Indexed OCR Text
Pages 461-480
الموطأ
الشيخُ، وأظُّه العَنْقَزَ، وهو أصولُ البَرْدِى، وأما قولُه: بعيرٌ يَئِطُّ. فالأَطِيطُ: التمهيد
الصوتُ، وغَدَقًا: كثيرًا، وطَبَقًا: يَطْبِقُ الأرضَ.
وذكر أبو عبدِ اللهِ محمدُ بنُ زكريا بنِ دينارِ الغَلَابِيُ (١)، قال: حدَّثنا العباسُ
ابنُ بَكَّارٍ ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ يزيدَ ، عن موسى بن عقبةً ، أن أعرابًا جاء إلى
رسولِ اللهِ وَلّه وقد أجدَبت عليهم(٢) السَّنَةُ، فقال: يا رسولَ اللهِ ، إنه مَرَّتْ بنا
سِنونَ كِنِى يوسفَ، فادعُ اللهَ لنا. فقامَ رسولُ اللهِ نَّهِ إلى المنبرِ يَجُّ رداءَه،
وحوَّلَه على كتفِه، ثم قال: ((اللهمَّ اسْقِنا غَيْثًا مُغِيثًا هَزِجَا سَخًا)). فما اسْتَتَمَّ
الدعاءَ حتى اسْتَقَلَّت سحابةٌ تُخْطِرُ سَخًا ، فلم تَزَلْ كذلك حتى قدِم أهلُ الأسافلِ
يَصِيحون: الغرقَ الغرقَ. فضحِك النبيُّ وَّ لَهِ حتى بَدَت نواجِذُه، ثم قال: ((للَّهِ
أبو طالبٍ ، لو كان حاضرًا لقَرَّت عيناه، أَما منكم أحدٌ يُنْشِدُنى شعرَه؟)). فقامَ
علىُ بنُ أبى طالبٍ ، فقال: لعلك تريدُ يا رسولَ اللهِ قولَه:
وأبيضَ يُشْتَشْقَى الغَمَامُ بوجهِه ربيعُ اليَتامَى عِضْمَةٌ للأراملِ
فقال: ((نعم)). فقال الأعرابىُ، وكان مِن مُزَينةً(٤):
◌ُقِينا بوجهِ النبىِّ المَطَرْ
لك الحمدُ والحمدُ ممن شَكَوْ
فأسلَم معها إليه النظر
دَعا ربَّه المُصْطَفَى دعوةٌ
القبس
(١) فى ص ١٧: ((العلانى)). وينظر الأنساب ٤/ ٣٢١.
(٢) فى م: ((عليه)) .
(٣ - ٣) فى ص١٧، ص ٢٧: ((مزجا نحجا))، وفى م: ((مريئا مريعا)).
(٤) الأبيات فى منال الطالب ص ١٠٠، والبداية والنهاية ٥٩٧/٨، ٥٩٨.
٤٦١
الموطأ
التمهید
وأسرَع حتى رأينا الدِّرَهُ(١)
فلم يَكُ إلا أنَ الْقَى الرِّداءَ
إلى النَّخْرِ حتى أفاضَ الغُدُوْ(٢)
ولم يَرْجِعِ الكفَّ عندَ الدعاءِ
سَحابٌ يَراه الحَديدُ البَصَرْ
سَحَابٌ وما فى أَدِيمِ السماءِ
وأبيضَ يُشْقَى به ذو غُدُزْ(٣)
فكان كما قاله عمُّه
فهذا العِيانُ لذاك الخَبَرْ
به يُنْزِلُ اللهُ غَيْثَ السماءِ
ومَن يكفُرِ اللهَ يَلْقَ الغِيَرْ
فمَن يَشْكُرِ اللهَ يَلْقَ المزيدَ
ليس هذا البيتُ فى روايةِ الغَلابِيِّ(٤)، قال موسى بن عقبةَ : فأمَر له النبيُّ
براحلتين ، وكَساه ثوبًا .
وأما قولُه: ((الآكام)) فهى الكُدَى(٥) والجبالُ الصغارُ مِن الترابِ،
الواحدةُ أَكَمَةٌ . ((ومنابتَ الشجرِ)): مواضعَ المَرْعَى حيثُ تَرْعَى البهائمُ .
وانْجِيابَ الثوبِ: انقطاعُ الثوبِ. يعنى الخَلَقَ؛ يقولُ: صارَت السحابةُ
قِطَعًا، وانكشَفَت عن المدينةِ كما ينكشِفُ الثوبُ عن الشىءٍ يكونُ
عليه .
القبس
(١) الدِّرَر: جمع دِرَّة. يقال للسحاب: درة. أى: صَبِّ واندفاق. النهاية ١١٢/٢.
(٢) الغدر: جمع غدير، وهو مستنقع الماء؛ ماء المطر. ينظر تاج العروس (غ در).
(٣) فى منال الطالب، والبداية: ((غرر)).
(٤) فى ص ١٧: ((العلانى)).
(٥) الكدى: الصحراء. اللسان : ( ك د ى ).
٤٦٢
الموطأ
الاستمطار بالنجومِ
٤٥٣ - حدَّثنى يحيى ، عن مالك ، عن صالحِ بنِ کَیسانَ ، عن
عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُتبةَ بنِ مسعودٍ، عن زيدٍ بن خالدٍ الجُهَنِىِّ ،
أنه قال: صلَّى لنا رسولُ اللهِ وَلَهِ صلاةَ الصبح بالحديبيةِ على إثرِ
سماءٍ كانت مِن الليلِ، فلما انصرَف أقبَلَ على الناس فقال :
(( أتدرُون ماذا قال ربُّكم؟)). قالوا: اللهُ ورسولُه أعلمُ. قال: ((قال:
أصبَح مِن عبادِى مُؤمنٌ بى وكافر بى؛ فأما مَن قال : مُطِرنا بفضلٍ
التمهید
وأما قولُ مالكِ فيمَن فاتَتْه صلاةُ الاستسقاءِ وأدرَك الخطبةَ : إن شاء صلَّاها
فى بيتِه أو فى المسجدِ ، وإن شاء ترَك. فلأن السُّنَنَ لا تُقْضَى لِزامًا فَتُشْبِهَ
الفرائضَ ، وهى فعلُ خيرٍ لا يُحرَجُ مَن قضاها .
مالكٌ، عن صالح بنٍ كَيسانَ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُتْبَةَ بنِ
مسعودٍ، عن زيدِ بنِ خالدِ الجُهَنِيِّ، أنَّه قال: صلَّى لنا رسولُ اللهِ وَهِ صلاةَ
الصبح بالحُدَيبيَةِ على إثرِ سَماءٍ كانت مِن الليلِ، فلمَّا انصرَف أقبلَ على الناسٍ
القبس
حديثٌ: روَى زيدُ بنُ خالدٍ الْجُهَنىُ، عن النبيِّ وَلِّ، أنه قال: ((أصبح مِن
عبادى مؤمنٌ بى وكافر بى)). إنما بَوَّب مالكٌ، فقال: الاسْتِمطارُ بالنجوم. وأدخَل
هذا الحديثَ فى أبوابِ الاسْتِسقاءِ لوجھَین ؛
أحدُهما، أن العربَ كانت تنتظرُ السُّقْيا فى الأنواءِ، فقطَع النبىُ وَلِ هذه
العلاقةَ بينَ القلوبِ وبينَ الكواكبِ .
٤٦٣
الموطأ اللهِ ورحمتِه. فذلك مُؤمنٌ بى كافرٌ بالكوكبِ، وأمَّا مَن قال: مُطِرنا
بنَوءِ كذا وكذا. فذلك كافرٌ بی مُؤمنٌ بالكوكبٍ )).
فقال: ((أتدرون ماذا قال ربُّكم؟)). قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «أصبح مِن
التمهید
عِبَادِى مُؤْمِنٌ بى وكافرٌ بى؛ فأمّا مَن قال: مُطِرْنا بفَضْلِ اللهِ ورَحمَتِهِ . فذلك
القبس
والثانى، أن الناسَ أصابَهم القَخْطُ فى زَمَنِ عمرَ رضِى اللهُ عنه، فقال عمرُ
للعباسِ : كم بقِىَ لِنَوْءِ النُّريًّا؟ فقال له العباسُ: زعَموا يا أميرَ المؤمنين أنها تَعْترِضُ فى
الأَفُقِ سَبْعًا. فما مَرَّت حتى نزَل المطرُ. فانظُرْ إلى عمرَ والعباسِ، وقد ذكروا الثُّريًّا
ونوءَهَا وتوَكَّفوا() ذلك فى وقتها، وقد بيَّنَّا معنى هذا الحديثِ فى ((شرحٍ الصحيحِ))
على الاسْتِسقاءِ .
والذى تَفْتَقِرون إليه الآنَ، أن مَن انتظَر المطرَ مِن الأنواءِ على أنها فاعلةٌ له
مِن دونِ اللهِ فهو كافرٌ، ومَن اعتقَد أنها فاعلةٌ لكن بما جعَل اللهُ فيها فهو أيضًا
كافرٌ؛ لأنه لا يَصِحُ أن يكونَ الخلقُ والأمرُ إلَّا للهِ، كما قال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ
الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]. ومَن انتَظَرها وتَوَكَّفَ المطرَ منها على أنها عادةٌ أَجْراها
اللهُ تعالى، فلا شىءَ عليه، فإن الله قد أجرَى العوائدَ فى السحابِ والرياح والأمطارِ
بمعانىَ . تَرَتَّبت فى الخِلْقةِ ، وجاءت على نَسَقٍ فى العادةِ ، ولذلك أُدخَل مالكٌ رحِمه
اللهُ مُّبَيِّنًا لهذه الحقيقةِ قولَه: ((إذا أُنشَأْتْ بَحْرِيَّةً، ثم تَشَاءَمَت، فتلك عينٌّ
(٣)
غُدَيقةٌ))(٣).
(١) فى م: (يسقى)).
(٢) توكّف الخبر: إذا انتظر وَكْفَه؛ أى وقوعه. النهاية ٢٢١/٥.
(٣) سيأتى فى الموطأ (٤٥٤) .
٤٦٤
الموطأ
التمهيد
مُؤمِنٌ بی کافئ بالکو کب ، وأما من قال : مُطِرْنا بِنَوْءِ کذا و کذا . فذلك کافئ بی
مؤمنٌ بالکو کبِ )) (".
وهذا الحديثُ رَواه ابنُ شِهابٍ، عن عُبيدِ اللهِ ، عن أبى هريرةً"، عن
النبىِّ وَِّ. فلم يُقِمْه كإقامةِ صالح بنِ كَيْسانَ، ولم يَسُقْه كسِياقَتِه ، قال فيه:
«قال اللّهُ : ما أنعمتُ علی عبادِی مِن نعمةٍ إلّ اصبح فریقٌ منهم بها کافرین،
یقولون : الکو کبُ ، وبالگو گب » . ھکذا حدّث به ◌ُونُسُ بنُ یزید وغیرُه ، عن
ابنِ شهاپ(".
وفى لفظِ هذا الحديثِ ما يدُلُّ على أنَّ الكُفْرَ هلهنا كُفْرُ النَّعَم ، لا كُفْرٌ باللهِ.
وروى هذا الحدیثَ سفیانُ بنُ عیینةَ ، عن صالح بنِ کَیْسانَ یاسنادِه ، وقال
فيه : ((ألم تَسْمَعُوا ما قال رَبُّكم الليلةَ؟ قال: ما أَنعَمتُ على عبادى مِن
نعمةٍ إلَّ أصبَح طائفةٌ منهم بها كافرِين، يقولون: مُطِرْنا بنَوْءِ كذا، وبنَوْءِ
كذا. فأمَّا مَن آمَنَ بى وحَمِدَنى على سُقْيَاىَ، فذلك الذى آمَن بى وكَفَر
بالكَوْكَبِ، ومَن قال: مُطِرْنا بنَوْءِ كذا وكذا). فذلك الذى كَفَرَ بى
القبس
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (٦١٢). وأخرجه أحمد ٢٩٣/٢٨ (١٧٠٦١)، والبخارى (٨٤٦،
١٠٣٨)، ومسلم (٧١)، وأبو داود (٣٩٠٦)، والنسائى فى الكبرى (١٠٧٦١) من طريق مالك
به .
(٢ - ٢) فى النسخ: ((زيد)). والمثبت من مصادر التخريج.
(٣) أخرجه أحمد ٣٥٣/١٤، ٤١٠ (٨٧٣٩، ٨٨١١)، ومسلم (٧٢)، والنسائى (١٥٢٣) من
طريق يونس به .
(٤) بعده فى ق: ((وبنوء)).
٤٦٥
( موسوعة شروح الموطأ ٣٠/٦)
الموطأ
التمهيد
وَآمَنَ بالكوكَبِ))(١).
وروَى سفيانُ بنُ عبينةَ أيضًا، عن إسماعيلَ بنِ أَميةً ، أنَّ النبيَّ عليه السلامُ
سَمِع رجلًا فى بعضِ أسفارِه يقولُ: مُطِرْنا ببعضِ عَثَانِينِ الأسدِ (١). فقال
رسولُ اللهِ وَّةِ: ((كذَبْتَ، بل هو سُقْيا اللهِ عزَّ وجلَّ)) (١). قال سفيانُ:
عَثَانِينُ الأَسدِ : الذِّرَاعُ والجَهَةُ .
وقال الشافعىُ: لا أُحِبُّ لأحدٍ أن يقولَ: مُطِرْنا بنَوْءِ كذا . وإن كان النَّوْءُ
عندَنا الوقتَ ، والوقتُ مخلوقٌ لا يَضُرُّ ولا يَنفَعُ ، ولا يُطِرُ، ولا يَحبِسُ شيئًا مِن
المطَرِ، والذى أحبُّ أن يقولَ: مُطِرْنا وقتَ كذا. كما يقولُ: مُطِرْنا شهرَ كذا .
ومَن قال: مُطِرْنا بنَوْءِ كذا. وهو يُريدُ أنَّ النَّوْءَ أَنزَل الماءَ، كما كان بعضُ أهلِ
الشِّرْكِ مِن أهلِ الجاهليةِ يقولُ ، فهو كافرٌ حلالٌ دَمُه إن لم يَتُبْ . هذا معنَى قولِه .
أمّا قولُه فى هذا الحديثِ: على إثرِ سماءٍ كانت مِن الليلِ. فإِنَّه أراد: (+ على
إثرِ غيثٍ" نزَل مِن الليلِ. والعربُ تُسَمِّى السحابَ والماءَ النازلَ منه سماءً، قال
الشاعرُ، وهو أحدُ فُصَحَاءِ العربِ(٥):
القبس
(١) أخرجه الحميدى (٨١٣)، وأحمد ٢٨٢/٢٨ (١٧٠٤٩)، والبخارى (٧٥٠٣)، والنسائى
(١٥٢٤) من طريق ابن عيينة به .
(٢) الأسد: أحد بروج السماء، بين السرطان والعذراء، وزمنه من ٢٣ يولية إلى ٢٢ من أغسطس.
ينظر المعجم الوسيط (أُ س د).
(٣) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٥٢١/٢١، ٣٧٠/٢٢ من طريق ابن عيينة به .
(٤ - ٤) غير واضح فى الأصل، وأثبتها ناشر المطبوعة: ((سحابا حيث)).
(٥) هو معود الحكماء معاوية بن مالك، كما فى المفضليات ص ٣٥٩، ومعجم الشعراء ص ٣١٠،=
٤٦٦
الموطأ
التمهيد
رَعَيْناه وإن كانوا غِضابَا
إذا نزَل السَّماءُ بأرضٍ قومٍ
يعنى : إذا نزَل الماءُ بأرضٍ قوم، ألا ترى أنَّه قال: رَعَيْنَاه. فذكَّر؛ لأنه أراد
الماءَ ، ولو أراد السَّماءَ لأَنَّثَ؛ لأَنَّها مُؤَنََّةٌ ، فقال: رَعَيْناها . وقولُه: رَعَيْناه . يعنى
الكَلَأَ النَّبِتَ مِن الماءِ، فاسْتَغْنَى بذكرِ الضَّميرِ، إذِ الكلامُ يدُلِّ عليه، وهذا مِن
فصيح كَلامِ العَرَبِ ، ومثلُه فى القرآنِ کثیرٌ .
وأمَّا قولُه حاكِيًا عن اللهِ عزَّ وجلَّ: ((أصبَحَ مِن عبادى مُؤْمِنٌ بى وكافرٌ)).
فمَعناه عندى على وجهَين ؛ أمَّا أحدُهما ، فإنَّ المُعتقِدَ أنَّ النَّوْءَ هو المُوجِبُ لتُزُولِ
الماءِ، وهو المُنْشِئُ للسحابِ دونَ اللهِ عزَّ وجلَّ، فذلك كافرٌ كُفْرًا صريحًا
يجِبُ اسْتِتَابَتُه عليه وقَتْلُه؛ لنَبْذِهِ الإِسلامَ وَرَدِّه القرآنَ. والوجهُ الآخرُ، أن يعتقِدَ
أنَّ النَّوْءَ يُنْزِلُ به اللهُ الماءَ، وأَنَّه سببُ الماءِ على ما قَدَّرَه اللهُ وسَبَق فى علمِه ، فهذا
وإن كان وجهًا مُباحًا ، فإِنَّ فيه أيضًا كُفرًا بنعمةِ اللهِ عزَّ وجلَّ، وجهلًا بلطِيفٍ
حِكْمَتِه ؛ لأَنَّه يُنزلُ الماءَ متى شاءَ؛ مَرَّةً بَنَوْءِ كذا، ومَرَّةٌ دُونَ النَّوْءِ، وكثيرًا ما
يَخْوِى (١) النَّوْءُ فلا يَنْزِلُ معه شىءٌ مِن الماءِ، وذلك مِن اللهِ لا مِنَ النَّوْءِ،
وكذلك كان أبو هريرةَ يقولُ إذا أصبحَ وقد مُطِر: مُطِرْنا بنَوْءِ الفَتْح. ثم يتلُو:
(٣)
﴿مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَ مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر: ٢].
القبس
= وقال العباس: نسب غالب شارحى ((التلخيص)) هذا البيت لجرير. ثم قال: لم يوجد فى قصيدة
جرير على اختلاف رواة ديوانه. معاهد التنصيص ٢٦٠/٢، ٢٦١.
(١) فى المفضليات: ((السحاب))، وفى معجم الشعراء: ((الغمام)).
(٢) فى ق، ن: ((يجرى)). وينظر ما سيأتى ص ٤٦٩.
(٣) سيأتى فى الموطأ (٤٥٥).
٤٦٧
الموطأ
التمهید
وهذا عندِى نحوُ قولِ رسولِ اللهِ بَّهِ: ((مُطِرْنا بفضلِ اللهِ وبرَحْمَتّه)).
ومِن هذا البابِ قولُ عمرَ بنِ الخطابِ للعباسِ بنِ عبدِ المطلبِ حينَ اسْتَشْقَى به :
يا عَّ رسُولِ اللهِ، كم بَقِىَ مِن نَوْءِ الُّرِيًّا؟ فقال العباسُ: العلماءُ بها يَزْعُمُون أنَّها
تعتَرِضُ فى الأَفُقِ سَبْعًا (١). فكأنَّ عمرَ رَحِمه اللهُ قد عَلِمِ أنَّ نَوْءَ الثُّرْيًّا وقتِّ يُرْجَى
فيه المطرُ وَيُؤَمَّلُ. فسألَه عنه: أَخَرَج أم بَقِيَتْ منه بَقِيَّةٌ؟ ورُوِىَ عن الحسَنِ
البصرىِّ أنَّه سَمِع رجلاً يقولُ: طَلَعِ سُهَيْلٌ، وَبَرَدَ الليلُ. فَكَرِة ذلك وقال : إنَّ
سُهَيْلًا لم يَأْتِ قَطُ بحَرّ ولا بَرْدٍ . وكَرِهِ مالِكٌ أن يقولَ الرجلُ للغَيم والسحابةِ : ما
أخلفَها(١) للمَطَرِ! وهذا مِن قول مالك مع رِوايتِه: ((إذا أنشأتْ بحرِيَّةً))(٣). يدُلُّ
على أنَّ القومَ احتَاطُوا، فمَنَعُوا الناسَ مِن الكلامِ بما فيه أدنى متعلَّقٍ مِن أمرٍ(٤)
الجاهليةِ فى قولهم: مُطِرْنا بنَوْءِ كذا وكذا. على ما فَشَرْناه، واللهُ أعلمُ . وسيأتى
القولُ فى مَعنى قوله: ((إذا أنشأتْ بحرِيَّةً)). فى موضِعِه(١)، إن شاء اللهُ.
والنَّوْءُ فِى كَلامِ العَرَبِ واحدُ أنواءِ النُّجُومِ، يُقالُ: ناء النجمُ ينُوءُ. أى:
نَهَض يَنْهَضُ للطُّلُوعِ، وقد يكونُ أن يَمِيلَ للمَغِيبِ، ومنه قيل: ناوَأْتُ فلانًا
بالعَداوَةِ . أى : ناهَضْتُه. ومنه قولُهم : الحِمْلُ يَنُوءُ بالدابةِ. أى: يميلُ بها . وكلُّ
ناهِضٍ يثقَلٍ وإبطاءٍ فقد ناء . والأُنواءُ على الحقيقةِ النُُّومُ التى هى منازِلُ القمرِ ،
القبس
(١) أخرجه الحميدى (٩٧٩)، وابن جرير فى تفسيره ٣٧٠/٢٢، ٣٧١، والبيهقى ٣٥٩/٣.
(٢) فى الأصل، ن، م: ((أخلقها)).
(٣) سيأتى فى الموطأ (٤٥٤).
(٤) فى الأصل، م: ((زمن)).
(٥) سيأتى ص ٤٧٥، ٤٧٦.
٤٦٨
الموطأ
التمهید
وهى ثمانٍ وعشرون منزلةٌ ، يَبْدُو لعَيْنِ النَّاظِرِ منها أربعةَ عَشَرَ منزلًا ، ويَخْفَى
أربعةَ عَشَرَ، فكلَّما غاب منها منزلٌ فى المغربِ طَلَعَ رَقِيبُه مِن المشرقِ ، فليس
يُعْدَمُ منها أبدًا أربعةَ عشرَ للنَّاظِرِين فى السماءِ. وإذا لم ينزِلْ مع النَّوْءِ مائةٍ قيل:
خَوَى النَّجْمُ وأَخْوَى. و: خَوَى النَّوْءُ وَأَخْلَفَ . وأمَّا العربُ ، فكانت تُضِيفُ
المَطَرَ إِلى النَّوْءِ، وهذا عنهم(١) معروفٌ مشهورٌ فى أخبارِهم وأشعارِهم، فلمَّا
جاء الإِسلامُ نهاهم رسولُ اللهِ وَلَّ عن ذلك وأدَّبهم وعَرَّفَهم ما يقولون عندَ
تُزُولِ الماءِ، وذلك أن يقولوا: ((مُطِرْنا بفَضْلِ اللهِ ورَحْمَتِه)). ونحوَ هذا مِن
الإيمانِ والتَّسْلِيم لما نَطَق به القرآنُ. وأمّا أَشعارُ العَرَبِ فى إضافَتِها نُزُولَ الماءِ إلى
الأنواءِ، فقال الطّرِمَّاعُ(٢):
مِن الأَنْجُمِ العُزْلِ والرَّامِحَةُ(٣)
مَحاهُنَّ صَيِّبُ نَوْءِ الرَّبِيعِ
فسَمَّى مَطَرَ السِّمَاكِ رَبِيعًا، وغيرُه يجعَلُه صَيْفًا، وإنَّما جعَلَه الطُّرمَّائحُ ربيعًا
لقُرْبِهِ مِن آخِرِ الشتاءِ ومِن أَمْطارِهِ ، وإذا كان المَطَرُ بأوَّلِ نُجُومِ أنوَاءِ الصيفِ جاز
أن يجعَلُوه رَبِيعًا ، ويُقالُ للسّماكِ: الَّامِحُ وذُو السّلاحِ. وهو رقيبُ الدَّلْوِ، إذا
سَقَط الدلوُ طَلَع السِّماكُ، والسِّمَاكُ والدَّلؤُ والعَوَّاءُ مِن أَنْجُمِ الخَرِيفِ. قال
عدِیُ بنُ زیدٍ ():
القبس
(١) فى الأصل، م: ((عندهم).
(٢) ديوانه ص ٦٨.
(٣) والعزل والرامحة: هما نجمان نيران، وهما السماكان، أحدهما فى الجنوب وهو السماك الأعزل
والآخر فى الشمال وهو السماك الرامح. الوسيط (س م ك).
(٤) البيت له فى الأزمنة والأمكنة ص١٧٥، ١٩٦، وفى الموضع الأول: ((يولينى))، وفى =
٤٦٩
الموطأ
التمهيد
ـوٍ تَدَلَّى ولم يُوَازِ العَرَاقَى
فى خَرِيفٍ سقَاه نَوْءٌ مِن الدَّلْـ
والعربُ تُسَمِّى الخريفَ ربيعًا؛ لاتِّصالِه بالشِّتاءِ، وتُسَمِّى الربيعَ المعروفَ
عندَ الناسِ بالربيع صيفًا، وتُسَمِّى الصَّيْفَ قَيْظًا، وتذهَبُ فى ذلك كلِّه غيرَ
مذاهبٍ الزُّومِ، فأولُ الأزمنةِ عندَها الخَرِيفُ، وليس هذا مَوْضِعَ ذِكْرٍ معانيها
ومَعانى الرُّومِ فى ذلك، وكان أبو عبيدةَ يَرْوِى بيتَ زُهَيْرٍ (١:
وجادَتْه مِن نَوْءِ السّماكِ هَوَاطِلُهُ(٢)
وغَيْثٍ مِن الوَسْمِىِّ حُوِّ تِلاعُه
وقال آخر :
بِكِنِّ(٢) ومِن نَوْءِ السِّمَاكِ غَمَامُ
ولا زال نَوْءُ الدَّلْوِ يَشْكُبُ وَدْقَه
وقال الأسودُ بنُ يَعفُرَ النَّهْشَلِىُّ :
أَخْلَفَ نجمٌ عن نَوْئِه وُبِلُوا
بيضٌ مشامِخُ(٤) فى الشِّتَاءِ وإن
وقال الرَّاجِزُ :
.
القبس
= الموضع الثانى: ((يوار)) بدلا من: ((يواز)). وقال المرزوقى: العراقى: أربعة كواكب مربعة واسعة ،
تشكل نوء الدلو، بين كل كوكبين قدر قامة الرجل فى رأى العين .
(١) شرح ديوانه ص ١٢٧، وشطره الثانى :
* أجابت روابيه النجاء هَواطِلُهه
(٢) الوسمى: أول مطر الربيع، وحوّ: تضرب إلى السواد من شدة خضرة نبتها، والتلاع: ميل ما
ارتفع من الأرض إلى بطن الوادى، والهطل: مطر لين ليس بالشديد ولكنه دائم. ينظر المصدر
السابق ص١٢٧، ١٢٨.
(٣) فى الأصل: ((يكن))، وفى ق: (يسكن)).
(٤) فى م: ((مسامح)) .
٤٧٠
الموطأ
التمهيد
إِذْ أَخْلَفَتْ أَنْواءُ كلِّ كوكبٍ
بَشِّرْ بنى عجلٍ بِنَوْءِ العَقْرَبِ
يريدُ أنَّ أَنْوَاءَ النُّجُومِ أخلَفَت كلُّها فلم تُخْطِرْ، فأتاهمُ المَطَرُ فى آخرِ الربيعِ بنَوءِ
العقرَبِ، وهو عندَهم غيرُ محمُودٍ ؛ لأنَّه مائ دِقٌّ دنىٌ. وقال رُؤْبَةُ():
وجفَّ أَنوَاءُ السَّحَابِ الْمُرْتَزَقْ
أى: جَفَّ البَقْلُ الذى كانَ بالأنواءِ. أقام ذِكرَ الأنوَاءِ مُقَامَ ذكرِ البقلِ،
استِغناءً بأنَّ المُرَادَ معلومٌ. وهذا نحوُ قولِ القائلِ الذى قدَّمنَا ذِكْرَ قولِه .
* إذا نَزَلَ السَّماءُ بأرضٍ قَوْمٍ *
وهو يريدُ الماءَ النازِلَ مِن السماءِ ، وأشعارُ العربِ بذكرِ الأنوَاءِ كثيرةٌ جدًّا ،
والعربُ تعرِفُ من أمرِ الأنواءِ وسائرٍ نجومِ السماءِ ما لا يعرِفُه غيرُها؛ لكثرةٍ
ارتقابِها لها ، ونظرِها إليها ؛ لحاجَتِها إلى الغيثِ ، وفِرارِها مِن الجَدبِ ، فصارت
لذلك تعرِفُ النُّجُومَ الجَوَارِىَ، والنُّجُومَ الثَّوابتَ، وما يَسِيرُ منها مُجْتَمِعًا، وما
يَسِيرُ فارِدًا، وما يكونُ منها راجعًا ومُسْتَقِيمًا؛ لأنَّ مَن كان فى الصَّحَارَى
والصَّحَاصِحُ(١) الأماليس، حيثُ لا أمارَةَ ولا هادِىَ، طَلَبَ الآثارَ فى الرَّمْلِ
والأرضِ، وعَرَف الأنواءَ وتُجُومَ الاهتَدَاءِ، وسُئِلَت أعرابيةٌ، فقيل لها : أتَعْرِفين
القبس
(١ - ١) فى ق: ((ماء دبى))، وفى م: ((ودق)).
(٢) ديوانه ص١٠٥ ، وروايته :
وخف أنواء الربيع المرتزق
(٣) فى ق: ((الصحاح)). والصحاصح جمع الصحصح والصحصاح والصحصحان ، وهو ما استوى
من الأرض وجرد. اللسان (ص ح ح).
٤٧١
الموطأ
التمهید
النُّجُومَ؟ فقالت: سبحانَ اللهِ! أمَا أعرِفُ أشباحًا (١) وقُوفًا علىَّ فى كلِّ ليلةٍ؟!
وسَمِعَ بعضُ أهلِ الحَضَرِ أعرابًّا وهو يَتَفَنَّنُ فى وَصْفٍ نُجُوم ساعاتِ الليلِ ونُجُومِ
الأنوَاءِ ، فقال لمن حَضَره : أَمَا تَرَى هذا الأعرابىَّ يعرِفُ مِن النُُّومِ ما لا نَعْرِفُ؟
فقال: وَيُلُمِّك مَن لا يَعْرِفُ أَجْذَاعَ (٢) بَيِه؟ ومِن هذا البابِ قولُ ابنِ عباسٍ فى
المرأةِ التى جعَلَ زَوجها أمرَها بِيَدِها، فطَلَّقَت نفسَها: خَطَّأَ اللهُ نَوْءَها(٣). أى:
أُخْلَى اللَّهُ نَوْءِها مِن المَطَرِ. والمَغَنَى: حَرَمَها اللَّهُ الخيرَ، كما حَرَم مَن لم يُمْطَرْ وقتَ
المَطَرِ .
وقال ابنُ عباسٍ فى قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَجْعَلُونَ رِزْقَّكُمْ أَنَّكُمْ
تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢]. هو الاسْتِمطارُ بالأنْواءِ(٤).
حدَّثنا إبراهيمُ بنُ شاكرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عثمانَ ، قال :
حدَّثنا سعيدُ بنُ خُمَيْرٍ وسعيدُ بنُ عثمانَ ، قالا: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ
صالحٍ، قال: حدَّثنا النَّضْرُ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا عكرمةُ بنُ عمَّارٍ، قال :
حدَّثنا أبو زُميلٍ، قال: حدَّثنى ابنُ عباسٍ قال: مُطِرَ الناسُ على عهدِ النبيِّ وَ لَه
القبس
(١) فى ق: ((أشياخ)).
(٢) فى م: ((أجداع)). والأجذاع جمع جِذع، وهو واحد جذوع النخلة، وقيل: هو ساق النخلة .
اللسان (ج ذ ع).
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١١٩١٤، ١١٩١٨ - ١١٩٢٠)، وسعيد بن منصور (١٦٤١،
١٦٤٢)، وابن أبى شيبة ٥٧/٥، ٥٨.
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٢٩/١٤ إلى عبد بن حميد.
٤٧٢
٠
الموطأ
فقال النبيُّ بَله: ((أصبَحَ مِن النَّاسِ شاكرٌ وكافرٌ، قال بعضُهم: هذه رحمةٌ التمهيد
وَضَعَها اللَّهُ. وقال بعضُهم: لقد صَدَق نَوْءُ كذا وكذا)). قال: نزَلَت هذه
الآيةُ: ﴿﴿ فَلَآَ أُقْسِمُ بِمَوَقِعِ النُّجُومِ﴾. حتى بلَغ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَّكُمْ
أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾(١) [ الواقعة :
[ الواقعة : ٧٥ - ٨٢ ] .
قال أبو عمرَ : "قال أهلُ العلم": الرِّزْقُ فى هذه الآيةِ بَمَعنَى الشُّكْرِ، كأنَّه
قال: وتجعَلون شُكرَّكم للهِ على ما رَزَقَكم مِن المالِ أن تَنْسُبُوا ذلك الرِّزْقَ إلى
الكوكبٍ . وقال ابنُ قتيبةً: ومِن هذا، واللَّهُ أعلمُ ، قالُ(١) رُؤْبَةَ:
وجَفَّ أنواءُ السَّحابِ المُرْتَزَقْ
وأمَّا قولُهُ وَِّ فى حديثِ ابنِ عيينة ، عن عمرو بن دينارٍ ، عن عَتَّابِ بنِ
حُنَيْ، عن أبى سعيدِ الخُدْرِىِّ، أنَّ رسولَ اللهِ وَ لَه قال: «لو أمسَك اللهُ القطرَ
عن عبادِهِ خمسَ سِنين، ثم أرسله ، أصبحت طائفةٌ مِن الناسِ كافرِين يقولون :
سُقِينَا بنَوْءِ المِجْدَحِ)) (). فمَعناه كمَعنَى ما مَضَى مِن الحديثِ فى هذا البابِ .
وأمّا المجدمح، فإنَّ الخليلَ زَعَم أنَّه نجم كانتِ العربُ تزعُمُ أنها تُمْطَرُ
به. قال: ويُقالُ: أرسلتِ السماءُ مَجاديحَ الغيثِ. قال: ويُقالُ: مِجْدَعٌ
القبس
(١) أخرجه مسلم (٧٣)، وأبو عوانة (٦٨)، والطبرانى (١٢٨٨٢)، وأبو نعيم فى مستخرجه
(٢٣٢) من طريق النضر بن محمد به، وتقدم تخريجه ص٤٥٧ بدون ذكر الآية .
(٢ - ٢) ليس فى : الأصل، م.
(٣) القال بمعنى القول . ينظر القاموس المحيط (ق ول).
(٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٧٤/٢، والحميدى (٧٥١)، وأحمد ٩٥/١٧ (١١٠٤٢)،
والنسائى (١٥٢٥) من طريق ابن عيينة به ، وعندهم: ((سبع سنين))، إلا النسائى فروايته كما هنا.
٤٧٣
٤٥٤ - وحدَّثنى يحتِى، عن مالكِ، أنه بلغه أن رسولَ اللهِ أَله
الموطأ
كان يقولُ: ((إذا أنشأت بَحْرِيَّةً، ثم تشاءَمَتْ؛ فتلك عينٌ غُدَيقةٌ)).
ومُجْدَخ، بالكسرِ والضمّ .
التمهيد
أخبرنا أحمدُ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا أحمدُ
ابنُ الحسَنِ، قال: حدَّثنا يحيى بن معينٍ، قال: حدَّثنا زكريّا بنُ يحيى١)، عن
عبدِ العزيزِ بنِ صُهَيْبٍ، عن أنسٍ بنِ مالكٍ قال: قال رسولُ اللهِ وَهِ: (( ثلاثٌ لَن
يَزَلْنَ فِى أَمَّتِى؛ التَّفاخُرُ فى الأحسابِ، والنّياحةُ، والأَنْوَاءُ)) (١).
مالكٌ، أنه بلغه أن رسولَ اللهِ نَّهِ كان يقولُ: ((إِذا أَنْشَأَتْ بَحْرِيَّةً، ثم
تَشَاءَمَتْ ؛ فتلك عَيْنٌ غُدَيقَةٌ))(١).
هذا حديثٌ لا أعرِفُه بوجهٍ مِن الوجوهِ فى غيرِ ((الموطأً ))، إلا ما ذكره
الشافعُ فی کتاب الاستسقاءِ، عن إبراهيم بن محمدِ بنِ أبی یحیی ، عن
إسحاقَ بنِ عبدِ اللهِ، أن النبيَّ وَ لَ﴾ قال: ((إذا أَنْشَأْتْ بَحْرِيَّةٌ، ثم اسْتَحَالَت
القبس
(١ - ١) فى النسخ: ((يحيى بن زكريا)). وسيأتى على الصواب فى شرح الحديث (١٩١٢). وينظر
تهذيب الكمال ٩/ ٣٨١.
(٢) أخرجه الضياء فى المختارة (٢٢٩٦) من طريق أحمد بن الحسن به، وأخرجه أبو يعلى (٩٣١١،
٩٣١٢) - ومن طريقه الضياء (٢٢٩٧) - من طريق زكريا بن يحيى، عن هشيم، عن عبد العزيز
به، وليس عند الضياء ذكر هشيم، وأخرجه المحاملى فى أماليه (٨)، والضياء فى المختارة (٢٢٩٨)
من طريق زكريا به، بدون ذكر هشيم .
(٣) الموطأ برواية أبى مصعب (٦١٣).
(٤) الشافعى ٢٥٥/١.
(٥) فى الأصل، ر١، م: ((نشأت))، وفى ف: ((تشاءمت)).
٤٧٤
الموطأ
التمهيد
شامِيَّةً؛ فهو أمطَرُ لها(١)) . وابنُ أبى يحيى مطعونٌ عليه متروٌ ، وإن كان فيه نُبُلٌ
ويَقَظّةٌ ، أَتُّهم بالقَدَرِ والرَّفْضِ، وبلاُ مالكِ خيرٌ مِن حديثِه، واللهُ أعلمُ .
وأما قولُه: ((إذا أَنْشَأَتْ(٢) بَحْرِيَّةً)). فمعناه إذا ظهَرت سَحابةٌ مِن ناحيةٍ
البحرِ وارتفَعت ، يقالُ: أَنشَأ فلانٌ يقولُ كذا. إذا ابتدأ قولَه وأظهَره بعدَ
شُكُوتٍ. وكذلك قولُهم: أنشَأ فلانٌ حائطَ (٢) نخل أو بئرًا أو كَوْمًا (). أى:
عمِل ذلك وأظهره للناسِ. وكلُّ ما بدًا (٥) مِن الأعمالِ وظهَر فقد أنشَأ(١)؛ ومنه
قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُشَآتُ فِ الْبَحْرِ كَالْأَِ﴾ [ الرحمن: ٢٤]. أى:
السفنُ الظاهراتُ فى البحرِ كالجبالِ الظاهرةِ فى الأرضِ ، وإنما سمَّى السحابةَ
القبس
(١) بعده فى ف: ((ولا يوجد إلا لمالك كما ترى بلاغا، وهو أحد الأحاديث التى لا ذكر لها فى
شىء من كتب العلماء إلا فى الموطأ أو فى كتاب متأخر نقلها إليه من الموطأ، ولم يروها غير مالك ،
ولا يُعرف إلا به، وهى أربعة؛ أحدها هذا؛ إذا أنشأت بحرية. والثانى، قوله: إنى لأنسى أو أنسى
لأسن. والثالث، قول معاذ: ما أوصانى به رسول اللَّهِ وَ ل حين وضعت رجلى فى الغرز أن قال:
حسن خلقك للناس معاذ بن جبل. والرابع ، قوله: إن رسول اللَّهِ وَلل رأى أعمار الناس قبله أو ما
شاء الله منها ، فكأنه تقاصر أعمار أمته . الحديث. فأعطاه الله ليلة القدر. هذه الأربعة الأحاديث لا
توجد فى شىء من كتب السلف والله أعلم إلا فى الموطأ مرسلا لا إسناد لها . ومما انفرد به مالك
أيضا حديث المغفر؛ عن ابن شهاب عن أنس)). وينظر ما تقدم فى الموطأ (٢٢٢)، وما
سيأتى (٧١٤، ١٧٣٥).
(٢) فى الأصل، م: ((نشأت)).
(٣) فى ف: ((فى حائطه)).
(٤) فى ف: ((نحو ذلك)).
(٥) فى م: ((بدأ)).
(٦) فى ر: ((أنشئ)).
٤٧٥
الموطأ
التمهيد
بَحْرِيَّةً ؛ لظهورِها مِن ناحيةِ البحرِ ، يقولُ : إذا طلَعت سحابةٌ مِن ناحيةِ البحرِ -
وناحيةُ البحرِ بالمدينةِ الغربُ - ((ثم تَشاءَمت)). أى: أخَذت نحوَ الشامِ، والشامُ
مِن المدينةِ فى "ناحيةِ الشّمالِ) . كأنه يقولُ: إِذا مالَتِ السحابةُ الظاهرةُ مِن
جهةِ الغربِ إلى جهةِ الشِّمالٍ. ((فتلك عَيْنٌ غُدَيقَةٌ)). أى: ماءٌ معينٌ، والعينُ
مطرُ أيامٍ لا يُقلِعُ، وقيل : العينُ ماءٌ عن يمينِ قبلةِ العراقِ . وقيل : كلَّ ماءٍ مَرَّ مِن
ناحيةِ القِبلةٍ(١). يقولُ: فتلك سَحابةٌ يكونُ مَاؤُها غَدَقًا . والغَدَقُ الغزيرُ، وغُدَيقةٌ
تصغيرُ غَدِقةٍ ، وسُمِّى الرجلُ الغَيْداقَ ؛ لكثرةٍ سَخائِهِ ، ومِن هذا قولُ اللهِ عزَّ
وجلَّ: ﴿لَأَسْقَيْنَهُم مََّ غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦]. أى: غزيرًا كثيرًا. قال كُثِيَو(٣):
* وتغْدِقُ أعدادٌ به ومشاربُ »
يقولُ: يكثُرُ(٤) المطرُ عليه. وأعدادٌ جمعُ عِدِّ؛ وهو الماءُ الغزيرُ، ومنه
الحديثُ فى الماءِ العِدِّ(٥).
وقال عمرُ بنُ أبى ربيعةً(٦):
القبس
!
(١ - ١) فى الأصل: ((جهة الجوف))، وكتب فوق كلمة ((الجوف)) كلمة ((الشمال))، وفى ف:
(جهة الحوف)).
(٢) سقط من: ف، وفى م: ((الفرات)).
(٣) هذا عجز بيت فى ديوانه ص ١٥٢. وصدره :
* لتروى به سعدى ويروى محلها *
(٤) فى الأصل: ((بكثرة))، وفى ر: ((لكثرة).
(٥) أخرجه أبو داود (٣٠٦٤) من حديث أبيض بن حمال .
(٦) البیتان فى شرح ديوانه ص ٤٩٧.
٤٧٦
الموطأ
التمهيد
سكَبتُ الدمعَ مُتَّسِقا (١)
إذا ما زَيْنَبِ ذُكِرَتْ
بماءٍ حُمِّلَتْ غَدَقا
كأنَّ سحابةً تَهْمِى
وقولُ رسولِ اللهِ وَلِّ فى هذا الحديثِ إِنما خرَج على العُرْفِ والعادةِ ، لا على
أنه يَعلمُ نزولَ الماءِ(٢) بشىءٍ مِن الأشياءِ علمًا صحيحًا لا يُخْلَفُ؛ لأن ذلك من
علم الغيبِ"، بل قد صَحَّ أن المُدْرِكَ لعلم شىءٍ مِن ذلك مَرَّةً قد يُخْطِئُّ فيه مِن
الوجهِ الذى أصابَ مرةً أخرى، فليس بعلم صحيح يُقْطَعُ(٤) عليه، ومعلوم أن
النَّوْءَ قد يَخْوِى(٥) فلا يُنزِلُ شيئًا، وإنما هى تجارِبُ تُخْطِئُ وتُصِيبُ ، وعلمُ الغيبِ
على صحَّةٍ هو للهِ عزَّ وجلَّ وحدَه لا شريكَ له ، وتُزُولُ الغيثِ مِن مفاتيحِ الغيبِ
الخمسِ التى لا يعلَمُها إلا اللهُ عزَّ وجلَّ.
حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ عمرَ بنِ إسحاقَ الجوهرىُّ،
حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ الحَجَّاجِ، حدَّثنا يحيى بنُ بُكَيرٍ، وسعيدُ بنُ عُفَيرٍ ،
قالا : حدَّثنا مالكٌ، عن عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ ، عن ابنِ عمرَ، أنه قال : مفاتيح
الغيبِ خمسٌ لا يعلمُها إلا اللهُ؛ لا يعلمُ ما فى غدٍ إلا اللهُ، ولا يعلمُ ما تَغِيضُ
الأرحامُ إلا اللهُ، ولا يعلمُ متى يأتى المطرُ إلا اللهُ، ولا تَذْرِى نفسٌ بأىِّ أرضٍ
القبس
(١) فى ر: ((مستبقا)).
(٢) فى ر: ((الغيث)).
(٣ - ٣) ليس فى: الأصل، ر، وفى ف: ((لأن ذلك من مفاتيح الغيب الخمس التى لا يعلمها إلا الله)).
(٤) بعده فى ر: (به)) .
(٥) فى ر: ((يجرى)).
(٦) بعده فى الأصل، ف، م: ((ماذا تكسب غدًا، وما تدرى)).
٤٧٧
الموطأ
تموتُ، ولا يعلمُ متى تقومُ الساعةُ إلا اللهُ. هكذا حدَّثنى به موقوفًا عن ابنِ عمرَ
لم يتجاوزه.
التمهید
وقد ژُوی هذا الحديثُ مرفوعًا عن مالك ، عن عبدِ اللهِ بنِ دینارٍ ، عن ابنِ
عمرَ، عن النبيِّ ◌َلِّ، أنه قال: ((مفاتيح الغيبِ خمسٌ لا يعلمُها إلا اللهُ)). ثم
تلا: ((﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِىِ الْأَرْحَاءِ وَمَا
تَدْرِى نَفْسُ مَّاذَا تَحْكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِى نَفْسُ بِأَتِ أَرْضِ تَمُوتُ إِنَّ اللّهَ عَلِيهُ
خَبِيرٌ﴾)) [لقمان: ٣٤].
وثمَّن رفَع هذا الحديثَ؛ سليمانُ بنُ بلالٍ (١)، وإسماعيلُ بنُ جعفرٍ، وصالحُ
ابنُّ قدامةً، روَوه عن عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ بَظله . وقد
قال وَله: ((مَن قال: مُطِرْنا بنَوْءِ كذا وكذا". فهو كافر بى" مؤمنٌ
بالكوكبٍ))(٩). وهذا عندَ أهلِ العلمِ محمولٌ على ما كان أهلُ الشركِ يقولونه مِن
إضافةِ المطرِ إلى الأنواءِ دونَ اللهِ تعالى ، فمَن قال ذلك واعتَقَده فهو كافرٌ باللهِ كما
قال رسولُ اللهِ وَّةِ؛ لأنَّ النَّوْءَ مخلوقٌ، والمخلوقُ لا يملِكُ لنفسِه نفعًا ولا ضرًّا.
وأمَّا مَن قال: مُطِرْنا بنَوْءِ كذا وكذا . على معنى مُطِرْنا فى وقتٍ كذا وكذا،
القبس
(١) أخرجه البخارى (٧٣٧٩) من طريق سليمان بن بلال به .
(٢) أخرجه النسائى فى الكبرى (١١٢٥٨)، وابن حبان (٧٠، ٧١)، والبغوى فى شرح السنة
(١١٧٠) من طريق إسماعيل بن جعفر به .
(٣) ليس فى: الأصل، ر، ر١، م.
(٤) فى الأصل، ر، ر١، م: ((بالله)).
(٥) تقدم فى الموطأ (٤٥٣).
٤٧٨
٤٥٥ - وحدَّثنى يحيى، عن مالكِ، أَنَّه بلغه أن أبا [٧٠ ظ] هريرةَ الموطأ
كان يقولُ إذا أصبَح وقد مُطرَ الناسُ: مُطرنا بنَوْءِ الفَتْح. ثم يتلُو هذه
الآيةَ: ﴿مَّا يَفْتَحِ اَللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَ مُمْسِكَ لَهَا﴾(١) [فاطر
فإن النَّوْءَ الوقتُ فى لسانِ العربِ أيضًا ، يريدُ أن ذلك الوقتَ يُعَدُ فيه، ويُعرَّفُ التمهيد
نزولُ الغيثِ بفعلِ اللهِ وفضله ورحمتِه ، فهذا ليس بكافرٍ . وقد جاء عن عمرَ أنه
قال للعباسِ: ما بقِى مِن نَوْءِ الُّرِيًّا، وما بقِى مِن نَوْءِ الربيع (١؟ على العادةِ والعُزْفِ
عندَهم ، أن تلك الأوقاتَ أوقاتُ أمطارٍ ، إذا شاء ذلك الواحدُ القهَّارُ، وقد زِدْنا
هذا المعنى بيانًا فى بابٍ صالح بنِ كَيْسانَ مِن هذا الكتابِ ، والحمدُ للهِ .
الاستذكار
القبس
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (٦١٤). وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى تفسير ابن كثير
٥٢٠/٦ - من طريق مالك به .
(٢) تقدم ص ٤٦٤، ٤٦٨.
٤٧٩
الموطأ
النهىُ عن استقبالِ القبلةِ والإنسانُ على حاجتِه
٤٥٦ - حدَّثنى يَحيى عن مالكِ ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أبی
طلحةَ ، عن رافع بنِ إسحاقَ ، مَولَّى لآلِ الشِّفاءِ، وكان يُقالُ له مولَی ابی
طلحةً ، أنه سمِع أبا أيوبَ الأنصارىَّ، صاحبَ رسولِ اللهِ وَظله وهو
بمصرَ يقولُ : واللهِ ما أدرى كيف أصنعُ بهذه الكرابيس ، وقد قال رسولُ
اللهِ وَّ: ((إذا ذهَب أحدُكم الغائطَ أو البولَ، فلا يستَقبِل القِبْلَةَ ولا
يَسْتَدبرها بفَرْجِه)).
التمهید
مالِكٌ ، عن إِسْحَاقَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أبى طَلْحَةَ، عن رافِع بنٍ إِسْحاقَ ، مَوّی
لآلِ الشِّفاءِ، وكان يُقالُ له : مَوْلَى أبى طَلْحَةَ، أَنَّه سَمِعَ أبا أيُّوبَ الأَنْصَارِئَّ
صاحِبَ رسولِ اللهِ وَ له وهو بمِصْرَ يقولُ: واللهِ ما أدْرِى كيفَ أَصْنَعُ بهذه
الكَرابِيسِ، وقد قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إذا ذَهَبَ أَحَدُكم (١) الغائطَ أو البولَ، فلا
يسْتَقْبِلِ القبلةَ، ولا يَسْتَدْبِرْها بِفَرْجِه)) (١).
القبس
بابُ اسْتِقبالِ القِبلةِ للحاجةِ
فى هذا البابِ ستةُ أحاديثَ ؛
الأولُ، حديثُ أبى أيوبَ قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إذا ذهَب أحدُكم
للغائطِ أو البولِ، فلا يَسْتَقْبِلِ القِبْلةَ ولا يَسْتَدْبِرْها بفَرْجِه)).
(١) بعده فى ق، م: ((إلى)).
(٢) الموطأ برواية أبى مصعب (٥٠٧). وأخرجه أحمد ٤٩٦/٣٨ (٢٣٥١٤)، والنسائى (٢٠) من
طريق مالك به .
٤٨٠