Indexed OCR Text

Pages 421-440

الموطأ
التمهيد
أيُعذّبُ الناسُ فى قبورِهم ؟ فقال رسولُ اللهِ ◌َّټ عائذا باللهِ من ذلك ، ثم ر کِب
رسولُ اللهِ وَلِّ ذاتَ غَدَاةٍ مَوْكَبًا، فخسفت الشمسُ، فرجَع ضحَى ، فمرَّ بينَ
ظَهْرَى الْحُجَرِ، ثم قام يصلِّى وقام الناسُ وراءَه، فقام قيامًا طويلًا، ثم ركَعَ
ركوعًا طويلًا، ثم رفَع فقام قيامًا طويلًا وهو دونَ القيامِ الأولِ، ثم ركع ركوعًا
طويلًا وهو دونَ الركوعِ الأُولِ، ثم رفَع فسجَد، ثم قام قيامًا طويلًا وهو دونَ
القيام الأول ، ثم ركَع ركوعًا طويلًا وهو دونَ الركوع الأُولِ ، ثم رفَع فقام قيامًا
طويلًا وهو دونَ القيامِ الأولِ ، ثم ركع ركوعًا طويلًا وهو دونَ الركوع الأُولِ ، ثم
رفَع، ثم سجَد ، ثم انصرَف فقال ما شاء اللهُ أن يقولَ ، ثم أمَرهم أن يتعوَّذوا من
عذابِ القيرِ (١).
فى هذا الحديثِ دليلٌ على أن عذاب القبرِ تعرِفُه اليهودُ؛ وذلك، واللهُ
أعلمُ ، عن التوراةِ؛ لأن مثلَ هذا لا يُدركُ بالرأيِ . وأما صلاةُ الكسوفِ ، فقد
مضَى القولُ فيها ممهّدًا فى بابٍ زيدِ بنِ أسلمَ "من هذا الكتاب(٢)، وحديثُ
مالكِ عن زيدِ بنِ أسلمَ ، عن عطاء بن يسارٍ ، عن ابن عباسٍ، وحديثُه عن هشامٍ
ابنِ عروةً، عن أبيه ، عن عائشةً، وحديثُه هذا عن يحيى بن سعيدٍ ، عن عمرةَ،
القبس
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (٦٠٧). وأخرجه الدارمى (١٥٧١)، والبخارى (١٠٤٩، ١٠٥٠،
١٠٥٥، ١٠٥٦) من طريق مالك به.
(٢ - ٢) ليس فى: الأصل، م.
(٣) تقدم ص٣٩٢ - ٤٠٧ .
(٤) تقدم ص٣٨٦ - ٤٠٠.
٤٢١

الموطأ
التمهيد عن عائشةً، كلَّها فى صلاة الكسوفِ بمعنَى واحدٍ ؛ ركعتين، فى كلّ ركعةٍ
ركوعان ، والقولُ فيها فى موضعٍ واحدٍ يغنى .
وقد مضى من القولِ والأثرِ فى عذابِ القبرِ فى بابٍ هشامٍ بنٍ عروةَ، عن
فاطمةً بنتِ المنذرِ ، عن أسماءَ، من هذا الكتابِ ما فيه كفايةٌ(١).
وأما قولُه : خسفت الشمسُ. فالخُشُوفُ بالخاءِ، عندَ أهلِ اللغةِ، ذَهابُ
لونِها، وأما الكُشُوفُ، بالكافِ ، فتغيُّرُ لونِها، قالوا: يقالُ: بئرٌ خَسِيفٌ . إذا
غار ماؤها ، و: فلانٌ كاسفُ اللونِ . أى متغيّرُ اللونِ إلى السوادِ ، وقد قيل :
الخسوفُ والكسوفُ بمعنّى واحدٍ. واللهُ أعلمُ .
القبس
وذكَر عذاب القبرِ، وهو أصلٌ مِن أُصُولِ السُنَّةِ لا يُتْكِرُه إلا غَبِىِّ(٢) أو مُلْحِدٌ،
نصَّ اللهُ عليه فى القرآنِ، وذكّره النبىُ وَلِّ فى أحاديثَ كثيرةٍ .
والمرءُ يُصَرَّفُ بينَ الحياةِ والموتِ منذُ خُلِقَ إلى أن يَدْخُلَ الجنة أو النارَ خمسَ
مراتٍ :
الأُولى: فى صُلْبٍ آدمَ. ولا يُؤْمِنُ بها إلا سُنٌِّ. والثانيةُ: حياةُ الدنيا. ولا
يُنْكِرُها أحدٌ؛ لأنها مُشاهَدَةٌ . والثالثةُ: فى القبرِ . ولا تضِيقُ عنها إلا حَوصلةُ مُلْحِدٍ .
والرابعةُ : حياةُ الآخرةِ . والخامسةُ: رُوى فى الآثارِ أن الله تعالى أمَر إبراهيمَ عليه
السلامُ، فنادَى: أيُّها الناسُ، حُبُوا. ثم أوجَدَ له الخلقَ، وأسْمَعَهم النداءَ، فمَن
(١) سيأتى ص٤٢٩ - ٤٣٧ .
(٢) فى حاشية د: ((أعمى)).
٤٢٢

الموطأ
التمهيد
قرَأْتُ على ("خلفٍ بن١) أحمدَ، "أن أحمدَ بنَ مطرف حدَّثهم، قال:
حدَّثنا أيوبُ بنُ سليمانَ ومحمدُ بنُ عمرَ بنِ لبابةَ ، قالا : حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ
إبراهيمَ أبو زيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ يزيدَ المقرىُّ، عن موسى بنِ عُلَىِّ ، قال :
سمِعتُ أبى يقولُ : كنتُ عندَ عمرو بنِ العاصى بالإسكندريةِ ، فكَسِف بالقمرِ
ليلةٌ ، فقال رجلٌ من القوم : سمِعتُ قسطالَ هذه المدينةِ يقولُ : يُكسفُ بالقمرِ
هذه الليلةَ. فقال رجلٌ من الصحابةِ: كذَب أعداءُ اللهِ؛ هم ) علِموا ما فى
الأرضِ ، فما علمُهم بما فى السماءِ؟! ولم يرَ عمرٌو ذلك كثيرًا أو كبيرًا ، ثم قال
عمرو : إنما الغيبُ خمسٌ، ما سوَى ذلك يعلَمُه قومٌ، ويجهَلُه آخرون ؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ
القبس
أجابَه حَجَّ، ومَن لم يُجِبْه لم يَحُجّ، وذلك قولُه: ﴿ وَأَذِّن فِ النَّاسِ
بِالْحَيَجْ﴾ [الحج: ٢٧]. وذلك جائزٌ فى حكم اللهِ تبارك وتعالى وَقُدْرَتِه لوصحَّ ، ومعنى
قولِهِ: ﴿وَأَذِّن فِ النَّاسِ بِالْحَجِ﴾. أعْلِمْهم به. فإن قيل: أنتم تقولون: يُقامُ
الميتُ فى قبرِهِ وَيُقْعَدُ. ونحن نشاهِدُه ساكنًا لا يَتَحرَّكُ؟ قلنا: إن كان هذا السائلُ
كافرًا، فكلامُنا معه فى كُتُبِ الأصولِ فتُبِيِّنُ مُتَعَلِّقَ القدرةِ، وكيفيةَ الإدراكِ، وإن
كان مِن جِلْدتِنا، قلنا: يكونُ هذا كما يأتى جبريلُ إلى النبيِّ وَلِّ وهو فى أصحابِهِ
فيُكَلِّمُه مِثلَ (١) صَلْصَلةِ الجَرَسِ، فلا يَرى أحدٌ شيئًا ولا يسمَعُ صوتًا(١).
(١ - ١) فى ف: ((عبد الوارث بن سفيان أن)).
(٢ - ٢) سقط من: م. وهو إسناد دائر.
(٣) فى ر: ((هذا))، وفى ف، م: ((هذا هم).
(٤) ينظر تفسير ابن جرير ٥١٣/١٦ - ٥١٧، والدر المنثور ٤٦٤/١٠ - ٤٦٩.
(٥ - ٥) ليس فى : د .
(٦) فى ج، م: ((بمثل)).
(٧) سيأتى فى الموطأ (٤٧٧).
٤٢٣

الموطأ
ما جاء فى صلاة الكسوفِ
٤٤٩ - حدَّثنى يحيى ، عن مالكِ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن
فاطمةَ بنتِ المنذرِ ، عن أسماء بنتٍ أبى بكرِ الصدِّيقِ ، أنها قالت : أتيتُ
عائشةً زوجَ النبيِّ وَلِّ حِينَ خَسَفت الشمسُ، [٦٩و] فإذا الناسُ قيامٌ
يُصَلُّون ، وإذا هى قائمةٌ تُصَلِّى ، فقلتُ : ما للناسِ ؟ فأشارتْ بيدِها نحوَ
السماءِ وقالت : سبحانَ اللهِ . فقلتُ: آيةٌ ؟ فأشارت برأسِها أن نَعَمْ .
التمهيد
عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّكُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِ الْأَرْحَاءِ وَمَا تَدْرِى نَفْسُ مَّاذَا
تَكْسِبُ غَدّاً وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَّ أَرْضِ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾
[ لقمان : ٣٤] .
وذكره ابنُّ وهبٍ فى ((جامعِه)) عن موسى بنِ عُلَىِّ ، عن أبيه مثلَه سواءً .
قال أبو عمرَ : روَى مالكٌ وغیرُه ، عن عبدِ اللهِ بنِ دینارٍ ، عن ابنِ عمرَ، عن
النبيِّ وَلِّ أنه قال: ((مفاتيح الغيبِ خمسٌ)). ثم ذكَر مثلَه سواءً". وباللهِ
التوفيق .
مالكٌ، عن هشام بن عروةً، عن فاطمةً بنتِ المنذرِ، عن أسماءَ بنتٍ
أبى بكرٍ، أنها قالت: أَتَيتُ عائشةً حينَ خسفت الشمسُ، فإذا الناسُ قيامٌ
يصلُّون ، وإذا هى قائمةٌ تُصلِّى ، فقلتُ: ما للناسِ ؟ فأشارَت بيدِها نحوَ السماءِ،
القبس
(١) سيأتى تخريجه ص٤٧٨ .
٤٢٤

قالت: فَقُمْتُ حتى تجلَّانى الغَشْئُ، وجعَلتُ أَصُبُّ فوقَ رأسِى الماءَ ، الموطأ
فحمِدَ اللهَ رسولُ اللهِ نَّهِ وَأَثْنَى عليه، ثم قال: ((ما مِنِ شىءٍ كنتُ لم
أَرَه إلّ وقد رأيتُه فى مقامِى هذا، حتى الجنةُ والنارُ، ولقد أُوحِى إلىّ أنكم
تُفتنون فى القبورِ مِثلَ أو قريبًا مِن فتنةِ الدَّتَجَالِ - لا أدرِى أَتَهما قالت
أسماءُ - يُؤْتَى أحدُكم فيُقالُ له : ما عِلمُك بهذا الرجلِ ؟ فأما المؤمنُ أو
المُوقِنُ - لا أدرى أىَّ ذلك قالت أسماءُ - فيقولُ: هو محمدٌ رسولُ
اللهِ جاءَنا بالبيّناتِ والهُدَى فَأَجَبْنا وآمنَّا واتَّبَعنا. فيقالُ له: ثَمْ صالحاً، قد
عَلِمنا إن كنتَ لَمُؤْمِنًا. وأمَّا المنافقُ أو المرتابُ - لا أدرِى أيَّهما قالت
أسماءُ - فيقولُ: لا أدرى، سمِعتُ الناسَ يقولونَ شيئًا فقلتُه)).
التمهيد
وقالت : سبحانَ اللهِ . فقلتُ : آيةٌ ؟ فأشارَت برأسِها أن نَعَمْ. قالت : فقمتُ
حتى تَجَلَّانى الغَشْىُ، وجعَلتُ أَصُبُّ فوقَ رأسى الماءَ، فحمِدَ اللهَ رسولُ اللهِ
وَلَّه وأثنَى عليه، ثم قال: ((ما مِن شىءٍ كنتُ لم أرَه إلا وقد رأيتُه فى مقامِی
هذا، حتى الجنةُ والنارُ، ولقد أَوحى إلىَّ أنكم تُفْتَنون فى القبورِ مثلَ أو قريبًا مِن
فتنةِ الدجالِ - لا أدرِى أَيَتَهما قالت أسماءُ - يُؤْتَى أحدُكم فيقالُ له: ما عِلْمُك
بهذا الرجلِ ؟ فأمَّ المؤمنُ أو المُوقِنُ - لا أدرِى أىَّ ذلك قالت أسماءُ - فيقولُ: هو
محمدٌ رسولُ اللهِ ، جاءنا بالبيناتِ والهُدى، فأجَبْنا وَآمَنَّا واتَّبَعْنا. فيقالُ له : تَمْ
صالحاً ، قد علِمنا إن كنتَ لمؤمنًا. وأما المنافقُ أو المُرْتابُ - لا أدرِى أَيُّهما قالت
أسماءُ - فيقولُ: لا أُدرِى، سمِعتُ الناسَ يقولون شيئًا فقلتُه)) (١).
القبس
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (٦٠٤). وأخرجه البخارى (١٨٤، ١٠٥٣، ٧٢٨٧)، وأبو عوانة =
٤٢٥

الموطأ
التمهید
قد مضَى معنى الكسوف والخُسوفِ فى اللغةِ ، فيما تقدَّم مِن حديثٍ
هشام(١)، ومضَت معانى صلاةِ الكسوف فى بابٍ زيدِ بنِ أسلمَ(٢) . وفى هذا
الحديثِ مِن الفقهِ أن الشمسَ إذا كسَفت بأقلِّ شىءٍ منها، وجَبت الصلاةُ لذلك
على سُنَّتِّها؛ ألا ترَى إلى قولٍ أسماءَ: ما للناسِ؟ فأشارت لها عائشةُ إلى
السماءِ، فلو كان كسوفًا بيّنًا ما خفِى على أسماءً ولا غيرِها حتى تحتاج أن يشارَ
إلى السماءِ ، وقالت طائفةٌ مِن أصحابِنا وغيرِهم : إن الشمسَ لا يُصلّى لها حتى
تشْوَدَّ بالكسوفِ أو يسودَّ أكثرُها؛ لما رُوى فى حديثِ الكسوفِ: ((إن الشمسَ
◌ُسف بها وصارَت كأنها تَنُّومَةٌ))(٣). أى: ذهَب ضوءُها واسودَّت، والتَُّومُ
نباتٌ أسودُ. وهذا القولُ ليس بشىءٍ؛ لأن رسولَ اللهِ وَّهِ لم يَقُلْ: لا يُصلَّى
لكسوفِها حتى تَشْودَّ. بل صلَّى لها فى كلتا الحالتين، وليس فى إحداهما ما يدَفَعُ
الأخرى، وليس ما ذُكِر فى الصحةِ كحديثٍ أسماءً .
وفيه أيضًا مِن الفقهِ دليلٌ على أن خسوفَ الشمسِ يصلَّى لها فى جماعةٍ ،
وهذا المعنى وإن قام دليلُه مِن هذا الحديثِ، فقد جاء منصوصًا فى غيرِه،
والحمدُ للهِ، وهو أمرٌ لا خلافَ فيه، وإنما الاختلافُ فى كيفيةِ تلك الصلاةِ .
القبس
= (٢٤٣٩)، وابن حبان (٣١١٤) من طريق مالك به.
(١) تقدم ص٣٨٦ .
(٢) تقدم ص ٣٩٢ - ٤٠٧ .
(٣) هو لفظ حديث سمرة بن جندب، وقد تقدم تخريجه ص٣٩٩، ٤٠٠.
٤٢٦

الموطأ
وفيه دليلٌ على أن صلاةَ خسوفٍ الشمس لا يُجهزُ فيها بالقراءة ، وقد ذكرنا
الحُجّةَ فى أن القراءةَ فى الكسوفِ سرًّا، واختلافَ العلماءِ فى ذلك، ووجوه
أقوالھم فی باپٍ زیدِ بنِ أسلمَ مِن هذا الكتاب .
التمهید
وفيه أن المصلِّىَ إذا كُلِّم أشار ولم يتكَلَّمْ؛ لأن الكلامَ ممنوعٌ منه فى الصلاةِ .
وفيه أن النساءَ يسبّحن إذا نابَهنَّ شىءٍ فى الصلاةِ ؛ لقولٍ عائشةَ حينَ سألَتها
أسماءُ: ما للناسِ ؟ فقالت: سبحانَ اللهِ . وأشارت بيدِها ولم تصفّقْ، وفى هذا
حُجَّةٌ لمالكِ فى قولِه : إن النساءَ والرجالَ فى هذا المعنى سواءٌ ، مَن نابَه منهم شىءٌ
فى صلاتِه سبَّح ولم يُصفِّقْ، رجلًا كان أو امرأةً ، وقد ذكرنا ما فى هذه المسألةِ
مِن الآثارِ واختلافِها ، وما للعلماءِ مِن المذاهبِ فيها ، فى بابِ أبى حازمٍ مِن كتابنا
هذا (١). والحمدُ للهِ .
وفيه أن الإشارةَ باليدِ وبالرأسِ لا تضُرُّ المصلِّىَ ولا بأسَ بها. وأما قولُها:
فقمتُ حتى تجلَّانى الغَشْىُ. فمعناه: أنها قامت حتى غُشِى عليها ، أو كاد أن
يُغْشَى عليها مِن طول القيامِ، وفى هذا دليلٌ على طول القيامِ فى صلاةٍ
الكسوف .
وأما قولُه : فحمِد الله وأثنى عليه . فذلك كان بعدَ الفراغ مِن الصلاةِ، وقد
ذكّرنا اختلافَ الفقهاءِ فى الخطبةِ بعدَ الكسوفِ ، فيما تقدَّم مِن حديثِ هشامِ بنِ
عروةً فى هذا الكتابٍ(١).
القبس
(١) تقدم ص ٥٢ - ٥٧ .
(٢) تقدم ص٣٨٧ - ٣٨٩.
٤٢٧

الموطأ
التمهيد
وأما رؤيتُه وَّ للجنةِ والنارٍ ، فذلك ثابتٌ عنه فى كثيرٍ مِن الآثارِ ، ونحن لا
نُكيِّفُ ذلك ولا نحُدُّه .
وأما قولُه: ((أُوحى إلىَّ أنكم تُفْتَنون فى قبورٍ كم)). فإنه أراد فتنةَ الملكَين
منكرٍ ونكيرٍ ، حينَ يَسْألانِ العبدَ : مَن ربُّك؟ وما دينُك؟ ومَن نبيك؟ والآثارُ
فى هذا متواترةٌ ، وأهلُ السنة والجماعةِ كلُّهم على الإيمانِ بذلك، ولا ينكره إلا
أهلُ البدعِ .
وفى قوله: ((مثلَ أو قريبًا (١) مِن فتنةِ الدجالِ)). دليلٌ على أنهم كانوا يُراعون
الألفاظَ فى الحديثِ المسندِ، وهذا فى طائفةٍ مِن أهلِ العلم، وطائفةٌ يُجيزون
الحديثَ بالمعانى، وهذا إنما يصِحُ لَّن يعرفُ المعانىَ ومذاهبَ العربِ، وهو
مذهبُ ابنِ شهابٍ ، وعطاءٍ، والحسنِ، وجماعةٍ غيرِهم، وكان مالكٌ لا يجيزُ
الإخبارَ بالمعانى فى حديثِ رسولِ اللهِ وَّهلمن قدَر على الإتيانِ بألفاظِهِ.
حدَّثنا خلفُ بنُ أحمدَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطَرِّفٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ
ابنُ خالدٍ ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ مسكينِ ، أخبرنا
يوسفُ بنُ عمٍو ، عن ابنٍ وهبٍ ، قال : سمِعتُ مالكًا وسُئل عن المسائلِ إذا كان
المعنى واحدًا والكلامُ مختلفٌ، فقال: لا بأسَ به إلا الأحاديثَ التى عن
رسولِ اللهِ أَلتر .
حدَّثنا أحمدُ بنُّ سعيدِ بنِ بشرٍ ، قال: حدَّثنا ابنُّ أبى دُلَيم ، قال: حدَّثنا ابنُ
القبس
(١) فى النسخ: ((قريب)). والصواب ما أثبتناه.
٤٢٨

الموطأ
التمهيد
وضَّاح ، قال: حدَّثنا زيدُ بنُ البشرِ ، قال : سمِعتُ ابنَ وهبٍ يقولُ : سأل مالكًا
رجلٌ ، فقال : الكتابُ يُعرَضُ عليك ، فينقلِبُ به صاحبُه ، فيبيتُ عندَه ، أيجوزُ
أن أُحدِّثَ به؟ قال : نعم .
قال أبو عمرَ : هذا خلافُ روايةِ أشهبَ ؛ لأن أشهبَ روَى فى مثلٍ هذا
المعنى : أخشى أن يُزادَ فى كتبِه بالليلِ . ومحملُ الروايتين عندى على أن الثقةَ جائزٌ
أن يعارَ الكتبَ، ثم يُحدِّثَ بما استعارَ مِن ذلك، وأما غيرُ الثقةِ المأمونِ عليها فلا .
وأما الفتنةُ فلها فى كلام العربِ وجوه كثيرةٌ ؛ منها ، أن يُفتنَ الرجلُ فى دينِه
يبَلْوَى مِن سلطانٍ غالبٍ، أو بهوّى يصرفُه عن الصوابِ فى الدينِ، أو
بحبٌّ يَشغَلُ قلبَه حتى يركبَ ما لا يحِلُّ له، فهذه فتنةٌ تُشْرَبُها القلوبُ
كما أُشْرِبَ بنو إسرائيلَ حبَّ العجلِ وفُتنوا به، والفتنةُ الحرقُ بالنارٍ ،
وللفتنةِ وجوةٌ كثيرةٌ .
• وأما قولُهُ وَلَّهِ: ((إنكم تُفْتَنون فى قبورِ كم كفتنة الدجالِ أو قريبٍ منها)).
فالفتنةُ هلهنا معناها الابتلاءُ والامتحانُ والاختبارُ، ومِن ذلك قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ
لموسى: ﴿وَفَتَّكَ فُنُونًا﴾ [طه: ٤٠]. أى: ابتليناك ابتلاءً واختبرناك اختبارًا ، وفى
عذاب القبرِ نزَلت: ﴿يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا
وَفِ الْآَخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧].
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ
ابنُّ إِسحَاقَ القاضى ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ مرزوقٍ ، قال : أخبرنا شعبةُ ، عن
.
القبس
٤٢٩

الموطأ
علقمةَ بنِ مَرْثَدٍ، عن سعدِ بنِ عُبيدةَ، عن البراءِ بنِ عازبٍ عن النبيِّ وَلَّه قال:
التمهید
((﴿يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِي
اُلْآَخِرَةِ﴾)). قال: ((فى القبرِ إذا سُئل: مَن ربُّك؟ وما دينُك؟ ومَن
(٢)
نبيك؟))(٢).
ورواه غُندَرٌ وغيرُه هكذا عن شعبةَ بإسنادِهِ مثلَه(٣).
وروَى أبو معاويةً، عن الأعمشِ، عن سعدِ بنِ عُبيدةً، عن البراءٍ، مثلَه
.(٤)
موقوفًا (٤).
وذكَر بَقِىٌّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبى إسرائيلَ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ
يوسفَ، عن ابنِ جريج: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِ الْحَيَوْةِ
الذُّنْيَا﴾: لا إلهَ إلا اللهُ، ﴿وَفِ الْآَخِرَةِ﴾: المسألةُ فى القبرِ، أخبرنيه ابنُ
طاوسٍ ، عن أبيه .
وروَى الأعمشُ(٥)، ويونسُ بنُ خَابٍ(٥) ، عن المنهالِ بنِ عمرٍو، عن
القبس
(١) فى م: ((محارب)) وينظر تهذيب الكمال ٣٤/٤.
(٢) أخرجه أحمد ٤٣٥/٣٠ (١٨٤٨٢)، والبخارى (١٣٦٩، ٤٦٩٩)، وأبو داود (٤٧٥٠)،
والترمذى (٣١٢٠) من طريق شعبة به .
(٣) أخرجه أحمد ٥٤٠/٣٠ (١٨٥٧٥)، والبخارى (١٣٦٩)، ومسلم (٢٨٧١)، وابن ماجه
(٤٢٦٩)، والنسائى (٢٠٥٦) من طريق غندر به .
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٧٧/٣، ٣٦٧/١٣، ٣٦٨، وهناد فى الزهد (٣٤٠)، وابن جرير فى تفسيره
٦٥٨/١٣، والآجرى فى الشريعة (٨٦٧) من طريق أبى معاوية به.
(٥) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (٥٦٨) من الموطأ .
٤٣٠

الموطأ
التمهيد
زاذان ، عن البراءِ بنِ عازپٍ ، قال : خرجنا مع رسولِ اللهِ پێے فی جنازةٍ . فذكر
الحديثَ الطويلَ بتمامِه ، وفيه فى صفةِ المؤمنِ : ((ثم يعادُ روحُه إلى جسدِه ، وأنه
لَيَسمَعُ خَفْقَ نعالٍ أصحابِه إذا ولَّوا عنه ، ويدخُلُ عليه ملكان فيقولان له: مَن
ربِّك؟ فيقولُ: اللهُ. فيقولان له : ما دينك؟ فيقولُ: الإِسلامُ. فيقولان له : ما
كنتَ تقولُ فى هذا الرجلِ ؟ فيقولُ: وأىُّ رجلٍ؟ فيقولان: محمدٌ رسولُ اللهِ
وَه. فيقولُ: أَشهَدُ أنه رسولُ اللهِ)). قال: ((فيَنْتهِرانه ويقولان له: وما
يُدرِيك؟ فيقولُ : إنى قرأتُ كتابَ اللهِ فصدَّقتُ به وآمنتُ)). قال: ((فهی آخرُ
فتنةٍ تُعرضُ على المؤمنِ، وذلك قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِىِ الْخَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾)) [إبراهيم: ٢٧]. قال:
((ويُنادِى منادٍ مِن السماءِ: أن صدَق عبدى، فأفرشوه مِن الجنةِ، وألبسوه مِن
الجنةِ ، وأَرُوه مقعدَه مِن الجنةِ. فيأتِيه مِن طيِها)). وساقَ الحديثَ إلى صفةِ المنافقِ
والُرتابِ، قال: ((فيدخُلُ عليه ملكان فيقولان له: اجلِسْ)). قال: ((وإنه ليَسمَعُ
خَفْقَ نعالٍ أصحابِه إذا ولَّوا عنه)). قال: «فيَجْلِسُ فيقولان له : مَن رَبُّك ؟ وما
دينُك؟ ومَن نبيُّك؟)) . ففى روايةِ يونسَ بنِ خَبَّابٍ: «فيقولُ : ربِّىَ اللهُ، ودینیَ
الإِسلامُ، ونبِّى محمدٌ وَلَهـ فيَنْتِهِرانه انتهارًا شديدًا ويقولان: مَن رِبُّك؟ وما
دينُك؟ ومَن نبيِّك؟ فيقولُ: لا أدرِى. فيقولان: لا دَرَيتَ ولا تَلَيْتَ)).
وقال الأعمشُ فى حديثه: ((فيقولان: مَن رِبُّك؟ وما دينك؟ فيقولُ: لا
أدرِى. فيقولان: ما تقولُ فى هذا الرجلِ؟ فيقولُ: وأىُّ رجلٍ ؟ فيقولان :
محمدٌ . فيقولُ: لا أدرِى. سمِعتُ الناسَ قالوا قولًا، فقلتُ كما يقولُ الناسُ)).
القبس
٤٣١

الموطأ
قال: ((فيُنادِى منادٍ مِن السماءِ: أن كذَب عبدى، فأفرشوه مِن النارِ، وأَرُوه
التمهيد
مقعدَه مِن النارِ . ويُضيَّقُ عليه قبرُه حتى تختلفَ أضلاعُه)). وساقا الحديثَ إلى
آخرِه .
ورُوِّينا عن محمدِ بنِ عمرو بنٍ علقمةً، عن أصحابِهِ، وعن معمرٍ، عن
عمرو بنٍ دينارٍ، وعن سعدِ بنِ إبراهيمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، دخَل حديثُ
بعضِهم فى بعضٍ والمعنَى واحدٌ ، أن رسولَ اللهِ وَ له قال لعمرَ: ((كيف بك
يا عمرُ إذا جاءك منكر ونكيرٌ إذا مِتَّ، وانطلَق بك قومُك فقاسُوا ثلاثةَ أذرع
وشبرًا فى ذراعٍ وشبرٍ، ثم غسّلوك وكفَّنوك وحنَّطوك واحتَملوك فوضَعوك فيه،
ثم أهالُوا عليك الترابَ ، فإذا انصرَفوا عنك، أتاك فَتَّانَا القبرِ؛ منكرٌ ونكيرٌ،
أصواتُهما كالرعدِ القاصفِ ، وأبصارُهما كالبرق الخاطفِ ، يَرَّانِ شعورهما ،
معهما مِرْزَبَةٌ، لو اجتمع عليها أهلُ الأرضِ لم يُقِلُّوها؟)). فقال: عمرُ: إِن
فَرِقْنا، فنحن أحقُّ أَن نَفْرَقَ، أَنْبعثُ على ما نحنُ عليه؟ قال: ((نعم إن شاء
اللهُ)). قال: إذنْ أكفيكَهما(١).
وذكَر سُنيدٌ، عن إسماعيلَ ابنٍ عُلَيَّةَ، عن عبادِ بنِ إسحاقَ ، عن أبى
سعيدِ المَقْبُرِىِّ، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلَهِ: ((إذا مات
المسلمُ أو المؤمنُ أتاه ملكان أزرقان أسودان، يقالُ لأحدِهما: منكرٌ. والآخرِ :
نكيرٌ. فيقولان: ما كنتَ تقولُ فى هذا الرجلِ؟ فيقولُ ما كان يقولُ فى
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (٦٧٣٨) عن معمر به، وأخرجه الآجرى فى الشريعة (٨٦١)، والبيهقى فى
عذاب القبر (١١٦) من طريق سعد بن إبراهيم به .
٤٣٢

الموطأ
التمهید
الدنيا ؛ هو عبدُ اللهِ ورسولُه جاء بالحقِّ. فيقالُ له : قد كنتَ تقولُ هذا. ثم
يُفتحُ له فى قبرِهِ سبعينَ ذراعًا فى سبعينَ، ويُنْوَّرُ له عندَه نورٌ، ويقالُ له : ثَمْ
صالحاً. فيقولُ: أرجعُ إلى أهلى فأُخبرُهم؟ فيقالُ له: ثَمْ نومةَ العروسِ الذى
لا يوقظُه إلا أحبُّ الناسِ إليه. حتى يبعثَه اللهُ من مضجعِه ذلك. وإن كان
منافقًا قال: سمِعتُ الناسَ يقولون شيئًا فقلتُه. فيقالُ: قد كنتَ تقولُ
ذلك)). قال: ((ثم تؤمرُ الأَرضُ فتَلتِمُ عليه حتى تختلفَ أضلاعُه، فلا
يزالُ كذلك معذَّبًا حتى ببعثَه اللهُ)) .
والآثارُ فى عذابِ القبرِ لا يَحوطُ بها كتابٌ ، وإنما ذكَرنا منها هلهنا ما فى
معنى حديثِنا، وما رجَونا أن يكونَ تفسيرًا له، والآثارُ المرفوعةُ كلُّها فى هذا
المعنى تدُلُّ على أن الفتنةَ، واللهُ أعلمُ ، مرةٌ واحدةٌ .
وكان عبيدُ بنُ عميرٍ - فيما ذكر ابنُ جريجٍ، عن الحارثِ بنِ أبى الحارثِ
عنه - يقولُ : يُفتَنُ رجلان؛ مؤمنٌ ومنافقٌ، فأما المؤمنُ فيُفتَنُ سبعًا، وأما المنافقُ
فيُفتَنُ أربعين صباحًا .
قال أبو عمرَ : الآثارُ الثابتةُ فى هذا البابِ إِنما تدُلُّ على أن الفتنةَ فى القبرِ لا
تكونُ إلا لمؤمنٍ أو منافقٍ، ممن كان فى الدنيا منسوبًا إلى أهلِ القبلةِ ودينٍ
الإسلامِ، ممن محُقن دمُّه بظاهرِ الشهادةِ ، وأما الكافرُ الجاحدُ المبطلُ ، فليس ممن
يُسألُ عن ربِّه ودينه ونبيّه، وإنما يُسألُ عن هذا أهلُ الإسلامِ ، واللهُ أعلمُ ، فيثبّتُ
القبس
٤٣٣
( موسوعة شروح الموطأ ٢٨/٦ )

الموطأ
اللهُ الذين آمنوا، ويرتابُ المبطلون، ألا ترَى إلى قولِهم فى تأويلِ قولِ اللهِ:
التمهید
يُثَبِّتُ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِي
اُلْأَخِرَةِ﴾ الآية [ إبراهيم: ٢٧].
وأما ما جاء مِن الآثارِ فى أن اليهودَ تعذَّبُ فى قبورِها ؛ ففى حديث أنسٍ ، أن
رسولَ اللهِ وَ لَّه مرَّ مع بلالٍ على البقيع، فقال: ((ألا تسمَعُ ما أسمَعُ يا بلالُ؟)).
قال: لا واللهِ يا رسولَ اللهِ ما أسمَعُ. قال: ((أما تسمَعُ أهلَ القبورِ
یعذّبون ؟))(٢).
يعنى قبورَ الجاهليةِ . فهذا واللهُ أعلمُ عذابٌ غيرُ الفتنةِ والابتلاءِ الذی یعرضُ
للمؤمنِ، وإنما هذا عذابٌ واصبٌ للكفارِ إلى أن تقومَ الساعةُ ، فيصِيرون إلى
النارِ، ألا ترَى إلى قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿ وَحَاقَ بِثَالِ فِرْعَوْنَ سُوَءُ الْعَذَابِ
٤٥
النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ
الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٥، ٤٦]. وجائزٌ أن يكونَ عذابُ القبرِ غيرَ فتنةِ القبرِ.
وقد ثبت عن النبيِّ ◌ََّ أنه كان يستعيذُ مِن فتنةِ القبرِ، وعذابِ القبرِ،
وعذابِ النارِ، فى حديثٍ واحدٍ ، وذلك دليلٌ على أن عذاب القبرِ غيرُ فتنةِ القبرِ
واللهُ أعلمُ؛ لأن الفتنةَ قد تكونُ فيها النجاةُ، وقد يُعذّبُ الكافرُ فى قبرِه على
كفرِهِ دونَ أن يُسألَ . واللهُ أعلمُ .
القبس
(١ - ١) سقط من: م.
(٢) أخرجه أحمد ١٠/٢٠ (١٢٥٣٠)، والبيهقى فى عذاب القبر (١٠٧، ١٠٩).
٤٣٤

الموطأ
التمهيد
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ أسدٍ ، قال : حدثنا حمزةُ بنُ محمدٍ ، قال :
حدَّثنا أحمدُ بنُّ شعيبٍ ، قال: أخبرنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ المباركِ، قال: حدَّثنا
أبو أسامةَ ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ ، قالت : كان
رسولُ اللهِ وَهِ كثيرًا ما يدعُو بهؤلاء الكلماتِ: ((اللهمَّ إنى أعوذُ بك مِن فتنةٍ
النارِ وعذابٍ ( النارِ(٢) ، وفتنةِ القبرِ وعذابٍ " القبرِ، وشرٌّ فتنةِ المسيحِ الدجالِ،
ومِن شرّ فتنةِ الفقرِ، ومِن شرّ فتنةِ الغِنى، اللهمَّ اغسِلْ خطاياىَ بماءِ الثلجِ
والبرَدِ ، وأنقٍ قلبى مِن الخطايا كما أنقيتَ الثوبَ الأبيضَ مِن الدَّنَسِ ، وباعدْ بينى
وبينَ خطاياىَ كما باعدتَ بينَ المشرقِ والمغربِ ، اللهمّ إنى أعوذُ بك مِن الكسلِ
والهَرَمِ والمأثِ والمغرمِ)) (9).
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا
أحمدُ بنُ شعيبٍ ، قال : أخبرنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ ، قال: أخبرنا جريرٌ، عن
هشامٍ بنِ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةً، قالت: كان رسولُ اللهِ وَلَهِ يقولُ:
((اللهمّ إنى أعوذُ بك مِن عذابِ النارِ وفتنةِ النارِ ، وفتنةِ القبرِ وعذابِ القبرِ، ومِن
شرِّ فتنةِ المسيحِ الدجالِ، ومِن شرِّ فتنةِ الغِنَى، وشرِّ فتنةِ الفقرِ، اللهمَّ اغسِلْ
القبس
(١ - ١) سقط من: م.
(٢) فى الأصل: ((القبر)). والمثبت من مصدر التخريج.
(٣) فى م: ((القبر)).
(٤) النسائى (٥٤٨١)، وفى الكبرى (٧٩٠٢). وأخرجه أحمد ٣٤٥/٤٠ (٢٤٣٠١)، والبخارى
(٦٣٦٨)، ومسلم (٨٥٩)، ٢٠٧٨/٤، وأبو داود (١٥٤٣)، والترمذى (٣٤٩٥)، وابن ماجه
(٣٨٣٨) من طريق هشام به .
(٥) ليس فى: الأصل، م. والمثبت من مصدر التخريج .
٤٣٥

الموطأ
التمهيد
خطاياىَ)). وذكر تمامَ الحديثِ، بمعنَى ما تقدَّم سواءً (١).
فهذا الحديثُ يدُلَّ على أن فتنةَ القبرِ غيرُ عذابِ القبرِ ؛ لأنَّ الواوَ تفصلُ بينَ
ذلك، هذا ما توجئُه اللغةُ، وهو الظاهرُ فى الخطابِ ، واللهُ أعلمُ .
وقد تقدَّم عن عبيدِ بنِ عميرٍ ، أنه قال : إنما يفتَنُ رجلان ؛ مؤمنٌ ومنافقٌ .
وهو معنى ما قلنا، وفى حديث زيدِ بنِ ثابتٍ، عن النبيِّ بَله، أنه قال: ((إن
هذه الأمةَ تُبْتَلَى فى قبورِها)). ومنهم مَن يَرويه: ((تُسألُ فى قبورِها)). وهذا
اللفظُ يَحتمِلُ أن تكونَ هذه الأمةُ خُصَّت بذلك، وهو أمرٌ لا يُقطعُ عليه،
واللهُ أعلمُ .
وحديثُ زيدِ بنِ ثابتٍ هذا رواه عنه أبو سعيد الخدرىُّ. ذكَره سُنيدٌ ،
وأبو بكرٍ بنُ أبى شيبةً(٢)، قالا: حدَّثنا إسماعيلُ ابنُ عُلَيَّةَ، عن الجُرَيرىِّ، عن
أبى نضرةَ، عن أبى سعيد الخدرىِّ، قال: حدَّثنا زيدُ بنُ ثابتٍ، أن رسولَ اللهِ
وٍَّ قال: ((إن هذه الأمةَ تُبْتَلَى فى قبورِها)). وقال ابنُ أبى شيبةَ: ((تُسألُ
فى قبورِها، فلولا ألَّ تدافَنوا، لدعوتُ اللهَ أن يُسمِعَكم مِن عذابِ القبرِ ما
أسمعُ)) .
وقد يجوزُ أن يتأوَّلَ متأوّلٌ فى هذا الحديثِ وسياقتِه على ما ذكره ابنُ
القبس
(١) النسائى (٥٤٩٢)، وفى الكبرى (٥٩، ٧٩١٢)، وإسحاق بن راهويه (٧٨٩).
(٢) ابن أبى شيبة ٣٧٣/٣.
٤٣٦

العملُ فى الاستسقاءِ
الموطأ
أبى شيبةً فيه ، أن فتنةَ القبرِ والسؤالَ فيه هو عذاب القبرِ. ولكن ما ذكرنا أظھَرُ فى
المعنى، وأحكامُ الآخرةِ لا مدخلَ فيها للقياسِ والاجتهادِ، ولا للنظرِ
والاحتجاجِ ، واللهُ يفعلُ ما يشاءُ لا شريكَ له .
التمهيد
وقد ذكَر سُنيدٌ ، عن إسماعيلَ ابنِ عُلَيَّةً، عن سعيدِ بنِ أبى عروبةً، عن
قتادةَ ، قال: ذُكر لنا أن عذاب القبرِ ثلاثةُ أَثلاثٍ ؛ ثُلُثْ مِن البولِ ، وَثُلُثْ مِن
الغِيبةِ ، وثُلُثّ مِن النميمةِ . وهذا لا حُجَّةَ فيه؛ لأنه ليس بمسندٍ ولا متصلٍ ، ولا
يُحتجُ بمثلِه، على أنه يَحتمِلُ أن يكونَ عذابُ القبرِ ههنا للمُرتابِ بعدَ السؤالِ
الذى هو الفتنةُ وسبئُها، واللهُ أعلمُ، ويَحتمِلُ أن يكونَ قولُه: ((عذابُ القبرِ)).
بمعنَى فتنةِ القبرِ ، فإنها تَئولُ إلى العذابِ وفيها عذابٌ ، واللهُ أعلمُ بحقيقةِ ذلك ،
لا شریک له .
القبس
بابُ صلاةِ الاسْتِسقاءِ
الاسْتِسقاءُ هو طَلَبُ السَّفْى، كما أن الاسْتِصْحاءَ هو طَلَبُ الصَّحْوِ، وقد
اسْتَسْقَى النبىُّ وَلَه واسْتَصْحَى. رواه أنش(١).
وسنتُها كسُنَّةِ صلاةِ العيدِ ، يُبْرَزُ إليها مِثْلَها . وقال أبو حنيفةً : ليس لها ذلك ؛
(١) سيأتى فى الموطأ (٤٥٢).
٤٣٧

الموطأ
٤٥٠ - حدّثنی یحیی ، عن مالك ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبی بکرِ بنِ
محمدِ بنِ عمرو بنِ حَزمٍ ، أَنَّه سمِع عَبَّدَ بنَ تميم يقولُ: سمِعتُ عبدَ اللهِ
ابنَ زيدِ المازِنِيَّ يقولُ: خرَج رسولُ اللهِ نَّه إلى المُصلَّى، فاستَشْقَى،
[٦٩ظ] وحوَّل رداءَه حينَ اسْتَقبَل القبلةَ.
التمهید
مالكٌ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبى بكرٍ ، أَنَّه سمِع عِبَادَ بنَ تَميم يقولُ: سمِعتُ
عبدَ اللهِ بنَ زَيْدِ المازِنِيَّ يقولُ: خرَج رسولُ اللهِ نَ له إلى المُصَلَّى، فاسْتَشْقَى،
وحَوَّل رِداءَه حينَ اسْتَقْبَل القبلةَ(١).
لأنها لكَشْفٍ ضَرَرِ دنيا ، فأُشْبَهَتِ الزلازلَ .
القبس
قلنا: قد خرَج النبيُّ نَّه إليها، وجَمَع فيها وخطَب وحَوَّل رداءَه تَفاؤلًا. وقال
أبو حنيفةً: ليس مِن السُّنَّةِ أن يُحَوِّلَ الرجلُ(١) رداءَه. والأثَّرِ الصحيحُ يَقْضِى عليه،
وإنّ الذى قال أبو حنيفةَ لَيَقْوى؛ لأن صلاةَ العيدِ لم يَعْدِلِ النبىُِّ وَلِّ بها قَطُ عن
طريقتِها .
وأما الاسْتِسقاءُ، فإن النبىَّ وَِّ قد اسْتَشْقَى فى خطبةِ الجمعةِ، وأدخَل الدعاءَ
فيه، ولم يخرُجْ إليه، ولكن الذى يَصِحُ أن يقال: إن شاء خرَج كما فعل النبيُّ نَل
فهى سنةٌ ، وإن شاء دعا أيضًا فى موضعِه فهی سنةٌ .
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٢٩٤)، وبرواية أبى مصعب (٦٠٨). وأخرجه أحمد ٣٦٦/٢٦
(١٦٤٣٥)، ومسلم (١/٨٩٤)، وأبو داود (١١٦٧)، والنسائى (١٥١٠) من طريق مالك به.
(٢) سقط من : ج ، م .
٤٣٨

قال يحيى: وسُئِلَ مالكٌ عن صلاةِ الاستسقاءِ كم هى؟ فقال: الموطأ
ركعتان ، ولكن يبدَأُ الإِمامُ بالصلاةِ قبلَ الخُطبةِ ، فَيُصَلِّى رَكعتَينِ، ثم
يخطُبُ قائمًا ويدعُو، ويستقبِلُ القبلةَ، ويُحَوِّلُ رِداءَه حينَ يستَقبِلُ
القبلةَ ، ويَجهَرُ فى الركعتَينِ بالقراءة ، وإذا حَوَّل ◌ِداءه جعَل الذی علی
يَمِينِه على شِمالِهِ، والذى على شمالِه على يَمِينِهِ، ويُحَوِّلُ الناسُ أرديَتَهم
إذا حَوَّل الإِمامُ رِداءَه، ويَستَقْبلون القِبْلَةَ وهم قُعُودٌ .
التمهيد
هكذا روَى مالكٌ هذا الحديثَ بهذا الإسنادٍ وهذا اللَّفْظِ ، لم يَذْكُرْ فيه
الصلاةَ ، لم يَخْتَلِفْ رُواةُ ((الموطَّأُ)) فى ذلك عنه فيما عَلِمْتُ، إِلَّ أنَّ إسحاقَ بنَ
عيسى الطَّاعَ روَى هذا الحديثَ عن مالِكِ، فزاد فيه: أنَّ رسولَ اللهِ وَّل بَدأ فى
الاسْتِشْقاءِ بالصلاةِ قبلَ الخُطْبَةِ . ولم يَقُلْ : حَوَّلَ رِداءَه .
ذكَره النسائىُ فى ((مسندِ مالِكِ)) عن زكريا بنِ يحيى، عن هارونَ () بن
عبدِ اللهِ، عن إسحاقَ(٣) .
ورَواه سفيانُ بنُ عيينةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبى بكرٍ(٣). فذكَر فيه
الصلاةَ .
ورواه أبو بكرِ بنُ محمدِ بنِ عمرو بنِ حَزْمٍ ؛ والدُ عبدِ اللهِ بنِ أُبی بکرِ هذا،
القبس
(١) فى م: ((مروان)). وينظر تهذيب الكمال ٣٧٦/٩.
(٢) أخرجه أحمد ٣٨٩/٢٦ (١٦٤٦٦) عن إسحاق بن عيسى به.
(٣) سيأتى تخريجه ص ٤٤١ .
٤٣٩

الموطأ
التمهید
عن عبّادِ بنِ تَميمٌ) . فذكَر فيه الصلاةَ . وهذا الحدیثُ سمِعه عبدُ اللهِ بنُ أبی بکرِ
مع أبيه مِن عبّادِ بنِ تَمِيم . وقد روَى هذا الحديثَ عن عبّادِ بنِ ثَمِيم، محمدُ بنُ
شهابٍ الزُّهْرِىُّ. وحَسْبُكَ به جَلَالَةٌ وحِفْظًا وفَهْمًا، فذكَر فيه الصلاةَ .
رواه عن ابن شهابٍ جماعةٌ؛ منهم مَعْمَةٌ(٢)، واثُ أبى ذئبٍ(٣).
وشُعَيْبٌ(٤)، ويُونُسُ(٥)، ( كلُّهم عن ابنِ شهابٍ، عن عبَّادِ بنِ تميم، عن عمِّه
عبدِ اللهِ بنِ زید .
ورواه النعمانُ بنُ راشِدٍ، عن الزهرىِّ ، عن مُمَيْدِ بنِ عبدِ الرحمنِ ، عن أبى
هريرةَ، عن النبيِّ نَّهِ، أنَّه كان إذا اسْتَشْقَى حَوَّل رِداءَه واسْتَقْبَل القبلةَ(١).
فأخطأ فى إِسنَادِه، ولم يَذْكُرْ فيه الصلاةَ، ولم يُتابَعْ على إسنادِه هذا، وليسَ
هذا الحديثُ عندَ مالكِ ، عن ابنِ شهابٍ . وليسَ فى تَقْصِيرٍ مَن قَصَّرَ عن ذِكْرِ
القبس
(١) سيأتي تخريجه ص ٤٤٢، ٤٤٣ .
(٢) سيأتى تخريجه ص ٤٤٤.
(٣) أخرجه الطيالسى (١١٩٦)، وأحمد ٣٦٧/٢٦ (١٦٤٣٦)، والبخارى (١٠٢٤)، وأبو داود
(١١٦٢)، والنسائى (١٥٠٨) من طريق ابن أبى ذئب به .
(٤) أخرجه أحمد ٣٨٢/٢٦ (١٦٤٥٥)، والدارمى (١٥٧٥)، والبخارى (١٠٢٣)، والنسائى
(١٥١١) من طريق شعيب به .
(٥) أخرجه مسلم (٤/٨٩٤)، وأبو داود (١١٦٢)، والنسائى (١٥١٨) من طريق يونس به.
(٦ - ٦) سقط من: ص.
(٧) أخرجه أحمد ٧٣/١٤ (٨٣٢٧)، وابن ماجه (١٢٦٨)، وابن خزيمة (١٤٠٩، ١٤٢٢) من
طريق النعمان بن راشد به .
٤٤٠