Indexed OCR Text

Pages 121-140

الموطأ
التمهيد
تأويل هذه الآيةِ فهو جائزٌ فى تأويل هذا الحديثِ؛ فى قوله: ((لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ
علىَّ)). فأحَدُ الوجهين تقديرُه؛ كأَنَّ الرجلَ قال: لئن كان قد سبَقَ فى قَدَرِ اللَّهِ
وقضائِه أن يُعَذِّبَ كُلَّ ذِى مجرمٍ على مجرمِه، لَيُعَذِّبَتَّى اللَّهُ على إجرَامِى
وذُنُوبى عذابًا لا يُعَذِّبُه أحدًا مِن العالمين غيرِى. والوجهُ الآخرُ تقديرُه:
واللهِ لئنْ ضَيَّقَ اللهُ علىَّ وبالغَ فى مُحاسَبَتى وجزَائِى على ذُنُوبِى، لَيَكُونَنَّ
ذلك. ثم أمَرَ بأن يُحرَّقَ بعدَ موتِه من إِفْرَاطِ خَوْفِه. قال ابنُ قُتَّبَةً(١):
بَلَغَنِى عن الكِسَائِيِّ أَنَّه قال: يُقَالُ: هذا قدَرُ اللهِ وقَدْرُه. قال: ولو
قُرْقَتْ: ( أَوْدِيَّةً بقدْرِها )(٢) مُخَفِّقًا، أو قُرِقَتْ: (وما قَدَّرُوا اللَّهَ حَقَّ
قَدَرِهِ )(٢) مُثَقَّلًا - جازَ، وأنشَدُ().
مع القَدْرِ إلَّ حاجةٌ لى أُرِيدُها
وما صبّ ڕِجْلِی فی حدیدِ مُجَاشِعٍ
أرادَ القَدَرَ. قال: ويقالُ: هذا على قَدْرِ هذا وقَدَرِه. قال الأصمعىُّ:
أُنشَدِنِی عيسَى بنُ عمرَ ، لِبَدَوِىِّ (٥) :
كُلُّ شىءٍ حتى أخيك(٦) مَتَائع
وبقَدْرٍ تَفَوْقٌّ واجْتِمَاعُ
القبس
(١) غريب الحديث ١/ ٢٥٤.
(٢) سورة ((الرعد))، الآية: ١٧. وبها قرأ الحسن والمطوعى. ينظر إتحاف فضلاء البشر ص ١٦٤.
(٣) سورة ((الأنعام))، الآية: ٩١. وبها قرأ الحسن وعيسى الثقفى. ينظر البحر المحيط ١٧٧/٤،
وإتحاف فضلاء البشر ص ١٢٨.
(٤) البيت للفرزدق، وهو فى إصلاح المنطق ص ٩٦، وأدب الكاتب ص ٤٢٣.
(٥) البيتان فى اللسان (ق د ز) بدون نسبة.
(٦) فى النسخ: ((أراك)). والمثبت من غريب الحديث، واللسان.
١٢١

الموطأ
التمهيد
ومن هذا حديثُ ابنٍ عُمَرَ، عن التبيِّ عليه السَّلامُ فى الهِلالِ: ((فإن غُمَّ
علیکم فاقتژُوا له)). وقد ذگرْتُه فى بابه وموضعه مِن هذا الكتاب(".
وقد روينا عن أبى العَبَّاسِ أحمدَ بنِ يحتى ثعلَبٍ أَنَّه قال فى قولِ اللهِ
(٢)
عزَّ وجلَّ: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. قال: هو مِن التقديرِ"
ليس مِن القُدْرَةِ، يُقالُ منه: قَدَرَ اللهُ لكَ الخَيْرَ يَقْدِرُه قَدْرًا. بمعنَى قَدَّرَ اللهُ لك
الخيرَ. وأنشدَ ثَعلبٌ :
ولا عائدٍ () ذاك الزَّمَانُ الذى مَضَى تَبَارَكْتَ ما تَقْدِرْ(٤) يقَع ولك الشِّكْو
يعنى: ما تُقَدِّرُه وتَقْضِى به يَقَعُ ، يَعنِى : يَنْزِلُ وينفُذُ ويَعْضِى .
قال أبو عمرَ: هذا البيتُ لأبى صَخْرِ الهُذَلِيِّ فى قَصيدَةٍ له، أوَّلُها(٥):
لِليْلَى بذاتِ الجيشِ دارٌ عَرَقْتُها
وأُخرَى بذاتِ البَيْنْ آيَاتُها سَطْرُ
وفيها يقولُ :
لنا أبدًا ما أَبْرَمَ السَّلَمُ النَّضْرُ
وليس عَشِيَّاتُ الْحِمَى بِرَوَاجعٍ
تبارَكْتَ ما تَقْدِرْ تَقَع ولكَ الشُّكْرُ
ولا عائدٍ ذاك الزَّمَانُ الذی مَضَی
السَّلَمُ: شَجَرٌ مِن العِضَاهِ يُدْبَغُ به، والنَّضْرُ: النَّضَارَةُ والتَّهُمُ، وَأَبْرَمَ السَّلَمُ :
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (٦٣٧، ٦٣٨).
(٢) فى م: ((التقتير)).
(٣) فى النسخ: ((عائد)). والمثبت من شرح أشعار الهذليين.
(٤) فى شرح أشعار الهذليين: ((تقضى)). وأشار محققه أنه فى بقية أشعار الهذليين: ((تقدر).
(٥) الأبيات له فى شرح أشعار الهذليين ٩٥٦/٢، ٩٥٨.
١٢٢

الموطأ
التمهيد
أخرَجَ بَرَمَتَه، وأَبْرَمْتُ الأمرَ: أَحْكَمْتُه. وقال غيره (١):
يَدُ اللَّهِ والْمُسْتَنْصِرُ اللهَ غَالِبُ
فما الناسُ أَرْدَوْه ولَكِنْ أقادَه
كِفَاعًا وتَجْلِبْه إليكَ الجَوَالِبُ
فإِنَّكَ ما يَقْدِرْ لكَ اللهُ تَلْقَه
وقال ابنُ قتيبةً فى قولِ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿فَطَنَّ أَن لَّنْ نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾. أى: لَنْ
نُضَيِّقَ عليه. قال: يقالُ(١): فُلَانٌ مُقَدَّرٌ عليه، ومُقَتَّرَ عليه. ومنه قولُه عزَّ وجلّ:
﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: ١٦]. أى: ضَيَّقَ عليه فى رِزْقِه. وقولُه: ﴿وَمَن قُدِرَ
عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧]. أى: ضُيِّقَ عليه فى رِزْقِه . وقال ثعلب فى قولِ اللهِ عزَّ
وجلَّ: ﴿وَذَا الْتُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَضِبًا﴾. قال: مُغَاضِبًا للْمَلِكِ.
قال أبو عمر: قد قِیل ما قال ثَغلب ، وقيل : إنه خرَجَ مُغَاضِبًا لنبی کان فی
زمانِه. وهذَان القَوْلان للمُتَأَّرين. وأمَّ المُتَقَدِّمون ، فإِنَّهم قالُوا : خرَجَ مُغَاضِبًا
لرَّبُّه. رُوِىَ ذلك عن ابنِ مَسعودٍ، والشعبىِّ، والحسنِ البصرىِّ، وغيرهم.
ولولا ◌ُروجنا عمًّا له قَصَدْنَا لذگزْنَا خَبَرَه وقصتَه ههُنا .
وأمَّا جَهْلُ هذا الرَّجُلِ المذكور فى هذا الحديثِ بصِفَةٍ مِن صِفَاتِ اللهِ فی
عِلْمِه وقَدَرِه، فليس ذلك بمُخْرِجِه مِن الإِيمانِ؛ أَلَا تَرَى أنَّ عمرَ بنَ الخَطَّابِ (٤)،
وعِمرانَ بنَ محُصينٍ، وجماعةٌ مِنِ الصَّحابةِ، سألُوا رسولَ اللهِ وَ لِّ عن القَدَرِ ،
القبس
(١) البيت الثانى فى بهجة المجالس ١٣٨/١ بدون نسبة.
(٢) سقط من: م.
(٣) ينظر تفسير ابن جرير ٣٧٥/١٦، ٣٧٦.
(٤) أخرجه أحمد ١٣٩/٩ (٥١٤٠)، والترمذى (٢١٣٥).
١٢٣

الموطأ
ومعلوم أنَّھم إنَّما سأُوه عن ذلك وهم جاهِلُون به، وغیرُ جائزٍ عندَ أُحدٍ مِن
التمهید
المسلمین أن یگونُوا بشُؤالهم عن ذلك کافرین، أو یکونُوا فی حینٍ سؤالهم عنه
غيرَ مؤمِنِين .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدّثنا
مُضَرُ بنُ محمدٍ ، قال: حِدَّثْنَا شَيْبَانُ بنُ فَرُوخَ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارثِ ، عن
يَزِيدَ الرَّشْكِ، قال: حدَّثْنا مُطَرِّفٌ، عن عمران بن حصينٍ، قال: قلتُ :
يا رسولَ اللهِ ، أَعْلِمَ أهلُ الجنَّةِ مِن أهلِ النَّارِ؟ وذكَرَ الحديثَ(١).
ورَوَى اللَّيْثُ، عن أبى قَبِيل(٢)، عن شُفَىٌّ الأَصْبَحِىِّ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرو
ابنِ العاصى. فذكَرَ حديثًا فى القَدَرِ ().
وفيه : فقال أصحابُ رسولِ اللهِ وَالِهِ: فلأَىِّ شىءٍ نعملُ إِن كان الأمرُ قد
فُرِعَ منه؟ فهؤلاء أصحابُ رسولِ اللهِ وَلّهِ وهم العلماءُ الفُضَلاءُ، سأَلُّوا عن
القَدَرِ سؤالَ متعلِّم جاهلٍ لا سُؤَالَ مُتَعنِّتٍ مُعَانِدٍ، فعلَّمَهم رسولُ اللهِ وَلِ مَا
جَهِلُوا مِن ذلك، ولم يَضُرَّهم جَهْلُهم به قبلَ أن يعلَمُوه ، ولو كان لا يَسَعُهم
القبس
(١) أخرجه مسلم (٢٦٤٩) عن شيبان به، وأخرجه البخارى (٧٥٥١) من طريق عبد الوارث به،
وأخرجه أحمد ٦٩/٣٣ (١٩٨٣٤)، والبخارى (٦٥٩٦)، ومسلم (٢٦٤٩)، وأبو داود
(٤٧٠٩)، والنسائی فی الکبری (١١٦٨٠) من طريق يزيد الرشك به .
(٢) فى ص ١٦: ((عقيل)). وينظر تهذيب الكمال ٧/ ٤٩٠.
(٣) أخرجه أحمد ١٢١/١١ (٦٥٦٣)، والترمذى (٢١٤١)، والنسائى فى الكبرى (١١٤٧٣)
من طريق الليث به .
١٢٤

الموطأ
٥٧٣ - وحدَّثنى يحتِى ، عن مالك ، عن أبى الزنادِ ، عن الأعرج ،
عن أبى هريرةَ، أن رسولَ اللهِ وَِّ قال: ((كلَّ مولودٍ يولَدُ على الفطرةِ،
فأبواه يُهوِّدانِه أو يُنصِّرانِه، كما تُناتَجُ الإبلُ من بهيمةٍ جمعاءَ، هل
تُحِسُّ من جدعاءَ؟)) . قالوا : يا رسولَ اللهِ ، أرأيتَ الذی یموثُ وهو
صغيرٌ؟ قال: ((اللهُ أعلمُ بما كانوا عاملين)).
التمهید
جَهْلُه وَقْتًا مِن الأوقاتِ لعلَّمَهم ذلك مع الشهادةِ بالإيمانِ ، وأُخَذَ ذلك عليهم فى
حينٍ إسلامِهم ، ولجعَلَه عمودًا سادسًا للإسلام ، فتَدَبَّرْ واستَعِنْ باللهِ ، فهذا الذى
حَضَرَنِى على ما فَهِمْتُه مِن الأصولِ ووَعَيْتُه، وقد أَدَّيْتُ اجتهادِی فی تأويلِ
حديثٍ هذا البابِ كلِّه ولم آلُ، وما أُبَرّئُ نَفْسِى، وفوقَ كلِّ ذِى علمٍ عَلِيمٌ .
وباللَّهِ التوفيقُ .
مالكٌ، عن أبى الزنادِ، عن الأعرج، عن أبى هريرةَ، أنَّ رسولَ اللهِ إِله
قال: ((كلُّ مولودٍ يُولَدُ على الفطرةِ، فأبواه يهودانه أو ينصِّرانِهِ، كما تُناتَجُ الإبلُ
مِن بهيمةٍ جَمعاءَ، هل تُحِسُّ مِن جَدعاءَ؟)). قالوا: يا رسولَ اللهِ ، أرأيتَ الذى
يموتُ وهو صغيرٌ؟ قال: ((اللهُ أعلمُ بما كانوا عامِلِينَ))(١).
قال أبو عمرَ: رُوِى هذا الحديثُ عن النبيِّ نَلَهمِن وجوهٍ صحاحُ ثابتةٍ
مِن حديثٍ أبى هريرةً وغيرِه؛ فممَّن رواه عن أبى هريرةَ، عبدُ الرحمنِ
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٥/٧ ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٩٩٥). وأخرجه
أبو داود (٤٧١٤)، وابن حبان (١٣٣) من طريق مالك به .
(٢) بعدها فى ص، م: ((كلها)).
١٢٥

الموطأ
التمهيد
الأعرج(١) ، وسعيدُ بنُ المسيبٍ(٢)، وأبو سلمةَ وحميدٌ ابنا عبد الرحمنِ بنِ
عوف، وأبو صالح السمانُ(٢)، وسعيدُ بنُ أبى سعيدٍ(٤)، ومحمدُ بنُّ سيرينَ.
ورواه ابن شهاب فاختلف أصحابه عليه فى إسناده ؛ فرواه معمر والزُّبيدىُّ،
عن الزهرىِّ، عن سعيدٍ، عن أبى هريرةً(٥).
ورواه يونسُ وابنُ أبى ذئبٍ، عن الزهرىِّ، عن أبى سلمةً، عن
2(٦)
أبى هريرةً(٦).
ورواه الأوزاعى، عن الزهرىِّ، عن حميدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن
.(٧)
أبى هريرةً(٧).
وزعم محمدُ بنُ يحتى الذُّهلئ النيسابورى أنَّ هذه الطرق کلّھا صحاح عن
ابنِ شهابٍ محفوظةٌ .
القبس
(١) سيأتى تخريجه ص ١٣١، ١٣٢.
(٢) سيأتى تخريجه ص ١٣٠.
(٣) أخرجه أحمد ٤١٢/١٢، ٤١٣ (٧٤٤٣، ٧٤٤٥)، ومسلم (٢٣/٢٦٥٨)، والترمذى
(٢١٣٨) من طريق أبی صالح به.
(٤) سيأتى ص ٢٠١.
(٥) أخرجه مسلم (٢٢/٢٦٥٨) من طريق الزيدى به. وسيأتى تخريجه من طريق معمر ص ١٣٠.
(٦) أخرجه أحمد ٥٠/١٥ (٩١٠٢)، والبخارى (١٣٨٥) من طريق ابن أبى ذئب به ، وسيأتى
تخريجه من طريق يونس ص ١٣٢، ١٣٣ .
(٧) أخرجه أبو يعلى (٦٣٩٤)، وابن حبان (١٢٨)، واللالكائى فى شرح أصول الاعتقاد ( ٩٩٥،
٩٩٦) من طريق الأوزاعى به.
١٢٦

الموطأ
التمهيد
قال أبو عمرَ : ليس هذا الحديثُ عندَ مالك عن ابن شهابٍ فى ((الموطأ))،
وهو عندَه عن أبی الزنادِ « كما ذكرناه) ، وقد روَى هذا الحدیثَ عبدُ اللهِ بنُ
الفضلِ الهاشمىُّ شيخُ مالكِ، عن أبى الزنادِ، عن الأعرج، عن أبى هريرةً ، عن
النبيِّ وَل﴿قال: ((كلَّ مولودٍ يُولَدُ على الفطرةِ، فأبواه يهوِّدانه، وينصِّرانِه،
ويُمجِّسانِه، كالبهيمةِ تُنتَجُ البهيمةً ، هل تُحِشُّون فيها مِن جَدعاء حتى تكونوا
أنتم تجدّعونها؟)) . إلى ههنا انتهى حديثُه، ولم يذكُرْ ما فى حديث مالكٍ؛
قولَه: أرأيتَ مَن يموتُ وهو صغيرٌ؟ إلى آخرِ الحديثِ، وزاد فيه:
((ويُمجّسانِهِ)). وهكذا روايةُ ابنٍ شهابٍ لهذا الحديثِ ليس فيها قولُه: أرأيتَ
من يموتُ وهو صغيرٌ؟ قال: ((اللهُ أعلمُ بما كانوا عاملين)). وعندَ ابنِ شهاب،
عن عطاءِ بنِ يزيدَ، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ وَلِّ، أنه سُئل عن أولاد المشركين
فقال: ((اللهُ أعلم بما كانوا عاملین)). وسنذكر حديثَ ابن شهاب هذا عن
عطاءِ بنِ يزيدَ، فى بابٍ مُفردٍ مِن هذا الكتابِ() إن شاءَ اللهُ.
أُمَّا قولُه فى حديثٍ مالكِ وغيرِهِ: (( كلُّ مولودٍ يُولَدُ على الفطرةِ، فأبواه
يُهُوَّدانِهِ)) الحديث. فإِنَّ أهلَ العلمِ مِن أصحابِنا وغيرِهم اختلفوا فى معنى قوله :
(((كلِّ مولودٍ)). فقالت طائفةٌ: ليس فى قوله: (( كلَّ مولودٍ)). ما يقتضِى
العمومَ . قالوا : والمعنى فى ذلك أنَّ كلَّ مَن وُلِد على الفطرة وكان له أبوانٍ على
غيرِ الإسلامِ، هوَّداه، أو نصَّراه، أو مجَساه. قالوا: وليس المعنى أنَّ جميعَ
القبس
(١ - ١) سقط من: ص، وفى ص ١٦: ((كما ذكره))، وفى م: ((عن أبى هريرة)).
(٢) سيأتى تخريجه ص ١٨٥ .
١٢٧

الموطأ
التمهید
المولودينَ مِن بنى آدمَ أجمعينَ يُولَّدون على الفطرةِ ، بل المعنى أن المولود على
الفطرةِ بينَ (١) الأبوين الكافرينِ يُكفِّرانِه، وكذلك مَن لم يُولد على الفطرةِ وكان
أبواه مؤمنين، مُحُكِم له بحُكمِهما فى صِغرِه؛ إنْ كانا يهودِيَّين فهو يُهُودىٌّ،
يرثُهما وبِثَانِه، وكذلك لو كانا نصرانتِينٍ أو مجوسيَّنٍ، حتى يُعبِّرَ عنه لسانُه
وببلُغَ الحِنثَ، فیکون له حکمُ نفسِه حينئذٍ ، لا حکمُ أبویهِ .
واحتجّ قائلُو هذه المقالةِ بحديث أبى إسحاق ، عن سعيد بن جبيرٍ ، عن ابنِ
عباسٍ، عن أُبىّ بنِ كعبٍ، عن النبيِّ بَلّ قال: ((الغلامُ الذى قتله الخضِرُ طبَعه
اللهُ يومَ طِبَعه كافرًا))(١). وبقولِهِ وَ له: ((ألا إنَّ بنى آدمَ خُلِقوا طبقاتٍ؛ فمنهم
من يُولَّدُ مؤمنًا وییا مؤمنًا ویموتُ مؤمنًا ، ومنهم مَن يولّدُ كافرًا ويَحْيا كافرًا
ويموتُ كافرًا، ومنهم من يولّدُ مؤمنًا ويَخْيَا مؤمنًا ويموتُ كافرًا، ومنهم من
يُولَدُ كافرًا ويَحْيَا كافرًا ويموتُ مؤمنًا ».
وهذا الحديثُ حدَّثَنَاه خلفُ بنُ القاسم قراءةً منِّى عليه، أنَّ أحمدَ بنَ
محمدِ بنِ أمی الموتِ ) المکیّ حدَّثھم، قال: حدّثنا محمدُ بنُ علىِ بنِ زید
(٤)
الصَّائِغُ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُّ منصورٍ ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ زيدٍ، قال: حدَّثنا
علىُّ بنُ زيدٍ، عن أبى نضْرَةَ، عن أبى سعيد الخدرىِّ قال: صلَّى بنا
القبس
(١) فى م: ((من)).
(٢) سيأتى تخريجه ص ١٥٠، ١٥١.
(٣) فى ص ١٦: ((الحارث)). وينظر سير أعلام النبلاء ٢٥/١٦.
(٤) فى ص ١٦: ((يزيد)). وينظر سير أعلام النبلاء ٤٢٨/١٣.
١٢٨

الموطأ
التمهيد
رسولُ اللهِ وَ لّ العصرَ بنهارٍ، ثم قام وخطَبنا إلى مغربِ الشمسِ، فلم يدَغْ شيئًا
يكونُ إلى قيام الساعةِ إلَّا أخبر به، حفظه من حفظه ، ونَسِيه من نَسِيه ، وكان
فيما حفِظْنا أن قال: ((ألا إنَّ الدنيا خَضِرَةٌ حُلوةٌ، وإنَّ اللهَ مُستخلِفُكم فيها فناظرٌ
كيف تعملُون، ألا فاتَّقوا الدنيا، واتَّقوا النساءَ)). وكان فيما حفِظْنا أن قال:
((ألا لا يمنعَنَّ رجلًا هيبةُ الناسِ أن يقولَ الحقَّ إذا عَلِمه)). فبكى أبو سعيدٍ وقال:
قد واللهِ رأينا فَهِبنا. وكان فيما حفِظْنا أن قال: ((ألا إنَّ لكلِّ غادرٍ لواءٌ يومَ
القيامةِ بقدرٍ غَدرِه، ولا غدرَ أعظمُ مِن غدرِ إمامِ عامَّةٍ)). وكان فيما حفِظْنا
أُنْ قال: ((ألا إنَّ بنى آدم خلقوا طبقاتٍ شتِّی؛ فمنهم من يُولَدُ مؤمنًا ویحیا
مؤمنًا ویموتُ مؤمنًا، ومنهم من يُولدُ کافرًا ویحیا كافرًا ويموتُ كافرًا،
ومنهم من يولدُ كافرًا ويحيا كافرًا ويموتُ مؤمنًا، ومنهم من يولدُ مؤمنًا
ويحيا مؤمنًا ويموتُ كافرًا، ومنهم حسَنُ القضاءِ، حسَنُ الطلبٍ)). وذكر
تمامَ الحديثِ(١).
قالوا : ففى هذا الحديثِ مع الحديثِ فى غلام الخضرِ ما يدُلَّ على أنَّ قولَه :
((كلُّ مولودٍ )). ليس على العموم ، وأنَّ المعنى فيه أنَّ كلَّ مولودٍ يُولدُ على الفطرةِ
وأبواه يهودِيَّانِ أو نصرَانِيَّان، فإنهما يُهوِّدانِه أو يُنصِّرانِهُ)، ثم يصيرُ عندَ بُلوغِه
إلى ما يُحكّمُ به عليه . قالوا: وألفاظُ الحُفَّاظِ على نحوِ حديثٍ مالكِ هذا.
القبس
(١) أخرجه الترمذى (٢١٩١) من طريق حماد بن زيد به، وأخرجه أحمد ٢٢٧/١٧، ١٣١/١٨
(١١١٤٣، ١١٥٨٧) من طريق على بن زيد به .
(٢) بعده فى م: (أی یحكم له بحكمهما)).
١٢٩
( موسوعة شروح الموطأ ٩/٨)

الموطأ
التمهيد
ودفعوا روايةَ مَن روَى: ((كلَّ بنى آدمَ يُولدُ على الفطرةِ ». قالوا: ولو صحَّ هذا
اللفظُ ما كان فيه أيضًا مُحُجَّةٌ لِما ذَكَوْنا؛ لأنَّ الخصوصَ جائزٌ دُخولُه على هذا
اللفظِ فى لسانِ العربِ، ألا تَرى إلى قولِ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍ﴾
[الأحقاف: ٢٥]. ولم تُدمِّرِ السماواتِ والأرضَ. وقوله: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ
كُلِّ شَىْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤]. ولم يَفتح عليهم أبوابَ الرحمةِ. ومثلُ هذا كثيرٌ.
وذكروا مِن ألفاظ الأحاديثِ فی ذلك روایةَ الأوزاعىّ ، عن الزهرىّ، عن
حميدٍ، عن أبى هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((كلُّ مولودٍ يُولَدُ على
الفطرةِ، فأبواه يُهوِّدانِه، أويُنصِّرانِه، أو يُمجّسانِهِ)). قال الأوزاعىُّ: وذلك
بقضاء وقتٍ () . وهكذا لفظُ حديث معمٍ ، عن الزهرى ، عن سعيد ، عن أبى
هريرةَ، عن النبيِّ وَلَّهِ: ((كلَّ مولودٍ يُولَدُ على الفطرةِ، فأبواه يهوِّدانِه، أو(١)
ينصِّرانِه، أو (١) يمجّسانِه، كما تُنتَجُ البهيمةُ بهيمةً جَمعاءَ، هل تُحِسُّونَ فيها(١)
مِن جدعاءَ؟)). ثم يقولُ أبو هريرةَ: اقرءُوا إن شئتُم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ
النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠].
ذكَره عبدُ الرزاقِ(٤) هكذا، ولم يُختلَفْ فى هذا اللفظِ عن معمرٍ فيما
علِمتُ ، أعنى قوله: ((كلُّ مولودٍ يُولَدُ على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه)) الحديث .
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ١٢٦ .
(٢) فى الأصل، ص، م: ((و)).
(٣) ليس فى: الأصل، ص، ص ١٦.
(٤) عبد الرزاق (٢٠٠٨٧)، ومن طريقه أحمد ١٣٨/١٣ (٧٧١٢)، ومسلم (٢٦٥٨).
١٣٠

الموطأ
التمهید
وكذلك رواه ابنُّ أبى ذئبٍ، عن الزهرىِّ، عن أبى سلمةً، عن أبى هريرةَ قال :
قال رسولُ اللهِ وَله: (( كلُّ مولودٍ يُولَّدُ على الفطرةِ، فأبواه بهوِّدانِهِ))
الحديث (١) . كلفظِ حديثٍ معمرٍ سواءً، إلّا قولَ أبى هريرةَ . وكذلك حديثُ
سمُرةَ بنِ مُجُندبٍ؛ حديثُ الرُّؤيا عن النبيِّ وَلِ قال: ((كلُّ مولودٍ يُولَدُ على
الفطرةِ، فأبواه يهوِّدانِه و() يُنصِّرانِهِ))(١). هذا لفظُه. وروَى أبورجاء العُطاردىُّ،
عن سمرةَ بنِ جندبٍ الحديثَ الطويلَ حديثَ الرُّؤيا، وفيه عن النبيِّ وَلِّ:
((وأمّا الرجلُ الطويلُ الذى فى الرَّوضةِ، فإنه إبراهيمُ عليه السلامُ، وأما الولدَانُ
حولَه ، فكلُّ مولودٍ يُولدُ على الفطرةِ))(١).
وقال آخرون : المعنى فى ذلك : كلِّ مولودٍ مِن بنى آدمَ فهو يُولدُ على الفطرةِ
أبدًا ، وأبواه ◌ُحگمُ له بحکمهما وإن كان قد ولد على الفطرة حتى يكون ممَّن
يُعبِّرُ عنه لسانُه. والدليلُ على أنَّ المعنى كما وصفْنا روايةُ مَن روَى: (( كلُّ بنى
آدمَ يُولَدُ على الفطرةِ )). و: ((ما مِن مولودٍ إلَّ وهو يُولَّدُ على الفطرةِ». وحقُّ
الكلام أن يُحمَلَ على عمومِه .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا
مُطَّلبٌ ، قال: حدَّثنا أبو صالح، حدَّثنی اللَّيثُ ، حدَّثنی جعفرُ بنُ ربيعةً ، عن
عبد الرحمنِ بنِ هرمزَ، أَنَّه قال: قال أبو هريرةَ: قال رسولُ اللهِ وَِّ: ((كلُّ بنى
القبس
(١) تقدم تخريجه ص١٢٦ .
(٢) فى الأصل، ص، م: ((أو)).
(٣) أخرجه البزار (٤٥١٥).
(٤) سيأتى تخريجه ص ١٣٥، ١٧٩.
١٣١

الموطأ
التمهيد آدمَ يُولّدُ على الفطرةِ، فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانِه، كما تُنتَجُ الإبلُّ مِن بهيمةٍ
جَمعاءَ، هل تُحِسُّ فيها مِن جَدعاءَ؟ )) . قال : أفرأيتَ من يموتُ صغيرًا يا رسولَ
اللهِ؟ قال: ((اللهُ أعلمُ بما كانوا عامِلِينَ)).
وكذلك رواه خالدٌّ الواسطى، عن عبد الرحمنِ بنِ إسحاقَ، عن
أبى الزنادٍ، عن الأعرج، عن أبى هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((كلُّ بنى آدمَ
يُولَّدُ غلى الفطرةِ)) (١). ثم ذكَرَه سواءً(١).
روى ابنُ وهبٍ ، عن يونسَ بنِ یزیدَ ، عن ابنِ شهابٍ ، عن أبى سلمةً ، عن
أبى هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ وَلّهِ: ((ما مِن مولودٍ إِلا يولدُ على الفطرةِ)). ثم
قرأ: ﴿فِطْرَتَ اَللَّهِ الَّتِ فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِّ ذَلِكَ الذِيُبُ
اَلْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠].
وحدَّثنا عبدُ الوارث ، قال : حدّثنا قاسمٌ ، قال : حدّثنا مُطَلبُ بنُ شعيب ،
قال : حدّثنا عبدُ اللهِ بنُ صالح ، قال : حدثنى الليثُ ، قال : حدّثنی يونس ، عن
ابنِ شهابٍ، قال: أخبرَنى أبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ ، أنَّ أبا هريرة قال: قال
رسولُ اللهِ إِ لّهِ: (( ما مِن مولودٍ إلَّا يُولَدُ على الفطرةِ، فأبواه يهوِّدانِه،
و ینصِّرانِه ، ويُمجّسانِه، کما تُنتجُ البهيمةُ بھیمةً جمعاءً، هل تُحِشُّون فيها مِن
القبس
(١) من هنا يبدأ اضطراب فى النسخة (( ص ))، فھی لا تكاد تتفق مع بقية النسخ فى شىء من حيث
العبارة، ولئلا يطول الكتاب بالحواشى لم نشر إلى فروقها فى هذا الحديث .
(٢) أخرجه أبو يعلى (٦٣٠٦) من طريق خالد الواسطى به، وسقط منه ذكر أبى الزناد ، وفيه :
(( كل مولود يولد على الفطرة)).
(٣) أخرجه مسلم (٢٦٥٨) من طريق ابن وهب به.
١٣٢

الموطأ
التمهید
جَدعاءَ؟)). ثم قال أبو هريرةَ: اقرُوا: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِىِ فَطَرَ النَّاسَ عَلَيَهَا لَا
تَّدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهَ ذَلِكَ الْذِينُ الْقَيِّمُ﴾(١).
وكذلك حديثُ سمُرةَ بنِ جُندَبٍ، عن النبيِّ وَ لَ؛ حديثُ الرُّؤيا، فيه:
((والشيخُ الذى فى أصلِ الشجرةِ إبراهيمُ، والولدانُ حولَه أولادُ الناسِ)) (١).
قالوا : فهذه الأحاديثُ تدُلُّ ألفاظُها على أنَّ المعنى فى حديثٍ مالكٍ وما
كان مثلَه ليس كما تأوَّله المُخالِفُ ؛ أنه يقتَضِى أَنَّ الأبوينِ لا يُهوِّدانِ ولا
يُنصِّرانِ إلا من وُلِد على الفطرةِ مِن أولادِهما، بل الجميعُ يُولِدُون على
الفطرة .
قال أبو عمرَ : الفطرةُ المذكورةُ فى هذا الحديثِ اختلف العلماءُ فيها ،
واضطرَبوا فى معناها ، وذهَبوا فى ذلك مذاهبَ متباينةً ، ونزَعت كلُّ فرقةٍ منهم
فى ذلك بظاهرٍ آيةٍ ، ونصِ سنَّةٍ، وسنُبيِّنُ ذلك كلَّه ونوضحُه، ونذكر ما
جاء فيه مِن الآثارِ، واختلافِ الأقوالِ والاعتلالِ عن السلف والخلف،
بعونِ اللهِ إن شاءَ اللهُ .
وقد سأل أبو عبيدٍ (١) محمدَ بنَ الحسنِ الفقية صاحبَ أبى حنيفةً عن معنَی
هذا الحديثِ، فما أجابه فيه بأكثرَ مِن أن قال: كان هذا القولُ مِن النبيِّ وَّهِ قبلَ
القبس
(١) أخرجه البخارى (١٣٥٩، ٤٧٧٥) من طريق يونس به.
(٢) سيأتى تخريجه ص ١٣٥، ١٧٩ .
(٣) غريب الحديث ٢/ ٢١، ٢٢.
١٣٣

الموطأ
التمهيد أن يُؤْمَرَ الناسُ بالجهادِ. قال: وقال ابنُّ المباركِ: تفسيرُهُ آخرُ الحديثِ(٢):
((اللهُ أعلمُ بما كانوا عاملین)). هذا ما ذكره أبو عبيد فى تفسير قوله: (( كلُّ
مولودٍ يُولدُ على الفطرةِ)). عن محمدِ بنِ الحسنِ وابنِ المباركِ ، لم يزِدْ على
ذلك عنهما ولا عن غيرِهما .
فأمّا ما ذكره عن ابن المبارك ، فقد ژُوی عن مالك نحۇ ذلك ، وليس فيه
مَقنعٌ مِن التأويلِ ، ولا شرعٌ موعَبٌ فى أمرِ الأطفالِ ، ولكنها جملةٌ تُدِّی إلى
الوقوفِ ١ عن القطع فيهم بكفرٍ أو إيمانٍ، أو جنةٍ أو نارٍ، ما لم يبلُغُوا .
وأمَّا ما ذكره عن محمدِ بنِ الحسنِ، فأظنُّ محمدَ بنَ الحسنِ حاد عن
الجوابِ فيه؛ إِمَّا لإشكالِه عليه، أو لجهلِه به، (4أو الكراهية الخوض فى ذلك" .
وأمّا قولُه فيه: إِنَّ ذلك القولَ كان مِن النبيِّ وَ لِّ قبلَ أن يُؤْمَرَ الناسُ بالجهادِ .
فليس كما قال ؛ لأنَّ فى حديثِ الأسودِ بنِ سَريع ما يُبيِّنُ أنَّ ذلك كان بعدَ الأمر
بالجهاد .
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ ، قال : حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال : حدثنا محمدُ بنُّ
وضاح، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبى شيبةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحيم بنُ
القبس
(١) فى الأصل، م: ((يفسره))، وفى غريب الحديث: ((تأويله)).
(٢) فى غريب الحديث: ((الحديث الآخر)). وكذا سيذكره المصنف ص ١٤٤.
(٣) فى ص ١٦٠: ((الوقف)).
(٤ - ٤) فى ص ١٦: ((أو لكراهة الخوض فيه)).
(٥ - ٥) فى ص ١٦، م: ((عبد الرحمن)). وينظر تهذيب الكمال ٣٦/١٨.
١٣٤

الموطأ
سليمانَ ، عن إسماعيلَ بنِ مسلمٍ ، عن الحسن ، عن الأسود بن سريع قال : قال
رسولُ اللهِ وَله: ((ما بالُ قومٍ بَلَغوا (١) فى القتلِ حتى قتلوا الولدانَ؟)). فقال
رجلٌ: أوَ ليس إنما هم أولادُ المشركين؟ فقال رسولُ اللهِ وَل ـ: ((أوَ ليس
خيارُكم أولادَ المشركين ؟ إنه ليس من مولودٍ إلّا وهو يُولدُ على الفطرةِ ، فيُعبِّرُ
عنه لسانُه، ويُهوِّدُه أبواه أو يُنصِّرانِه))(١).
التمهید
وروَى هذا الحديثَ عن الحسنِ جماعةٌ؛ منهم بكرّ المزنىُ(٣)، والعلاءُ(٤)
ابنُ زيادٍ(*) ، والشّرىّ بنُ يحيى (١). وقد رُوِى عن الأحنف، عن الأسودِ بنِ
سَريعٍ. وهو حديثٌ بضریٍّ صحيحٌ .
وروَى عوفٌ الأعرابى، عن أبى رجاءِ العُطارِدِىِّ، عن سمُرةَ بنِ جُندَبٍ ،
عن النبيِّ رَ ﴿َّ قال: ((كلَّ مولودٍ يولَدُ على الفطرةِ)). فنادَاه الناسُ:
يا رسولَ اللهِ، وأولادُ المشركين؟ قال: «وأولاد المشركين)» (٢).
القبس
(١) فى م: ((بالغوا)).
(٢) ابن أبى شيبة ٣٨٦/١٢.
(٣) أخرجه الخلال فى السنة (٨٨٣) من طريق بكر به.
(٤) كذا فى النسخ، وفى مصدر التخريج: ((المعلى)). وكلاهما يروى عن الحسن، وينظر تهذيب
الكمال ٤٩٧/٢٢، ٢٨٧/٢٨.
(٥) أخرجه الطبرانى (٨٣٤) من طريق المعلى - وعندنا العلاء - بن زياد به.
(٦) أخرجه أحمد ٢٣١/٢٦ (١٦٣٠٣) من طريق السرى بن يحيى به.
(٧) أخرجه ابن حبان (٦٥٥) ، وأبو بكر البرقانى فى مستخرجه - كما فى تفسير ابن كثير ٥٤/٥-
من طريق عوف به .
١٣٥

الموطأ
التمهید
قال أبو عمرَ : أما اختلافُ العلماءِ فى الفطرةِ المذكورةِ فى هذا الحديثِ ؛
فقالت جماعةٌ مِن أهلِ الفقهِ والنَّظرِ: أُريدَ بالفطرةِ المذكورة فى هذا الحديثِ
الخِلقةُ التى خُلِقٍ عليها المولودُ فى المعرفةِ بربّه، فكأنه قال: كلُّ مولودٍ يُولدُ
على خِلقةٍ يعرِفُ بها ربَّه إذا بلغ مبلغَ المعرفةِ. ثُريدُ خِلقةٌ مُخالفَةً لخلقةِ البهائم
التى لا تصِلُ بخلقَتِها إلى معرفةٍ ذلك . واحتجُوا على أنَّ الفطرةَ الخِلقةُ، والفاطرَ
الخالِقُ، بقولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١].
يعنى: خالِقُهُنَّ. وبقولِه: ﴿وَمَا لَِ لَّ أَعْبُدُ الَّذِى فَطَرَنِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾
[يس: ٢٢]. يعنى: خَلَقنى. وبقولِه: ﴿الَّذِى فَطَرَهُربَ﴾ [الأنبياء: ٥٦]. يعنى:
خَلَقهنَّ. قالوا : فالفطرةُ الخِلقةُ، والفاطرُ الخالقُ. وأنكروا أن يكونَ المولودُ
يُقطَّرُ على كفرٍ أو إيمانٍ، أو معرفةٍ أو إنكارٍ. قالوا: وإنما يولّدُ المولودُ على
السلامةِ فى الأغلَبِ خِلقةٌ وطبعًا وبنيةً ، ليس معها إيمانٌ ولا كفرٌ، ولا إنكار ولا
معرفةٌ، ثم يعتقدون الكفر أو الإیمان بعد البلوغ إذا ميُّزُوا .واحتجوا بقولِه فى
الحديث : ( کما تُنتجُ البهيمةُ بهیمةً جمعاءً)) . یعنی سالمً ، « هل تُحِشُّون فيها
مِن جَدعاءَ؟)). يعنى مقطوعةَ الأَذُنِ ، فمثَّل قلوبَ بنى آدمَ بالبهائم؛ لأنها تُولدُ
كاملةَ الخلقِ ليس فيها نُقصانٌ، ثم تُقطعُ آذانُها بعدُ وأَنوُها، فيقالُ: هذه
بحائز، وهذه سوائب . يقولُ : فكذلك قلوبُ الأطفالِ فی حینٍ ولا دتهم ، لیس
لهم كفرّ حينئذٍ ولا إيمانٌ، ولا معرفةٌ ولا إنكارٌ، كالبهائم السالمةِ ، فلمّا بلَغوا
استَهوَتْهم الشياطينُ، فكفَر أكثرُهم، وعصَم اللهُ أَقلَّهُم. قالوا: ولو كان
الأطفالُ قد فُطِروا على شىءٍ ؛ على الكفرِ أو الإيمانِ فى أوَّليةِ أمرِهم ما انتقلوا عنه
القبس
١٣٦

الموطأ
التمهيد
أبدًا، وقد نجِدُهم يُؤْمِنون ثم يكفُرون. قالوا: ويستحيلُ فى المعقولِ(١) أن
يكونَ الطفلُ فى حينٍ ولادتِه يعقِلُ كفرًا أو إيمانًا؛ لأنَّ اللهَ أخرَجهم فی حالٍ لا
يفقهُون معها شيئًا، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَحَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ لَا
تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨]. فمَن لا يعلَمُ شيئًا استحال منه كفر أو إيمانٌ ، أو
معرفةٌ أو إنكارٌ .
قال أبو عمرَ : هذا القولُ أصحُ ما قيل فى معنى الفطرةِ التى يُولدُ الناسُ عليها
واللهُ أعلمُ؛ وذلك أنَّ الفطرةَ السلامةُ والاستقامةُ ، بدليلٍ حديث عياضٍ بنِ
حمارٍ، عن النبيِّ وَّهِ حاكيًا عن ربِّه عزَّ وجلَّ: ((إِنِّى خلَقتُ عبادِى حنفاءَ)).
(٢)
يعنى : على استقامةٍ وسلامةٍ، والحنيفُ فى كلامِ العربِ المستقيمُ السالمُ،
وإنما قيل للأعرج: أحنفُ. على جهةِ الفألِ، كما قيل للقفرِ: مفازةٌ . فكأنه،
واللهُ أعلم، أراد الذين خلَصوا من الآفاتِ كُلُّها والزِّياداتِ، ومِن المعاصى
والطاعاتِ ، فلا طاعةً منهم ولا معصيةً ؛ إذ لم يعملوا) بواحدةٍ منهما ، ألا ترى
إلى قولِ موسى فى الغلامِ الذى قتله الخضِرُ: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةٌ﴾ [الكهف:
٧٤]. لما كان عندَه مِمن لم يبلُغ العملَ فيكسِبَ الذنوبَ. ومِن الحجّةِ أيضًا فى
هذا قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦، التحريم: ٧].
القبس
(١) فى ص ١٦: ((العقول)).
(٢) سيأتى تخريجه ص ١٣٩ - ١٤١ .
(٣) فى ص ١٦: ((يعلموا)).
(٤) بعده فى ص ١٦: ((بلا نفس)).
١٣٧

الموطأ
التمهید
و: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨]. ومن لم يبلّغْ وقتَ العملِ لم يُرْتَهَنْ
بشىءٍ . وقال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَقَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].
ولمَّا أجمَعوا على دفعِ القَوَدِ والقِصاصِ والحدودِ والآثامِ عنهم فى دارِ الدنيا ،
كانت الآخرةُ أولَى بذلك، واللهُ أعلمُ .
وأمَّا قولُه وَهِ: ((كما تُناتَجُ الإبلُ مِن بهيمةٍ جَمعاءَ، هل تُحِسُّ مِن
جَدعاءَ؟)). فالبهيمةُ الجَمعاءُ: المجتمعةُ الخَلقِ، التامَّةُ غيرُ الناقصةِ،
الصحيحةُ غيرُ السقيمةِ ، ليس فيها قَطعُ أُذُنٍ ولا شَقُّها ، ولا نقَص شىءٌ منها .
يقولُ : فهل ترى فيها جَدعاءَ؟ يقولُ: هل تُحِسُّ مِن جَدْعٍ أو نقصانٍ حينَ تُنْتَجُ
لتمامِ؟ يقولُ: ثم الجَدْعُ والآفاتُ تدخُلُها بعدَ ذلك، فكذلك المولودُ يُولدُ
سالمًا، ثم يحدُثُ فيه بعدُ الكُفرُ والإيمانُ .
وقال آخرون : الفطرةُ ههنا الإسلامُ. قالوا: وهو المعروفُ عندَ عامةٍ
السلفِ مِن أهلِ العلم بالتأويلِ ، قد أجمَعوا فى قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ
الَّتِ فَطَرَ النَّاسَ عَلَيَهَا﴾ [الروم: ٣٠]. على أنْ قالوا: فطرةُ اللهِ دينُ اللهِ الإسلامُ.
واحتجوا بقولٍ أبى هريرةَ فى هذا الحديثِ: اقرءُوا إن شئتُم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَِّىِ
فَطَرَ النَّاسَ عَلَهَا﴾. وذكّروا عن عكرمةً، ومجاهدٍ، والحسنٍ، وإبراهيم،
والضحاكِ، وقتادةَ، فى قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِىِ فَطَرَ النَّاسَ
عَلَيْهَا﴾. قالوا: دينُ اللهِ الإسلامُ. ﴿لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اُللَّهِ﴾. قالوا: لدينِ اللهِ(١).
القبس
(١) ينظر تفسير عبد الرزاق ٢/ ١٠٢، ١٠٣، وتفسير ابن جرير ٤٩٣/١٨ - ٤٩٦، والدر المنثور
٥٩٩/١١، ٠٦٠٠
١٣٨

الموطأ
واحتجوا بحديثٍ محمدِ بنِ إسحاقَ، عن ثورِ بنِ يزيدَ ، عن يحيى بنِ جابرٍ، عن التمهيد
عبد الرحمنِ بنِ عائذٍ الأزدِىِّ، عن عياضٍ بنِ حمارِ المُجاشِعِيِّ، أنَّ رسولَ اللهِ
وَلِ﴿وقال للناسِ يومًا: ((ألا أُحدِّثُكم بما حدَّثنى اللهُ فى الكتابِ؛ إنَّ اللهَ خَلَقَ آدمَ
وبنیه حنفاءً مسلمین» الحدیث بطوله. و کذلك روی بکرُ بنُ مهاجرٍ، عن
ثورِ بنِ يزيدَ، بإسنادِه فى هذا الحديث: ((حنفاءَ مسلمين)).
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدّثنا
عبيدُ بنُ عبدِ الواحدِ، قال: حدِّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أيوبَ، قال: حدّثنا
إبراهیمُ بنُ سعدٍ ، عن محمد بنِإسحاق ، عن ثورِ بنِ یزید ، عن یحیی بن جابٍ ،
عن عبد الرحمنِ بنِ عائذٍ الأزْدىِّ - وكان عبدُ الرحمنِ مِن حملةِ العلمِ ، يطلُه
مِن أصحاب النبىِ آلټ وأصحاب أصحابِه - أنه حدثه عن عیاضٍ بن حمارٍ
المُجاشِعِيِّ، أنَّ رسولَ اللهِ وَ ﴿ه قال للناسِ يومًا: ((ألا أَحدِّثُكم بما حدَّثنى اللهُ
فى الكتابِ ؛ إِنَّ اللهَ خَلَقَ آدمَ وبنيه حنفاءَ مسلمين، وأعطاهم المالَ حلالًا لا
حرامَ فيه ، فجعَلوا مما أعطاهُم اللهُ حلالًا وحرامًا)). وذكر الحديثَ بتمامِه (١).
قال أبو عمرَ: روَى هذا الحديثَ قتادةُ، عن مُطرّفٍ بنِ عبدِ اللهِ بنِ
الشِّخِّيرِ، عن عياضٍ بن حمارٍ(١) . ولم يسمَعه قتادةُ مِن مُطرّفٍ؛ لأنَّ همامَ بنَ
يحيى روَى عن قتادةَ قال: لم أُسمَعْه مِن مُطرّفٍ، ولكن حدَّثنى ثلاثةٌ ؛ عقبةُ بنُ
القبس
(١) أخرجه الطحاوى فى شرح المشكل (٣٨٧٨)، والطيرانى ٣٦٣/١٧ (٩٩٧)، وابن عساكر
٤٥١/٣٤ من طريق ابن إسحاق به .
(٢) سيأتى تخريجه ص ١٤٠، ١٤١.
١٣٩

الموطأ
التمهيد عبدِ الغافرِ، ويزيدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ الشِّخِّيرِ، والعلاءُ بنُ زيادٍ ، كلُّهم يقولُ:
حدَّثنى مُطرّفُ بنُ الشّخِّيرِ، عن عياضٍ بنِ حمارٍ، عن النبيِّ وَلِّ بهذا
الحديث، قال فيه: ((وإنى خلَقتُ عبادِى حُنفاءَ كلَّهم)) (١). لم يقُلْ:
(( مسلمين)).
وكذلك رواه عوفٌ الأعرابيُ، عن حكيم الأثرمِ، عن الحسنِ، عن
مُطرّفٍ، أنَّ عياضَ بنَ حمارٍ حدَّثه عن رسولِ اللهِ وَ ل ◌َرِ. فذكَر هذا الحديثَ ،
وقال فيه: ((إنى خلَقتُ عبادي حنفاءَ كلَّهم ، فأَتَتَّهم الشياطينُ فاجتالتهم عن
دينِهم)) (١). ولم يقُلْ: ((مسلمين)). وإنما قال: ((حنفاءَ)). فقط.
وقد روَى هذا الحديثَ محمدُ بنُ إسحاقَ، عمن لا يُتَّهِمُ عندَه ، عن قتادةَ ،
عن مُطرّفٍ، عن عياضٍ بنِ حمارٍ، عن النبيِّ نَّهفقال فيه: ((أَلَا وإِنِّى خلَقتُ
عبادِى حُنفاءَ كلَّهم)). وساق الحديثَ. فدلَّ هذا على حفظِ محمدِ بنٍ
إسحاق وإتقانه وضبطه؛ لأنَّه ذكّر ((مسلمین)) فی روايته عن ثورِ بنِ یزید
لهذا الحديث، وأسقطه مِن رواية قتادةَ، وكذلك رواه شعبةُ (١)، وهشام(4)،
القبس
(١) أخرجه أحمد ٢٨٣/٣٠ (١٨٣٤٠)، والبزار (٣٤٩٠، ٣٤٩١)، والطحاوى فى شرح
المشكل (٣٨٧٧)، والطبرانى ٣٦٠/١٧ (٩٩٢، ٩٩٣) من طريق همام به .
(٢) أخرجه أحمد ٢٨٢/٣٠ (١٨٣٣٩)، والنسائى فى الكبرى (٨٠٧١) من طريق عوف الأعرابى
به .
(٣) أخرجه مسلم (٢٨٦٥) من طريق شعبة به.
(٤) أخرجه أحمد ٣٢/٢٩ (١٧٤٨٤)، ومسلم (٢٨٦٥) من طريق هشام به .
١٤٠