقضِه وهو قویِّ علی صیامِه ، حتى جاء رمضانٌ آخرُ، فإنه يُطعِمُ عن كلِّ يومٍ مسكينًا مُدَّا مِن حنطةٍ، وعليه مع ذلك (١) القضاء(١). مالكٌ أنه بلغه عن سعيدِ بنِ جبيرٍ مثلُ ذلك(٢). قال أبو عمرَ: ليس فى هذا البابِ عندَ مالكِ شىءٌ عن أحدٍ مِن الصحابةِ ، ولا أعلمُ فيه حديثًا مسندًا، وما ذكَر فيه أنه بلغه عن سعيد بن جبيرٍ فهو محفوظٌ عن سعيدٍ بنٍ جبيرٍ . رواه ابنُ أبى شيبةَ، عن غُندرٍ ، عن شعبةً ، عن أبى بشرٍ ، عن سعید بن جبيرٍ . وأمّا أقاويلُ الفقهاءِ فى هذه المسألةِ؛ فقال مالكٌ، والثورىُّ، والليثُ بنُ سعدٍ، والشافعىُّ، والحسنُ بنُ حىّ، والأوزاعىُّ: إن فرّط فى رمضانَ حتى القبس (١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٥/٧ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٨١١). وأخرجه ابن وهب فى موطئه (٢٩١) عن مالك به . (٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٥/٧ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٨١٢). ٣٣٥ الموطأ الاستذكار دخّل رمضانٌ آخرُ صام الآخرَ، ثم قضَى ما كان عليه مِن الأول ، وأطعَم عن كلِّ يومٍ مسكينًا. وروى ذلك عن ابنِ عباسٍ، وابنِ عمرَ، وأبى هريرةَ، وعطاءٍ، والقاسمِ بنِ محمدٍ، وابنِ شهابٍ الزهرىِّ (١). وبه قال أحمدُ، وإسحاقُ، والكوفيُّون : نصفُ صاع. والحجازيون: مُدِّ. كلٍّ على أصله . وذكر یحیی بنُ أكثمَ أنه وجَب فى هذه المسألةِ الإطعامُ عن ستةٍ مِن الصحابةِ ، لم يُعلم لهم منهم مخالفٌ. وقال أبو حنيفةً وأصحابُه: يصومُ رمضانَ الثانىَ، ثم يقضِى الأولَ ، ولا فديةً عليه، وسواءٌ قوِى على الصيامِ أم لا . وهو قولُ الحسن البصرىِّ، وإبراهيمَ النخَعيِّ. وبه قال داودُ: ليس مع مَن أوجَب الفديةً فى هذه المسألةِ حُجَّةٌ مِن كتابٍ ولا سنةٍ ولا إجماعٍ . وقال أبو جعفرٍ الطحاوىُّ: قال اللهُ تعالى : ﴿فَمِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾. فأوجب القضاءَ دونَ غيرِهِ، فلا يجوزُ زيادةٌ الإطعامِ ، إلا أن هذه الجماعةَ مِن الصحابةِ قد اتفقَت على وجوبِ الإطعامِ بالتفريطِ إلى دخول رمضانٍ آخرَ . قال أبو عمرَ : التفريطُ أن يكونَ صحيحًا لا علةَ تمنعُه مِن الصيامِ حتى یدخُلَ رمضانٌ آخرُ. واختلفوا فيما يجبُ علیه إن لم یصِحّ مِن مرضِه حتى دخَل الرمضانُ المقبلُ ؛ فرُوِى عن ابنِ عباسٍ ، وابنٍ عمرَ، وسعيدِ بنِ جبيرٍ ، وقتادةً : يصومُ الثانىَ إن أدرَكه صحيحًا، ويُطعِمُ عن الأُولِ، ولا قضاءَ عليه. وقال الحسنُ البصرىُّ، وإبراهيمُ النخَعىُّ، وطاوسٌ ١، وحمادُ بنُ أبي سليمانَ ، وأبو القبس (١) ينظر سنن الدارقطنى ١٩٧/٢، وسنن البيهقى ٢٥٣/٤، وفتح البارى ٤/ ١٩٠. (٢) فى الأصل، م: ((الطعام)). والمثبت من مختصر اختلاف العلماء ٢٢/٢. (٣) ينظر المحلى ٣٩٥/٦ . ٣٣٦ الموطأ جامعُ قضاءِ الصيامِ ٦٩٣ - مالك، عن يحيى بن سعيدٍ، عن أبى سلمةً بن عبد الرحمنِ، أنه سمِع عائشةَ زوجَ النبيِّ وَ لِّ تقولُ: إن كان ليكونُ علىَّ الصيامُ مِن رمضانَ، فما أستطِيعُ أَصُومُه حتى يأتىَ شعبانُ(١). حنيفةً، والثورىُّ، ومالكٌ، والأوزاعىُّ، والشافعىُّ، وأحمدُ ، وإسحاقُ: يصومُ الاستذكار الثانىَ ثم يقضِى الأُولَ، ولا فديةَ عليه؛ لأنه لم يفرّطْ. وقال الأوزاعىُّ: إذا فرّط فى قضاءٍ رمضانِ الأُولِ ، ومرِض فى الآخِرِ حتى انقضَى، ثم مات ، فإنه يطعم عن الأُولِ مُدَّين؛ مدَّا لتَضْبيعِه، ومدًّا للصيامِ، ويطعِمُ عن الآخِرِ مدَّا لكلّ يومٍ. قال أبو عمرَ: ذكَر الجَوْهَرىُّ والنَّسائُّ فى ((مسندِه)) حديثَ مالك، عن التمهيد يحيى بن سعيدٍ، عن أبى سلمةً، عن عائشةَ سمِعها تقولُ: إن كان ليكونُ علىَّ الصيامُ من رمضانَ فما أستطيعُ أن أقضيَه حتى يأتىَ شعبانُ . فأَدْخَلا هذا فى المسند، ولا وجه له عندی إلا وجة بعیدٌ ، وذلك أنه زُعم أن ذلك کان لحاجةٍ رسولِ اللهِ وَّه إليها، واسْتُدِلَّ بحديثِ مالكِ، عن أبى النَّصْرِ، عن أبى سلمةً، عن عائشةَ قالت: ما رأيتُ رسولَ اللهِ وَلِّ أكثرَ صيامًا منه فى شعبانَ(٢). وقد يُشْتَدلُّ من قولٍ عائشةَ هذا على جوازٍ تأخيرٍ قضاءِ رمضانَ ؛ لأن الأغلبَ أن تركها لقضاءٍ ما كان عليها من رمضانَ لم يكنْ إلا بعلم رسولِ اللهِ وَّهِ. وإذا القبس (١) الموطأ برواية أبى مصعب (٨٣٤)، وأخرجه الشافعى ٤٦٠/١ (٧٠٣)، وأبو داود (٢٣٩٩)، وأبو عوانة (٢٨٨٣)، والبيهقى فى المعرفة (٢٥٢٨، ٣٢٦٩) من طريق مالك به . (٢) سيأتى فى الموطأ (٦٩٥). ٣٣٧ (موسوعة شروح الموطأ ٢٢/٩) : الموطأ صيامُ اليوم الذى يُشَكّ فيه ٦٩٤ - مالكٌ، أنه سمِع أهلَ العلمِ يَنهَونَ عن أن يُصامَ اليومُ الذى ◌ُشَكُّ فیه مِن شعبانَ إذا نوى به صيام رمضانَ ، ويَرَونَ أن علی مَن صامه على غيرِ رُؤيةٍ ، ثم جاء الثَّبَتُ أنه مِن رمضانَ، أنَّ عليه قضاءَه ، ولا يَرَونَ بصيامِه تطَوُّعًا بأسًا . قال يحيى : قال مالكٌ: وهذا الأمرُ عندَنا والذى أُدرَ كتُ عليه أهلَ العلمِ ببلدِنا . التمهيد كان ذلك كذلك، كان فيه بيانٌ لمرادِ اللهِ عزَّ وجلَّ من قوله: ﴿فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾. لأن الأمرَ يَقْتَضى الفورَ حتى تقومَ الدلالةُ على التَّراخى، كما يقتضى الانقيادَ إليه ووجوبَ العملِ به حتى تقومَ الدلالةُ على غيرِ ذلك . وفى تأخيرٍ عائشةَ قضاءَ ما عليها من صيامِ رمضانَ دليلٌ على التوسعةِ والرخصةِ فى تأخيرٍ ذلك، وذلك دليلٌ على أن شعبانَ أقصى الغايةِ فى ذلك ، فمن أخّره حتى يدخُلَ عليه رمضانٌ آخرُ، وجَبت عليه الكفارةُ التى أَنْتَى بها جمهورُ السلفِ والخلفِ من العلماءِ، وذلك مُدٌّ عن كلِّ يوم. واللهُ أعلمُ . الاستذکار بابُ صيامِ اليومِ الذى يُشَكُّ فيه ذكَر فيه مالكٌ ، أنه سمِع أهلَ العلمِ ينهون عن أن يُصامَ اليومُ الذى يُشَكُّ فيه مِن شعبانَ إِذا نوَى به صيامَ رمضانَ ، ويرَون على مَن صامَه على غيرِ رؤيةٍ ثم جاء . القبس ٣٣٨ الموطأ الثَّبَتُ أنه مِن رمضانَ قضاءَه، ولا يرَون بصيامِه تطوعًا بأسًا). قال مالك: وهذا الاستذكار الأمرُ عندَنا ، والذى أدركتُ عليه أهلَ العلمِ ببلدنا . قال أبو عمرَ: هذا أعدلُ المذاهبِ فى هذه المسألةِ إن شاء اللهُ، وعليه جمهورُ العلماءِ. وممن رُوِى عنه كراهةُ صومِ يومِ الشكِّ عمرُ بنُ الخطابِ، وعلىُّ بن أبى طالبٍ ، وحذيفةُ ، وابنُ مسعودٍ ، وابنُ عباس ، وأبو هريرةَ ، وأنسُ ابنُ مالكِ . ومِن التابعين سعيدُ بنُّ المسيَّبِ ، وأبو وائلٍ ، والشعبىُّ، وعكرمةُ ، وإبراهيمُ النخَعىُ، والحسنُ، وابنُ سيرينَ (١) . وبه قال مالك، والأوزاعى ، والثورىُّ، وأبو حنيفةً ، والشافعىُ ، وأبو ثورٍ ، وأبو عبيدٍ ، وإسحاقُ بنُ راهُويه، وداودُ بنُ علىٍّ . والحَُّةُ لهم فى ذلك مِن طريقِ الأثرِ حديثُ عمارٍ ، قال: مَن صام هذا اليومَ - يعنى يومَ الشكُّ - فقد عصَى أبا القاسمِ وَلِ(١) . وقال الليثُ بنُ سعدٍ : مَن أصبَح صائمًا فى آخرِ يومٍ مِن شعبانَ متطوعًا أو احتياطًا لدخولِ رمضانَ ، أو (٤). أصبح مفطرًا إلا أنه لم يَطعَمْ، ثم جاءهم الخبرُ أنه مِن رمضانَ، فإنهم يُتِمُّون القبس (١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٧/٧ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٨٣٦). (٢) تقدم تخريج هذه الآثار ص ١٩، ٢٠. (٣) تقدم تخريجه ص ٣١. (٤) فى الأصل، م: ((إذا). والمثبت يقتضيه السياق. ٣٣٩ الموطأ الاستذكار صيامَهم ولا قضاءَ عليهم . قال الليثُ : وإن لم يأتِهم الخبرُ إلا بعدَ ذلك اليومِ ، أو بعدَما أمسَوا، كان عليهم قضاءُ ذلك اليوم. وكان عبدُ اللهِ بنُ عمرَ يصومُه إذا حالَ دونَ منظر الهلالِ لیلةً ثلاثینَ مِن شعبان غَیم أو سحاب، وإن لم یکنْ ذلك لم يَصُمْهُ(١) . وتابعه على ذلك أحمدُ بنُ حنبلٍ. ورُوِى عن أسماءَ بنتِ أبى بكرٍ أنها كانت تصومُ اليومَ الذى يُغَمُّ فيه على الناسِ ، نحوَ مذهبٍ ابنٍ عمرَ. ورُوِى عن " عائشةَ أنها قالت: لأن أصومَ يومًا مِن شعبانَ أحبُّ إِلىَّ مِن أن أُفطرَ يومًا مِن رمضانَ(٢) . وهذا صومُ اليومِ الذى يُشكُّ فيه. وقال أحمدُ بنُ حنبلٍ : الذى أذهبُ إليه فى هذا فعلُ ابنِ عمرَ. ثم قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، قال : أخبرنا أيوبُ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَالثُ: (( لا تصومُوا حتى ترَوا الهلالَ، ولا تُفطِروا حتى تَرَوه، فإن غُمَّ عليكم فاقْدُروا له)). قال نافعٌ: فكان عبدُ اللهِ إذا مضَى مِن شعبانَ تسعٌ وعشرون بعَث مَن ينظُرُ الهلالَ، فإِن رُئِى فذلك، وإن لم يُرَ ولم يَحُلْ" دونَ منظرِه سحابٌ أو قَتَهُ (٥) أصبح مفطرًا، وإن حالَ دونَ منظرِه سحابٌ أو قَتَرَّ أصبح صائمًا(١). قال أحمدُ : إن كان صحوٌ، ولم يكنْ فى السماءِ علةٌ، أكمَلوا شعبانَ ثلاثينَ يومًا ، وإن كان فى السماءِ علةٌ ليلةَ الشكِّ، فأصبح الرجلُ وقد أجمَع الصيامَ مِن القبس (١) تقدم تخريجه ص ٢٥ - ٢٧. (٢) تقدم تخريجه ص ٢٥. (٣ - ٣) فى الأصل: ((وروت))، وفى م: ((وروت عن)). والمثبت يقتضيه السياق. (٤ - ٤) ليس فى: الأصل، م. والمثبت من مصدر التخريج، وينظر ما تقدم ص ٢٧. (٥) القَتَرُ: الغَّبْرةُ. القاموس المحيط (ق ت ر). (٦) أحمد ٧١/٨ (٤٤٨٨). ٣٤٠