Indexed OCR Text
Pages 21-40
الموطأ
التمهید
وقال ابنُ سِيرِينَ: خرَجْتُ فى اليوم الذى يُشَكُّ فيه ، فلم أُدْخُلْ على أحدٍ
◌ُؤْخَذُ عنه العِلْمُ إِلّ وجَدْتُه یا ◌ُلُ ، إِلَّ رجلا كان يَحْشُبُ ویأُذُ بالحِسَابِ ، ولو
لم يَعْلَمْ ذلك كان خَيْرًا له (١) . وقال مالِكٌ: كان أهلُ العِلْم يَنْهَون عن صِيامِه.
وقال الشَّافِعِىُّ: لا يجِبُ صومُ رَمَضانَ حتى يُسْتَيْقَنَ بدخُولِه، ولا يُصام يومُ
الشَّكِّ على أنَّهِ مِن رَمَضانَ. وقال الشَّافِعِىُّ: لو أَصْبَحَ يومَ الشَّكُّ لا يَنْوِى
القبس
متى كان؛ لأن المقصودّ بالحديثِ : مَن صام رمضانَ فقد حصَلت له مثوبةٌ عشَرةِ
أشهرٍ ، ومَن صام ستةً أيامٍ فقد حصَلت له مثوبةُ ستين يومًا ، وذلك الدهرُ، فأفضلُها أن
يكونَ فى عشْرٍ ذى الحجّةِ ؛ إذ الصومُ فيه أفضلُ مِنه فى شوَّالٍ، فإن قال: لعلِّى
أموتُ . قيل له: فصُتْها فى شعبانَ .
تتميمٌ: ولأجلِ هذا قال العلماء: إنه إذا ثبت أصلُ الصومِ بالشهادةِ، مُشِى
بالخبرِ ، فكلُّ مَن سَمِعه لَزِمه، إلا أن فى ذلك تفاصيلَ كثيرةً للعلماءِ، ليس هذا
موضعها؛ مِن أهمِّها ما روَى مسلمٌ وغيرُه عن كُريبٍ قال: أَرْسَلَتْنِى أمّ الفَضْلِ إلى
الشَّامِ ، فَأهْلَلْنَا(١) هِلَالَ رَمَضَانَ عِندَ مُعَاوِيَّةَ لَيْلَةَ المُجُمُعَةِ ، ثم قدِمتُ المَدِينَةَ فَسَأَلَّنِى
ابنُّ عباسٍ فأخْبَرتُهُ، فقال: لكِنَّا أَهْلَلْناهُ لَيْلَةَ الشَّبْتِ فَلَا نَزَالُ نَصُومُهُ حَتَّى تُكْمِلَه.
فَقُلْتُ: أَوَلا تَكْتَفِى (١) بِرُؤْيَةٍ مُعَاوِيةً وأصحابِهِ؟! فقال: لا، هكذا أمّرَنا رسُولُ اللهِ
وَلٍ" . واختلف الناسُ فى تأويل هذا الحديثِ؛ فمنهم من قال: إنما فعَل ذلك ابنُ
عباسٍ؛ لأجلِ اختلافٍ الآثارِ فى ارتفاعِ الهلالِ وانخفاضِه وعُلْوِهِ فى الأفقِ وسُفْلِه،
(١) أخرجه عبد الرزاق (٧٣١٧) .
(٢) فى د: ((فأهلنا)).
(٣) فى ج، م: (( نكتفى)).
(٤) سيأتى تخريجه ص ٣٣، ٣٤.
٢١
الموطأ
التمهيد الصومَ ، ولم يأْكُّلْ ولم يَشْرَبْ حتى عَلِمَ أَنَّه مِن شَهْرِ رَمَضانَ، فَأَتَمَّ صَوْمَه ، رَأَيْتُ
أنَّ عليه إِعادَةَ صَوْمٍ ذلك اليوم. وسَوَاءٌ كان ذلك قبلَ الزَّوَالِ أو بعده ، إذا أصْبَحَ لا
يَنْوِى صِيَامَه مِن شَهْرٍ رَمَضانَ. قال: وكذلك لو أصْبَحَ يَنْوِى صَوْمَه مُتَطَوِّعًا ، لم
يُجْزِئْهِ مِن رَمَضانَ، ولا أَرَى رَمَضانَ يُجْزُِه إلَّا بِإِرَادَتِه، واللهُ أعلمُ. قال: ولا فَوْقَ
عندِى بينَ الصَّوْمِ والصَّلاةِ فى هذا المَعْنَى. وقال أبو حَنِيفَةَ، وأبو يُوسُفَ ،
القبس
وإليه أشار البخارىُّ بقوله: (بابُ لکلِّ أهلِ بلدٍ رؤیتهم) () . وهذا لا يُشتنگؤُ فی
مطالعِ النَّراتِ(٢) ؛ فإن شُهَيلًا(٢) يظهَرُ فى (٤بعضِ الآفاق٤ِ) دونَ بعضٍ، وبناتُ
نعشِ نِيّ شمالىٌّ تَرَاه فى آخرِ الصيفِ حيثُ يطلُعُ سهيلٌ، يطلُعُ(١) مِن كواكبِه
السبعةِ اثنان، وتَبْقَى خمسةٌ، ونَرَاها كلَّها فى بلادِنا هذه مستقلّةً عن الأفقِ،
بعيدةً على (١٧) الغروبِ، ومنهم مَن قال فى تأويلِ الحديثِ الصحيحِ: إن السماءَ
كانت مُصْحِيةٌ(١)، فلم يَرَه أحدٌ مِن أهلِ المدينةِ، فكانت رؤيتُهم أقوى مِن خبرٍ
كريبٍ؛ إذْ لم يكونوا يَوْجِعون مِن المعاينةِ إلى الخبرِ، فـ: ((ليس الخبرُ
کالمعاينة ))" .
(١) هذه ترجمة الباب عند مسلم وليس البخارى ، وينظر مسلم ٧٦٥/٢ كتاب الصيام باب رقم (٥).
(٢) النيرات: القمران والنجوم. ينظر التعريف للمناوى ٨١/١ .
(٣). سهيل: نجم يمانى، عند طلوعه تنضج الفواكه وينقضى القيظ. التاج (س هـ ل).
(٤ - ٤) فى د: (( أقصى الآفاق))، وفى م: ((بعض الأوقات)).
(٥) بنات نعش الكبرى سبعة كواكب تشاهد جهة القطب الشمالى ، شبّهت بحملة النعش ، أربعة
منها نعش لأنها مربّعة ، وثلاثٌ بناتٌ ، وكذا بنات نعش الصغرى . التاج والوسيط (ن ع ش) .
(٦) فى ج: ((يغيب)).
(٧) فى ج: ((على محل))، وفى م: ((عن)).
(٨) أصحت السماء فهى مصحية: انكشف غيمها . المصباح المنير (ص ح ى) .
(٩) تقدم تخريجه فى ٩٨/٢ .
٢٢
الموطأ
. التمهيد
ومحمدٌ : لو أنَّ رجلاً أصبح صائمًا فى أوَّلِ یوم من شهرِ رمضانَ ولا يَنْوِی اُنَّهمِن
شهرٍ رَمَضانَ (١، وَيَنْوِى بصِيَامِه التَّطَوُّعَ، ثم عَلِمَ بعدَ ذلك أَنَّ يَوْمَه ذلك مِن
رَمَضانَ ، فإِنَّه يُجْزِئُّ عنه صِيَامُه، وليس عليه قَضَاءُ ذلك اليومِ . وقالُوا : لو أنَّ
رَبجُلًا أَصْبَحَ يَنْوِى الفِطْرَ فى أوَّلِ يومٍ مِن شَهْرِ رَمَضانَ، وهو لا يَعلَمُ أَنَّه مِن
رَمَضانَ ، ويَظُنُّ أَنَّهِ مِن شَعْبَانَ ، فاسْتَبَانَ له قبلَ انْتِصَافِ النَّهَارِ أنَّه مِن رمضانَ ،
فإِنَّه يُجْزِئُّ عنه إنْ لم يكُنْ أَكَلَ أو شَرِبَ قبلَ أنْ يَسْتَبِينَ له . وقالُوا: إِنْ عَلِمَ أنَّ ذلك
اليومَ مِن رَمَضانَ بعدَما انْتَصَفَ النَّهَارُ، فإِنَّه يصومُ بَقِيَّةً يَوْمِه ، وعليه قَضَاءُ ذلك
اليوم. قالُوا: ولو كان هذا الصِّيَّامُ قَضاءً مِن رَمَضانَ، أو مِن صِيَّامٍ كان عليه ، فإِنَّه
لا يُجْزِئُه ؛ لأَنَّه قد أصبح مُفْطِرًا. قالُوا: وَيُجْزِئُهُ أنْ يَتَطَوَّعَ به، ولا يُجْزِئُه مِن شىءٍ
واجِبٍ عليه . وقال أبو ثَوْرٍ : لو أنَّ رجلًاً أصْبَحَ يَنْوِى الفِطْرَ فى أوَّلِ يومٍ مِن شهرِ
رَمَضانَ ، وهو لا يَعْلَمُ أنَّه مِن رَمَضانَ، ويَرَى أَنَّه مِن شَعْبانَ، فاسْتَبَانَ له أنَّه مِن
شهرٍ رَمَضانَ ، قبلَ أنْ يَنْتَصِفَ النَّهارُ، لم يُجْزِئْه عن شَهْرِ رَمَضانَ، وكان عليه
قَضَاءُ ذلك اليومِ . قال: ولو نَوَى بِصَوْمٍ ذلك اليومِ التَّطَوُّعَ، وهو لا يَعْلَمُ أَنَّه مِن
رَمَضانَ ، لم يُجْزِئْه أيضًا ، وكان عليه قَضاؤُه .
قال أبو عمرَ: أَمَّا مَن ذهَب إلى إبْطَالِ صَوْمٍ مَن عَقَّدَ نِيَتَه على تَطَوُّع عن
الواجِبٍ، أو صامَ يومَ الشَّكُّ على غيرِ يَقِينٍ أَنَّه مِن رَمَضانَ، فالحُجَّةُ لهَ قولُ
رسولِ اللَّهِ وَله: ((الأَعْمَالُ بِالنَِّاتِ، وإنَّمَا لِامْرِىُّ مَا نَوَى))(١). وقد صَعَّ أَنَّ
القبس
(١) فى الأصل: ((شعبان)).
(٢) تقدم تخريجه فى ٣٢/٥، وسيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٩٣٢) من الموطأ .
٢٣
الموطأ
التمهيد
التَّطَوَّعَ غيرُ الفَرْضِ، فَمُحَالٌ أَنْ يَتْوِىَ التَّطَوُّعَ ويُجْزِئَه عن الفَرْضِ. ومِن جِهَةِ
النَّظَرِ أيضًا فَرْضُ رَمَضانَ قد صَحَّ بِيَقِينٍ، فلا يجوزُ أَدَاؤُه بِشَكّ. ووَجْةٌ آخَرُ،
وهو أنَّهم قد أجْمَعُوا على أنَّ مَن صلَّى أَرْبَعًا بعدَ الزَّوَالِ مُتَطَوِّعًا أو شَاكّا فى دُخُولٍ
الوَقْتِ ، أَنَّه لا يُجْزِئُه ذلك مِن صَلاةِ الظُّهْرِ، فكذلك هذا . واللهُ أعلمُ . وأمّا ما
ذهَبَ إليه الأَوْزَاعِىُّ، وأبو حَنِيفَةً، والثورىُّ، وابنُّ عُلَيَةَ، فَحُجَّتُهم أنَّ رَمَضانَ لا
يخْتَاجُ إِلى نِيَّةٍ ، ولا يكونُ صَوْمُه تَطَوُّعًا أَبَدًا، كما أنَّ مَن صامَ شَعْبَانَ يَنْوِى به
رَمَضانَ لا يكونُ عن رَمَضانَ، ولا يكونُ فى رَمَضانَ صَوْمٌ عن غيرِه ؛ لأَنَّه وَقْتُ
لا تُحِيلُ فيه النِّيَّةُّ الْعَمَلَ .
قال أبو عمرَ: قد قال بكِلًا القَوْلَيْن جماعَةٌ مِن التَّابِعِين، ومِمَّنْ قال بقَوْلِ
الأَوْزَاعِيِّ عَطَاءٌ(١) ، وعُمَّرُ بنُ عبدِ العَزِيزِ، ولَكِنَّ القولَ الأَوَّلَ أَصَعُ وأخْوَطُ مِن
جِهَةِ الأَثَرِ والنَّظَرِ إنْ شاءَ اللهُ، واللهُ المُوَفِّقُ للصَّوابِ.
(٢)
وقد ذكّرْنَا ما للعُلَماءِ مِن التَّازُعِ فى وُجُوبِ النِّيّةِ والتَّبِيتِ فی صیامِ
الفَّرْضِ والتَّطَّوَّعِ فى بابِ ابنِ شِهَابٍ" .
ذكَر عبدُ الرَّزَّاقِ (٤) ، قال : أخبرنا ابنُ مُجرَيْج، قال : أخبرنى مُزَاحِمٌ ، قال :
خَطَبَ عمرُ بنُ عبدِ العَزِيزِ فى خِلافَتِهِ، فقال: انْظُرُوا هِلَالَ رَمَضانَ، فإِن رَأَيْتُمُوه
فصُومُوا، وإن لم تَرَؤْه فأكْمِلُوا ثلاثين يومًا. قال: وأُصْبَحَ الناسُ منهم الصَّائِمُ،
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (٧٣٢٢).
(٢) ليس فى: الأصل.
(٣) سيأتى ص٧٥ - ٧٧.
(٤) عبد الرزاق (٧٣٢١).
٢٤
الموطأ
التمهيد
ومنهم المُفْطِرُ، ولم يَرَوُا الهلالَ، فجاءَهم الخبرُ بأنْ قدرِىءَ (١) الهِلَالُ. قال:
فكَلَّمَ الناسُ عُمَرَ ، وبعَثَ الحَرَسَ فى العَسْكَرِ: مَن أَصْبَحَ صَائِمًا فَلْيِمَّ صَوْمَه فقد
وُفِّقَ له، ومَن أَصْبَحَ مُفْطِرًا لم يَذُقْ شيئًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةً يَوْمِه، ومَن كان طَعِمَ شيئًا
فَلْيُتِمَّ ما بَقِىَ مِن يَوْمِه ولِيَقْضِ يومًا مَكانَه، وإِنِّى لَعِقْتُ لَغْقًا مِن عَسَلٍ ، فأنَا صَائِمٌ
بقِئةً يؤمی ثم ◌ُتدِلُه بعدُ .
ورُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ فِى مَغْنَى مَا رَوَاه عن النبيِّ وَ لِّمِن قولِه: «فإن غُمَّ
عليكم فَاقْدُرُوا له)) - شىءٌ لم يُتَابِعْه على تَأْوِيلِه ذلك فيما عَلِمْتُ إِلَّ
طاؤس ، وأحمد بن حنبل ، وژُوِیَ عن أسماء بنت أبى بكرٍ مثلُ ذلك ، وژُوِىَ
عن عائشةَ نحوُه، وذلك أنَّ ابنَ عُمَرَ كان يقولُ: إذا لم تُرَ الهلالُ، ولم يكُنْ
فى السَّمَاءِ غَيْمٌ لَيْلَةَ ثلاثِينَ مِن شَعْبَانَ، وكان صَحْوًا، أَقْطَرَ الناسُ ولم
يَصُومُوا، وإن كان فى السَّمَاءِ غَيْم فى تلكَ اللَّيْلَةِ، أضحَ الناسُ صائِمِین،
وأجْزَأَهم مِن رَمَضانَ، إِنْ ثَبَتَ بعدُ أنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ وعشرون، ورُبَّما كان
شَعْبَانُ حِينَئِذٍ تسْعًا وعِشْرِينَ(١) . ورُوِىَ عن أسماءَ بنتِ أبى بكرٍ أنَّها كانت
تصومُ اليومَ الذى يُغَمَّى على الناسِ فيهُ(١) . ورُوِىَ عن عائشةَ أنَّها قالت: لأَنْ
أُصُومَ يومًا مِن شعبانَ أُحَبُّ إِلَىَّ مِن أَنْ أَقْطِرَ يومًا مِن رَمَضانَ(٤).
القبس
(١) عند عبد الرزاق: ((رئی)): وكلاهما بمعنى؛ يقال: رَاءَ مقلوب بمعنى رأى. وينظر الأفعال
للسرقسطى ٤٩/٣.
(٢) سيأتى تخريجه الصفحة التالية .
(٣) أخرجه البيهقى ٢١١/٤.
(٤) أخرجه أحمد ٤١٩/٤١ - ٤٢١ (٢٤٩٤٥)، والبيهقى ٢١١/٤.
٢٥
الموطأ
التمهید
وأمَّا الروايةُ بذلك عن ابنٍ عُمَرَ، فذكَرَ عبدُ الرَّزَّاقِ (١) ، عن مَعمٍَّ، عن
أُوبَ ، عن نافع، عن ابنٍ ثُمَرَ ، أَنَّهإذا كان سَحَابٌ أضْبَحَ صائمًا، وإن لم يكُنْ
سَحَابٌ أَصْبَحَ مُفْطِرًا .
قال(٢) : وأخبرنا مَعْمَرٌ، عن ابنٍ طاؤُسٍ ، عن أبيه مثلَه .
وقال أحمدُ بنُّ حَتْبَلٍ: صِيَامُ يومِ الشَّكِّ واجِبٌ ، وهو مُجْزِئٌ مِن رَمَضانَ إِنْ
ثَبَتَ أَنَّه مِن رَمَضَانَ .
حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بنُ سُفْيانَ ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثنا
محمدُ بنُّ الجَهْم، قال: حدَّثنا عبدُ الوَهَّابِ ، قال: حدَّثنا سعيدٌ ، عن أيُّوبَ ،
عن نافعٍ، عن ابنِ عُمَرَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ وَه قال: ((إِذَا رَأَيْتُم الهلالَ فصُومُوا،
وَإِذَا رَأَيْتُمُوه فَأَقْطِرُوا، فإن غُمَّ عليكم فَاقْدُرُوا له)). قال نافِعٌ: فكان ابنُ عُمَرَ
يَبْعَثُ مساءً ثلاثين مِن شعبانَ مَن يَنْظُرُ له الهِلَالَ، فإن كان صَحْوًا وژآه صامَ ،
وإن لم يَرَه لم يَصُمْ، وإن حالَ بَيْنَه وبَيْنَه قَتَوْ أَصْبَحَ صائِمًا(٣) .
وأخبرنا عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا
أبو داودَ ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ داودَ(٤) ، قال: حدَّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدِ،
القبس
(١) عبد الرزاق (٧٣٢٣).
(٢) عبد الرزاق (٧٣٢٤).
(٣) أخرجه الخطيب فى جزء وانى بسوها) موسطريق عبد الوهاب به ، وأخرجه أحمد ٧١/٨
(٤٤٨٨)، ومسلم (٦/١٠٨٠)، وابن خزيمة (١٩١٨) من طريق أيوب به.
(٤) فی النسخ: ((حرب)). والمثبت من سنن أبى داود .
٢٦
الموطأ
التمهيد
قال: حدَّثنا أيُّوبُ، عن نافع، عن ابنٍ عُمَرَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ◌ِالتِ:
((الشَّهْرُ تِسْعٌ وعشرون، فلا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الهلالَ، ولَا تُفْطِرُوا حَتَّى
تَرَوْه، فإن غُمَّ عليكم فاقْدُرُوا له)). وكان ابنُ عُمَرَ إذا مَضَى لشَعْبانَ تسعَّ
وعشرون نُظِرَ له الهِلَالُ، فإِن رُئِىَ فذاكَ، وإِنْ لم ◌ُرَ ولم يَحُلْ دُونَ
مَنْظَرِهِ سَحَابٌ ولا قَتَرَّ أَصْبَحَ مُفْطِرًا، وإن حالَ دونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ أَو قَتَرَ
أَصْبَحَ صائِمًا. قال: وكان ابنُّ عُمَرَ يُفْطِرُ مع الناسِ، ولا يأْخُذُ بهذا
(٢)
الحساب(١).
قال أبو عمرَ : هذا الأَضْلُ يَنْتَقِضُ على مَنْ أَصَّلَه؛ لأَنَّ مَن أُغْمِىَ عليه
هِلَالُ رَمَضانَ، فصامَ على فِعْلِ ابنِ عُمَرَ، ثم أَغْمِىَ عليه هِلَالُ شَؤَّالٍ، لا
يَخْلُو أَنْ يكونَ يَجْرِى(١) على اخْتِيَاطِهِ، حَوْفًا أنْ يُفْطِرَ يومًا مِن رَمَضانَ، أو
يَتْرُكَ اخْتِيَاطَه، فإِنْ تَرَكَ اخْتِيَاطَه نَقَضَ ما أَصَّلَه، وإِنْ جَرَى على احْتِيَاطِه
صامَ أحدًا وثلاثين يومًا، وهذا خِلَافُ ما أمَرَ اللَّهُ به عندَ الجميع، ولكنَّه
وإن كان كما وَصَفْنا فإِنَّ لأَصْحَابِنا مِثْلَه مِنَ الاخْتِيَاطِ كثيرًا فى الصَّلاةِ،
مثلَ قَوْلِهِم: يتَمَادَى ويُعِيدُ، ويَسْجُدُ سَجْدَتَي السَّهْوِ. وهو خِلَافُ ما أَمَرَ
اللَّهُ بِهِ مِن الخَمْسِ صَلَواتٍ، وهو يُشْبِهُ مَذْهَبَ ابنِ عُمَرَ فى هذا البابِ،
ويُشْبِهُ أيضًا إِعْمَالَ مالِكِ الشَّكَّ فى مَواضِعَ مِنِ الطَّهَارَةِ والطَّلاقِ. واللهُ
القبس
(١ - ١) فى م: ((يروا).
(٢) أبو داود (٢٣٢٠) - ومن طريقه الخطيب فى جزء حديث ابن عمر فى تراثى الهلال (١٧) -
وأخرجه الدارمى (١٧٣٢)، والبيهقى ٢٠٤/٤ من طريق حماد به.
(٣) فی م: ( یجزئ)).
٢٧
الموطأ
الموفِّقُ للصوابِ.
التمهید
وقد كان بعضُ چِلَّةِ التّابِعین فیما حكاه عنه محمدُ بنُ سِیرِینَ یذْهَبُ فى هذا
البابِ إِلى اعتبارِهِ بالنُّجُومِ، ومَنازِلِ القَمَرِ، وطَرِيقِ الحسابِ، وذهَبَ بعضُ
فُقَهاءِ البصريين إلى أنَّ مَعْنَى قَوْلِه عليه السَّلامُ: ((فاقْدُرُوا له)) . ارْتِقَابُ مَنَازِلٍ
القَمَرِ، وهو عِلْمٌّ كانتِ العربُ تَعْرِفُ منه قَرِيبًا مِن عِلْمِ العَجَمِ .
قال أبو عمرَ: مَن ذهَبَ إِلى هذا المَذْهَبِ يقولُ فى مَعْنَى قولِه عليه السَّلامُ:
((فاقْدُرُوا له)): إِنَّ التَّقْدِيرَ فى ذلك يكونُ إِذا غُمَّ على الناسِ ليلةً ثلاثين مِن
شَعْبَانَ ، بِأَنْ يُعْرَفَ مُسْتَهَلُّ الهلالِ فى شعبانَ فى أوَّلِ ليلةٍ ، ويُعْلَمَ انَّه يَمْكُثُ فيها
ستةَ أَسْبَاع ساعةٍ ثم يغيبُ ، وذلك فى أَدْنَى مفارقتِهِ الشَّمْسَ، ولا يَزَالُ فى كلِّ
ليلةٍ يزيدُ على مُكّثِهِ فى الليلةِ التى قبلَها ستةَ أشْبَاعِ ساعةٍ ، فإذا كان فى الليلةِ
السابعةٍ، غابَ فى نِصْفِ الليلِ، وإذا كان ليلةُ أربعَ عَشْرَةَ تأَخّرَ ستةَ أسْبَاعِ
ساعةٍ ، ولا تَزالُ فى كلِّ ليلةٍ يَتَأَّرُ طُلُوعُه عن الوَقْتِ الذى طَلَعَ فيه فى الليلةِ التى
قبلَها سِنَّةَ أَسْبَاعٍ ساعةٍ(١) إلى أنْ يكونَ طُلُوعُه ليلةَ ثَمانٍ وعشرين (١ مع الغَدَاةِ،
فإنْ لم يُرَ صُبْحَ ثَمَانٍ وعشرين عُلِمَ أنَّ الشَّهْرَ ناقِصٌ، وأنَّه مِن تِشْعِ وعشرين)،
وإنْ رِىءَ عُلِمَ أنَّه تَامٌّ، وأنَّ عِدَّتَه ثلاثون يومًا. وقال: وقد يُتَعَرَّفُ أيضًا بمُكْثٍ
الهلالِ فى لَيَالِى النصفِ الأوَّلِ مِن الشَّهْرِ، ومَغِيبِهِ مِن الليلِ، وأَوْقَاتِ طُلُوعِه
لَيَالى النصفِ الآخَرِ مِن الشَّهْرِ، وتَأَخْرِه عن أوَّلِ الليلِ، بضَرْبٍ آخَرَ مِن العِلْمِ
القبس
(١) سقط من: م.
(٢ - ٢) ليس فى: الأصل.
٢٨
الموطأ
والعَمَلِ عندَهم ، ويُتَعَّفُ أيضًا مِن المَنازِلِ، فإِنَّ الهِلَالَ إذا طَلَعَ أوَّلَ لَيْلَةٍ مِن
شَعْبَانَ فِى الشَّرَطَيْنِ(١) ، فكان شَعْبَانُ ناقِصًا، طَلَعَ فِى الْبُطَيْنِ(١)، ونحوُ هذا.
التمهيد
قال أبو عمرَ: يُمْكِنُ أنْ يكونَ ما قاله هذا القائِلُ على التَّقْرِيبِ ؛ لأَنَّ أهلَ
التَّعْدِيلِ والامْتِحَانِ يُنْكِرُون أنْ يكونَ هذا حَقِيقَةٌ، وإذا(٢) لم يَكُنْ حَقِيقَةٌ،
وكانت الحُقِيقَةُ عندَهم فيما لم تُوقِفُ الشَّرِيعَةُ عليه، ولا وَرَدَتْ به سُنَّةٌ ، وجبّ
العُدُولُ عنه إلى ما سُنَّ لنا وهُدِينَا له ، وفيما ذكَرَ هذا القائِلُ مِن الضِّيقِ والتَّارُعِ
والاضْطِرَابِ ما لا يَلِيقُ أنْ يَتَعَلَّقَ به أُولُو الأَلْبَابِ، وهو مذْهَبٌ ترَكّه العلماءُ قديمًا
وحديثًا للأحاديثِ الثابتة عن النبيِّ عليه السَّلامُ: ((صُومُوا لِرُؤْيَتِه، وأَقْطِرُوا
لُؤْيَتِه، فإن غُمَّ عليكم فأَتْهُوا ثلاثين)). ولم يَتَعَلَّقْ أحَدٌ مِن فقهاء المسلمين فيما
عَلِمْتُ باعتبارِ المَنازِلِ فى ذلك، وإنَّما هو شىءٌ رُوِىٌ عن مُطَرِّفٍ بنِ الشِّخِّيرِ،
وليس بصحيح عنه، واللهُ أعلم، ولو صَحُ ما وجَبَ اتِّبَاعُه عليه؛ لِشُذُوذِه
ولمُخَالَفَةِ الحُجَّةٍ له، وقد تأوَّلَ بعضُ فُقَهَاءِ البَصْرَةِ فى مَعْتَّى قولِه فى الحديثِ :
((فاقْذُرُوا له)). نحو ذلك، والقَوْلُ فيه واحِدٌ، وقال ابنُّ قتيبةً فى قوله: ((فاقْدُرُوا
له)). أى: فَقَدِّرُوا السَّيْرَ والمَنَازِلَ. وهو قولٌ قد ذكّوْنَا شُذُوذَه ومخالفةَ أهلِ
العلمِ له، وليس هذا مِن شّأنٍ ابن قتيبةً ، ولا هو مِثَّنْ يُعَرَّجُ عليه فى هذا البابِ ،
وقد تحكِىَ عن الشافعيِّ أَنَّه قال: مَن كان مذْهَبُه الاستدلالَ بالتُّمُجُومِ ومَنَازِلٍ
القبس
(١) الشرطان: نجمان من الحُتل يقال لهما: قرنا الحمل. وهما أول نجم من الربيع. اللسان (ش ر ط).
(٢) البطين: نجم من نجوم السماء من منازل القمر بين الشرطين والثريا. اللسان (ب ط ن).
(٣) فى م: ((لذا)).
٢٩
الموطأ
التمهيد
القَمَرِ ، ثم تَبَيَّنَ له مِن جهةِ النُّجومِ أَنَّ الهلالَ الليلةَ وغُمَّ عليه، جازَ له أنْ يَعْتَقِدَ
الصيامَ ويُبَيَِّه، ويُجْزِئُه. والصحيحُ عنه فى كُتُبِه وعندَ أصْحابِهِ أَنَّه لا يَصِحُ اعْتِقَادُ
رمضانَ إِلَّا بِرُؤْيَةٍ أو شَهادَةٍ عَادِلَةٍ؛ لِقَوْلِهِ وَهِ: ((صُومُوا لرُؤْيَتِه، وأَقْطِرُوا لمُؤِْتِه،
فإن غُمَّ عليكم فأَكْمِلُوا العدَّةَ ثلاثين يومًا)) .
حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ، حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ ، حدَّثنا أبو داودَ ، قال :
حدَّثنا أحمدُ بنُّ حَنْبَلٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِئٍّ، قال: حدَّثنا معاويةٌ
ابنُّ صالِحٍ، عن عبدِاللهِ بنِ أبى قَئِسٍ، قال: سمِعتُ عائشةَ تقولُ: كان
رسولُ اللَّهِ وَهِ يَتَحَفَّظُ مِن شَعْبَانَ (١)، ولا يَتَحَفَّظُ مِن غيرِهِ، ثم يَصُومُ لُرُؤْيَةِ
رمضانَ، فإن غُمَّ عليه، عَدَّ ثلاثين يومًا ثم صامَ (١) .
حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُّ أَصْبَغَ، قال: حدّثنا
محمدُ بنُ عبدِ السلامِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: حدَّثنا
عبدُ الرحمنِ ، قال : حدثنا سفيان ، عن منصورٍ ، عن رِئعِئٍّ ، عن بعض أصحابٍ
النبيِّ عليه السَّلامُ، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَهِ: ((لَا تَصُومُوا الشَّهْرَ حَتَّى تُكْمِلُوا
العددَ أُو تَرَوُا الهلالَ، ثُمَّ صُومُوا، ولا تُفْطِرُوا حَتَّى تُكْمِلُوا العدَّةَ أَو تَرَوُا .
القبس
(١) فى الأصل: ((شيئين)).
(٢) أبو داود (٢٣٢٥)، وأحمد ٨٢/٤٢، ٨٣ (٢٥١٦١). وأخرجه ابن خزيمة (١٩١٠)، وابن
حبان (٣٤٤٤)، والدارقطنى ١٥٦/٢، ١٥٧ من طريق عبد الرحمن بن مهدى به.
٣٠
الموطأ
التمهيد
الهلالَ))(١) .
وهذان الحديثان يَنْتُجَان يبُطْلَانِ تأويلِ ابنِ عُمَرَ ومذْهَبِه ، وكذلك آثارُ هذا
البابِ . واللهُ يُوَفِّقُ مَن يشاءُ للصَّوابِ .
(٢)
وقال عَمَّارُ بنُ ياسِرٍ: مَن صامَ يومَ الشَّكُّ فقد عَصَى أبا القاسِم
قال أبو عمرَ: أَمَّا الشَّهادَةُ على رؤيَةِ الهلالِ ، فَأَجْمَعَ العلماءُ على أنَّه لا يُقْبَلُ
فى شَهَادَةِ شَؤَّالٍ فى الفطرِ إِلَّ رَجُلَان عَدْلَان ، واخْتَلَفُوا فى هلالِ رمضانَ ؛ فقال
مالِكٌ، والثورىُّ، والأوزاعىُ، والليثُ، والحسنُ بنُ حىٍّ، وعبيدُ اللَّهِ بنُ
الحسنِ، وابنُ عُلَيَّةَ: لا يُقْبَلُ فى هِلَالِ رمضانَ ولا شَوَّالٍ إِلَّ شَاهِدَا عَدْلٍ،
رجلانِ. وقال أبو حنيفةً وأصحابُه فى رؤية هلالٍ رمضانَ: شَهَادَةُ رجلٍ واحِدٍ
عَدْلٍ إِذا كان فى السماءِ عِلَّةٌ، و(إن لم يكُنْ فى السَّمَاءِ عِلَّةٌ" لم يُقْبَلْ إِلَّ شَهادَةُ
العامَّةِ ، ولا يُقْبَلُ فى هلالٍ شَؤَّالٍ وَذِى الحِجَّةِ إِلَّ شَهَادَةُ عَدْلَيْنِ يُقْبَلُ مثلُهما فى
الحُقُوقِ وإن كان فى السماءِ عِلَّةٌ. وهو قولُ داودَ. هكذا حَكَاه أبو جَعْفَرِ
الطَّحَاوِىُّ، عن أبى حَنِيفَةَ وأصْحابِهِ، فى كتابِهِ الكبيرِ فى الخِلَافِ؛ اشْتَرِطَ
العَدَالَةَ، ولم يَذْكُرِ المرأةَ، وذَكَرَ عنه فى ((المُخْتَصَرِ)) فى الشَّهادَةِ على هلالٍ
القبس
(١) أخرجه البزار (٢٨٥٦) عن محمد بن المثنى به ، وأخرجه أحمد ١٢٢/٣١ (١٨٨٢٥)،
والنسائى (٢١٢٦)، والطحاوى فى شرح المشكل (٣٧٧٠) من طريق عبد الرحمن به، وأخرجه
عبد الرزاق (٧٣٣٧)، وابن الجارود (٣٩٦)، والدارقطنى ١٦١/٢ من طريق سفيان به.
(٢) أخرجه الدارمى (١٧٢٤)، والبخارى معلقا قبل (١٩٠٦)، وأبو داود (٢٣٣٤)، وابن ماجه
(١٦٤٥)، والترمذى (٦٨٦)، والنسائى (٢١٨٧).
(٣ - ٣) ليس فى: الأصل.
٣١
الموطأ
التمهيد رمضانَ: شاهِدٌ واحدٌ مسلمٌ، أو امرأةٌ مسلمةٌ . لم يَشْتَرِطِ العدالةَ، وفى الشَّهادَةِ
علی ھلالٍ شؤالٍ رَجُلٌ وامرأتان کسائر الُقُوقِ ، واخْتَلَفَ قولُ الشافعى فى هذه
المَسْأَلَةِ؛ فَحَكَى المُزَنِىُّ عنه أَنَّه قال: إن شَهِدَ على رؤيةِ هلالٍ رمضانَ رَجُلٌ
عَدْلٌ واحِدٌ رَأَيْتُ أنْ أَقْبَلَه؛ للأَثَرِ الذى جاء فيه، والاحتياطُ والقياسُ أَلَّ يُقْبَلَ إِلَّا
شاهدانٍ. قال: ولا أَقْبَلُ على رؤية هلالِ الفطرِ إِلَّ عَدلينٍ. وقال فى ((البُويْطِئِّ)):
ولا يُصَامُ رَمَضانُ ، ولا يُفْطَرُ منه بأَقَلَّ مِن شاهدينٍ مُرَّيْن مسلمينٍ عَدْلَيْن . وقال
أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلِ: مَنْ رَأَى هلالَ رمضانَ وحدَه صام، فإن كان عَدْلًا صُوَّمَ الناسُ
بقَوْلِه، ولا يُفْطَرُ إلَّا بشهادةٍ عَدْلَيْن، ولا يُفْطِرُ إذا رَآه وحدَه.
قال أبو عمرَ: لم يَخْتَلِفِ العلماءُ فِيمَنْ رَأَى هلالَ رمضانَ وحدَه فلم تُقْبَلْ
شَهادَتُه ، أنَّه يصومُ؛ لأَنَّ مُتَعَبَّدٌ بِنَفْسِه لا بغيرِهِ، وعلى هذا أكثرُ العلماءِ، لا
خِلَافَ فى ذلك إلَّا شُذُوذٌ لا يُشْتَغَلُ به، ومَن رَأَى هلالَ شَوَّالٍ وحدَه أَقْطَرَ عندَ
الشافعىٌّ، والحسنِ بنِ حَيٍّ. ورُوِىَ عن مالِكِ أَنَّه لا يُفْطِرُ للتُّهَمَةِ ، وهو قولُ أُبی
حنيفةً والثورىِّ؛ أنَّه لا يُفْطِرُ، ومثلُه قولُ اللَّيْثِ وأحمدَ ؛ لا يُفْطِرُ مَن رَآهُ وحدَه،
واسْتَحَبَّ الشافعىُّ أَنْ يُخْفِىَ فِطْرَه، وقال مالكٌ: مَنْ رَأَى هلالَ رمضانَ وحدَه
فَأَفْطَرَ فعليه الكَفَّارَةُ مع القَضَاءِ . وقال أبو حنيفةَ: لا كَفَّارَةً عليه. والشَّانِىُّ على
أضْلِه فى الأَكْلِ، فإن وَطِىٌّ كَفَّرَ عندَه، وكان الشّغْيِئِ والنَّخَعِئُ يقولان : لا يصومُ
أُحَدٌّ إلَّا مع جماعَةِ الناسِ"(١). وقال الحَسَنُ، وابنُّ سِيرِينَ: يَفْعَلُ الناسُ ما يَفْعَلُ
إمَامُهم .
القبس
(١) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٧١/٣.
٣٢
..
الموطأ
قال أبو عمرَ: قد أجْمَعُوا على أنَّ الجماعَةَ لو أُخْطَأَتِ الهلالَ فی ذِی
الحجّةِ، فوقَفَتْ بِعَرَفَّةً فى اليومِ العاشرِ، أنَّ ذلك يُجْزِتُها، فكذلكَ الفِطْرُ
والأُضْحَى . واللهُ أعلمُ .
التمهيد
رَوَى حَمَّادُ بنُّ زَيْدٍ، عن أُيُوبَ، عن محمدِ بنِ المُنْكَدِرِ ، عن أبى هريرةَ،
عن النبيِِّ نَ﴿ قال: ((فِطْرُكُمْ يَوْمَ تُفْطِرُون، وأَضْحَاكم يَوْمَ تُضَحُون))(١).
واخْتَلَفَ العلماءُ فى الحُكْمِ إِذا رَأَى الهلالَ أهلُ بلدِ دونَ غيرِهِ مِن البلدانِ ؛
فُرُوِىَ عن ابنِ عباسٍ، وعكرمةَ، والقاسمِ بنِ محمدٍ، وسالمِ بنِ عبدِ اللهِ، أنَّهم
قالُوا: لكُلِّ أهلٍ بلدٍ رُؤْيَتُهم. وبه قال إسحاقُ بنُ رَاهُويَه.
ومحجّةُ مَن قال هذا القولَ ما حدَّثناه عبدُ اللّهِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ المُؤْمِنِ،
قال: حدّثنا محمدُ بنُ بَكْرِ بنِ دَاسَةَ(١)، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال: حدّثنا
مُوسَى بنُّ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ جعفرٍ، قال : أخبرنى محمدُ بنُ
أَبِى حَرْمَلَةَ، قال: أخبرنى كُرَيْبٌ، أَنَّ أَمَّ الفَضْلِ بنتَ الحارثِ بعَنَّهُ إِلى معاويةً
بالشَّامِ ، قال: فَقَدِمْتُ الشَّامَ، فقَضَيْتُ حاجَتَها، فاسْتَهَلَّ رمضانُ وأنا بالشَّامِ،
فِرَأْنَا الهلالَ ليلةَ المُجُمُعَةِ ، ثم قَدِمْتُ المدينةَ فى آخِرِ الشَّهْرِ ، فسَألَنِى ابنُ عباسٍ،
ثم ذكَرَ الهلالَ، فقال: متى رَأَيْتُم الهلالَ؟ قال: قلتُ: رَأَيْتُه ليلةَ الجُمُعَةِ . قال:
أَنتَ رَأَيْتَه؟ قلتُ: نَعَمْ، ورَآهُ الناسُ، وصامُوا وصامَ معاويةُ. قال: لكنْ رَأَيْنَاه
القيس
٠
(١) أخرجه أبو داود (٢٣٢٤)، والدارقطني ١٦٣/٢، ٢٢٤، من طريق حماد بن زيد به.
(٢) فى الأصل: ((داود)).
٣٣
(موسوعة شروح الموطأ ٣/٩)
الموطأ
ليلةَ السَّبْتِ ، فلا نَزَالُ نصومُ حتى تُكْمِلَ ثلاثين يومًا أو نَرَاه. قلتُ: أَوَلا تَكْتَفِی
(١)
برُؤْيَةِ معاويةً؟ قال: لا، هكذا أمَرَنا رسولُ اللَّهِ وَ(١).
التمهید
وفيه قولٌ آخَرُ رُوِىَ عن الليثِ بنِ سعدٍ ، والشافعيِّ ، وأحمدَ بنِ حَتْلٍ،
قالُوا : إذا ثَبَتَ عندَ الناسِ أنَّ أهلَ بلدٍ رَأَوْه، فعليهم قَضَاءُ ما أَقْطَرُوا . وهو قولُ
مالِكٍ فيما روَى ابنُ القاسِمِ، وقد رُوِىَ عن مالِك - وهو مَذْهَبُ المدنیین مِن
أصْحابِه - أنَّ الرُّؤْيَةَ لا تَلْزَمُ غيرَ البلدِ الذى حصَلَتْ فيه، إلَّا أنْ يَحْمِلَ الإِمَامُ على
ذلك، وأمَّا مع اختلافِ الكَلِمَةِ ، فلا ، إلَّا فى البَلَدِ بعَيْنِهِ وعَمَلِه. هذا مَعْنَى
قَوْلِهم، وقد لَخَّصْنا مذَاهِبَهم فى ذلك فى الكتابِ ((الكَافِى))(٣).
قال أبو عمرَ: إلى القولِ الأَوَّلِ أَذْهَبُ؛ لأَنَّ فيه أَثَرَا مَرْفُوعًا، وهو
حديثٌ حَسَنٌ تَلْزَمُ به الحُجَّةُ، وهو قولُ صاحِبٍ كبيرٍ لا مُخَالِفَ له مِن
الصَّحابةِ، وقولُ(٤) طائفةٍ مِن فُقَهاءِ التابعين، ومع هذا إنَّ النَّظَرَ يدُلُّ عليه
عندٍى؛ لأَنَّ الناسَ لا يُكَلَّفُون عِلْمَ ما غابَ عنهم فى غيرِ بَلَدِهم، ولو كُلِّفُوا
ذلك لَضَاقَ عليهم، أرَأَيْتَ لو رِىءَ بمَكَّةً أو بخُرَاسَانَ هِلَالُ رَمَضانَ أَعْوَامًا
بغيرِ ما كان بالأنْدَلُسِ، ثم ثَبَتَ ذلك ("بعدَ زمانٍْ) عندَ أهلِ الأَنْدَلُسِ، أو
القبس
(١) أبو داود (٢٣٣٢). وأخرجه أحمد ١٠/٥ (٢٧٨٩)، ومسلم (١٠٨٧)، والترمذى (٦٩٣)،
والنسائى (٢١١٠) من طريق إسماعيل بن جعفر به.
(٢) فى م: ((لابن)).
(٣) الكافى ٣٣٤/١.
(٤) فى الأصل: ((قال فيه)).
(٥ - ٥) فى م: ((بزمان)).
٣٤
الموطأ
التمهيد
عندَ بعضِهم، أو عندَ رجلٍ واحدٍ منهم، أکان یجِبُ علیه قَضَاءُ ذلك وهو
قد صامَ بِرُؤْيَةٍ ، وَأَفْطَرَ بِرُؤْيَةٍ، أو بكَمَالٍ ثلاثين يومًا كما أُمِرَ؟ ومَن عَمِلَ بما
يجِبُ عليه مِمَّا أَمِرَ به، فقد قَضَى اللَّهُ عنه، وقولُ ابنِ عباسٍ عندِى صحيحٌ
فى هذا البابِ . واللهُ المُوَفِّقُ للصَّوابِ .
قال أبو عمرَ : قد مضى القولُ مُمَهَّدًا فى الهلالِ يُرَى قبلَ الزَّوَالِ ، أو بعدَ
الزَّوَالِ، فى بابٍ ثَوْرِ بنِ زَيْدٍ (١) ، وأجْمَعَ العلماءُ على أنَّه إذا ثَبَتَ أنَّ الهلالَ مِن
شَوَّالٍ رِىءَ بمَوْضِع استهلَالِه ليلًا، وكان تُبُوتُ ذلك وقد مَضَى مِن النَّهَارِ
بعضُه، أنَّ الناسَ يُفْطِرُون ساعَةَ جاءَهم الخبرُ الثَّبَتُ فى ذلك، فإن كان قبلَ
الزَّوَالِ صَلَّوا العيدَ ، بإجمَاع مِن العلماءِ، وأَقْطَرُوا، وإن كان بعدَ الزَّوَالِ،
فاخْتَلفَ العلماءُ فى صلاةِ العيدِ حِينَئِذٍ ؛ فقال مالِكٌ وأصحابُه: لا تُصَلَّى صلاةٌ
العيدِ فى غيرِ يومِ العيدِ ، لا فِطْرٍ ولا أَضْحَى . ورُوِىَ مِثْلُه عن أبى حنيفةً؛ أنَّ صلاةً
العيدِ إذا لم تُصَلَّ فى يومِ العيدِ حتى تَزُولَ الشمسُ، لم تُصَلَّ بعدُ. وقال أبو
يُوسُفَ ومحمدٌ: يُصَلِّى بهم مِن الغَدِ فيما بَيْنَه وبينَ الزَّوَالِ، ولو كان فى
الأَضْحَى صلَّى بهم فى اليومِ الثالثِ . وقال الثورىُّ: يَخْرُجُون فى الفِطْرِ مِنَ
الغَدِ. وقال الحَسَنُ بنُ حَىٍّ: لا يَخْرُجُون مِن الغَدِ فى الفِطْرِ، ویخْرُُون فی
القبس
(١) سيأتى ص٥٩ - ٦٢.
٣٥
الموطأ
التمهيد الأَضْحَى. وقال اللَّيْتُ: يَخْرِيجُون فى الفِطْرِ والأُضْحَى مِن الغَدِ. وقال
الشافعىُّ: إذا لم تَتْبُتِ الشَّهادَةُ فى الفِطْرِ إِلَّ بعدَ الزَّوَالِ، لم تُصَلَّ صلاةُ العيدِ بعدَ
الزَّوَالِ، ولا مِنِ الغَدِ ، إِلَّ أنْ يَثْبُتَ فى ذلك حديثٌ.
قال أبو عمرَ: مَنْ ذهَب فى هذه المسألةِ إلى الخُروج لصَلاةِ العيدِ مِنَ الغدِ ،
فيحُجَّتُه حديثُ أبى بشرٍ جعفرِ بنِ أَيِى وَحْشِيَّةَ، أَنَّ أَبَا عُمَيٍْ بِنَّ أَنَسِ حدَّثَه ، قال :
أخبرنى عُمُومَةٌ لَى مِن الأنصارِ من أصحابٍ رسولِ اللَّهِ بِهِ، قالوا: أُغْمِىَ علينا
هلالُ شَؤَّالِ، فَأَصْبَحنا صِيَامًا، فجاءَ رَكْبٌ مِن آخِرِ التَّهَارِ إلى النبيِّ عليه
السَّلامُ، فَشَهِدُوا أَنَّهم رَأَوُا الهلالَ بالأُمْسِ، فَأَمَرَ النبىُّ عليه السَّلامُ الناسَ بأنْ
يُفْطِرُوا مِن يَوْمِهم، وأَنْ يَخْرُجُوا لعيدِهم مِن الغَدِ(١). وهذا حديثٌ لا يَجِىءُ إلَّا
بهذا الإسنادِ ، انْفَرَدَ به جَعْفَرُ بنُّ أبى وَخْشِيَّةً أبو بشرٍ، وهو ثِقَةٌ، وَاسِطِئِ، رَوَى
عنه أَيُّوبُ ، والأعمشُ، وشعبةُ، وهُشَيْمَ، وأبو عَوَانَةَ . وَأَمَّا أبو عُمَيْرٍ بِنُ أَنَسِ،
فيقالُ: إِنَّه ابنُ أَنَسِ بنِ مالِكِ، واسْمُه عبدُ اللَّهِ، ولم تزوٍ عنه غيرُ أبی بشرٍ، ومَن
كان هكذا فهو مجهولٌ لا يُحْتَجُ به، وقد أجْمَعَ العلماءُ على أنَّ صلاةَ العيدِ لا
تُصَلَّى يومَ العيدِ بعدَ الزَّوَالِ، فَأَخْرَى الَّ تُصَلَّى فى يومٍ آخَرَ قِيَاسًا ونظَرًا، إِلَّا أنْ
يَصِحُ بِخِلَافِهِ خَبٌ. وبالله التوفيقُ.
القبس
(١) سیأتی تخريجه ص ٧٣.
٣٦
٦٣٨ - وحدّثنی یحیی ، عن مالك، عن عبد الله بن دینارٍ ، عن
عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أن رسولَ اللهِ وَ لَ قال: ((الشهرُ تِسْعَّ وعشرونَ ، فلا
تصوموا حتى ترَوا الهلالَ، ولا تُفطِرُوا حتى تَرَوه، فإن غُمَّ عليكم
فاقدُروا له)) .
الموطأ
مالِكٌ، عن عبدِ اللهِ بنِ دِينارٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أنَّ رسولَ اللهِ ◌ِهِ
قال: ((الشَّهْرُ تِسْعّ وعشرون، فلا تصومُوا حتى تَّرَوَا الهِلالَ، ولا تُفْطِرُوا حتى
تَزَوْه، فإن غُمَّ عليكم فاقْدُرُوا له))(١).
التمهيد
هكذا هو عندَ جماعة الرُّوَاةِ عن مالِكٍ .
حدَّثنَا خَلَفُ بنُ قاسِم، حدَّثنا أحمدُ بنُ محمد بن الحسينِ العسکریُّ،
حدَّثنا إسماعيلُ بنُّ يحيى المزنيُ، حدَّثْنَا الشافعىُّ، حدَّنا مالكٌ، عن عبدِ اللهِ
ابنِ دِينارٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَ لَه قال: ((الشَّهْرُ تسعّ
وعشرون ، لا تَصُومُوا حتى تَرَوا الهِلالَ، ولا تُفْطِرُوا حتى تَرَؤْهُ، فإن غُمَّ عليكم
فاقْدُرُوا له))(٢).
أمّا قوله: ((الشھر تسع وعشرون)». فإنّه يَحْتَمِلُ وَجْهَیْنِ لا ثالث لهما فى
الَّظَرِ؛ أحدُهما، أنْ تكونَ الألفُ واللَُّمُ اللَّذانِ فى ((الشَّهْرُ)) إشارَةً إِلى شَهْرٍ
القیس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٣٤٦)، وبرواية يحيى بن بكير (١/٧ظ - مخطوط)، وبرواية
أبى مصعب (٧٦٣)، وأخرجه البخارى (١٩٠٧)، وابن حبان (٣٤٤٩)، والبيهقى ٢٠٥/٤ من
طریق مالك به .
(٢) أخرجه الطحاوى فى شرح المشكل (٣٧٦٢) عن المزنى به. وهو عند الشافعى فى السنن المأثورة
(٣٤٥)، وعندهما بلفظ: ((فأكملوا العدد ثلاثين)).
٣٧
الموطأ
التمهيد
بعينِه، وهو الشَّهْرُ، واللهُ أعلمُ، الذى آلَى فيه رسولُ اللهِ وَلَه مِن أَزْوَاجِه، فكأنَّه
قال ◌َله: هذا الشَّهْرُ تسع وعشرون. أو تكونَ إشَارَةً إلى رمضانَ بعَيْنِهِ، كأنَّه
قال: شَهْرُنا هذا تسع وعشرون. ومعلومٌ أَنَّ مِن الشُّهورِ ما يكونُ تِسْعًا
وعِشْرِينَ، ومنها ما يكونُ ثَلاثِينَ، فأعْلَمَ رسولُ اللهِ وَ لَّهِ أَصْحابَه أنَّ ذلك الشهرَ
تسعٌ وعشرونَ. والوجهُ الآخَرُ، أن يكونَ أراد بقولِه: ((الشهرُ تسعّ
وعشرون )). أىْ أَنَّ الشهرَ قد يكونُ تسعًا وعشرين، فلا تكونُ حينَئِذٍ إشارَةً إلى
مَعْهُودٍ. ولا يجوزُ أن يكونَ أراد بقولِه: ((الشَّهْرُ تِسْعٌ وعشرون)). أنَّ الشُّهورَ
كلَّها تسعٌ وعشرون، وليس التَّعْرِيفُ فى ((الشَّهْرُ)) هلهُنا إشارَةً إلى جِئْسٍ
الشُّهُورِ ، ولكنَّ المعنَى ما ذكَرْنا، والأمْرُ فى ذلك بَيِّنٌ لا تَنَازُعَ فيه . والحمدُ للهِ .
حدَّثَنَا عبدُ الوارِثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثَنَا قاسِمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثَنَا
الحارثُ بنُ أبي أسامةَ ، قال: حدَّثنا رَوْحُ بنُ عُبَادَةً، قال: حدَّثنا ابنُ جريجِ،
قال: أَخْبَرَنا أبو الزبيرِ، أَنَّه سَمِعَ جابِرَ بنَ عبدِ اللهِ يقولُ: اعْتَزَلَ رسولُ اللهِ وَهِ
نِسَاءَهُ شَهْرًا، فخَرَج صُبْحَ تِشْعُ وعشرينَ، فقال النبىُّ وبَله: ((إنَّ الشهرَ تِسْعُ
وعشرون)). ثم صَفَّقَ النبىُِّ وَ لَه بِيَدَيْهِ(١) ثلاثًا؛ مَؤَّتَيْنِ الأصابعَ كلَّها، والثالثةَ
.(٣)
بتسجٍ منها(١) .
القبس
(١) فى الأصل، ق، م: ((تسعة)).
(٢) فى الأصل، ق، ص: ((يديه).
(٣) أخرجه أبو نعيم فى مستخرجه (٢٤٣٨) من طريق الحارث بن أبى أسامة به، وأخرجه أحمد
٤٠١/٢٢، ٤٠٢ (١٤٥٢٨)، وأبو يعلى (٢٢٤٩) من طريق روح به، وأخرجه مسلم (٢٤/١٠٨٤)،
والنسائی فی الکبری (٩١٥٩) من طريق ابن جريج به .
٣٨
الموطأ
التمهید
وعندَ ابنِ جُرَيْجٍ فى هذا المعنَى حديثُ أُمَّ سَلَمَةَ أيضًا .
حدَّثناه أحمدُ بنُ قاسِم، حدَّثنا قاسِمٌ ، حدَّثنا الحارِثُ بنُ أُبِى أُسَامَةَ ، حدَّثنا
رَوٌْ، حدَّثنا ابنُّ جُرَيْجٍ، قال : أخبرنى يحيى بنُ محمدِ بنِ صَئِفِىٌّ، أنَّ عكرمةَ(١)
ابنَ عبد الرحمنِ أخبره ، أنَّ أَمَّ سَلَمَةَ أُخبرته، أنَّ النبيَّ وَِّ حَلَفَ أَلَّ يَدْخُلَ على
بعضِ أهلِه شهرًا ، فلمَّا مَضَى تِسْعَةٌ وعشرون يومًا ، غدا عليهنَّ أوراح، فقيل له :
حَلَفْتَ يا نبيَّ اللهِ لا تَدْخُلُ عليهنَّ شهرًا. فقال: ((إنَّ الشهرَ تِسْعَةٌ وعشرون
(٢)
یؤْمًا)»(٢).
ورَوَى شعبةُ، قال: أنبأنى سَلَمَةُ بنُ كُهَيْلِ، قال: سمِعتُ أبا الحَكَم
السُّلَمِيَّ يُحَدِّثُ عن ابنِ عباسٍ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَلِّ آَلَى مِن نِسَائِه شهرًا، فأتاهُ
جبريلُ عليه السلامُ فقال: يا محمدُ ، الشهرُ تِسْعٌ وعشرونَ(٣).
ورَوَى هذا المعنَى عن النبيِّ بَّرِ جماعَةٌ؛ منهم أنشُ بنُ مالِكِ(٤)، وأمّ
سَلَمَةً، وابنُ عباسٍ، وعمرُ بنُ الخَطَّابِ(١)، وأبو هُرَيْرَةَ ، وغيرُهم بمعنَى
القبس
(١) فى النسخ: ((يحيى)). والمثبت من مصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٢٥٤/٢٠.
(٢) أخرجه أبو نعيم فى مستخرجه (٢٤٤٠) من طريق الحارث بن أبى أسامة به، وأخرجه أحمد
٢٨١/٤٤ (٢٦٦٨٣)، ومسلم (١٠٨٥) من طريق روح به، وأخرجه البخارى (١٩١٠)، ومسلم
(١٠٨٥)، وابن ماجه (٢٠٦١)، والنسائى فى الكبرى (٩١٥٨) من طريق ابن جريج به .
(٣) أخرجه أحمد ٣٧٥/٣ (١٨٨٥)، والنسائى (٢١٣٢) من طريق شعبة به .
(٤) أخرجه أحمد ٣٥٨/٢٠ (١٣٠٧١)، والبخارى (٣٧٨).
(٥) أخرجه أحمد ٣٤٦/١ (٢٢٢)، والبخارى (٢٤٦٨)، ومسلم (١٤٧٩)، والترمذى
(٢٦٩١)، وابن ماجه (٤١٥٣)، والنسائى (٣٤٥٥).
(٦) أخرجه أحمد ٣٤٣/١٣ (٧٩٦٣)، والبزار (٣٦٧٦ - كشف).
٣٩
الموطأ
التمهيد حديث جابرٍ هذا.
وحدَّثنا سعيدُ بنُّ نَصرٍ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُّ أَصْبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ
ابنُّ وَضَّاحِ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةً، قال: حدَّثنا أبو أسامةَ، قال:
حدَّثنا عُبيدُ اللهِ، عن نافع، عن ابنِ عُمَرَ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَلِے ذكَرَ رمضانَ ،
فضَرَب بيَدِه، وقال: ((الشَّهْرُ هكذا، وهكذا، وهكذا - ثم عقَفَ (١) إبهامَه
الثالثةَ - صُومُوا لرُؤْيَتِه ، وأفطِرُوا لرُؤْيَتِهِ، فإن أُغْمِیَ عليكم فاقدُرُوا له))(١).
قال أبو عمرَ: لم يُخْتَلَفْ عن نافعٍ فى هذا الحديثِ، فى قوله: «فاقدُرُوا
له)). وكذلك رَوَی سالِم، عن ابنِ عمرَ (). وكذلك حديثُ مالكِ وغيرِه،
عن عبد الله بن دینارٍ ، عن ابن عمر". ورَوَاه الدّراوزدِئُّ، عن عبدِ اللهِ بنِ دِینارٍ ،
فقال فيه: ((فإن غُمَّ عليكم فأخْصُوا العِدَّةَ)).
وقد مَضَى القولُ مُسْتَوْعَبًا فى مَعْنَى: ((فاقْدُرُوا له)). وما للعلماءِ فى ذلك
من الوجوهِ فى بابٍ نافع، عن ابنِ عمرَ، من كتابِنا هذا، فلا وَجْهَ لإعادَةِ شيءٍ
مِن ذلك ههُنا .
قرأتُ على سعيدِ بنِ نَصرٍ وعبدِ الوارِثِ بنِ سفيانَ، أنَّ قاسِمَ بنَ أصْبَغَ
القبس
(١) العقف: العطف والتلوية. اللسان (ع ق ف).
(٢) ابن أبى شيبة ٢١/٣ - وعنه مسلم (٤/١٠٨٠) - وأخرجه أحمد ٢٢٥/٨ (٤٦١١)، ومسلم
(٥/١٠٨٠)، والنسائى (٢١٢١)، وابن خزيمة (١٩١٣) من طريق عبيد الله به.
(٣) تقدم تخريجه ص ١٢.
(٤ - ٤) ليس فى : الأصل، م.
(٥) تقدم ص ١٤ - ١٦، وص ٢٥ - ٣١.
٤٠