Indexed OCR Text

Pages 81-100

· الموطأ
٦٤٤ - وحدَّثنى عن مالكِ، عن عبد الرحمنِ بنِ حَرْمَلَةَ
الأسلَمِىِّ، عن سعيدِ بنِ المُسيَّبِ، أن رسولَ اللهِ وَلِّ قال: ((لا يزالُ
الناسُ بخيرِ ما عجّلوا الفِطرَ)).
ماءٍ ). وقد مضَت آثارُ هذا البابِ فى بابٍ عبد الرحمنِ بنِ حَرملةً مِن التمهيد
هذا الكتابٍ.
مالكٌ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ حرملةَ الأسلمىِّ ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ،
أَنَّ رسولَ اللهِ وَ لِهِ قال: ((لا يزالُ الناسُ بخيرِ ما عبّلوا الفطرَ)) ".
لم يختلِفِ الرّواةُ عن مالكِ فى إرسالِ هذا الحديثِ بهذا الإسنادٍ ، وهو
متصلٌ فى ((الموطأ))(١) من حديثٍ مالك، عن أبى حازم، عن سهلٍ بنِ سعدٍ .
ويتَّصلُ أيضًا من غيرِ روايةِ مالكٍ، من حديثٍ سهلٍ بن سعدٍ وأبى هريرةَ.
حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم وعبدُ الوارثِ بنُّ سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ
أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامةَ، قال: حدَّثنا أبو نعيم، قال :
حدَّثنا سفيانُ، عن أبى حازمٍ، قال: سمِعتُ سهلَ بنَ سعدِ الساعدىَّ قال:
القبس
(١) سیأتی تخريجه ص ٨٣.
(٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٢/٧و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٧٧٣). وأخرجه
الشافعى فى السنن المأثورة (٣٥٤)، والبيهقى فى الشعب (٣٩١٤)، والخطيب فى المدرج ٧٣٨/٢،
٧٣٩ من طريق مالك به .
(٣) الموطأ (٦٤٣).
٨١
( موسوعة شروح الموطأ ٦/٩)

الموطأ
تمهيد قال رسولُ اللهِ وَهِ: ((لا يزالُ الناسُ بخيرٍ ما عجَّلوا الفِطرُ(١)).
وأخبرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ، قال: حدَّثنا
أحمدُ بنُ شعيبٍ ، قال: أخبرنا شعيبُ بنُ يوسفَ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارونَ،
وأخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدّثنا أبو داودَ ،
قال : حدَّثنا وهبُ بنُ بَقِيَّةً، عن خالدٍ ، جمیعًا عن محمد بن عمرو ، عن أبی
سلمةً، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ وَِّقال: ((لا يزالُ الدِّينُ ظاهرًا ما عجّل الناسُ
الفطرَ، إنَّ اليهودَ يؤخِّرون))(١).
وقرَأْتُ على عبدِ الوارثِ بنِ سفيانَ، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال :
حدَّثنا ابنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا دُحيمٌ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ شعیبٍ ، عن
الأوزاعيّ ، عن قُرَّةَ بنِ خَيْوِيلِ المصرىِّ، عن الزهرىِّ، عن أبى سلمةً ، عن أبى
هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ وَّه - ( يعنى عن اللَّهِ عزَّ وجلَّ -: ((إن" أحبَّ
عبادى إلىَّ أعجلُهم فطرًا))(٤).
القبس
(١) فى ص١٦، ص١٧، ص ٢٧: ((الإفطار)).
والحدیث تقدم تخريجه ص ٨٠.
(٢) النسائى فى الكبرى (٣٣١٣)، وأبو داود (٢٣٥٣). وأخرجه أحمد ٥٠٣/١٥ (٩٨١٠)،
والبيهقى ٢٣٧/٤ من طريق يزيد به، وأخرجه الفريابى فى الصيام (٣٦) عن وهب بن بقية به.
(٣ - ٣) ليس فى: الأصل، م.
(٤) أخرجه الفريابى فى الصيام (٣٣) عن دحيم به، وأخرجه أحمد ١٨٢/١٢، ٩٨/١٤ (٧٢٤١،
٨٣٦٠)، والترمذى (٧٠٠، ٧٠١)، وابن خزيمة (٢٠٦٢) من طريق الأوزاعى به.
٨٢

الموطأ
التمهيد
حدَّثنا سعيدُ بنُّ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قالا : حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ،
قال : حدَّثنا ابنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةَ، قال: حدَّثنا حسينُ
ابنُ علىٍّ، عن زائدةً، عن حميدٍ، عن أنسٍ قال: ما رأيتُ رسولَ اللهِ مَلِيُصلِّی
حتى يُفطرَ، ولو على شَرْبةٍ من ماءٍ ".
وروى ابنُ وهپ ( ،عنمالك، وعمرو بن الحارثِ ، ویونسَ بنِ یزید ، عن
ابنِ شهابٍ، عن أنسٍ بنِ مالكِ قال: قال رسولُ اللهِ وَهِ: ((إذا قُرّب العَشاءُ
وحضَرتِ الصلاةُ، فابدَئُوا به قبلَ أن تصلُّوا المغربَ)). إلَّا أن مالكًا قال فى
حديثه: ((فابدءوا بالعَشاءِ، ولا تعجّلوا عن عَشائِكم)). فكان الأمرُ على ذلك،
فلمَّا وَلِى عمرُ بنُ الخطابِ خشِى أن يطُولَ المُكْثُ على العَشاءِ، فقدَّم الصلاةَ
على العَشاءِ، ثم فعل ذلك عثمانُ بنُ عفان . وهذا حدیثٌ غريبٌ لمالك ، عن
الزهرىِّ، عن أنسٍ، صحيحٌ. وفى ((الموطأ)) (١) ياثرِ هذا الحديثِ: مالكٌ، عن
ابن شهاب ، عن محميدٍ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ ، أن عمرَ بنَ الخطابِ وعثمانَ
ابنَ عفانَ كانا يصلِّان المغربَ حينَ ينظُرانِ إلى الليلِ الأسودِ قبلَ أن يفطِرا، ثم
◌ُفطِران بعد الصلاة ، وذلك فى رمضان . وسیأتی فقهُ هذا الحديث فى بابِ أبی
حازمٍ، عن سهلٍ بنِ سعدٍ()، إن شاء اللهُ عزَّ وجلَّ.
القبس
(١) أخرجه أبو يعلى (٣٧٩٢)، وابن حبان (٣٥٠٤، ٣٥٠٥) من طريق ابن أبى شيبة به. وأخرجه
ابن خزيمة (٢٠٦٥) من طريق حسين به بنحوه .
(٢) ابن وهب فى موطئه (٣٣٠) بدون ذكر مالك.
(٣) الموطأ (٦٤٥).
(٤) تقدم ص٧٨ - ٨١.
٨٣

٦٤٥ - وحدّثنی عن مالك، عن ابن شهاب ، عن حميد بنٍ
الموطأ
عبد الرحمنِ، أن عمرَ بنَ الخطابٍ وعثمانَ بنَ عفانَ كانا يُصَلِیانِ
المغربَ حينَ ينظُران إلى الليلِ الأسودِ قبلَ أن يُفطِرا، ثم يُفطِران بعدَ
الصلاةٍ ، وذلك فى رمضانَ .
الاستذكار
روى عن ابن شهاب ، عن محميدِ بنِ عبد الرحمن ، أن عمر بن الخطاب
وعثمانَ بنَ عفانَ كانا لا يُفطِرانِ حتى يُصلِّيا المغربَ وینظُرا إلى الليلِ الأسودِ ،
وذلك فى رمضانَ(١) .
وروايةُ معمرٍ لهذا الحديثِ عن ابنٍ شهابٍ بخلافٍ هذا اللفظِ .
ذگر عبد الرزاق(١) ، عن معمرٍ ، عن الزهرىِّ ، عن حميد بن عبد الرحمن بنِ
عوف، أن عمرَ وعثمانَ كانا يُصلِّيان المغربَ فى رمضانَ قبلَ أن يُفطِرا.
وقد رُوى عن ابنِ عباسٍ وطائفةٍ أنهم كانوا يُفطِرون قبلَ الصلاةِ(١) .
وروَى الثورىُّ، عن طارقٍ بنِ عبدِ الرحمنٍ ، عن ابنِ المسيَّبِ ، قال : كتب
عمر إلى أمراءِ الأجنادِ : ألّا تكونوا مسوّفِين بفطرٍ كم، ولا مُنتظرِین بصلاتكم
اشتباكَ النجومِ().
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٣٦٥)، وبرواية يحيى بن بكير (٢/٧و- مخطوط)، وبرواية
أبى مصعب (٧٧٤). وأخرجه الشافعى ٩٧/٢، وابن سعد ٥/ ١٥٤، والبيهقى ٤٤٨/١، ٢٣٨/٤
من طريق مالك به .
(٢) عبد الرزاق (٧٥٨٨).
(٣) ينظر مصنف عبد الرزاق (٧٥٩٧)، ومصنف ابن أبى شيبة ١٢/٣، ١٣.
(٤) أخرجه عبد الرزاق (٧٥٩٠) عن الثوری به .
٨٤

الموطأ
وروَى محمدُ بنُ عمرو، عن أبى سلمةً، عن أبى هريرةَ، قال: قال الاستذكار
رسولُ اللهِ وَّةِ: ((لا يزالُ الدينُ ظاهرًا ما عجَّل الناسُ الفطرَ؛ لأن
اليهود يؤخّرون))(١).
قال أبو عمرَ: أجمَع العلماءُ على أنه إذا حلَّت صلاةُ المغربِ،
فقد حلَّ الفطرُ للصائم، فرضًا وتطوعًا، وأجمَعوا أن صلاةَ المغربِ
مِن صلاةِ الليلِ، واللهُ عزَّ وجلَّ يقولُ: ﴿ثُمَّ أَيِّقُواْ الْصِّيَامَ إِلَى
الَّيَّلِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ
أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهيرٍ ومحمدُ بنُ إسماعيلَ، قالا: حدَّثنا
الحميدىُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عروةَ، قال:
أخبرنى أبى، قال: سمِعتُ عاصمَ بنَ عمرَ بنِ الخطابٍ يحدِّثُ عن أبيه،
قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((إذا أقبَل الليلُ مِن هدهنا، وأدبَر النهارُ مِن
هلهنا، وغرَبت الشمسُ، فقد أفطَر الصائمُ)) (١).
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٨٢.
(٢) تقدم تخريجه ص٧٨، ٧٩.
٨٥
،

الموطأ
ما جاء فى صيام الذى يصبحُ جُنُبًا فى رمضانَ
٦٤٦ - حدَّثنی یحتّى، عن مالك ، عن عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الرحمنِ
ابنِ معمّرٍ الأنصارىِّ، عن أبى يونُسَ مَولَى عائشةَ زوجِ النبيِّ بَّهِ،
أن رجلاً قال لرسولِ اللهِ وَ لَه وهو واقفٌ على البابِ، وأنا أسمَعُ:
التمهید
مالكٌ، عن عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ معمرٍ الأنصارىِّ(١)، عن أبى يونسَ
القبس
صيامُ الذى يُصبِحُ جُنُبًا
ذكَر حديث عائشةَ والسائلِ إلى آخرِهِ، قال فيه رسولُ اللهِ وَّهِ: ((وَأَنَا أُرِيدُ
الصِّيَامَ وَأَصْبِحُ جُنُبًا». فأحال على فعلِه ليُبيِّنَ أنه أُسوةٌ ، وأنه والقولَ سواء فى وجوبٍ
(١) قال أبو عمر: ((وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر بن حزم، أبو طوالة الأنصارى، سمع
أنس بن مالك، وروى عنه، وروى عن كبار التابعين، وولى القضاء بالمدينة فى أيام ولاية أبى بكر بن
محمد بن عمرو بن حزم عليها، وهو من ثقات أهل المدينة ، روى عنه جماعة من أئمة أهل
الحديث؛ منهم مالك، وابن عيينة، والثورى، وزهير بن معاوية، والدراوردى، وإسماعيل بن
جعفر، وسليمان بن بلال، وزائدة، وخالد بن عبد الله الواسطى. حدثنا خلف بن القاسم ، قال :
حدَّنا عبد الله بن جعفر بن الوردِ ، قال: حدثنا أحمد بن إسحاق بن واضح، قال : حدثنا سعيد بن
أسد، قال : حدثنا أصبغ بن الفرج، قال: حدَّثنا ابن وهب، قال: حدَّثنى مالك، قال: كان
عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر رجلاً صالحاً، وكان قاضيًا فى خلافة سليمان وعمر بن عبد
العزيز، وكان يسرد الصيام، وكان يحدث حديثًا حسنًا. وكان يدخل على الوالى فينصحه ولا يرفق
به، ويكلمه فى الأمر كله من الحق. قال مالك: وغيره من الناس يفرق أن يضرب. قال أبو عمر:
المالك عنه فى الموطأ ثلاثة أحاديث؛ أحدها عند يحيى مرسل، وهو متصل من وجوه من رواية مالك
وغيره، والثانى متصل مسند لا خلاف عن مالك فى اتصاله، والثالث مرسل لم يختلف رواة مالك
فى إرساله)). تهذيب الكمال ٢١٧/١٥، وسير أعلام النبلاء ٢٥١/٥.
٨٦

يا رسولَ اللهِ، إنى أُصبحُ جُنُبًا وأنا أريدُ الصيامَ. فقال رسولُ الموطأ
اللهِوَلَ: ((وأنا أُصبحُ جُنُبًا وأنا أُريدُ الصيامَ، فأغتسِلُ وأصومُ)).
فقال له الرجلُ : يا رسولَ اللهِ ، إنك لستَ مِثلَنا؛ قد غفر اللهُ لك ما
تقدَّم مِن ذنبك وما تأخّر. فغضِب رسولُ اللهِ وَ ه وقال: (( واللهِ إنى
لأرجو أن أكونَ أخشاكم للهِ وأعلمَكم بما أتَّقِى)).
التمهيد
مولى عائشةً، أن رجلاً قال لرسولِ اللهِ وَّهِ وهو واقفٌ على البابِ، وأنا
أسمعُ: يا رسولَ اللهِ، إنى أُصبحُ جُنْبًا وأنا أريدُ الصيامَ. فقال رسولُ اللهِ وَل :
((وأنا أَصبحُ مُنُبًا وأنا أريدُ الصيامَ، فأغتسلُ وأصومُ)). فقال له الرجلُ : يا
رسولَ اللهِ ، إنك لستَ مثلَنا؛ قد غفَر اللهُ لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخّر.
فغضِب رسولُ اللهِ وَلِّ وقال: ((واللهِ إنى لأرجو أن أكونَ أخشاكم للهِ
القبس
الأقتداءٍ حتى يقومَ دليلُ التخصيصِ له به. وقولُه: ((إنّى لأَرْجُو أَنْ أَكُونَ
أَخْشَاكُم للهِ). إن قيل: مِن أَىِّ شىءٍ كان يخافُ رسولُ اللهِ وَّةِ، والأنبياءُ
عليهم السلام قد أَمِنُوا مِن سوء الخاتمةِ، وقد قيل لرسولِ اللهِ وَل: ﴿لَيَغْفِرَ
لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأْخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]. فَلَمْ يَثْقَ للخشيةِ وجْهٌ؟ وقد
أجَبْنا عن هذا السؤال فى ((الكتابِ الكبيرِ))، وأقوى وجهٍ فيه أن النبيَّ وَله
وإن كان قد أَمِن العقابَ فإنه كان يَخشَى مِن العِتابِ (١) . هذا جوابُ أهلِ
الإشارةِ، وقال سائرُ العلماءِ: إنما غُفِر له ما تقدَّم مِنْ ذنبه وما تأخّر، بشرطٍ
امتثالِهِ لما أُمِرِ به واجتنابِه لما نُّهِى عنه .
(١) فى د: ((العقاب)).
٨٧

الموطأ
وأعلمَكم بما أَتَّقی)».
التمھید
هكذا روَى يحيى هذا الحديثَ مرسلًا ، وهى روايةُ عُبيدِ اللهِ ابنِه عنه ، وأما
ابنُ وضَّاحِ فى روايته عن يحيى فى ((الموطأً)) فإنه جعَله عن عائشةَ، فوصَله
وأسنَده، وكذلك هو عندَ جماعةٍ الرواةٍ لـ ((الموطأً)) مسندًا عن عائشةً؛ منهم
ابنُ القاسمِ، والقعنبىُّ، وابنُ بُكيرٍ (١)، وأبو المصعبِ(١) ، وعبدُ اللهِ بنُ یوسفَ ،
وابنُ عبدِ الحکم ، وابنُ وهپٍ .
حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، حدَّثنا أبو الفوارسِ أحمدُ بنُّ محمدِ بنِ
الحسين، حدَّثنا يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، حدَّثنا ابنُ وهبٍ، حدَّثنا مالكٌ، عن
عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ معمرٍ أبى طُوالةَ الأنصارىِّ، عن أبى يونسَ مولى
عائشةَ، عن عائشةَ، أَنَّ رجلًا قال لرسولِ اللهِ وَ لَهُ وهو واقفٌ بالبابِ:
يا رسولَ اللهِ، إنى أُصبحُ مُنْبًا وأنا أريدُ الصيامَ. فقال رسولُ اللهِ وَلّهِ: ((وأنا
أصبحُ مجنبًا وأنا أريدُ الصيامَ، فأغتسلُ وأصولُ)) . فقال: يا رسولَ اللهِ ، إنك لستَ
مثلَنا؛ قد غفَر اللهُ لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخّر. فغضِب رسولُ اللهِ وَلِّ وقال:
((واللهِ إنى لأرجو أن أكونَ أخشاكم للهِ وأعلمَكم بما أَتَّقى))(٢).
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٢/٧ظ - مخطوط).
(٢) الموطأ برواية أبى مصعب (٧٧٧).
(٣) أخرجه أبو عوانة (٢٨٤٨)، والطحاوى فى شرح المشكل (٥٤٠)، وفى شرح المعانى ١٠٦/٢
عن یونس به .
٨٨

حن
الموطأ
التمهيد
وقد ذكّر أبو داودَ (١) روايةَ القعنبيّ عن مالكِ لهذا الحديثِ ، عن عبدِ اللهِ بنِ
عبد الرحمنِ بنِ معمرٍ، عن أبى يونسَ مولى عائشةً، عن عائشةَ زوج النبيِّ ◌َِِّ،
مسندًا كما ذكّرنا، إلا أنه قال فى آخرِه: ((وأعلمَكم بما أَتَّبِعُ)) . وروايةُ ابنٍ
القاسمِ وغيرِه له كما وصَفنا مسندًا عن عائشةً، وهو محفوظٌ صحيحٌ عن عائشةً
من طرقٍ شتَّى، و(١) من كلِّ طريقٍ فى ((الموطأً))، حاشا روايةً يحيى. وباللهِ
التوفيقُ .
أخبرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاویةً، قال: حدّثنا
أحمدُ بنُ شعيبٍ ، قال: أخبرنا علىُّ بنُ حجرٍ ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ - يعنى ابنَ
جعفرٍ - قال : حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ عبدِ الرحمنٍ ، أن أبا يونسَ مولی عائشةً أخبره ،
عن عائشةً ، أن رجلا جاءإلى النبي پێ ، وهی تسمع من وراء الباب ، فقال : يا
رسولَ اللهِ، تُدركُنى الصلاةُ وأنا مُنبٌ، فأصومُ؟ فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: (( وأنا
تُدركُنى الصلاةُ وأنا جنبٌ فأصومُ)). قال: لستَ مثلَنا يا رسولَ اللهِ ؛ قد غفر اللهُ
لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخّر. قال: ((واللهِ إنى لأرجو أن أكونَ أخشاكم للهِ
وأعلمكم بما أنَّقى ))(١).
وفى هذا الحديثِ من المعانى سؤالُ العالم وهو واقفٌ ، فذلك جائزٌ بدلالةٍ
القبس
(١) أبو داود (٢٣٨٩).
(٢) ليس فى: الأصل، م.
(٣) النسائى فى الكبرى (٣٠٢٥، ١١٥٠٠). وأخرجه مسلم (١١١٠)، وابن خزيمة (٢٠١٤) عن
على بن حجر به .
٨٩

الموطأ
التمهيد هذا الحديثِ. وفيه الروايةُ والشهادةُ على السماع وإن لم يرَ المشهِدُ أَو
المحدِّثُ إذا كان المعنى المسمومُ مستوفی قد استُوقِن وأُحيط به علمًا ، وفى
هذا دليلٌ على جوازِ شهادةِ الأعمى، وقد مضَى القولُ فيها فى غير موضِعٍ مِن
کتابنا هذا . والحمدُ للهِ .
وفيه المعنى المقصودُ إليه فى هذا الحديثِ ، وذلك أنَّ الجُنبَ إِذا لحِقته
جنابةٌ ليلًا قبلَ الفجرِ لم يضُرّ صيامَه ألَّ يغتسلَ إلا بعدَ الفجرِ، وقد اختلفت الآثارُ
فى هذا البابِ، واختلَف فيه العلماءُ أيضًا ، وإن كان الاختلافُ فى ذلك كلِّه
عندِی ضعيفًا يُشبهُ الشذوذَ ، فأما اختلافُ الآثارِ ، فإن أبا هريرةَ کان یروی عن
النبيِّ وَ لِّ، أن من أدرَ كه الصبحُ وهو جنبٌ فقد أفطَر، ولم يجُزْ له صيامُ ذلك
اليومٍ. وهذا الحديثُ لم يسمغه أبو هريرةً من النبى ێچ، وقد أحال - إِذ ؤُقِّف
عليه - مرةً على الفضلِ بنِ عباسٍ (١) ، ومرةً على أسامةَ بنِ زيدٍ، ومرةً قال :
أخبرنيه مُخبِرٌ. ومرةً قال: حدَّثنی فلانٌ وفلانٌ . وسنذ گُو ذلك كله أو بعضه فى
بابٍ سُمَيٍّ، من كتابنا هذا٢، إن شاءَ اللهُ .
أخبرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةً، قال: حدَّثنا
أحمدُ بنُ شعيبٍ ، قال: أخبرنا محمدُ بنُ منصورٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن
عمرٍو، عن يحيى بنٍ جعدَةً، قال: سمِعتُ عبدَ اللهِ بنَ عمرٍو القارئَّ، قال :
سمِعتُ أبا هريرةَ يقولُ: لا وربّ هذا البيتِ ، ما أنا قلتُه؛ (( من أدرَ كه الصبح وهو
القبس
(١) بعده فى ص، ص ١٦: ((فيه)).
(٢) سيأتى تخريجها ص١٠٣ - ١٠٧.
٩٠

الموطأ
جنبٌ فلا يصُمْ)). محمدٌ وربّ الكعبةِ قاله(١).
التمهید
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا
بکرُ بنُ حمادٍ ، قال : حدثنا مُسدّدٌ ، قال : حدثنا سفيان ، عن عمرو بنِ دینارٍ ،
عن يحيى بنِ جَعدةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو القارىِّ، سمِع أبا هريرةَ يقولُ: وربِّ
هذا البيتِ ما قلتُ: ((مَن أدر كه الصبح وهو جنبٌ فلا صومَ لهُ)) . محمدٌ وربّ
هذا البيتٍ قاله .
أخبرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ سعيدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةً ، .
قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيبٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الملكِ بنِ
زَنْجُويَه، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ شعيبٍ، قال: حدَّثنى أبى، عن الزهرىِّ،
قال: أخبرنى عبدُ اللهِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ أنه احتلَم ليلًا فى رمضانَ،
فاستيقظ قبلَ أن يطلُعَ الفجرُ، ثم نام قبلَ أن يغتسلَ، فلم يستيقظْ حتى
أصبَح، قال: فلقِيتُ أبا هريرةَ حِينَ أصبحتُ، فاستفتَيتُه فى ذلك، فقال:
أَفطِرْ؛ فإِن رَسُولَ اللهِ وَهِ كان يأمُرُ بالفطرِ إذا أصبَح الرجلُ مُجُنُبًا. قال
عبدُ اللهِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ: فجئتُ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ، فذكرتُ له الذى
أفتَانى به أبو هريرةَ، فقال: أقسمُ باللهِ، لئن أفطَرتَ لأُوجِعَنَّ مَثْتَئِكَ(٣)،
القبس
(١) النسائى فى الكبرى (٢٩٢٤). وأخرجه الحميدى (١٠١٨)، وأحمد ٣٤٧/١٢ (٧٣٨٨)،
وابن ماجه (١٧٠٢). من طريق سفيان بن عيينة به .
(٢) فى ص: ((متنك))، وفى السنن ((شبيبتك))، وفى الطبرانى: ((جنبيك)). والمتن: الظهر، والمتنان
والمتنتان : جنبتا الظهر. ينظر اللسان (م ت ن).
٩١

الموطأ
التمهيد صُمْ، فإن بدًا لك أن تصومَ يومًا آخرَ فافعَلْ(١).
قال أبو عمرَ: هكذا يقولُ شعيبُ بنُ أبى حمزةَ فى هذا الحديثِ عن
الزهرىِّ: عبدُ اللهِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ. وروَاه الليثُ بنُ سعدٍ، عن عُقَيلٍ، عن
الزهرىِّ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، فجعَل مكانَ عبدِ اللهِ عبيدَ اللهِ ،
وجاء بالحديثِ سواءً (١) . وعبدُ اللهِ وعبيدُ اللهِ ابنا عبدِ اللهِ بن عمرَ ، ثقتانٍ، وقد
ذكرناهما فيما سلَف من كتابنا هذا بما فيه كفايةٌ فى معرفتهما . وروى هذا
الحديثَ معمرٌ، عن الزهرىِّ، أن ابنًا لعبدِ اللهِ بنِ عمرَ. فذكَر معناه . لم يقلْ :
عبدُ اللهِ . ولا : عبيدُ اللهِ(٣).
قال أبو عمرَ : رُوِى عن أبى هريرةً أنه رجَع عن هذه الفتوى فى هذه المسألةِ
إلى ما عليه الناسُ من حديثٍ عائشةَ ومَن تابَعها فى هذا البابِ .
روَى عبدُ اللهِ بنُّ المباركِ ، عن ابنِ أبى ذئبٍ ، عن سليمانَ بنِ عبدِ الرحمنِ
ابنِ ثوبانَ ، عن أخيه محمدٍ بنِ عبدِ الرحمنِ ، أنه (+ كان سمِعْ) أبا هريرةَ يقولُ:
مَن احتلَم من الليلِ، أو واقَع أهلَه، ثم أدرَ كه الفجرُ ولم يغتسلْ، فلا يصُمْ . قال :
القبس
(١) النسائى فى الكبرى (٢٩٢٥). وأخرجه الطبرانى فى مسند الشاميين (٣١٨٥) من طريق بشر
ابن شعيب به .
(٢) سیأتی تخريجه ص ١٠٨.
(٣) أخرجه عبد الرزاق - كما فى فتح البارى ١٤٦/٤ - من طريق معمر به .
(٤ - ٤) فى ص: ((سمع))، وفى مصدر التخريج: ((كان يسمع)).
٩٢

الموطأ
ثم سمِعتُه نزَع عن ذلك(١).
التمهيد
وروَى منصورٌ، عن مجاهدٍ، عن "أبى بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ"، أن أبا هريرةَ
كفَّ عن قولِه ذلك؛ لحديثٍ عائشةً فيه عن النبيِّ وَلِت (١) .
وروَی أسباطُ بنُ محمدٍ ، عن محمد بن عمرو ، عن أبى سلمةً ، عن أبى
(٤)
هريرةَ، أَنَّه نزَع عن ذلك أيضًا ؛ لحديثِ أمّ سلمةً فيه عن النبيِّ
أخبرنا محمدُ بنُ عبدِ الملكِ ، قال: حدَّثنا أبو سعيد أحمدُ بنُ محمدِ بنِ
زيادٍ الأعرابيُ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُّ محمدٍ الزعفرانىُ ، قال: حدّثنا أبو عَادٍ ،
عن شعبةً، قال: حدَّثنى عبدُ اللهِ بنُ أبى السّفرٍ، عن الشعبىِّ، عن
عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ، عن عائشةً، قالت: كان رسولُ اللهِ آلـ يُصبح
تجنبًا ، ثم يغتسلُ، ثم يخرجُ إلى الصلاةِ ويصلِّى وأسمعُ قراءته، ثم يصومُ (١).
قال أبو عمرَ: رُوِى هذا الحديثُ عن عائشةً من وجوهٍ كثيرةٍ ، وطرقٍ
القبس
(١) أخرجه النسائى فى الكبرى (٢٩٢٨) من طريق ابن المبارك به .
(٢ - ٢) فى الأصل، ص١٦، م: ((عبد الرحمن بن أبى بكرة))، وفى ص: ((عبد الرحمن بن أبى
بكر)». والمثبت من مصدر التخريج، وينظر تحفة الأشراف ٣٤١/١٢.
(٣) أخرجه النسائى فى الكبرى (٢٩٧٨، ٢٩٧٩) من طريق منصور به .
(٤) أخرجه النسائى فى الكبرى (٣٠٠٥، ٣٠٠٦) من طريق أسباط به .
(٥ - ٥) سقط من النسخ. والمثبت من مصدر التخريج، وتحفة الأشراف ٤٧٥/١١، ٤٧٦، وينظر
تهذيب الكمال ٤١/١٥، ٣٩/١٧.
(٦) أخرجه النسائى فى الكبرى (٢٩٨٨) من طريق الحسن بن محمد به .
٩٣

الموطأ
متواترةٍ ، وكذلك رُوِى أيضًا عن أمّ سلمةً .
التمهید
وأما اختلافُ العلماءِ فى هذا البابِ ؛ فالذى عليه جماعةُ فقهاءِ الأمصارِ
بالعراقٍ والحجازِ القولُ بحديثٍ عائشةَ وأمّ سلمةً، عن النبيِّ وَّرِ، أنه كان
يصبحُ جُنُبًا ويصومُ ذلك اليومَ. منهم مالكٌ، وأبو حنيفةً، والشافعىُّ،
وأصحابُهم (١) ، وأحمدُ ، وأبو ثورٍ ، وإسحاقُ، وعامَّةُ أَهلِ الفتوى من أهلِ الرأي
والحديثِ. ورُوِى عن إبراهيمَ النخَعيِّ، وعروةَ بنِ الزبيرِ، وطاوسٍٍ، أَنَّ
الجُنبَ فى رمضانَ إذا علِم بجنايتِه فلم يغتسلْ حتى يُصبحَ فهو مفطرٌ، وإن
لم يعلمْ حتى يصبحَ فهو صائمٌ(٢). ورُوِى مثلُ ذلك عن أبى هريرةَ أيضًا،
والمشهورُ عن أبى هريرةَ أنه قال: لا صومَ له؛ علِم أو لم يعلَمْ . إلا أنه قد رُوِّينا عنه
من طرقٍ صحاحٍ أنه رجَع عن ذلك ، فاللهُ أعلمُ . ورُوِى عن الحسنِ البصرىِّ،
وسالمٍ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أنهما قالا: يُّ صيامَ يومِه ذلك ويقضيه إذا أصبَح فيه
جنبًا . وقال إبراهيم النخعىُّ فى روايةٍ غيرِ الرواية الأولى عنه : إن ذلك يجزُه فى
التطوعِ، ويقضى فى الفرضٍ. وكان الحسنُ بنُّ حَىٌّ يستحِبُّ لمَن(١) أصبح
جنبًا فى رمضانَ أن يقضىَ ذلك اليومَ ، وكان يقولُ: يصومُ الرجلُ تطوعًا وإن
أصبَح جنبًا، ولا قضاءً عليه . وكان يرى على الحائضِ إذا أدرَ كها الصبح ولم
تغتسلْ أن تقضى ذلك الیوم ، وذهب عبدُ الملكِ بنُ عبدِ العزيز بن الماچِشُونِ فی
الحائضِ نحوَ هذا المذهبٍ ؛ وذلك أنه قال : إذا طهَرت الحائضُ قبلَ الفجرِ ،
القبس
(١) فى ص ١٦: (أصحابه)).
(٢) ينظر مصنف عبد الرزاق (٧٤٠٥)، ومصنف ابن أبى شيبة ٨٢/٣، والاعتبار للحازمى ص ١٠٥.
(٣) فى الأصل، ص١٦، م: ((إن)).
٩٤

الموطأ
فأخَّرتْ غسلَها حتى طلع الفجرُ، فيومُها يومُ فطرٍ؛ لأنها فى بعضِه غيرُ طاهرٍ، التمهيد
وليست كالذى يُصبحُ جنبًا فيصومُ؛ لأن الاحتلامَ لا ينقُضُ الصومَ، والحيضَ
ینقُضُه .
قال أبو عمر: قد ثبت عن النبيِّ بِّر فى الصائم يُصبح جنبًا ما فيه شفاء
وغنّى واكتفاءٌ عن قولِ كلِّ قائلِ ، من حديثٍ عائشةً وغيرِها ، ودلَّ كتابُ اللهِعزَّ
وجلَّ على مثلِ ما ثبت عن النبيِّ وَِّ فى ذلك، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿فَلْقَنَّ
بَشِرُوهُنَّ وَأَبْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمَّ وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ
مِنَ الْخَيْطِ اَلْأَسْوَدِ مِنَ اُلْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وإذا أَبيح الجمائعُ والأكلُ والشربُ
حتى يتبيَّنَ الفجرُ فمعلومٌ أن الغسلَ لا يكونُ حينئذٍ إلَّا بعدَ الفجرِ، وقد نزَع بهذا
جماعةٌ من العلماءِ؛ منهم ربيعةُ ، والشافعىُ، وغيرهما، ومن الحجةِ أيضًا فيما
ذهبت إليه الجماعةُ فى هذا البابِ ، إجماعُهم على أن الاحتلامَ بالنهارِ لا يُفسدُ
الصيامَ، فتركُ الاغتسالِ من جنابةٍ تكونُ ليلً أحرّى ألَّا يُفسدَ الصومَ ، واللهُ
أعلمُ. وممن ذهب إلى ما قلنا من العلماءِ علُّ بنُ أبى طالبٍ، وعبدُ اللهِ بنُ
مسعودٍ، وزيدُ بنُ ثابتٍ ، وأبو الدرداءِ، وأبو ذرٍّ، وعبدُ اللهِ بنُ عمرَ، وعبدُ اللهِ
ابنُ عباسٍ، وعائشةُ، وأم سلمةَ(١) . وبه قال مالكٌ فى علماءِ المدينةِ ، والشافعىُّ
فى سائرِ علماءِ المكَيِّين والحجازيِّين، والثورىُّ، وأبو حنيفةَ، وابنُ عُلَيَّةً، فى
جماعةٍ فقهاءِ العراقيّين، والأوزاعىُّ ، والليثُ ، فى فقهاءِ أهلِ الشامِ والمغربِ.
القبس
(١) ينظر مصنف عبد الرزاق (٧٣٩٧، ٧٤٠١ - ٧٤٠٤)، ومصنف ابن أبى شيبة ٨٠/٣ - ٨٢،
والاعتبار للحازمى ص ١٠٥ .
٩٥

الموطأ
التمهید
وبه قال أحمدُ بنُ حنبل، وإسحاقُ بنُ راهُويَه، وأبو ثورٍ ، وأبو عبيدٍ ، وداودُ بنُ
علىٍّ ، والطبرئُّ، وجماعةُ أهلِ الحديثِ .
وأما اختلافُ الفقهاءِ فى الحائضِ تطهُرُ قبلَ الفجرِ فلا تغتسلُ حتى يطلُعَ
الفجرُ؛ فإن مالكًا، والشافعيَّ، والثورىَّ، وأحمدَ، وإسحاقَ، وأبا ثورٍ ،
يقولون : هى بمنزلةِ الجُنبِ ، وتغتسلُ وتصومُ ، ويجزتُها صومُ ذلك اليوم . وقال
عبيدُ اللهِ بنُ الحسنِ العنبرىُّ، والحسنُ بنُ حىٍّ ، والأوزاعىُّ : تصومُّه وتقضيه .
وقال أبو حنيفةً وأصحابُه: إن كانت أيامُها أقلّ من عشَرةٍ صامَتْه وقضَته، وإن
كانت أيامُها عشْرًا فإنها تصومُ ولا تقضِى.
قال أبو عمرَ : قد اتفَق هؤلاء كلُّهم على أنها تصومُه، واختلفوا فى قضائِه،
ولا حُجَّةً مع من أوجَب القضاءَ فيه، وإيجابُ "القضاءِ إيجابُ" فرضٍ،
والفرائضُ لا تثبُتُ من جهةِ الرأي، وإنما تثبتُ من جهةِ التوقيفِ بالأصول
الصحاحِ، ولا أدرى إن كان عبدُ الملكِ بنُ الماجِشُونِ يرى صومَه أم لا ؛ لأنه
يقولُ: إن يومَها ذلك يومُ فطرٍ. فإن كان لا يرَى صومَه فهو شاذٌّ، والشذوذُ لا
يُعرَّجُ عليه، ولا معنى لما اعتلَّ به مِن أن الحيضَ ينقُضُ الصومَ والاحتلامَ لا
ينقُضُه؛ لأن من طهَرت من حيضتِها ليست بحائضٍ ، والغُسلُ بالماءِ عبادةٌ .
ومعلوم أن الغسلَ(٢) معنى، والطّھر(٢) غیرُه، فتدبّر. والصحیح فى هذا البابِ ما
ذهَب إليه مالكٌ، والشافعىُّ، والثورىُّ، ومَن تابَعهم. وباللهِ التوفيقُ.
القبس
(١ - ١) سقط من: م.
(٢) فى ص١٦: ((للغسل)).
(٣) فى ص١٦: ((للطهر)).
٩٦

٦٤٧ - وحدَّثنى يحتِى، عن مالكِ، عن عبدِ رَبِّه بن سعيدٍ، عن الموطأ
أبى بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشامٍ، عن عائشةً وأمّ سلمةً
زَوجَى النبيِّ وَِّ، أنهما قالتا: كان رسولُ اللهِ وَ لَه لِيُصبِحُ جُنُبًا مِن
جماعٍ غيرِ احتِلامٍ فى رمضانَ ثم يصومُ.
التمهيد
مالكٌ ، عن عبد ربّه بن سعيد(١)، عن أبی بکرِ بنِ عبد الرحمن بن الحارث
ابنِ هشامٍ، عن عائشةَ وأتمّ سلمةً أُمَّى المؤمنين رضِى اللَّهُ عنهما ، أنهما قالتا:
كان رسولُ اللهِ وَلَ يُصْبِحُ مجُبًا من جِمَاعِ غيرِ احتلامٍ فى رمضانَ ثم يصومُ(١).
قال أبو عمر : هکذا یروی مالكٌ هذا الحدیثَ عن عبد ربّه بن سعيد، عن
أبى بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن عائشةً وأُمّ سلمةً. وخالَفه عمرُو بنُ الحارثِ ،
فرواه عن عبد ربُّه بنِ سعيد، عن عبدِ اللهِ بنِ کعب، عن أُبی بکرِ بنِ
عبد الرحمنِ .
أخبرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةً، قال: حدّثنا
القبس
(١) قال أبو عمر: ((عبد ربه بن سعيد بن قيس الأنصارى أخو يحيى بن سعيد، لمالك عنه ثلاثة
أحاديث أحدها مرسل، وهو عبد ربه بن سعيد بن قيس بن عمرو بن سهل بن ثعلبة الأنصارى ، لجده
قیس بن عمرو صحبة، وقد ذكرناه ونسبناه فی کتاب الصحابة . ويقال : عبد ربه بن سعيد بن قيس
ابن أبى قيس فهد بن خالد، والأول أصح، وتوفی عبد ربه بن سعيد بن قيس سنة تسع وثلاثين
ومائة، وقيل: سنة إحدى وأربعين ومائة. وكان ثقة مأمونًا، روى عنه مالك وشعبة وجماعة من
الأئمة)). تهذيب الكمال ٤٧٦/١٦، وسير أعلام النبلاء ٥/ ٤٨٢.
(٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٢/٧ظ - مخطوط)، ويرواية أبى مصعب (٧٧٩). وأخرجه
أحمد ٨٤/٤٠ (٢٤٠٧٤)، ومسلم (٧٨/١١٠٩)، وأبو داود (٢٣٨٨)، والنسائى فى الكبرى
(٢٩٧٤) من طريق مالك به .
٩٧
( موسوعة شروح الموطأ ٧/٩ )

الموطأ
التمهيد أحمدُ بنُ شعيبٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الهيثم قاضى النَّغْرِ، قال: حدَّثنا
حرمَلَةُ ، قال: حدَّثنا ابنُ وهبٍ ، قال: أخبرنى عمرُو، عن عبدِ ربِّه - وهو ابنُ
سعيدٍ - عن عبدِ اللهِ بنِ كعبِ الحميرِىِّ، أنَّ أبا بكرٍ حدَّثه، أنَّ مروانَ أرسله إلى
أُمّ سَلَمَةَ يَسألُها عن الرجلِ يُصْبِحُ جُنُبًا، يصومُ؟ فقالت: كان رسولُ اللهِ وَ اتِ
يُصبحُ جُنُبًا مِن جِمَاعِ لا محُلْمٍ، ثم لا يُفطرُ ولا يَقْضِى ".
وروی قوم هذا الحدیثَ أيضًا عن أبى بكرِ بنِ عبدِ الرحمنٍ ، عن أبيه، عن
عائشةَ وأمّ سلمةً (١). وقد سَمِعَه أبو بكرِ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ من عائشةً
وأمّ سلمةً ؛ لأنَّه مضی مع أبيه إذْ أرسله مروانُ إلیهما ، وهذا ثابت عنه من حديثٍ
سُمَىٍّ وَغيرِه من الثقاتِ، وهو معروفٌ عندَ أهلِ العلمِ مشهورٌ، يَسْتَغنى عن
الاستشهادِ عليه، وسيأتى ذكر ذلك فى بابٍ سُمَيٍّ ١ من كتابنا هذا إن شاء اللهُ،
وقد مَضَى ما للعلماءِ من الصحابة والتابعين من المذاهِبِ فى الجُنُبِ يُصْبِحُ
فى رمضانَ ولم يَغْتَسِلْ، وفى الحائضِ أيضًا تُصْبِحُ طاهِرًا ولم تَغْتسِلْ، مُجَوَّدًا
مُسْتَوَعَبًا، فى بابٍ أبى طُوَالَةَ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ معمرٍ ، مِن كتابِنَا
هذا، فلا معنَى لإعادَةِ ذلك هلهنا .
القبس
(١) النسائى فى الكبرى (٢٩٧٦). وأخرجه مسلم (٧٧/١١٠٩)، والبيهقى ٢١٤/٤ من طريق
ابن وهب به ..
(٢) سيأتى فى الموطأ (٦٤٨).
(٣) فى ص١٧، ص ٢٧: (( و)).
(٤) تقدم ص ٩٠ - ٩٦.
٩٨

٦٤٨ - وحدَّثنى عن مالكِ، عن سُمَىِّ مولَى أبى بكرِ بنِ الموطأ
عبدِ الرحمنِ بنِ الحارث بن هشام ، أنه سمع أبا بكرِ بنَ عبدِ الرحمنِ بنِ
الحارث بن هشام يقولُ : كنتُ أنا وأبى عندَ مزوانَ بنِ الحكمِ وهو أميرُ
المدينةِ ، فذُكِر له أن أبا هريرةَ يقولُ : مَن أصبح مُجُنُبًا أفطَرِ ذلك اليومَ .
فقال مروانُ : أقسَمتُ عليك يا عبد الرحمنِ لتَذهَبَنَّ إِلى أُمَّيِ المؤمِنين
عائشةَ وأُمّ سلمةَ ، فَلَتَسْألَنَّهما عن ذلك. فذهَب عبدُ الرحمنٍ وذهَبتُ
معه حتى دخلنا على عائشةً، فسَلَّم عليها ، ثم قال : يا أُمّ المؤمنین ، إنا
كنا عندَ مروانَ بنِ الحَكَمِ، فذُكِر له أن أبا هريرةَ يقولُ : مَن أصبَح
جُنُبًا أَفطَر ذلك اليومَ . قالت عائشةُ : ليس كما قال أبو هريرةَ . يا عبد الرحمنِ ،
أُتْرغَبُ عما كان رسولُ اللهِ وَلِّ يصنَعُ؟ فقال عبدُ الرحمنِ: لا واللهِ.
قالت عائشةُ: فَأَشهَدُ على رسولِ اللهِ وَلِّ أنه كان يصبحُ جُنُبًا مِن
التمهيد
مالكٌ ، عن سُمَيِّ مولى أبى بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ بن الحارث بن هشامٍ ، أنه
سمِع أبا بكرِ بنَ عبد الرحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشامٍ يقولُ : كنتُ أنا وأبى عندَ
مَرْوانَ بنِ الحَكمِ وهو أميرُ المدينةِ، فذُكِر له أن أبا هريرةَ يقولُ: مَن أصبَح ◌ُنُبًا
أفطَر ذلك اليومَ . فقال مروانُ : أقسَمْتُ عليكَ يا عبد الرحمنِ لَتَذهَبَنَّ إِلى أَمَّي
المؤمنين عائشةً وأمّ سلمةَ ، فَلَتسألتَهما عن ذلك. فذهَب عبدُ الرحمنِ وذهَبتُ
معه حتى دخَلْنا على عائشةً، فسلَّم عليها، ثم قال: يا أمَّ المؤمنين ، إنا كنّا عندَ
القبس
٩٩

الموطأ جماع غيرِ احتِلامِ ثم يصُومُ ذلك اليومَ. قال: ثم خَرَجنا حتى دخَلنا
على أمّ سلمةً فسألها عن ذلك، فقالت مِثلَ ما قالت عائشةُ. قال :
فخرَجنا حتى جِئنا مروانَ بنَ الحكم، فذكر له عبدُ الرحمنِ ما قالتا،
فقال مروانُ : أقسَمْتُ عليك يا أبا محمدٍ لَتَركَبَنَّ دابَتَى فإنها بالبابِ ،
فَلتَذْهبنَّ إلى أبى هريرةَ ، فإنه بأرضِه بالعقيق ، فلتُخبرَنَّه ذلك . فرکِب
عبدُ الرحمنِ وركِبتُ معه حتى أتَينا أبا هريرةَ، فتَحدَّث معه
عبدُ الرحمنِ ساعةً ، ثم ذكّر له ذلك، فقال له أبو هريرةً: لا عِلمَ لی
بذلك ، إنما أخبرَنِيه مُخبِرٌ .
التمهيد مروانَ ، فذُكِر له أن أبا هريرةَ يقولُ: مَن أصبَح ◌ُجُنُبًا أفطَر ذلك اليومَ . قالت
عائشةُ: ليس كما قال أبو هريرةَ. يا عبد الرحمنِ، أترغَبُ عما كان رسولُ اللهِ
وَله يصنَعُ؟ قال عبدُ الرحمنِ: لا واللهِ. قالت عائشةُ: فَأَشهَدُ على رسولِ اللهِ
وَ له أنه كان يُصبحُ جُنُبًا من جماعِ غيرِ احتلامٍ ثم يصومُ ذلك اليومَ . قال : ثم
خرَجنا حتى دخَلْنا على أمّ سلمةً فسألها عن ذلك ، فقالت مثلَ ما قالت عائشةُ .
قال : فخرَجنا حتى جئنا مَرْوانَ بنَ الحكم ، فذكر له عبدُ الرحمنِ ما قالتا ، فقال
مزوان : أقسمتُ علیك یا أبا محمدٍ لَتَر گینَّ دائتی فإنها بالبابِ ، فلَتَذهَبَنَّ إِلی ابی
هريرةَ، فإِنه بأرضِه بالعقيقِ ، فلَتُخِرَنَّه ذلك . فركِب عبدُ الرحمنِ وركِبتُ معه
حتى أتينا أبا هريرةَ ، فتحدَّث معه عبدُ الرحمن ساعةً ، ثم ذكّر له ذلك ، فقال
القبس
١٠٠