Indexed OCR Text
Pages 321-340
الموطأ والليثُ بنُ سعدٍ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ (١). وهو قولُ مالكٍ، إلا أن مالكًا الاستذكار قال: إن كان عندَ مَن عليه الدَّينُ مِن الغُروضِ ما يَفِى بدَيْنِه لزِمته الزكاةُ فيما ( بيده من العين) . وللشافعى فى هذه المسألة قولان معروفان؛ أحدهما ، أَلَّا يُلتفتَ إلى الدَّينِ فى الزكاةِ ، وأنه يُوجِبُ عليه الزكاةَ وإن أحاط الدَّينُ بمالِه ؛ لأن الدَّينَ فى ذمتِه والزكاةَ فى عينٍ ما بيدِه . والقولُ الآخرُ، أن الدَّينَ إذا ثبت لم يُزَكَّ أموالَ التجارةِ إذا أحاطَ الدَّينُ بها، إلا أنه لا يجعَلُ الدَّينَ فی شیءٍ مِن العُروضِ . قال الشافعىُّ: لا يَجعلُ دَينَه فى العُروضِ، وإنما يَجعَلُه فى عينٍ إِن کان له و کان قادرًا علیه . لأُن العُروض لئًّا لم تجب فى عينها الز کاةُ لم يوجبْ زكاةً، ومرةً أوجَبَ عليه الزكاةَ. وهو قولُ ربيعةً وحمادِ بنِ أبي سليمانَ(١). وقال أبو حنيفةً وأصحابُه: الدَّينُ يمنعُ الزكاةَ ، ويُجعلُ فى الدراهم والدنانيرِ وعروضٍ التجارة ، فإن فضّل كان فى السائمةِ ، ولا يُجعلُ فى عبدِ الخدمة ولا دارِ السّكْنى إلا إذا فضَل عن ذلك. وهو قولُ الثورىِّ، أنه (٤) يَمنعُ الزكاةَ، ويُجعلُ فى الدراهم دونَ خادمٍ لغيرِ التجارةِ . وقال مالكٌ: الدَّينُ لا يَمنعُ زكاةً السائمةِ ولا عُشرَ الأرضِ، ويَمنعُ زكاةَ الدراهمِ والدنانيرِ وصدقةَ الفطرِ فى العيد. هذه روایةُ ابنِ القاسم عنه. وقال ابن وهب عن مالك کما ذکر فی القبس (١) ينظر الأموال لأمى عبيد (١٢٣٠، ١٢٣١)، ومصنف ابن أبى شيبة ١٩٣/٣، ١٩٤، والأموال لابن زنجويه (١٧٥٨)، والمحلى: ١٣٢/٦، ١٣٣. (٢ - ٢) فى الأصل، م: ((بين يديه من الدين)). (٣) ينظر معرفة السنن والآثار ٣/ ٣٠٢. (٤) بعده فى الأصل، م: ((لا)). والمثبت يقتضيه السياق. وينظر المحلى ١٣٣/٦. ٣٢١ (موسوعة شروح الموطأ ٢١/٨) 1 ٥٩٦ - وحدَّثنى عن مالكِ، عن أيوبَ بنِ أبى تميمَةَ السَّخْتِیانِّ ، الموطأ أن عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ كتَب فى مالٍ قِبَضه بعضُ الولاةِ ظُلمًا ، يَأْمُرُ بردِّه إلى أهلِه ، وتُؤْخَذُ زكاتُه لِما مضى من السنينَ، ثم عِقَّبَ بعدَ ذلك بكتابٍ : أَلَّا يُؤْخَذَ منه إلا زكاةٌ واحدةٌ ؛ فإنه كان ضِمارًا . ((الموطأً))، ولم يَذكرْ صدقةَ الفطرِ. وقال الأوزاعىُّ: الدَّينُ يَمنعُ الزكاةَ ، ولا الاستذكار يمنعُ عُشرَ الأرضِ. وقال ابنُ أبى ليلى والحسنُ بنُ حىٍّ: الدينُ لا يَمنعُ الزكاةَ . وقال زُفَرُ : يَمنعُ الزكاةَ ؛ إلا أنه يجعلُه فيما بيدِه مِن جنسِه ، فإن كان الدَّينُ طعامًا وفى يدِه طعامٌ للتجارةِ أو غيرِها وله دراهمُ، جعَل الدَّينَ بالطعامِ دونَ الدراهمِ . وقال الشافعُّ : إذا كان له مائنا درهم وعليه مثلُها ، فاستعدى عليه صاحبُ الدَّينِ السلطانَ قبلَ الحولِ ، فلم يقضِ عليه بالدَّينِ حتى حالَ الحولُ، أخرَج ز كاتَها ثم قضَى غرماءَه بقيتَها ، ولو قضَى عليه بالدَّينِ ، وجعَل لغرمائِه مالَه حیثُ وجَدوه قبلَ الحول ، ثم حال عليه الحولُ قبلَ أن يقضيَه الغرماءَ، لم يكنْ عليه ز کاةٌ مالكٌ ، عن أيوبَ بن أبى تَمِيمةَ السَّخْتِيانيّ ، أن عمرَ بنَ عبد العزیزِ کتب فى مالٍ قبَضه بعضُ الولاةِ ظلمًا ، يأمُرُ بردِّه إلى أهلِه، وتُؤخذُ زكاتُه لِما مضَى مِن السنينَ، ثم عقّب بعدَ ذلك بكتابٍ: أَلَّا تؤخذَ منه إلا زكاةٌ واحدةٌ؛ فإنه كان (١) ضِمَارًا. القبس (١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٣/٤ظ، ٤و- مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٦٦٩). وأخرجه ابن زنجويه فى الأموال (١٧٢٨)، والبيهقى ١٥٠/٤ من طريق مالك به. ٣٢٢ الموطأ 1 قال أبو عمرَ: الضِّمارُ(١) المالُ الغائبُ عن صاحبِه الذى لا يَقدرُ على الاستذكار أخذِهِ، أو لا يَعرفُ موضعَه ولا يَرجوه. وقد روَى سفيانُ بنُ عُيينةَ هذا الخبرَ وفشّر فيه الضِّمارَ، ذكره ابنُّ أبى عمرَ وغيرُه، عن ابنٍ عيينةً، عن عمرو بنِ ميمونٍ ، قال : كتَب عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ إلى ميمون بنِ مهرانَ : أنِ انظُرْ أموالَ بنى عائشةً التی کان أُخذها الولیدُ بنُ عبدِ الملكِ ، فژڈّها علیھم، وخُذْ ز کاتها لِما مضَى مِن السنينَ . قال: ثم أردَفه بكتابٍ آخرَ: لا تأخُذْ منها إلا زكاةً واحدةً ؛ فإنه كان مالاً ضِمارًا. والضِّمارُ الذى لا يَدْرى صاحبُه أيخرج أم لا(١). قال أبو عمرَ: هذا التفسيرُ جاء فى الحديثِ، وهو عندَهم أصحُ وأَولى . واختلف العلماءُ فى زكاةِ المالِ التَّاوِى(١) وهو الضِّمارُ؛ فقال مالكٌ بآخرٍ قولِ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، أنه ليس عليه فيه إلا زكاةٌ واحدةٌ ، إذا وجَده أو قدر عليه أو قبضه . وقال الليثُ : لا ز کاةً علیه فيه ويَستأنفُ به حولًا . وقال الكوفيون : إذا غصَبه المالَ غاصبّ وجحَده سنينَ، ولا بينةً له، أو ضاعَ منه فى مفازةٍ أو طريقٍ، أو دفَنه فى صحراءَ فلم يقِفْ على موضعِه، ثم وجَده بعدَ سنينَ ، فلا زكاةَ عليه لِما مضَى ويَستأنفُ به حولًا. وقال الثورىُّ وزُفَرُ: عليه الزكاةُ لِما مضَى . وللشافعيِّ فيه قولان؛ أحدُهما ، أنه يجِبُ عليه فيه الزكاةُ لِما مضَى . والآخرُ، أنه لا يجِبُ عليه فيه الزكاةُ ويَستأنفُ به حولًا . القبس (١) ليس فى : الأصل ، م . (٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٠٢/٣ من طريق عمرو بن ميمون بنحوه. (٣) فى ح: ((الثاوى))، وفى م: ((الطارئ)). والتَّوَى: ذهابُ مالٍ لا يرجى، يقال: تَوِىّ المالُ يَتْوَى تَوی فهو توٍ: ذهب فلم يرج . اللسان ( ت و ی ). ٣٢٣ الموطأ ٥٩٧ - وحدَّثنی عن مالكِ، عن یزیدَ بنِ خُصَیفةً ، أنه سأل سلیمانَ الاستذكار «قال أبو عمر : أما مالك رحمه اللهُ ، فإنه أوجب فیه ز کاةً واحدةً ؛ قياسًا علی مذهبه فی الگُّئن ، وفى العرضِ للتجارة إذا لم یکن صاحبُه مُدِیرًا . وقد قال كقول مالكِ فى ذلك عطاءً، والحسنُ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، والأوزاعىُّ ، كلُّ هؤلاء یقولون : لیس علیه فیه إلا ز کاةٌ واحدةٌ . وأمّا مَن قال : لا ز كاةً عليه فيه لِما مضَى. فإنه عندَه لمّا لم يُطلِقْ يدَه عليه ولا تصرّف فيه، جعَلوه كالمالِ المستفادٍ (٢) الطارئّ. وأمَّا مَن أوجَب فيه الزكاةَ لِما مضَى مِن السنينَ؛ فلأنه على ملكِه؛ يورَثُ(٣) عنه ويؤجَرُ فيه إن ذهَب) . قال أبو عمرَ : أما القياسُ، فإن كلَّ ما استقرّ فى ذمةِ غيرِ المالكِ فهذا لا زكاةً على مالكِه فيه، وكذلك الغريمُ الجاحدُ للدَّينِ وكلَّ ذى ذمةٍ ، فإنه لا يَلزَمُ صاحبَ المالِ أن يُزَكِّىَ عما فى ذمةِ غيرِه غاصبًا كان له أو غيرَ غاصبٍ . وأما ما کان مدفونا فی موضع نسيه(١) صاحبه، أو غير مدفون وليس فى ذمة أحدٍ ، أو كان لُقَطةً ، فالواجبُ عندى على ربِّه أن يُزَكِّيَه إذا وجَده لِما مضَى مِن السنينَ ، فإنه علی ملکه ولیس فى ذمة غيره ، إلا أن یکون الملتقِطُ قد استهلكه وصار فی ذمتِه . وهذا قولُ سُحنُونٍ ، ومحمدِ بنِ مسلمةً ، والمغيرةِ ، وروايةً عن ابنِ القاسمِ. قال أبو عمرَ : قد بيَّن مالك رحمه اللهُ مذهبه فى الدَّينِ فى هذا البابِ مِن القبس (١ - ١) سقط من: ح. (٢) فى م: ((المستعار)). (٣) فى الأصل: ((ورثوا))، وفى م: ((يثاب)). والمثبت من شرح الزرقانى ١٤٥/٢. (٤) فى الأصل، م: ((يصيبه). ٣٢٤ الموطأ ابنَ يسارٍ عن رجلٍ له مالٌ وعليه دينٌّ مِثْلُه ، أعليه زكاةٌ ؟ فقال : لا . قال يحيى: قال مالكٌ: الأمرُ الذى لا اختلافَ فيه عندَنا فى الدَّین؛ أن صاحبه لا يُز کیه حتى يقبضه، وإن أقام عندَ الذى هو عليه سنينَ ذواتِ عَددٍ، ثم قبَضه صاحبُه، لم تَجِبْ عليه فيه إلا زكاةٌ واحدةً ، فإن قبض منه شيئًا لا تَجِبُ فیهالز کاةُ ، فإنهإن كان له مالٌ سِوی الذى قُبِضَ تَجِبُ فيه الزكاةُ ، فإنه يُزَكَّى مع ما قبَض من دَينِه ذلك . قال : وإن لم یکنْ له ناضُّ غیر الذی اقتضی مِن دینه ، و کان الذى ((موطئِه))، وأشار إلى الحُجَّةِ لمذهبِه بعضَ الإشارةِ، والدَّينُ عندَه والعُروضُ الاستذكار لغيرِ المُديرِ بابٌ واحدٌ ، ولم يرَ فى ذلك إلا زكاةً واحدةً لِما مضَى مِن الأعوامِ ؛ تأسِّيًا بعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ فى المالِ الضِّمارِ؛ لأنه قضَى (١) أنه لا زكاةَ فيه إلا لعامِ واحدٍ ، والدَّينُ الغائبُ عندَه كالضِّمارِ؛ لأن الأصلَ فى الضِّمارِ ما غابَ عن صاحبِه، والعُروضُ عندَه لمَن لا يُديرُ، وعندَ بعض أصحابِه لمن يُديرُ إذا بار علیه، حکمُه حُكْمُ الدَّينِ المذكورِ . وليس لهذا المذهبٍ فى النظرِ كبيرُ حظّ إلا ما يعارضُه مِن النظرِ ما هو أقوى منه . والذى عليه غيرُه مِن العلماءِ فى الدَّينِ ، أنه إذا كان قادرًا على أخذِه فهو کالودیعة یزکیه لکلِّ عام ؛ لأنَّ تركه له وهو قادر على أخذه کتر که له فى بيته ، وما لم يكنْ قادرًا على أخذِه فقد مضَى فى هذا البابِ ما للعلماءِ فى ذلك، والاحتياطُ فى هذا أَولى ، واللهُ الموفِّقُ للصوابِ، وهو حسبى ونعم الوكيلُ. القبس (١) فى ح: ((رأى)). ٣٢٥ الموطأ اقتَضى من دَينِه لاتَجِبُ فيه الزكاةُ ، فلا زكاةَ عليه فيه ، ولكن ليَحفَظْ عَددَ ما اقتضَى، فإن اقتَضى بعدَ ذلك ما تَتِمُ به الزكاةُ مع ما قبَض قبلَ ذلك ، فعليه فيه الزكاةُ . قال : فإن كان قد استَهْلَك ما اقتَضى أولًا أو لم يَستهلِكّه، فالزكاةُ واجبةٌ عليه مع ما اقتضَى من دَينِه ، فإذا بلَغِ ما اقتَضى عشرينَ دينارًا عَينًا أو مائتَى درهم، فعليه فيه الزكاةُ ، ثم ما اقتَضى بعدَ ذلك مِن قليلٍ أو کثیرٍ ، فعليه فيه الزكاةُ بحسابٍ ذلك . قال مالكٌ: والدليلُ على أنَّ الدَّينَ يَغِيبُ أعوامًا ، ثم يُقتَضى فلا يكونُ فيه إلا زكاةٌ واحدةٌ؛ أن العُروضَ تكونُ عندَ الرجلِ أعوامًا للتجارة ، ثم يبيعُها ، فليس عليه فى أثمانِها إلا زكَاةٌ واحدةٌ ، وذلك أنه ليس على صاحبِ الدَّينِ أو العَرْضِ أن يُخرِجَ زكاةَ ذلك الدَّينِ أو العَرْضِ مِن مالٍ سواه ، وإنما يُخرِجُ زكاةً كلّ شىءٍ منه، ولا يُخرِجُ الزكاةَ مِن شىء عن شىءٍ غيرِه . قال مالكٌ: الأمرُ عندَنا فى الرجلِ يكونُ عليه دَينٌّ، وعندَه مِن العُروضِ ما فيه وفاءٌ لما عليه مِن الدَّينِ، ویکونُ عنده من الناضِّ سوی ذلك ما تَجِبُ فيه الزكاةُ - فإنه يُزکی ما بیدِه من ناضِّ تَجِبُ فيه الزكاةُ . قال مالك: وإذا لم يكن عنده من العروض والنقْدِ إلا وفُدينه ، فلا زكاةَ عليه حتى يكونَ عندَه من الناضِّ فضلٌ عن دَينِهِ ما تَجِبُ فيه الزكاةُ ، فعليه أن يُزْكِّيَه . الاستذكار القبس ٣٢٦ الموطأ زكاةُ العُروضِ ٥٩٨- حدّثنی عن مالك ، عن یحیی بن سعید ، عن زُریقِ بنِ حيَّانَ ، و كان زُریقٌ على جوازٍ مِصرَ فى زمانِ الولیدِ وسليمانَ وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، فذكَر أن عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ كتَب إليه : أن انظُرْ مَن مَرَّبك مِن المسلمين ، فخُذْ مما ظهَر مِن أموالهم مما يُديرون من التجاراتِ ؛ مِن كلِّ أربعين دينارًا دينارًا، فما نقَص فبحسابٍ ذلك حتى تَبلُغَ الاستذكار بابُ زكاة العروضِ مالكٌ ، عن يحيى بن سعيدٍ ، عن زُرَیقِ بنِ حَّانَ، و كان زُرَیقٌ على جوازٍ مصرَ فى زمانِ الوليدِ وسليمانَ وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، فذكر أن عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ كتَب إليه : أنِ انظُرْ مَن مرَّ بك مِن المسلمين، فخُذْ مما ظهَر مِن أموالهم مما زكاةُ القُروضِ القبس احتجَّ مالكٌ بكتابٍ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ - وهو خليفةٌ عَدْلٌ - وهو أصلّ عظيمٌ، والذى نحقٌّقُه أن الزكاةَ قد تقرَّر وجوبُها فى العينِ، وتجِدُ مِن الناسِ خلقًا كثيرًا يكتسِبون الأموالَ، ويَصْرِفونها فى أنواعِ المعاملاتِ، وتَنْمِى لهم بأنواعٍ التجاراتِ، فلو سقطت الزكاةُ عنه لكان جزءٌ مِن الأغنياءِ يخرجون عن هذه العبادةِ، وتذهَبُ حقوقُ الفقراءِ فى تلك الجملةِ، وربَّما اتّخِذ ذلك ذريعةً إلى إسقاطِ الزكاةِ والاستبدادِ بالأموالِ دونَ الفقراءِ، فاقتضَت المصلحةُ العامةُ ، والأمانةُ الكليةُ فى حفظِ الشريعةِ ومراعاةِ الحقوقِ، أن تُؤخَذَ الزكاةُ مِن هذه : الأموالِ إذا قُصِد بها النماءُ. ٣٢٧ : عشرین دینارًا ، فإن نقصتْ ثُلُثَ دینارٍ فدغها ولا تَأْخُذْ منها شيئًا ، ومن . الموطأ مَرَّبك مِن أهلِ الذمةِ فخُذْ مما يُديرُون مِن التِّجاراتِ ؛ مِن كلِّ عشرين دينارًا دينارًا، فما نقَص فبحسابٍ ذلك حتى تَبَلْغَ عشرةَ دنانیرَ ، فإن نقَصت ثُلُثَ دينارٍ فدَعْها ولا تَأْخُذْ منها شيئًا، واكتُبْ لهم بما تأخُذُ منهم کتابًا إلى مثله من الحولِ . الاستذکار یدیرون من التجارات ؛ مِن کل أربعین دینارًا دینارًا، فما نقَص فبحساب ذلك حتی تبلُغَ عشرین دینارًا ، فإن نقصت ثلث دينارٍ فدعها ولا تأخذ منها شيئًا ، ومَن مر بك مِن أهل الذمة فخذْ مما يُدیرون مِن التجاراتِ ؛ مِن كلِّ عشرین دینارًا دینارًا ، فما نقَص فبحسابٍ ذلك حتى تبلُغَ عشرةَ دنانیرَ، فإن نقصت ثلثَ دینارٍ فدَعْها ولا تأخُذْ منها شيئًا، واكتُبْ لهم بما تأخُذُ منهم كتابًا إلى مثلِهِ مِن الحولِ(١). قال أبو عمرَ : معلومٌ عندَ جماعةِ العلماءِ أن عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ كان لا يُنفِذُ كتابًا، ولا يأمرُ بأمرٍ، ولا يقضِى بقضيةٍ، إلا عن رأي العلماءِ الجِلَّةِ ومشاورتهم ، والصدرِ عما يُجمِعون عليه ويذهبون إليه ويرونه من السننِ المأثورة عن النبى آل﴾ وعن أصحابه المهتدِین بهدیه المُقْتدِین بسنتِه ، وما كان لُحدِثَ فی دینِ اللهِ ما لم يأذن اللهُ له به مع دينه وفضله . وفی حدیثه هذا الأخذُ مِن التجارات، فی الُروض المُداراتِ بأیدی الناسِ القبس (١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٤/٤ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٦٧٣). وأخرجه الشافعى ٤٦/٢، ٢٤٥/٧، وأبو عبيد فى الأموال (١١٦٤)، وابن زنجويه فى الأموال (١٦٦٧) ، والبيهقى ٢١١/٩ من طريق مالك به. ٣٢٨ الموطأ والتجارِ ، الزكاةَ كلّ عامٍ، ولم يعتبرْ مَن نَضَّ له شىءٌ مِن العينِ فى حوله ممن لم الاستذكار تَنِضَّ، ولو كان ذلك مِن شرط ز کاة التجارات لکتب به وأوضحه ولم یھمِلْه، ومعلوم أن الإدارةَ فى التجارة لا تكونُ إلا بوضع الدراهم والدنانیر فی القُروضِ ابتغاءَ الربحِ ، وهذا مِن أبينٍ شىءٍ فى زكاةِ العُروضِ، ولذلك صدَّر به مالكٌ هذا البابَ . وقد رُوِى عن عمرَ بنِ الخطابِ ما يدُلَّ على أن عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ طريقه سلك فى ذلك، ومذهبه امتثّل . ذکر عبد الرزاق (١) ، عن هشام بن حسان ، عن أنسٍ بنِ سیرینَ، قال : بعثنی أنسُ بنُ مالكِ علی الأبلَّةِ، فقلت له : تبعثُنی علی شر عملك ! فاخرج إلى كتابًا من عمرَ بنِ الخطابٍ: خُذْ مِن المسلمين مِن كلِّ أربعين درهمًا درهمًا، ومِن أهلِ الذمةِ مِن كلِّ عشرين درهمًا درهمًا ، ومَن لا ذمةً له مِن كل عشرة دراهمَ درهمًا . قال(٢) : واخترنی الثوریُّ ومعمر ، عن أيوب ، عن أنسٍ بنِ سیرینَ ، عن أنسٍ ابنِ مالك، عن عمرَ بنِ الخطابِ مثلَه . قال أبو عمرَ: ليس فى كتابٍ عمرَ بنِ الخطابِ أن يُكتبَ للذمىِّ بما يؤخذُ منه كتابٌ إلى الحولِ، وذلك يدُلَّ على ما ذهب إليه مالكٌ، أنه يؤخذُ مِن الذمىّ كلَّما تجَر مِن بلدِه إلى غيرِ بلدِهِ، وسنذكُرُ ما للعلماءِ فى ذلك بعدُ إن شاء اللهُ . ورُوِى عن علىٍّ بنِ المدينىٌّ، قال: حدَّثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: القبس (١) عبد الرزاق (٧٠٧٢). (٢) عبد الرزاق (٧٠٧٣). ٣٢٩ الموطأ الاستذكار سمِعتُ أبى يحدِّثُ عن أنسٍ بنِ سيرينَ ، عن أنسٍ بنِ مالكِ ، قال: كتَب عمرُ بنُ الخطابٍ إلى عاملِ الأَبْلَّةِ، وكان كتَب إليه: إنه يمُرُّ بنا التاجرُ المسلمُ، والمعاهَدُ ، والتاجرُ يَقْدَمُ مِن أرضٍ الحربِ. فكتب إليه عمرُ: خُذْ مِن المسلمين مِن كلِّ أربعين درهمًا درهمًا، ثم اكتُبْ له براءةً إلى السنةِ، وخُذْ مِن التاجرِ المعاهَدِ مِن كلِّ عشرين درهمًا درهمًا، وانظُرْ تُجَارَ الحربِ فخُذْ منهم ما يأخذُون مِن تُجَارٍ كم . قال أبو عمرَ: ألاَ تراه شرّط البراءةَ إلى رأسٍ الحولِ على المسلم وحدَه ؛ لأنه لا زكاةً على المسلم فى تجارةٍ ولا عينٍ ولا ماشيةٍ حتى يحولَ الحولُ. وفى حديثٍ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ أيضًا مِن الفقهِ، أن للأئمةِ أخذَ زكاةٍ الدراهم والدنانيرٍ، كما لهم أخذُ زكاةِ الماشيةِ وعُشْرِ الأرضِ . وأما اشتراطُه فى النُّعْصانِ ثلثَ دينارٍ ، فذلك رأىٌ واستحسانٌ غيرُ لازمٍ، وهو يعارضُ قولَ مالكِ: ناقصةٍ بيِّنةِ النقصانِ. على ما قد مضى فى هذا الكتابِ، واللهُ الموفِّقُ للصوابِ. والأخذُ عندى بظاهرٍ قولِ النبيِّ ◌َليهِ: ((ليس فيما دونَ خمسٍ أواقٍ صدقةٌ)). أولى، فيما صحَّ أنه دونَ ذلك؛ قليلًا كان أو كثيرًا، فإذا صحَّ فى الورِقِ أنه دونَ خمسٍ أواقٍ - والأوقيةُ أربعون درهمًا - فإن قلَّ شىءٍ فلا زكاةَ فيه، وكذلك الذهبُ ليس فى أقلَّ مِن عشرين دينارًا زكاةً . وأما قولُ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ: ومَن مرَّ بك مِن أُهلِ الذمةِ . إلى آخرِ كلامِه القبس ٣٣٠ الموطأ ذلك، فإنه راعَى فى الذمىِّ نصابًا جعَله مثلَ نصابِ المسلم، وأخَذ منه الاستذكار أيضًا عندَ رأسِ الحولِ مثلَ ما يؤخذُ مِن المسلم مرةً واحدةً فى الحولِ لا غيرُ. وقد خالَفه فى ذلك أكثرُ أهلِ العلم، وكان مالكٌ يقولُ فى الذمىِ إذا خرَج بمتاعٍ إلى المدينةِ مِن بلدِهِ، فباع بأقلَّ مِن مائتى درهم، فإنه يؤخذُ منه العُشرُ مما قلَّ أو كثُر، ولا يؤخذُ منه شىءٌ حتى يبيعَ، فإن ردًّ متاعَه ولم بيع لم يؤخذ منه شىءٌ، ولا يُعتبرُ فيه النصابُ. قال مالكٌ: وإن اشترى فى البلدِ الذى دخَله بمالٍ ناضٍّ معه أَخِذ منه العُشرُ مكانَه مِن السلعة التى اشترَى، فإن باع بعدُ واشترَى لم يؤخذ منه شىءٌ، وإن أقام سنينَ فى ذلك البلدِ يبيعُ ويشترِى لم يكنْ عليه شىءٌ. قال مالكٌ فى النصرانيّ إذا تجَر فى بلدِه ولم يخرُجْ منه: لم يؤخذْ منه شىءٌ. قال: ويؤخذُ مِن عبيدِ أهلِ الذمةِ كما يؤخذُ مِن ساداتِهم . وقال الثورىُّ: إذا مرَّ الذمُ بشىءٍ للتجارةِ، أَخذ منه نصفُ العُشرِ إن كان يبلُغُ مائتى درهم، وإن كان أقلَّ مِن ذلك فليس عليه شىءٌ. هذه روايةُ الأشجعىِّ عنه. وروَى عنه أبو أسامةَ، أنه يؤخذُ منه مِن كلِّ مائةٍ درهم خمسةُ دراهمَ إلى الخمسينَ، فإن نقَصت مِن الخمسين لم يؤخذْ منه شىءٌ. وقال الأوزاعىُ فى النصرانىِّ إذا تجَر بمالِه فى غيرِ بلدِه: أُخذ منه حقٌّ مالِهِ، عُشرًا كان أو نصفَ عشرٍ، وإن أقام بتجارتِه لا يخرجُ يبيعُ ويشترى، لم يؤخذ منه شىءٌ، وإنما عليه جزيتُه. القبس ٣٣١ الموطأ وقال أبو حنيفةً وأصحابُه: ليس على أهلِ الذِّمةِ(١) فى أموالهم شىءٌ إلا ما الاستذ کار اختلفوا فيه مِن تجاراتِهم، فإنه يؤخذُ منهم نصفُ العُشرِ فيما يؤخذُ فيه مِن المسلم رُبُعُ العُشرِ، وذلك إذا كان مع التاجرِ منهم مائتا درهم فصاعدًا . قالوا : وإذا أُخذ منه لم يؤخذْ منه غيرُ ذلك إلى الحولِ ، ويؤخذُ مِن الحربيين العُشرُ، إلا أن يكونَ أهلُ الحربِ يأْخُذون منا أقلَّ، فيؤخذُ منهم مثلُ ما أخَذوا منا ، وإن لم يأخذوا منّا لم نأخذْ منهم شيئًا. قالوا: ويؤخذُ مِن المسلمِ رُبُعُ العُشرِ، زكاةُ مالِهِ الواجبةُ عليه . وقولُ الحسنِ بنِ صالح كقولٍ أبى حنيفةً فى اعتبارِ النصابِ والحولِ والمقدارِ فى الذمىِّ والحريئِّ والمسلمِ. وقال الشافعىُّ: يؤخذُ مِن الذِّمى نصفُ العُشرِ، ومِن الحربىِّ الغُشِرُ، ومِن المسلمِ رُبُعُ العُشرِ؛ أتِباعًا لعمرَ بنِ الخطابِ رضِى اللهُ عنه . قال الشافعىُّ: ولا يُتركُ أهلُ الحربِ يدخلون إلينا إلا بأمانٍ، ويُشترَطُ عليهم أن يؤخذَ منهم العُشرِ أو أقلُ أو أكثرُ، فإن لم يكنْ عليهم شرطٌ لم يؤخذْ منهم شىءٌ ؛ سواءً كانوا يُعشِّرون المسلمين أم لا . قال أبو عمرَ: أما قولُ الشافعيّ: إن لم يُشترَطْ عليهم فى حينٍ دخولهم وعقدِ الأمانِ لهم أن يؤخذَ منهم، لم يؤخذْ منهم شىءٌ . فوجهُ ذلك أن الأمانَ يحقِنُّ الدمَ والمالَ ، فإذا لم يُشترَطْ على المستأمِنِ ألا يُؤْمَّنَ فى دخولِه إِلينا إلا بأن القبس (١) فى م: ((المدينة)). ٣٣٢ الموطأ يؤخذَ منه ، لم يكنْ عليه شىءٌ . ويَكرهُ الشافعىُّ أن يُؤْمَّنَ أحدٌ مِن أهل الحربِ إلا الاستذكار بعدَ الشرطِ عليه بألا يخالِفَ سُنَّةَ عمرَ (١) فى ذلك. وأما مالك رحمه اللهُ فمذهبُه يدُلُّ على أن سنةَ عمرَ قد كانت فشَت عندَهم وعرَفوها كما فشَت دعوةُ الإسلام، فأغنى ذلك عن الاشتراطِ . وما أعلَمُ لأهلِ العلم بالحجازِ والعراقِ علةً فى الأخذِ مِن تجارِ الحربِ إلا فعلَ عمرَ رضِى اللهُ عنه، وكذلك تجارُ أهل الذمّةِ ، واللهُ أعلمُ. وإنما خالَف مالكٌ عمرَ بن عبد العزیزِ فى هذا البابِ ؛ لِما رواه عن الزهرىِّ، عن السائبِ بنِ يزيدَ، قال: كنتُ عاملاً مع عبدِ اللهِ بنِ عُثْبَةً على سوقِ المدينةِ فى زمنٍ عمرَ بنِ الخطابِ، فكان يأخذُ مِن الَّبْطِ (٢) العُشرَ(٣). فرأَى مالكٌ أن قولَ عمرَ بنِ الخطابِ أعلى مِن قولِ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، فمَالَ إليه فى أخذِ العُشرِ مِن الذمىِّ. وَستأتى معانى هذا البابٍ فى بابٍ عُشُورِ أهلِ الذمةِ إن شاء اللهُ . وأما قولُ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ: واكتُبْ لهم كتابًا بما تأخذُ منهم إلى الحولِ . فهذا هو الحقُّ عندَ جماعةِ أهلِ العلم؛ لأن المسلمَ لا تلزَمُه الزكاةُ إلا مرةً واحدةً فى الحولِ ، ولم يختلفوا أن السُّنةَ فى الإمامةِ أن يكونَ الإمامُ واحدًا فى أقطارِ الإسلامِ، ويكونَ أمراؤُه فى كلِّ أفقٍ يتخيَُّهم ويتفقَّدُ أمورَهم، وإذا كان على الجوازِ عاملٌ للإمامِ يأخذُ مِن التاجرِ المسلم ز كاةَ مالِه ، فعليه أن يكتُبَ لهم بذلك كتابًا يستظهرُ به فى ذلك العامِ عندَ غيرِهِ مِن العمالِ الطالبِين للزكواتِ القبس (١) فى الأصل، م: ((محمد). (٢) النبط: جيل ينزل سواد العراق وهم الأنباط، وهم فلاحو العجم، وسموا نبطا لاستنباطهم ما يخرج من الأرضين. ينظر اللسان (ن ب ط )، وصحيح مسلم بشرح النووى ١٦/ ١٦٧. (٣) سيأتى فى الموطأ (٦٢٧). ٣٣٣ الموطأ قال يحيى : قال مالك: الأمرُ عندَنا فيما يُدارُ مِن العروضِ الاستذكار مِن المسلمين، ويَقطعُ بذلك مذهبَ مَن رأى تحليفَهم أنهم قد أَدَّوا ولم يَحُلْ على ما بأيدِيهم الحولُ، ويَجمعُ(١) تلك العلةَ بالكتابِ لهم. وقد أجمع العلماءُ على أنه مصدَّقٌ فيما يدَّعيه مِن نُقصانِ الحولِ إِذا قال لهم: لم أستفِدْ هذا المالَ إلا منذُ أشهرٍ ، ولم يَحُلْ علىَّ فيه حولٌ. وكذلك إذا قال: قد أَدَّيتُ . لم يُحلَّفْ إلا أن يُتَّهمَ . ومَن ذهَب فى الذمىِّ إلى أنه لا يُؤْخذُ منه فى الحولِ إلا مرةً واحدةً ، وجَب على مذهبه الكتابُ لهم بذلك أيضًا ، ومَن قال منهم أنه يؤخذُ مِن الذمىِّ کلّما تجر، فلا حاجةً به إلی الکتاب له . واختلف الفقهاءُ إذا قال المسلمُ: قد أدَّيتُ زكاةَ مالى إلى المساكينِ . فقال مالك : إن كان الإمامُ يَضعها موضعها ، فلا يَحِلَّ لأحد أن يَقسِمَها حتى يدفعَها إليه ، وإن كان لا يَضعُها موضعَها قسَمها هو. وقال الشافعىُّ ببغدادَ: ليس لأحدٍ أن يُؤدِّيَها إلى أهلِها دونَ السلطانِ ، فإن فعَل فللسلطانِ أخذُها منه. وقياسُ قولِه المصرىِّ أنه إذا قال: أدَّيتُها . كان مُصدّقًا ، ولم يَجُزْ أن تُؤخذ منه، ويُصدّقُ فى ذلك کما يُصدّقُ فى الحولِ أنه لم يَكُلْ عليه. وقال أبو حنيفةً، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ: يَقبلُ السلطانُ قولَه وقد جَزَت عنه . قال مالكٌ: الأُمرُ عندَنا فيما يُدارُ مِن العُروضِ للتجاراتِ . إلى آخرٍ كلامِه فى ذلك فى (( موطئِه)). القبس (١) فى الأصل: ((يحسن)). ٣٣٤ الموطأ للتجاراتِ ، أن الرجلَ إِذا صَدَّقَ مالَه ، ثم اشترى به عَرْضًا؛ بزًّا أو رقيقًا أو ما أشبَهَ ذلك، ثم باعَه قبلَ أن يَحولَ عليه الحَوْلُ مِن يومَ أُخرَج زكاتَه ؛ فإنه لا يُؤدِّى مِن ذلك المالِ زكاةً حتى يَحولَ عليه الحَولُ مِن يومَ صِدَّقه، وأنه إن لم يَعْ ذلك العَرْضَ سنين لم يَجِبْ عليه فى شىءٍ مِن ذلك العَرْضِ زكاةٌ وإن طال زمانُه ، فإِذا باعَه فليس عليه إلا زكاةٌ واحدةٌ . قال مالكٌ: الأمرُ عندَنا فى الرجلِ يَشتَرى بالذهبِ أو الوَرِقِ حِنْطةً أو تَمرًا للتجارةِ ، ثم يُمْسِكُها حتى يَحولَ عليها الحَولُ ، ثم يَبيعُها - أن عليه فيها الزكاةَ حينَ يَبيعُها إذا بلغ ثمنُها ما تَجِبُ فيه الزكاةُ ، ولیس ذلك مِثلَ الحصادِ يَحصُّدُه الرجلُ مِن أَرضِه، ولا مِثلَ الجِدادِ . قال أبو عمرَ : مذهبُ مالكِ وأصحابِه أن التجارةَ تنقسمُ عندَهم قسمَين؛ الاستذكار أحدهما ، رجلٌ بتاُ السلعَ فی حینِ رُخْصِها ويرتادُ نَفاقها ، فیأتی علیه فى ذلك العام والأُعوامُ ولم بيع تلك السلعةً وقد نوَى التجارةَ بها ، أنه لا زكاةً عليه فيما اشترَى مِن العُروضِ حتى يبيعَها ، فإذا باعَها بعدَ أعوام لم يكنْ عليه أن تُزكِّىَ إلا لعام واحدٍ، كالدَّينِ الذى يَقْتضِيه صاحبُه وقد غاب عنه ومكّث أعوامًا عندَ الذی کان علیه ، أنه لا تُ گِیه إلا لعام واحدٍ . وژُوِى مثلُ قول مالك فى ذلك عن الشعبىِّ، وعمرو بنِ دينارٍ ، وعبدِ الكريمِ بنِ أبى المُخارِقِ (١) . والذين قالوا فى الدَّينِ: إنه لا يُزكيه إذا قبضه إلا لعامٍ واحدٍ؛ منهم عطاءً الخراسانىُ ، وهو القبس (١) نفَقَت البضاعة نَفاقًا: راجت ورُغِب فيها. الوسيط ( ن فى ق). (٢) ينظر مصنف عبد الرزاق (٧٠٩٧، ٧٠٩٨). ٣٣٥ قال مالكٌ: وما كان مِن مالٍ عندَ رجلٍ يُديرُه للتجارةِ، ولا يَنِضُّ الموطأ لصاحبِهِ منه شىءٌ تَجِبُّ عليه فيه الزكاةُ ، فإنه يَجعَلُ له شهرًا مِن السنةِ ◌ُقوّمُ فیه ما کان عنده مِن عرض للتجارة، ويُخْصِی فیه ما کان عنده مِن نَقْدٍ أو عَيْنِ، فإذا بلَغ ذلك كلَّه ما تَجِبُ فيه الزكاةُ فإنه يُكِّيه . قال مالك: ومَن تجر مِن المسلمین ومَن لم يَتُز سواءٌ، لیس عليهم إلا صدَقَةٌ واحدةٌ فى كلِّ عامٍ تَجَروا فيه أو لم يَتْجُروا. الاستذكار مذهبُ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ فى المالِ الضَّمارِ، وهو المحبوسُ عن صاحبِهِ . والآخرُ، هو الذى يستُونه المُديرَ، وهم أصحابُ الحوانيتِ بالأسواقِ الذين يتاعون السلعَ، ويبيعون فى كلّ يومٍ ما أمكنهم بيعُه مما أمكّن مِن قليل الناضِّ وكثيرِه، ويشترون مِن جهةٍ ويبيعون مِن جهةٍ أخرى، فهؤلاء إذا حالَ الحولُ عليهم مِن يومَ ابتدءُوا تجارتَهم قوَّموا (١) ما بأيديهم مِن العُروضِ فى رأسِ الحولِ، فيضُمُون إلى ذلك ما بأيديهم مِن العينِ، ويُركّون الجميعَ لحولِه (١)، ثم يستأنفون حولًا مِن يومَ زكّوه. قال مالكٌ: وما كان مِن مالٍ عندَ رجلٍ يديرُه للتجارةٍ ، ولا يَنِضُّ لصاحبه منه شىءٌ تجِبُ عليه فيه الزكاةُ ، فإنه يجعلُ له شهرًا مِن السنةِ يُقوِّمُ فيه ما كان عندَه مِن عَرْضِ للتجارة ، ويُحصِى ما كان عندَه مِن عينٍ ونقدٍ ، فإذا بلغ ذلك ما یچِبُ فيه الز کاةُ فإنه يُكِّيه . القبس (١) فى الأصل، م: ((قدموا)). (٢) فى الأصل، م: ((بعينه)). ٣٣٦ الموطأ وقد اختلف أصحابُ مالكٍ فى المُديرِ المذكورِ لا يَنِضَّ له فى حولِه شىءٌ الاستذكار من الذهب ولا من الورِقِ ؛ فقال ابنُ القاسم : إن نضَّ له فى عامِه ولو درهم واحدٌ فما فوقَه، قوَّمَ عُروضَه كلَّها وأخرَج الزكاةَ ، وإن لم يَنِضَّ له شىءٌ، وإنما باع عامه كلَّە الغُروضَ بالُروضِ ، لم يلزمه تقویم ولم يلزمه بذلك ز كاةً . ورواه عن مالك، وهو معنی ما ذكره ابنُ عبدِ الحکم عنه . ورواه ابنُ وهبٍ عن مالك بمعنى ما رواه ابنُّ القاسمِ . وذگّر ابنُ حبیبٍ ، عن مطرّفٍ وابن الماجشون ، عن مالك ، أنه قال : على المديرِ أن يُقوِّمَ عُروضَه فى رأسِ الحولِ ويُخرجَ ز كاةً ذلك ، نضَّ له فى عامِه شىءٌ أو لم يَنِضَّ. قال أبو عمرَ: هذا هو القياسُ، ولا أعلمُ أصلًا بعضُدُ قولَ مَن قال : لا يُقَوِّمُ(١) التاجرُ مُروضَه حتَى بِنِضَّ له شىءٌ مِن الوَرِقِ أو الذهبِ . أو: حتى ينِضَّ له نصابٌ. كما قال ابنُّ نافع، لأن العُروضَ المشتراةَ بالورِقِ أو الذهبِ للتجارةِ لو لم تقُمْ مَقامَها لوضعها فيها للتجارةِ ، وما وجَبت فيها زكاةٌ أبدًا؛ لأن الزكاةَ لا تجبُّ فيها لعينيها إذا كانت لغيرِ التجارةِ بإجماع علماءِ الأمةِ ، وإنما وجب تقويمُها عندَهم للمُتاجرِ بها؛ لأنها كالعينِ الموضوعةِ فيها للتجارةُ ، وإذا کانت کذلك فلا معنی لمراعاةِ ما نضَّ مِن العینِ قلیلا کان أو کثیرًا ، ولو كانت جنسًا آخرَ ما وجَبت فيها زكاةٌ مِن أجلٍ غيرِها، وإنما صارت كالعينِ؛ لأن القبس (١) فى الأصل، م: ((يعدل)). (٢) فى الأصل، م: ((التجارة)). ٣٣٧ (موسوعة شروح الموطأ ٢٢/٨) الموطأ الاستذكار النماءَ لا يُطلبُ بالعينِ إلا هكذا . وهذا قولُ جماعةٍ الفقهاءِ بالعراقِ والحجازِ ؛ قال الشافعيُّ: مَن اشترَى عَرْضًا للتجارةِ فحال عليه الحولُ مِن يومَ ابتاعَه للتجارة ، فعليه أن يُقوِّمه بالأغلبِ مِن نقد بلده، دنانیر کانت أو دراهمَ ، ثم ◌ُخرِجَ ز کاته مِن الذی قؤمه به إذا بلغت قیمتُه ما تجبُ فيه الزكاةُ ، وهذه سبيلُ كلِّ عَرْضٍ أُرِيدَ به التجارةُ. وهو قولُ أبى حنيفةَ، وأبى يوسفَ ، ومحمدٍ ، وقولُ الثورىِّ، والأوزاعىِّ، وأحمدَ ، وإسحاقَ، وأبى ثورٍ، وأبى عبيدٍ، والطبرىِّ. والمديرُ عندَهم وغيرُ المديرِ سواءٌ، وكلَّهم تاجرٌ مديرٌ يطلبُ الربحَ بما يضعُه مِن العينِ فى العُروضِ . وأما داودُ بنُ علىَّ فإنه شذَّ عن جماعةِ الفقهاءِ، فلم يرَ الزكاةَ فيها على حالٍ ، اشتريت للتجارةِ أو لم تُشْتَرَ للتجارةِ، واحتجُّ بقولِ رسولِ اللهِ وَله: ((ليس على المسلم فى عبدِه ولا فرسِه صدقةٌ ))(١). قال: ولم يَقُلْ: إلا أن ينوىّ بها التجارةَ . وزعم أن الاختلافَ فى زكاةِ العُروضِ موجودٌ بينَ العلماءِ، فلذلك نَزَع بما نزَع مِن دليلٍ عمومِ السنةِ. وذكّر عن عائشةً، وابنِ عباسٍ، وعطاءٍ، وعمرو بنٍ دينارٍ، أنهم قالوا: لا زكاةَ فى العُروضِ (١). قال أبو عمرَ : هذا لَعَثْرِى موجودٌ عن هؤلاء وعن غيرِهم محفوظٌ ؛ أنه لا زكاةً فى العروضِ، ولا زكاةً إلا فى العينِ والحرثِ والماشيةِ، وليس هذا عن القبس (١) سيأتى فى الموطأ (٦١٧). (٢) سيأتى تخريج قول عائشة وابن عباس ص ٤٨٤، وقول عطاء وعمرو بن دينار أخرجه عبد الرزاق (٧٠٩٨) . ٣٣٨ الموطأ واحدٍ منهم على زكاةِ التجاراتِ ، وإنما هذا عندَهم على زكاةِ العُروضِ المُقْتناةِ الاستذكار لغيرِ التجارة ، وما أعلَمُ أحدًا رُوِى عنه أنه لا زكاةً فى العُروضِ للتجارة حتى تباعَ إلا ابنَ عباسٍ على اختلافٍ عنه . وذكَر داودُ عن مالكِ، أنه قال: لا أرى الزكاةَ فى العُروضِ على التاجرِ الذى يبيعُ العَرْضَ بالعَرْضِ ولا ينِضُّ له شىءٍ، ولا على مَن بارَت عليه سلعةٌ (١) اشْتَراها للتجارةٍ ، حتى يبيعَ تلك السلعةً وينِضَّ ثمنُها بيدِه . قال أبو عمر: لو كان فى قول مالك هذا له حُجَّةٌ فى إسقاطِ الزكاةِ عن التجارِ فيما بأيدِيهم مِن العُروضِ للتجارةِ ، لكان فى قولِ مالكِ أنه يقوِّمُ العُروضَ ويزكيها إذا نضَّ له أقلُّ شىءٍ محُجّةٌ عليه، وقولُ مالكِ أنه يزكِّى العَرضَ إذا باعَه غيرُ المديرِ ساعةً يبيعُه . دليلٌ على أنه يرَى فيه الزكاةَ؛ إذْ(١) لم يَسْتأنفْ بالثَّمنِ حولًا . ولكنه لا يقولُ بقولٍ مالكٍ فى ذلك، ولا بقولٍ غيرِهِ مِن أئمةِ الفقهاءِ وسائرِ السلفِ الذين ذكّرنا أقوالَهم فى إيجابِ الزكاةِ فى العُروضِ المُشْتراةِ للتجارةِ، ويَحتجُّ بما لا حَّةَ فيه عندَه ولا عندَ غيرِهِ مُغالطةً . وقد حگینا عن مالكِ أنه قال فى ذلك بقولِ الجمهورِ الذين هم الحُجَّةُ على مَن خالَفهم، وباللهِ التوفيقُ. واحتجَّ أيضًا داودُ وبعضُ أصحابِه لقولِه فى هذه المسألةِ ببراءة الذمةِ ، وأنه لا ينبغى أن يجبَ فيها شىءٌ لمسكينٍ ولا غيرِه إلا بنصٌ كتابٍ أو سنةٍ أو إجماع، وزعَم أنها مسألةُ خلافٍ . قال أبو عمرَ: احتجاجُ أهلِ الظاهرِ فى هذه المسألةِ ببراءةِ الذمةِ عجبٌ القبس (١) فى النسخ: ((إذا))، والمثبت ما يقتضيه السياق. ٣٣٩ الموطأ الاستذكار عجيبٌ ؛ لأن ذلك نقضّ لأصولِهم ، وردِّ لقولِهم، وكسرٌ للمعنى الذى بنوا عليه مذهبهم فى القولِ بظاهرِ الكتابِ والسنةِ ؛ لأن الله عزَّ وجلَّ قال فى كتابه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةٌ﴾ [التوبة: ١٠٣]. ولم يخُصَّ مالًا مِن مالٍ، وظاهرُ هذا القول يُوجبُ، على أصولهم، أن تُؤخذَ الزكاةُ مِن كلِّ مالٍ إلا ما أجمَعت الأمةُ أنه لا زكاةً فيه مِن الأموالِ، ولا إجماعَ فى إسقاطِ الزكاةِ عن تُروضٍ التجارةِ ، بل القولُ فى إيجابِ الزكاةِ فيها إجماعٌ مِن الجمهورِ الذين لا يجوزُ الغلطُ عليهم، ولا الخروج عن جماعتهم ؛ لأنه مستحيلٌ أن يجوزَ الغلطُ فى التأويلِ على جميعِهم. وأما السُّنَّةُ التى زعم أنها خصَّت ظاهرَ الكتابِ وأخرجته عن عمومِه ، فلا دليلَ لهم(١) فيما ادَّعى مِن ذلك؛ لأن أهلَ العلم قد أجمعوا أنه لا سُنَّةً فى ذلك إلا حديث أبى هريرةَ، عن النبيِّ وَّرِ: ((ليس على المسلم فى عبده ولا فرسه صدقةٌ)). وحديثَ علىّ رضِى اللهُ عنه، عن النبيِّ وَّهِ، أنه قال: ((قد عفوتُ لكم عن صدقةِ الخيلِ والرقيقِ )) (١. فالواجبُ على أصلِ أهلِ الظاهرِ أن تكونَ الز کاةُ تؤخذُ مِن کلِّ مالٍ ما عدا الخیلَ والرقیقَ ؛ لأنهم لا یقیسون على الخيلِ والرقيقِ ما كان فى معناهما مِن العروضِ، ولا إجماعَ فى إسقاطِ الصدقةِ عن العُروضِ المبتاعةِ للتجارةِ ، بل القولُ بإيجابِ الزكاةِ فيها نوعٌ مِن الإجماعِ، وهذا کلُّه وما كان مثله أوضح الدلائل على تناقضِهم فيما قالوه، ونقضِهم لِما أصَّلوه، وبالله التوفيقُ . قال أبو عمرَ : مِن الحُجَّةِ فى إيجابِ الصدقةِ فى عُروضٍ التجارةِ مع ما تقدَّم القبس (١) فى ح: ((عليه))، وفى م: ( له)). (٢) سيأتى تخريجه ص ٤٩١، ٤٩٢. ٣٤٠