Indexed OCR Text
Pages 541-560
الموطأ
هذا قد مات فى قصرِه بالعَقيقِ على رأسٍ (١) عشَرةٍ أميالٍ من المدينةِ، فحُمِل إلى التمهيد
المدینة علی رقاب الرجالِ ودُفن بالتقیع. وقد ذكرنا خبره فى بابه من کتابٍ
((الصحابةِ))". و کان سعدُ بنُ أبى وقاصٍ وسعیدُ بنُ زيدٍ قد عَهِدا أن يُحمَلا مِن
العَقيقِ إلى البقيع مَقْبرةِ المدينةِ فيُدفَنا بها(١) . وذلك، واللَّهُ أعلمُ ، لفضلٍ عَلِموه
هناك، فإِنَّ فَضلَ المدينةِ غيرُ مَنكُورٍ ولا مَجهولٍ، ولو لم يكنْ إلَّا() مجاورةُ
الصَّالحين والفُضلاءِ من الشُّهداءِ وغيرِهم . وليس هذا مما اجتمَعِ عليه العلماءُ،
ألا ترى أن مالكًا ذكَر عن هشام بن عروةَ، عن أبيه أنه قال: ما أُحِبُّ أن أُدفنَ
بالبقيع، لأَن أَدْفَنَ فى غيرِه أحبُّ إلىَّ (°). ثم بيَّن العِلةَ مخافةَ أن تُنْبَشَ له عِظامُ
رجلٍ صالحٍ، أو يجاوٍرَ فاجرًا. وهذا يستَوِى فيه البقيعُ وغيرُه، ولو كان له
فَضلٌ عندَه لأحبُّه. واللَّهُ أعلمُ. وقد يستَحسِنُ الإنسانُ أن يُدفَنَ بموضعٍ
قرابتِه وإخوانِه وجيرانِه ، لا لفَضلٍ ولا لدرجةٍ، وقد كان عمرُ رضِى اللَّهُ عنه
يقولُ: اللهم إنِّى أسألُكَ الشَّهادةَ فى سبيلِك، ووَفاةً ببلدٍ رسولِك(١). وهذا
يَحتمِلُ الوجهين ؛ مذهبَ سعدٍ وسعيدٍ ، ومذهبَ عروةَ ، والأظهرُ فيه تفضيلُ
البلدِ() . واللَّهُ أعلمُ.
القبس
(١) ليس فى: الأصل، ص٢٧، م.
(٢) الاستيعاب ٦٠٦/٢.
(٣) سيأتى فى الموطأ (٥٥١).
(٤) بعده فى ص ١٧: ((غير)).
(٥) سيأتى فى الموطأ (٥٥٢).
(٦) سيأتى فى الموطأ (١٠١٣).
(٧) فى ص ١٧: ((البلدة)).
٥٤١
الموطأ
التمهید
وقد احتَجَّ قومٌ بهذا الحديثِ فى إثباتٍ عَملِ المدينةِ ، وأن العملَ أَوْلَى مِن
الحديثِ عندَهم؛ لأنَّهم أنكروا على عائشةَ ما روَته لِما اسْتَفاض عندَهم .
واحتَجَّ آخَرون بهذا الخبرِ فى دَفْعِ الاحتجاجِ بالعملِ بالمدينةِ ، وقالوا : كيف
يُحتَجُّ بعملٍ قومٍ تُجْهَلُ السُّنةُ بينَ أظهُرِهم، وتَعجَبُ أمُّ المؤمنين مِن نِشْيانِهم
لها، أو جَهْلِهم وإنكارِهم لِما قد صنَعه رسولُ اللهِ وَلّهِ وَسَنَّه فيها، وصنَعه
الخلفاء الراشدون وجِلَّةُ الصحابةِ بعدَه، وقد صُلِّى على أبى بكرٍ وعمرَ فى
المسجد ) . قالوا : فکیف یصِمُ مع هذا ادعاءُ عملٍ ؟ أو كيف يسوعُ الاحتجائُ
به؟ وكثيرٌ ما كان يُصنَعُ عندَهم مثلُ هذا حتى يُخبرَهم (١) الواحدُ بما عنده فی
ذلك فينصرِفوا إليه. وقالوا: ألا ترَى أن عائشةً أمّ المؤمنين لم تَرَإنكارهم حجةً ،
وإنما رأتِ الحجّةَ فيما عَلِمَتْه مِن السُّنةِ ؟
قال أبو عمرَ : القولُ فى هذا البابِ ینَّسئُ، وقد أكثَر فیه المُخالِفون ، ولیس
هذا موضعَ تلخيصٍ محجّتهم، وللقولِ فى ذلك موضعٌ غيرُ هذا .
وأما اختلافُ الفقهاءِ فى الصلاةِ على الجنائزِ فى المسجدِ، فروَى ابنُ
القاسم، عن مالك، أنه قال : لا يُصلَّى على الجنائزِ فى المسجدِ ، ولا يُدخَلُ بها
المسجدُ. قال: وإن صُلِّىَ عليها عندَ بابِ المسجدِ وتضايَقَ الناسُ وتَزاحَموا،
القبس
(١) ينظر مصنف عبد الرزاق (٦٥٧٦، ٦٥٧٧)، ومصنف ابن أبى شيبة ٣/ ٣٦٤، وشرح معانى
الآثار ١/ ٤٩٢. وينظر ما سيأتى فى الموطأ (٥٤٣).
(٢) فى الأصل، م: ((يخبره).
(٣) فى ص١٧، م: ((حججهم)) .
٥٤٢
الموطأ
التمهید
فلا بأس أن یکون بعضُ الصفوفِ فى المسجد . وقد قال فی کتابٍ الاعتكافِ
من ((المدونةِ)) (١) فى صلاةِ المُعتكفِ على الجنازةِ فى المسجدِ ما يدُلُّ على أنَّه
معروفٌ عنده ) الصلاةُ على الجنازةِ فی المسجدِ . قال ابنُ نافع : قال مالكٌ فی
المعتكفِ : وإن انتهى إليه زحامُ الناسِ الذين يُصلّون على الجنازةِ وهو فى
المسجدِ ، فإنه لا يُصلِّى عليها. وهو قولُ أبى حنيفةً، ومحمدِ بنِ الحسنِ ، أنه
لا يُصلَّى على الجنائزِ فى المسجدِ. وأجاز ذلك أبو يوسفَ . وقال الشافعىُّ
وأصحابُه، وأحمدُ بنُ حنبلٍ ، وإسحاقُ ، وأبو ثورٍ ، وداودُ : لا بأسَ أن يُصلَّى
على الجنائزِ فى المسجدِ مِن ضِيقٍ وغيرِ ضِيقٍ على كلٌّ حالٍ . وهو قولُ عامَّةِ أهلِ
الحديثِ. واحتَبُوا بأنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ صلَّى على ابنى بيضاءَ فى المسجدِ ،
وأن أبا بكرٍ صُلِّى عليه فى المسجدِ ، وأن عمرَ صُلِّى عليه فى المسجدِ . ومِن
حُجَّةٍ داودَ فى ذلك أن اللَّهَ لم يَنْهَ عن ذلك ولا رسولُه، ولا اتَّفَق الجميعُ علیه،
والأصلُ إباحةُ فِعْلِ الخيرِ فى كلِّ موضعٍ، إلا مَوْضِعٌ تقومُ بالمَنعِ مِن ذلك فیه
حجةٌ لا مُعارِضَ لها. وحَّةُ مَن قال بقولِ مالكٍ أن النبيَّ وَ لِّ لم يُحفَظْ عنه أنه
صلَّى على غيرِ اثْنَى (٢) البيضاءِ فى المسجدِ، وأن إنكارَ مَن أنكره على عائشةً لا
يكونُ إلا لأُصلِ عندَهم؛ لأنَّهم يستَحيلُ عليهم(٤) أن يَرَوْا رأْتَهم حجةٌ عليها .
القبس
(١) ينظر المدونة ٢٢٩/١.
(٢) سقط من: ص ١٧، وفى م: ((عندهم) .
(٣) فى الأصل، ص ٢٧، م: ((ابن).
(٤) فى ص ١٧: ((عندهم)) .
٥٤٣
الموطأ
التمهید
واحتَبُجُوا مِن الأثرِ بما حدَّثناه عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ
بكرٍ ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، وحدثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا
قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمادٍ ، قالا: حدَّثنا مسدَّدٌ، قال: حدَّثنا
يحيى، عن ابنٍ أبى ذئبٍ، قال: حدَّثنى صالحٌ مولَى التوءَّمَةِ ، عن أبى هريرةَ
قال: قال رسولُ وَّهِ: ((مَن صلَّى على جِنازةٍ فى المسجدِ فلا شىءَ له)) ".
وحدّثنا أحمدُ بنُ قاسم بنِ عیسی، قال: حدّثنا ◌ُبیدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ
حَبابَةً ، قال: حدَّثنا التَغوىُّ، قال: حدَّثنا علىُّ بنُ الجَعْدِ ، قال: أخبرنا ابنُ أبى
ذئبٍ، عن صالحِ مَولى التوَمَةِ، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّي وٍَّ قال: ((من صلَّى
علی چنازة فى المسجدِ فلا شىء له))(٣).
قال البغوى(٢) : وقد روى هذا الحدیث سفيان الثورىُّ ، عن ابنِ أُبی ذئپٍ ،
حدَّثنى به أحمدُ بنُ محمدِ القاضى ، حدَّثنا أبو حذيفةَ ، حدَّثنا سفيانُ ، عن ابنِ
أبى ذئبٍ، عن صالح، عن أبى هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ وَلِهِ: ((مَن صلَّى
علی جنازةٍ فی المسجدِ فليس له أجرٌ)).
القبس
(١) أبو داود (٣١٩١). وأخرجه ابن شاهين فى ناسخه (٣٤٧)، وابن الجوزى فى العلل ٤١٤/١
(٦٩٦) من طريق يحيى القطان به، وأخرجه أحمد ٤٥٤/١٥ (٩٧٣٠)، وابن ماجه (١٥١٧) من
طریق ابن أبی ذئب به .
(٢) البغوى فى الجعديات (٢٧٦٣) - ومن طريقه البغوى فى شرح السنة (١٤٩٣) - وأخرجه ابن حبان
فى المجروحين ٣٦٦/١، وابن عدى ١٣٧٤/٤، وابن الجوزى فى العلل ٤١٤/١ (٦٩٦) من طريق ابن
الجعد به .
(٣) البغوى فى الجعديات (٢٧٦٤).
٥٤٤
الموطأ
واحتَجَّ مَن ذهَب مذهبَ مالكِ بحديثٍ صالح مَوْلى التَّوءَمةِ هذا، مع ما التمهيد
ذكرنا من إنكارٍ مَن أنكر ذلك على عائشةً .
وقال الآخرون : أما روايةُ أبي حذيفةَ عن الثورىِّ لهذا الحديثِ ، وقولُه فيه :
((فليس له أجرٌ)). فخطأً لا إشكالَ فيه، ولم يَقُلْ أحدٌ فى هذا الحديثِ ما قاله
أبو حذيفةً. قالوا : والصحیح فى هذا الحدیث ما قاله یحیی القطّانُ ()، وسائر
رواةِ هذا الحديثِ عن ابنِ أبى ذئبٍ بإسنادِه، عن النبيِّ ◌َّله، وذلك قولُه: ((مَن
صلَّى على جنازةٍ فى المسجدِ فلا شىءَ له)). هذا هو الصحيحُ فى هذا
الحديثِ. قالوا: ومعنى قوله: ((لا شىءَله)). يريدُ: لا شىءَ عليه. قالوا: وهذا
فصيحُ(١) معروفٌ فى لسانِ العربِ، قال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ
لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأَتُّ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]. بمعنى: فعليها، ومثلُه كثيرٌ. قالوا:
وصالح مولى التَّوَمَةِ، مِن أهلِ العلم بالحديثِ مَن لا يَقْبلُ شيئًا مِن حديثه
لضعفِه، ومنهم مَن يَقبلُ مِن حديثه ما رواه ابنُ أبي ذئبٍ عنه خاصَّةً ؛ لأنَّه سمِع
منه قبلَ الاختلاط ، ولا خلاف أنه اختلط فکان لا يَضِطُ ولا يَعرِفُ ما یأتی به،
ومثلُ(١) هذا ليس بحجةٍ فيما انفَرَد به ، وليس يُعرَفُ هذا الحديثُ مِن غيرٍ روايته
البنَّةَ ، فإن صحَّ فمعناه ما ذكرنا . وباللهِ توفیقُنا .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا
القبس ..
(١) بعده فى ص١٧، ص ٢٧: ((مع ثقته وحفظه وأمانته)).
(٢) سقط من: ص ١٧، وفى م: ((صحيح) .
(٣) بعده فى الأصل: (ما يأتى به ومثل)).
٥٤٥
( موسوعة شروح الموطأ ٣٥/٧ )
الموطأ
أحمدُ بنُّ زهيرٍ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ عَرْعَرةَ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةً
التمهيد
قال: لَقِينا صالحًا مولى الثَّوءَمةِ وهو مختَلِطٌ (١).
قال أبو عمر : حدیثُ عائشةً صحیح، نقله الثِّقاتُ مِن وجھین صحیحین ،
وحديثُ أبى هريرةَ انفَردَ به صالحُ بنُ أبى صالح مولى التَّوَمةِ، وليس بحجةٍ
لضعفِه، ولو صحَّ حديثُه لم يكنْ فيه حجّةٌ؛ للتأويلِ الذى ذكَرْنا، وعلى هذا
التأويلِ لا يَكونُ مُعارِضًا لحديثِ عائشةَ، وهو أَوْلى ما حُمِلَت عليه
الأحاديثُ ؛ "لئلّا تَتعارضَ وتَتَضائ٢ً). ويَدُلُّ على صحةٍ ذلك أن أبا بكرٍ صلَّى
عليه عمرُ فى المسجدِ، وصلَّى صُهَيْبٌ على عمرَ فى المسجدِ (١) بمَحضَرٍ جِلَّةٍ
الصَّحابةِ مِن غيرِ نَكيرٍ منهم ، وليس مَن أنكر ذلك بعدَهم بحجّةٍ عليهم ، فصار
بما ذكَوْنا(٤) سُنَّةٌ يُعمَلُ بها قديمًا، فلا يجوزُ مخالفتُها. وباللَّهِ التوفيقُ.
قال أبو عمرَ: احْتَجَّ بعضُ مَن لا يَرَى الصلاةَ فى المسجدِ على الجنائزِ مِن
أصحابِنا بحديثٍ سعيدِ بنِ المسيَّبِ، عن أبى هريرةَ، أن رسولَ اللهِ وَلَه خرَج
بالناسِ إلى المُصَلَّى حينَ صلَّى على النَّجاشىّ(®) . قال: فالخروج بالجنازةِ إلى
الجبانةِ(١) أخْرَى بذلك، ولا يُصَلَّى عليها فى المسجدِ . قال: وإنما صُلِّى على
القبس
(١) أخرجه ابن أبى حاتم فى الجرح ٤١٧/٤ عن أحمد بن زهير به.
(٢ - ٢) سقط من: ص١٧، ص ٢٧، وأثبتها محقق المطبوعة: ((التى جاءت معارضةٍ له)).
(٣) أخرجه ابن سعد ٣٦٨/٣.
(٤) فى م: ((ذكر هنا)).
(٥) تقدم فى الموطأ (٥٣٤).
(٦) فى ص ١٧، م: «الجنازة)).
٥٤٦
الموطأ
٥٤٣ ۔ وحدَّثنی عن مالك ، عن نافعٍ، عن عبد الله بن عمر ، أنه
قال : صُلِّى على عمرَ بنِ الخطابِ فى المسجدِ .
التمهید
أبى بكرٍ وعمرَ فى المسجدِ لأنهما دُفِنا فيه. وهذا لا يَلزَمُ إلا لمن قال: لا يُصَلَّى
على الجنائزِ إلا فى المسجدِ . ولم يَقُلْه أحدٌ. وأما مَن قال: يُصَلَّى عليها فى
المسجدِ وفى غيرِ المسجدِ . فغيرُ لازمٍ له ما ذكَر مَن ذكَرْنا قولَه. وقد مضى
القولُ فى هذا المعنى فى بابِ ابنِ شهابٍ مِن هذا الكتابِ (١). والحمدُ للهِ.
وإن أَوْلَى الناسِ بإجازةِ الصلاةِ فى المسجدِ على الجنازةِ مَن زعم أن الثوبَ
الذى يُجفَّفُ فيه الميتُ ويُغْسَلُ طاهرٌ يَستَغنى عن الغَسلِ.
الاستذكار
مالك ، عن نافع، عن ابن عمر ، أنه قال : صلّی علی عمر بن الخطاب فى
(٢)
المسجدِ() .
سُئل أحمدُ بنُ حنبلٍ - وهو إمام أهلِ الحديثِ والمقدَّمُ فى معرفةٍ عللِ النقلِ
فيه - عن الصلاة على الجنازةِ فى المسجدِ، فقال: لا بأسَ بذلك. وقال
بجوازِه . قيل له : فحديثُ أبى هريرةَ ؟ فقال: لا يثبتُ . أو قال: حتى يثبتَ . ثم
قال : رواه صالح مولى التَّوءَمَةِ ، وليس بشىءٍ فيما انفرد به .
القبس
(١) تقدم ص٤٨٦، و٥٤٢ وما بعدها.
(٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٣١٤)، وبرواية يحيى بن بكير (١٣/٧ و - مخطوط)، وبرواية
أبى مصعب (١٠١٩). وأخرجه عبد الرزاق (٦٥٧٧)، وابن سعد ٣٦٨/٣، وابن أبى شيبة ٣٦٤/٣،
وابن المنذر (٣١١٣)، والطحاوى فى شرح المعانى ٤٩٢/١ من طريق مالك به .
٥٤٧
الموطأ
. فقد صحَّح أحمدُ بنُّ حنبل السنةَ فى الصلاةِ على الجنائزِ فى المسجدِ وقال
الاستذكار
بذلك. وهو قولُ الشافعىِّ وجمهورِ أهلِ العلمِ، وهى السنةُ المعمولُ بها فى
الخليفتَين بعدَ رسولِ اللهِ وَ له؛ صلَّى عمرُ على أبى بكر الصديقِ فى المسجدِ ،
وصلَّى صهيبٌ على عمرَ فى المسجدِ بمحضَرِ كبارِ الصحابةِ وصدرِ السلفِ مِن
غيرِ نَكيرٍ، وما أعلمُ مَن يكرّهُ ذلك إلا ابنَ أبى ذئبٍ . ورُوِيت كراهيةُ ذلك عن
ابنِ عباسٍ مِن وجوهٍ لا تصحُ ولا تثبُتُ ، وبعضُ أصحابِ مالكِ رواه عن مالكٍ .
وقد رُوِى عنه جوازُ ذلك مِن روايةِ أهلِ المدينةِ وغيرِهم. وقد قال فى المعتكِفِ :
لا يخرُجُ إلى جِنازةٍ، فإِن اتَّصَلت الصفوفُ به فى المسجدِ ، فلا يصلِّى عليها مع
الناسِ . وقال عبدُ الملكِ بنُ حبيبٍ: إذا كان مُصلَّى الجنائزِ قريبًا مِن المسجدِ ،
أو لاصقًا به - مثلَ مُصلَّى الجنائزِ بالمدينةِ ، فإنه لاصقٌ بالمسجدِ مِن ناحيةٍ
الشرقٍ - فلا بأسَ أن توضعَ الجِنازةُ فى المُصلَّى خارجًا مِن المسجدِ ، وتُمددَ
الصفوفُ بالناسِ فى المسجدِ ، كذا قال مالكٌ. قال: وقال مالكٌ: لا يُعجبنى أن
يُصلَّى على أحدٍ فى المسجدِ . قال مالكٌ: ولو فعل ذلك فاعلٌ ما كان ضيقًا ولا
مكروهًا؛ فقد صلَّى رسولُ اللهِ وَ لِّ على سهيلٍ ابنٍ بيضاءَ فى المسجدِ، وصلَّى
عمرُ على أبى بكرٍ فى المسجدِ ، وصلَّى صهيبٌ على عمرَ فى المسجدِ .
وكذلك قال عبدُ الملكِ ومُطرّفٌ .
وذكر أبو بكرِ بنُ أبى شيبةً(١)، قال: حدَّثنا حفصُ بنُ غِيَاتٍ ، عن هشامِ بنِ
عروةَ، عن أبيه، قال: ما صُلِّى على أبى بكرٍ إلا فى المسجدِ .
القبس
(١) ابن أبى شيبة ٣٦٤/٣.
٥٤٨
الموطأ
جامعُ الصلاةِ على الجنائزِ
٥٤٤ - وحدَّثنى يحيى، عن مالكِ، أنه بلغه أن عثمانَ بنَ عفانَ ،
وعبدَ اللهِ بنَ عمرَ، وأبا هريرةَ ، كانوا يصلُّون على الجنائزِ بالمدينةِ ،
الرجالِ والنساءِ، فيجعلون الرجالَ مما يلى الإمامَ ، والنساءَ مما يلى
القبلةَ.
قال(١) : وحدَّثنا وكيع، عن كثيرِ بنِ زيدٍ، عن المطلبِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الاستذكار
خَنْطَبٍ، قال: صُلِّى على أبى بكرٍ وعمرَ تُجاهَ المنبرِ .
قال(١): وحدَّثنا يونسُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا فُلِيحُ بنُ سليمانَ، عن
صالحٍ بن عجلانَ ، عن عبادِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الزبيرِ ، عن عائشةَ، قالت : واللهِ ما
صلَّى رسولُ اللهِ وَله على سهيلٍ ابنٍ بيضاءَ إلا فى المسجدِ .
وذكر عبدُ الرزاقِ (١) ، عن معمرٍ والثورىٌّ، عن هشام بن عروةَ ، قال : رأى
أبى الناسَ يخرجون مِن المسجدِ ليصلُّوا على جِنازةٍ ، فقال: ما يصنعُ هؤلاءٍ؟ ما
صُلِّى على أبى بكرٍ إلا فى المسجدِ .
بابُ جامعِ الصلاةِ على الجنائزِ
مالكٌ ، أنه بلغه أن عثمانَ بنَ عفانَ ، وعبدَ اللهِ بنَ عمرَ، وأبا هريرةَ ، كانوا
يصلُّون على الجنائزِ بالمدينةِ ، الرجال والنساءٍ، فيجعلون الرجالَ مما يلى
القبس
(١) ابن أبى شيبة ٣٦٤/٣.
(٢) عبد الرزاق (٦٥٧٦).
٥٤٩
الموطأ
الاستذكار الإمامَ، والنساءَ مما يلى القبلةَ (١).
هكذا روَى هذا الحديثَ يحيى بنُ يحيى وأكثرُ الرواةِ ((للموطأُ))، ورَوته
طائفةٌ مِن رواةِ((الموطأُ)) عن مالكِ، عن ابنٍ شهابٍ ، أنه بلَغه أن عثمانَ بنَ عفانَ
مثلَه إلى آخرِه سواءً. وذكَر الدارقطنىُ أن محمدَ بنَ مخلدٍ رواه عن أحمدَ بنِ
إسماعيلَ المدينىّ، عن مالكِ ، عن ابنِ شهابٍ ، عن أنس ، أن عثمانَ بنَ عفانَ ،
وعبدَ اللهِ بنَ عمرَ، وأبا هريرةَ، كانوا يصلُّون. فذكره إلى آخرِه سواءً، وهو
عندى وهمّ ، واللهُ أعلمُ، والصحيحُ عن مالكٍ ما فى ((الموطأً)).
قال أبو عمرَ: على ما ذكّره مالكٌ، عن عثمانَ ، وابنِ عمرَ ، وأبى هريرةَ ،
أكثرُ العلماءِ فى وضع الرجالِ يَلُون الإمامَ()، والنساءِ أمامهم . ژُوِی ذلك عن
عثمانَ، ("وعلىّ"، وأبى هريرةَ، وابنِ عمرَ، مِن وجوهٍ، ورُوِى ذلك أيضًا عن
أبي قتادةَ الأنصارىِّ، وزيدِ بنِ ثابتٍ، وأبى سعيد الخدرىِّ، وواثلةَ بنِ الأسقع،
والحسنٍ، والحسينِ، وعن الشعبىِّ، وإبراهيمَ النخَعيِّ، وسعيدِ بنِ المسئِّبِ ،
والزهرىِّ، واختُلف فى ذلك عن عطاءٍ، كلُّ ذلك مِن كتابٍ ((عبدِ الرزاقِ))
و((أبى بكرِ بنِ أبى شيبةَ))، مِن طرقٍ شتَّى حسانٍ كلِّها(٤).
وذكر عبدُ الرزاقِ (١)، عن ابن جريجٍ، عن نافعٍ، أن ابنَ عمرَ صلَّى كذلك
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٣/٧ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٩٦٨).
(٢) فى النسخ: ((النساء)). والمثبت يقتضيه السياق وتدل عليه الآثار التالية .
(٣ - ٣) ليس فى: الأصل، م.
(٤) عبد الرزاق (٦٣٢٨ - ٦٣٤٣)، وابن أبى شيبة ٣١٤/٣، ٣١٥.
(٥) عبد الرزاق (٦٣٣٧) .
٥٥٠
الموطأ
٠
على جنازةٍ فيها ابنُ عباسٍ، وأبو هريرةَ، وأبو سعيد الخدرىُّ، وأبو قتادةَ، الاستذكار
والإِمامُ يومَئذٍ سعيدُ بنُ العاصى، فسألهم عن ذلك، أو أمَر مَن سألهم، فقالوا :
هی السنةُ .
وفى المسألة قولٌ ثانٍ؛ ذكَر عبدُ الرزاقِ (١) ، عن معمرٍ، عن رجلٍ، عن
الحسن، قال : الرجالُ يُلُون القبلةَ، والنساءُ يَلُون الإمامَ .
وذكر أبو بكرٍ(٢)، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ رجاءٍ، عن عبيدِ اللهِ بنِ
عمرَ، عن سالم والقاسم، قالا: النساءُ مما يلى الإمامَ، والرجالُ مما يلى
القبلةَ .
قال(٢): وحدَّثنا ابنُ عُلَيَةَ، عن ليثٍ، عن عطاءٍ، قال: الرجالُ بينَ يدَى
النساءِ .
وعن مسلمةَ بنِ مخلَدٍ أنه كان يصلِّى بمصرَ على الجنائزِ كذلك().
وفيها قولٌ ثالثٌ؛ عن عبدِ اللهِ بنِ مُعقَّلٍ(٤) ومحمدِ بنِ سيرينَ، قالا : يُصلَّى
على الرجال - أو الرجلِ - على حِدَةٍ، وعلى النساءِ - أو المرأةِ - على حِدَةٍ (١).
قال أبو بكرٍ(٢) : وحدَّثنا ابنُ عُلَيَّةً، عن أيوبَ ، عن ابنٍ سيرينَ، أنه قال
القبس
(١) عبد الرزاق (٦٣٤١).
(٢) ابن أبى شيبة ٣١٥/٣.
(٣) ابن أبى شيبة ٣١٦/٣.
(٤) فى الأصل، م: ((معقل)).
٥٥١
الموطأ
الاستذكار فى جنائزِ الرجال والنساءِ: إِنَّ أبا الأسودِ (١) لما اختلفوا عليه صلَّى على هؤلاء
ضربةً، وصلَّى على هؤلاء ضربةً .
قال أبو عمرَ : القولُ الأولُ أولى ؛ لِما فيه مِن الصحابةِ ، وقد قالوا : إنها
السنةُ. وعليها جماعةُ الفقهاءِ.
وأما أين يقومُ الإمامُ مِن الرجل إذا صلَّى عليه ومِن المرأةِ ، فالاختيارُ عندى
أن يقومَ منهما وسطًا .
وقد اختلفتِ الآثارُ المرفوعةُ فى ذلك، واختلف فيه السلفُ ؛ فروَى ابنُ
المبارك ، عن حسينٍ المعلمِ، عن عبدِ اللهِ بنِ بريدةَ، عن سَمُّرةَ بنِ جُنْدُبٍ ، أن
النبىَّ وَّهِ قام على امرأةٍ، فقام وسطَها(٢) .
وروی و کیٹٌ ، عن همامٍ ، عن غالب - أو ایی غالبٍ - عن أنسٍ ، أنه ◌ُتی
بجِنازةِ رجلٍ ، فقام عندَ رأسِ السَّريرِ، وأتى بجنازةِ امرأةٍ ، فقام أسفلَ مِن ذلك
عندَ الصدرِ، فقال العلاءُ بنُّ زيادٍ: يا أبا حمزةَ، هكذا رأيتَ رسولَ اللهِ وَه
يصنعُ؟ قال: نعم. فأقبَل علينا العلاءُ فقال: احفَظوا(١).
وقال حميدٌ الطويلُ، عن يزيد بن أبى منصورٍ ، قال : قلتُ لأبى رافعٍ : أين
القبس
(١) فى النسخ: ((السوار)). والمثبت من مصدر التخريج.
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٣١٢/٣ عن ابن المبارك به .
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٣١٢/٣، وأحمد ٢١٩/١٩ (١٢١٨٠) من طريق وكيع به.
٥٥٢
: الموطأ
أقومُ مِن الجِنازةِ؟ قال: وسطَها (١) . قال حميدٌ: وصليتُ وراءَ الحسن ما لا الاستذكار
أُحصِى على الرجالِ والنساءِ، فما رأيتُه يبالى أين قام منها(١).
وقال الشعبىُّ: يقومُ الذى يصلِّى على الجِنازةِ عندَ صدرِها(١) . وهشام بنُ
حسانَ ، عن الحسنِ ، قال: يُقامُ مِن المرأةِ بحيالٍ تَدْبَيها، ومِن الرجلِ فوقَ
ذلك(٢) . وأشعثُ ، عن الحسنِ، قال: يقومُ للمرأةِ عندَ فخِذَيها ، والرجلِ عندَ
صدرِهُ " . وعن ابن مسعودٍ ، وعطاءٍ، وإبراهيمَ: يقومُ الذى يصلِّى على الجنازةِ
عندَ صدرِها. ولم يُفرِّقوا بينَ الرجلِ والمرأةِ(١) . وقد رُوِى عن إبراهيمَ قال:
يقومُ عندَ صدرِ الرجلِ ومَنكِبِ المرأةِ " .
قال أبو عمرَ : ليس فى ذلك حَدٌّ لازمٌ مِن جهةٍ كتابٍ ولا سنةٍ ولا إجماع،
وما كان هذا سبيلُه لم يَحرَجْ أحدٌ فى فعلِه كلَّ ما جاء عن السلفِ ، وليس فی قیامٍ
رسول اللهِ ټ منها فى موضع ما یمنئُ مِن غيره ؛ لأنه لم يُوقِفْ علیه . وليس عن
مالكِ والشافعىٌّ فى ذلك شىءٌ. وقال ابنُ القاسمِ : يقومُ مِن الرجلِ عندَ صدرِه
ومِن المرأةِ عندَ مَنْكِبَيها . وقال الثورىُّ: يقومُ منهما عندَ الصدرِ . وهو قولُ أبى
حنيفة ومحمدٍ .
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٣١٢/٣ من طريق حميد به.
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٣١٢/٣، ٣١٣.
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٣١٣/٣.
(٤ - ٤) ليس فى: الأصل، م.
والأثر أخرجه عبد الرزاق (٦٣٥١، ٦٣٥٢).
٥٥٣
الموطأ
٥٤٥ - وحدَّثنى عن مالك، عن نافع، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان إذا
صلَّى على الجنائزِ يُسلِّمُ حتى يُسمِعَ مَن يليه .
مالكٌ، عن نافع، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان إذا صلّى على الجِنازةِ
الاستذكار
يسلِّمُ حتى يُسمِعَ مَن يليه (١) .
قال أبو عمر : قد تقدَّم فی باب التکبیرِ على الجنائزِ فی حدیث مالك ، عن
ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، عن أبى هريرةَ، أن رسولَ اللهِ وَِّه كَبَّر
على النجاشى أربع تكبيراتٍ(٢). وقد ذكرنا من زاد فيه: وسلَّم. وذكرنا
اختلافَ العلماءِ فى التسليم على الجنازة ، وأوَردنا هناك ذكرَ القائلين بتسليمةٍ
واحدةٍ والقائلين بتسليمتين، فلا معنى لإعادةِ ذلك هلهنا ، فنذكرُ هنا مَن كان
يُخفِی هذا التسليم ومَن کان يجهر به . ولم يذكر مالكٌ فى حديثه، عن نافعٍ،
عن ابنِ عمرَ ، أنه كان يسلِّمُ تسليمةً واحدةً ولا تسليمتين ، والمحفوظُ عن ابنِ
عمرَ أنه كان يسلِّمُ واحدةً .
ذكَر عبدُ الرزاقِ(١) ، عن ابنِ جريجٍ، عن موسى بن عقبةً، عن نافعٍ، عن
ابنِ عمرَ ، أنه كان إذا قضَى الصلاةَ على الجنائزِ سلَّم عن يمينِه .
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٣١٢)، وبرواية يحيى بن بكير (١٣/٧ظ - مخطوط)، وبرواية
أبى مصعب (١٠٠٢). وأخرجه الشافعى ١/ ٢٧١، وعبد الرزاق (٦٤٤٩)، والبيهقى ٤٤/٤ من
طريق مالك به .
(٢) تقدم فى الموطأ (٥٣٤).
(٣) عبد الرزاق (٦٤٥٠).
٥٥٤
٥٤٦ - وحدَّثنى يحيى، عن مالك، عن نافع، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ الموطأ
كان يقولُ: لا يصلِّى الرجلُ على الجنازةِ إلا وهو طاهرٌ .
وذكّر ابنُ أبى شيبةً(١)، عن علىٍّ بنِ مسهرٍ، عن عبيدِ اللهِ ، عن نافعٍ، عن الاستذكار
ابنِ عمرَ، أنه كان إذا صلَّى على جِنازةٍ سلَّم عن يمينِه واحدةً .
ومِن هذين الكتابين ، أن ابنَ عمرَ ، وأبا هريرةَ ، وابنَ سیرینَ كانوا يجهرون
بالتسليمِ ويُسمِعون مَن يَلِيهم، وأن علىَّ بنَ أبى طالبٍ ، وابنَ عباسٍ ، وأبا أمامةً
ابنَ سهلِ بنِ مُنيفٍ ، وسعيدَ بنَ جبيرٍ، كانوا يُخفون التسليمَ ، وإبراهيم النخعىُّ
أيضًا كان يسلِّمُ تسليمةٌ خفيةً(٢) .
قال ابنُ القاسم عن مالكِ: يُسلِّمُ الإمامُ فى الجنازةِ واحدةً ، يُسمِعُ مَن يليه،
ويسلِّمُ مَن وراءَه واحدةً فى أنفسِهم، وإن أسمَعوا مَن يلِيهم فلا بأسَ . وقال
الثورىُّ: يسلِّمُ عن يمينه تسليمةً واحدةً(١) . وقال الأوزاعىُ: يُسمِعُ مَن يليه .
وقال الحسنُ بنُ حیٍّ : یسلِّمُ عن يمينه وعن شماله ، ويُخْفِيه ولا يجهر به . وقال
الشافعىُ مثلَه: ولا يجهرُ. وقال أبو حنيفةً: تسلیمتان يُسمِئُ مَن يليه .
مالكٌ، عن نافع، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان يقولُ: لا يصلِّى الرجلُ على
الجنازةِ إلا وهو طاهرٌ().
القبس
(١) ابن أبى شيبة ٣٠٧/٣.
(٢) عبد الرزاق (٦٤٤٣ - ٦٤٤٦)، وابن أبى شيبة ٣٠٧/٣، ٣٠٨.
(٣) فى الأصل، م: ((خفيفة)).
(٤) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٣١٦) وبرواية يحيى بن بكير (١٣/٧ظ - مخطوط)، وبرواية =
٥٥٥
الموطأ
قال يحيى : سمِعتُ مالِكًا يقولُ: لم أرَ أحدًا مِن أهلِ العلمِ يكرّهُ أن
يصلَّى على ولدِ الزنَى وأمّه .
الاستذ کار
وهذا إجمائعٌ من العلماءِ والسلفِ والخلفِ ، إلا الشعبىَّ فإنه أجاز الصلاةَ
عليها على غير وضوءٍ، فشدَّ عن الجميع، ولم يَقُلْ بقولِه أحدٌ مِن أئمة الفتوى
بالأمصارِ ولا مِن حملةِ الآثارِ . وقد قال ابنُ عُلَيَّةً - وهو ممن يُرغَبُ عن کثیرٍ مِن
قولِه - : الصلاةُ على الميتِ استغفارٌ له، والاستغفارُ يجوزُ بغيرِ وضوءٍ. وهذا
نحوُ قولِ الشعبىِّ ، إلا أنه قال : السنةُ فى الصلاةِ على الموتى أن يُتطهرَ لها ، ومن
خشی فوتها تيمّم لها، وهو القیاسُ .
قال أبو عمرَ: قولُ الشعبىِّ هذا لم يلتفِتْ أحدٌ إليه ولا عرَّج عليه، وقد
أجمعوا أنه لا يُصلَّى عليها إلا إلى القبلةِ، ولو كانت دعاءً كما زعَم الشعبىُّ
لجازَت إلى غيرِ القبلةِ، ولَمَّا أجمَعوا على التكبيرِ فيها واستقبالِ القبلةِ بها ، عُلِم
أنها صلاةٌ ، ولا صلاةَ إلا بؤُضُوءٍ؛ قال رسولُ اللهِ وَلِهِ: (( لا يقبلُ اللهُ صلاةً بغيرِ
طُهُورٍ))(١) .
ذكَر ابنُّ أبى شيبةً(٢) ، قال: حدَّثنا غُندَرٌّ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن عاصمٍ،
قال : سأَلتُ أشياخنا: أَأَسلِّمُ فى الصلاةِ على الجِنازةِ ؟ قالوا : نعم، ألستَ فى
صلاةٍ ؟ .
وقال مالكٌ فى آخرِ هذا البابِ: لم أرَ أحدًا مِن أهلِ العلمِ يكرهُ أن يصلّى على
القبس
= أبى مصعب (٩٦٩). وأخرجه البيهقى فى المعرفة (٣٤٩) من طريق مالك به.
(١) تقدم تخريجه فى ٤٣٣/٣، ٤٣٤، وسيأتى تخريجه هى شرح الحديث (٩٤٤) من الموطأ .
(٢) ابن أبى شيبة ٣٠٨/٣.
٥٥٦
الموطأ
ولدِ الزِّنى وأمِّه. وهذا ما لا أعلمُ فيه خلافًا بينَ العلماءِ.
الاستذكار
وقد رُوِى عن النبيِّ وَلِّ، أنه صلَّى على ولدِ زِنَّى وأمِّه ماتَت مِن نفاسِها (١).
وقال أبو وائلٍ: يُصلَّى على كلِّ مَن صلَّى إلى القبلةٍ(١). وسُئل أبو أمامةً عن
الصلاةِ على جنازةٍ شاربِ الخمرِ، قال : نعم، إذا شهِد بشهادةِ الحقِّ(٢).
وذكر أبو بكرِ بنُ أبى شيبةً(٢) ، قال: حدَّثنا حفصُ بنُ غِيَّاتٍ ، عن أشعثَ ،
عن أبى الزبيرِ، عن جابرٍ ، قال : سألتُه عن المرأةِ تموتُ فى نفاسِها مِن الفجورِ ،
أيُصلَّى(٢) عليها؟ فقال: صلِّ على مَن قال: لا إله إلا اللهُ.
قال(٢) : وحدَّثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ، قال: يُصلَّى
على الذى قتل نفسَه، وعلى النُّفَساءِ مِن الزنى، وعلى الذى يموتُ غريقًا مِن
(٤)
الخمر(٤).
(°قال(٢): وحدَّثنا أبو خالدِ الأحمرُ، عن عثمانَ بنِ الأسودِ (١)، عن عطاءٍ،
قال : صلِّ على مَن صلَّى إلى قبلتِكْ).
قال(٢): وحدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ إدريسَ، عن هشامٍ ، عن ابنٍ سيرينَ، قال: ما
القبس
(١) أخرجه الطبرانى (١٣٤٢٨) من حديث ابن عمر.
(٢) ابن أبى شيبة ٣/ ٣٥٠.
(٣) سقط من: ح، وفى الأصل: ((أن يصلى)). والمثبت من مصدر التخريج.
(٤) أى متناهيا فى شربها والإكثار منه . النهاية ٣٦١/٣، واللسان (غ ر ق).
(٥ - ٥) سقط من: ح.
(٦) فى الأصل: ((الأحمر))، وفى م: ((الأحمر عن عثمان بن الأحمر)). والمثبت من مصدر
التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٣٤١/١٩.
٥٥٧
ما جاء فى دفنِ الميتِ
الموطأ
٥٤٧ - وحدَّثنى يحيى، عن مالكِ، أنه بلغه أن رسولَ اللهِ أَّله
الاستذكار أعلمُ أحدًا مِن الصحابةِ والتابعين ترَك الصلاةَ على أحدٍ مِن أهلِ القبلةِ تأثُّمًا .
وقال ابنُ عبدِ الحكم، عن مالكِ: لا تُتْرَكُ الصلاةُ على أحدٍ مات ممن
يصلِّى إلى القبلةِ . وهو قولُ الشافعىِّ وجماعةِ الفقهاءِ: يُصلَّى على كلِّ مَن شهِد
أن لا إلهَ إلَّ اللهُ وأن محمدًا رسولُ اللهِ وَّةِ. وكرِه مالكٌ أن يُصلّىَ أهلُ العلم
والفضل على أهل البدعِ .
مالكٌ، أنه بلَغه أن رسولَ اللهِ وَ له توفِّى يومَ الاثنينِ، ودُفِن يومَ الثلاثاءِ،
التمهید
القبس
وأمَّا دفتُه، فإن السُّنَّةَ فيه الإِسرائعُ به (١)، ورُوِى أن النبىَّ وَِّ قال لأهلِ بيتٍ
أخَّروا دفنَ ميِّتِهم: ((عَجُلُوا بدَفْنٍ جِيفتِكم ولا تُؤَخِّرُوها(٢)). فإن قيل: فلمَ أُخِر دفئُ
النبيِّ وَلِّ؟ قلنا: لثلاثةِ أوجهٍ؛ أحدُها ، أن الناسَ لم يَتَّفِقوا على موتِه . فكيف يُدفَئُ
رجلٌ ؛ قال واحدٌ: مات. وقال آخرُ: لم يَمُتْ. الثانى، أنه إنما أَخِر دفتُه لأنه لم يُعلَمْ
أین ◌ُدْفَنُ . فقال قومٌ : يُدفئُ فى التقیع . وقال قوم : فى المسجد . وقال قومٌ : يُخْبَسُ
حتى يُحمَلَ إلى أبيه إبراهيمَ إذا فُتِحَت. حتى قال العالِمُ الأكبرُ(١): سَمِعتُه يقولُ: ((ما
دُفِن قطُّ نبىٌّ إلا حيثُ يموتُ)). الثالثُ، أنهم اشْتَغَلوا فى الخلافِ الذى وقَع بينَ
(١) سقط من : م .
(٢) فى د: ((تؤخروا)).
والحديث تقدم تخريجه ص٥١٧ بمعناه .
(٣) هو أبو بكر الصديق رضى الله عنه .
٥٥٨
[٨٣ و] تُوفِّى يومَ الاثنينِ، ودُفِن يومَ الثلاثاءِ، وصلّى الناسُ عليه أفذاذًا لا
يؤمُّهم أحدٌ؛ فقال ناسٌ: يُدفَنُ عندَ المِنبرِ. وقال آخرون: يُدفَنُ بالبقيعِ .
فجاء أبو بكر الصديقُ فقال: سمِعتُ رسولَ اللهِ وَلَه يقولُ: ((ما دُفِن نبىٌّ
قطُّ إلا فى مكانِه الذى تُوِّى فيه )). فُفِر له فيه، فلما كان عندَ غَسلِهِ ،
الموطأ
وصلَّى الناسُ عليه أفذاذًا لا يَؤْمُّهم أحدٌ، فقال ناسٌ: يُدفَنُ عندَ المِنبرِ. وقال التمهيد
آخرون: يُدفنُ بالبقيع. فجاء أبو بكرٍ فقال: سمِعتُ رسولَ اللهِ وَلَه يقولُ: ((ما
دُفِن نبٌّ قَطُّ إلا فى مكانِه الذى تُوفِّى فيه)). فحُفِر له فيه ، فلما كان عندَ غَسْلِه
القبس
المهاجرين والأنصارِ فى البيعةِ، فنظَروا فيها حتى اسْتَتَبَّ الأمرُ، وانْتَظَم الشَّمْلُ،
واسْتَوْثَقَتِ الحالُ، واسْتَقَرَّتِ الإمامةُ فى نِصابِها، فرَجَعوا بعدَ ذلك إلى النبيِّ وَهل
فتَظَرُوا فى دفنِهِ ، فَغَسَلوه وكَفَّنوه ودَفَنوه .
واخْتُلِف: هل صُلِّى عليه أم لا؟ فمنهم مَن قال: لم يُصَلِّ عليه أحدٌ() ، وإنما
وقَف كلُّ أحدٍ يدعُو؛ لأنه كان أشْرَفَ مِن أن يُصَلَّى عليه . وهذا ضعيفٌ ، فإن السُنَّةً
تُقامُ بالصلاةِ عليه فى الجِنازةِ ، كما تُقامُ بالصلاةِ عليه فى الدعاءِ ، فتقولُ : اللَّهُمَّ صَلّ
على محمدٍ إلى يومِ القيامةِ. وذلك منفعةٌ لنا. وقيل: لم يُصَلَّ عليه؛ لأنه لم يكنْ
هنالك إمام . وهذا ضعيفٌ ؛ فإن الذى كان يُقيمُ بهم صلاةَ الفريضةِ هو الذى كان يُمُّ
بهم فى الصلاةِ عليه ، وقيل: صلَّى عليه الناسُ أفذاذًا(١)؛ لأنه كان آخرَ العهدِ به،
فأرادوا أن يأخُذَ كلُّ أحدٍ بركته مقصودةً دونَ أن يكونَ فيها تابعًا لغيره . والله تعالى.
أعلمُ بصحةٍ ذلك .
(١) بعده فى د: ((ومنهم من قال صلى)).
(٢) ينظر ابن ماجه (١٦٢٨).
٥٥٩
الموطأ أرادوا نزعَ قميصِه فسمِعوا صوتًا يقولُ: لا تنزِعوا القميصَ. فلم يُنزَعِ
القميصُ، وغُسِل وهو عليه وَله .
أرادوا نَزْعَ قميصِه، فسمِعوا صوتًا يقولُ: لا تَنْزِعوا القميصَ. فلم يُنزَعِ
التمهید
القميصُ، وغُسِل وهو عليه وَ(١).
قال أبو عمرَ: هذا الحديثُ لا أعلَمُه يُروَى على هذا النَّسَقِ بوجهٍ مِن
الوجوهِ غيرَ بلاغ مالكِ هذا، ولكنه صحيحٌ مِن وجوهٍ مختلفةٍ وأحاديثَ شتَّی
جمَعها مالكٌ . واللهُ أعلمُ .
فأمَّا وفاته يومَ الاثنينِ ، فقرَأْتُ على أبى القاسمِ خلفٍ بن القاسمِ بنِ سهلٍ،
أن أبا بكرٍ محمدَ بنَ أحمدَ بنِ المِسْورِ حدَّثهم، قال: حدَّثنا أبو القاسم
عبدُ الرحمنِ بنُ معاويةَ العُثْبِىُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ بكيرٍ، قال: حدَّثنى الليثُ
ابنُ سعدٍ ، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شهابٍ قال : أخبرنى أنشُ بنُ مالكٍ أن المسلمين
يَينا هم فى صلاةِ الفجرِ مِن يومِ الاثنينِ وأبو بكرٍ يصلِّى بهم، لم يَفْجأهم إلا
رسولُ اللهِ وَه قد كشَف حُجرةَ عائشةَ فنظَر إليهم وهم صفوفٌ فى
الصلاةِ، فتبسَّم يضحَكُ، فنكَص أبو بكرٍ على عَقِبَيه ليصِلَ الصفَّ، يظُنُّ أن
رسولَ اللهِ وَلَّه يريدُ أن يخرُجَ إلى الصلاةِ. قال أنسٌ: فَهَمَّ المسلمون أن
يَفْتَتِنوا فى صلاتِهِم فرحًا برسولِ اللهِ وَلِّ، فأشار إليهم رسولُ اللهِ وَلِّ بيدِه
أن أتِمُوا صلاتكم. ثم دخَل الحجرةَ وأرخَى السّتْرَ. قال أنسُ بنُ مالكِ:
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٤/٧ و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٩٧١). وأخرجه ابن
سعد ٢٧٤/٢، ٢٧٦، ٢٨٨، ٢٨٩، ٢٩٣ من طريق مالك به .
(٢) فى ر: ((السنن)).
٥٦٠
".