Indexed OCR Text
Pages 301-320
الموطأ الصلاةِ . فقال أبو سعيدٍ : مَن هذا؟ فقالوا : فلانُ بنُّ فلانٍ. فقال. أمَّا هذا فقد قضَى ما عليه، سمِعتُ رسولَ اللهِ وَلَه يقولُ: ((مَن رَأَى منكم منكرًا فاستطاعَ أن يغيِّرَه فلْيغيِّرْه بيدِه ، فإن لم يستطِعْ فبلِسانِهِ، فإن لم يستَطِعْ فبقلبه، وذلك أضعفُ الإيمانِ))(١) . التمهيد وحدَّثنا سعيدُ بنُ نَصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاحِ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةَ، قال: حدَّثنا ابنُ ثُميرٍ، عن الأعمشِ، عن إسماعيلَ بنِ رجاءٍ، عن أبيه قال: أخْرَج مروانُ المِبرَ، وبدَأ بالخُطبةِ قبلَ الصلاةِ ، فقام رجلٌ فقال: يا مروانُ ، خالَفتَ السُّنةَ، أُخْرَجتَ المِبرَ، ولم يكنْ يُخْرَجُ، وبدَأتَ بالخُطبةِ قبلَ الصلاةِ . فقال أبو سعيدٍ : مَن هذا؟ فذكَر الحديثَ مثلَه حرفًا بحرفٍ إلى آخرِه (٢) . وحدَّثنا سعيدٌ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدٌ ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةَ ، قال: حدَّثنا وكيع، عن سفيانَ ، عن قيسٍ بنِ مسلمٍ ، عن طارقٍ بنِ شهابٍ قال: إِنَّ أَوَّلَ من بدأ بالخُطبةِ يومَ العيدِ قبلَ الصلاةِ مروانُ ، فقام القبس (١) بعده فى ر: (( بلسانه)). (٢) أبو داود (١١٤٠). وأخرجه مسلم (٧٩/٤٩)، وابن ماجه (١٢٧٥، ٤٠١٣) عن محمد بن العلاء به، وأخرجه أحمد ١٢٦/١٧ (١١٠٧٣)، وأبو يعلى (١٢٠٣)، وابن حبان (٣٠٧)، من. طريق أبى معاوية به . (٣) ابن أبى شيبة ١٧١/٢ - ومن طريقه أبو يعلى (١٠٠٩)، وأبو نعيم فى مستخرجه (١٧٦) - وأخرجه البيهقى ٢٩٦/٣، ٧/ ٢٦٥، ٢٦٦ من طريق ابن نمير به . ٣٠١ الموطأ التمهيد إليه رجلٌ فقال : الصلاةُ قبلَ الخُطبةِ . فقال: تُرِك ما هنالك. فقال أبو سعيدٍ : أمّا هذا فقد قضَى ما عليه، سمِعتُ رسولَ اللهِ وَ لَه يقولُ: ((مَن رَأى منكُم منكرًا فلیغیّزه بيده ، فإن لم يستطِئْ فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعفُ الإیمان)»(١). وذكَّر عبدُ الرزاقٍ(٢) ، أخبرنا داودُ بنُ قيسٍ، قال: حدَّثنی عِیَاضُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ أبى سَرْحٍ، أَنَّه سمِع أبا سعيد الخدرىَّ يقولُ: خرّجتُ مع مروانَ(٢) فى يومِ عيدِ فِطرٍ أو أضحَى، وهو بينى وبينَ أبى(٤) مسعودٍ، حتى أفضَينا إلى المُصلَّى، فإِذا كَثِيرُ بنُ الصَّلتِ الكِندىُّ قد بنَى لمروانَ مِنبَرًا مِن لَيْنٍ وطِينٍ ، فعدَل مروانُ إلى المِبرِ حتى حاذاه ، فجذَبته ليبدَأُ بالصلاةِ ، فقال : يا أبا سعيدٍ ، تُرِك ما تعلَمُ . فقلتُ: كَلَّا وربِّ المشارِقِ والمغاربِ - ثلاثَ مرَّاتٍ - لا تأتُونٌ() بخيرٍ مما أعلمُ . قال : ثم بدأ بالخُطبةِ . قال أبو عمرَ: قولُ مروانَ: تُرِك ما هنالك، وتُرِك ما تعلَمُ. يدُلُّ على أنَّ القبس (١) ابن أبى شيبة ١٧١/٢ - ومن طريقه مسلم (٧٨/٤٩) - وأخرجه أحمد ٧٨/١٨ (١١٥١٤)، وابن حبان (٣٠٦) من طريق وكيع به، وأخرجه أحمد ٤٢/١٨ (١١٤٦٠)، والترمذى (٢١٧٢)، والنسائى (٥٠٢٣)، من طريق سفيان به . (٢) عبد الرزاق (٥٦٤٨). (٣) بعده فى ر: ((بن معاوية)). (٤) فى م: ((ابن)). (٥) فى ر، ى: ((تؤتونا)). ٣٠٢ الموطأ تركَه قد كان تقَدَّم، وأولَى ما قيل به فى هذا البابٍ (١)، أنَّ أوَّلَ مَن قدَّم الخُطبةَ قبلَ الصلاةِ فى العيدَين معاويةُ . وهو قولُ ابنِ شهابٍ وغيرِه . التمهيد حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا مُطَّلِبُ بنُ شعيبٍ ، قال: أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ صالحِ، قال: حدثنى الليثُ ، قال : حدَّثنى هشامُ بنُ سعيدٍ ، عن عِياضٍ بنِ عبدِ اللهِ بنِ سعدٍ (١)، أنَّه حدَّثه ، أنَّه سمِع أبا سعيد الخدرىَّ يقولُ: خرَجتُ مع مروانَ يومًا إلى المُصَلَّى، ويَدُ مروانَ فى يدِى، فأرادَ مروانُ(٣) أن يزْقَى المِبرَ قبلَ أن يُصلِّىَ، فجذَبتُ بِيَدِهِ ، فقلتُ: صلاةُ العيدِ قبلَ الخُطبةِ. فقال مروانُ: هذا أمرٌ قد تُرِك يا أبا سعيدٍ ، أما لو فعلنا ما تقولُ، ذهَب الناسُ وترَكُونا، وقد تُرِك ما تعلَمُ . فقلتُ : إذنْ لا تجدون خيرًا مِمّا أَعلَمُ؛ إِنَّ رسولَ اللهِ لَّهِ كان يبدَأَ بالصلاةِ فى هذا اليومِ، فإذا فرَغُ مِن الصلاةِ قام فوعَظ الناسَ، وأَمَرهم ببَعْثٍ إن كان، أو أمْرٍ، ثم انصرف(٥). قال أبو عمرَ: ثبَت عن النبيِّ وَّ أَنَّه صلَّى فى العيدَين قبلَ الخُطبةِ، مِن القبس (١) فى ر: (( الحديث)). (٢) فى ى، م: ((سعيد)). وينظر تهذيب الكمال ٢٢ /٥٦٧. (٣) سقط من: م. (٤) فى م: ((فرغوا)). (٥) أخرجه عبد الرزاق (٥٦٤٨)، ومسلم (٨٨٩) من طريق عياض بن عبد الله به. ٣٠٣ الموطأ التمهید حديثٍ جابٍ(١) ، وابنِ عباسٍ(٢)، وابنٍ عمرَ(٣)، والبراءِ(٤) . وهاتَانِ المسألتان ليس عندَ مالكِ فيهما حديثٌ مسندٌ ؛ مسألةُ الأذانِ فى صلاةِ العيدَين ، ومسألَةُ تقدِيمٍ الصلاة قبل الخطبةِ فى ذلك، وقد عَدَّ ذلك علیه أبو بكر البزَّارُ فیما ذكر له مِن السُّنَنِ التى ليست عنده رحِمه اللهُ . حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ ، قال : حدثنا محمدُ بنُ بکرِ بنِ داسَةً ، قال: حدَّثنا أبو داودَ ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال: حدَّثنا عبدُ الرزّاقِ ومحمدُ بنُ بكرٍ ، قالا : حدّثنا ابنُ جريج ، قال : أخبرنى عطاء ، عن جابرِ ابنِ عبدِ اللهِ قال: سمِعتُه يقولُ: إِنَّ النبيَّ نَّهِ قام يومَ الفطرِ فصلَّى، فبدَأ بالصلاةِ قبلَ الخُطبةِ ، ثم خطَب الناسَ. وذكَر الحديثَ(٥) . حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُّ حمادٍ ، قال: حدَّثنا مُسَدَّدٌ، قال: حدَّثنا "عبدُ الوارث٦ِ) ، عن أيوبَ ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍٍ، قال: أشهدُ على رسولِ اللهِ وَلَّ أَنَّه صلَّى قبلَ أن يخطُبَ ، ثم خطَب (١). القبس (١) تقدم تخريجه ص ٢٨٠، ٢٨١، ٢٩٤. (٢) تقدم تخريجه ص ٢٨١، ٢٨٢، ٢٨٤، ٢٩٥، ٢٩٦. (٣) تقدم تخريجه ص ٢٨٠، ٢٨٢، ٢٨٣، ٢٩٦. (٤) سيأتى تخريجه فى الصفحة القادمة . (٥) تقدم تخريجه ص ٢٨١. (٦ - ٦) فى النسخ: ((عبد الرزاق)). والمثبت من مصدر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٤٧٨/١٨. (٧) أخرجه أبو داود (١١٤٣) عن مسدد به . ٣٠٤ ٠٠٪ الموطأ وهكذا رواه شعبةُ وحمادُ بنُ زيدٍ ، عن أيوبَ ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ، التمهيد أنَّ النبيَّ ◌َّ صلَّى فى العيدَين قبلَ الخُطبةِ(١). ورواه معمرٌ، عن أيوب ، عن عكرمةَ ، عن ابنِ عباسٍ قال : شهِدتُ النبىَّ وَلَّ صِلَّى يومَ العيدِ ثم خطَب(١) ، فجعَل موضِعَ عطاءٍ عكرمةَ. حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةً ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيبٍ ، قال: أخبرنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا عَبدةُ بنُ سليمانَ ، قال: حدَّثنا عُبِيدُ اللهِ بنُ عمرَ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَّر، وأبا بكرٍ، وعمرَ، كانوا يصلُّون فى العيدِين قبلَ الخُطبةِ(١). حدَّثنا سعيدُ بنُ نَصرٍ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال : حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ رَوحِ ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارونَ ، قال: حدَّثنا داودُ بنُ أبي هندٍ ، عن الشعبىِّ ، عن البراءِ بنِ عازبٍ، أنَّ رسولَ اللهِ وَلِّ خطَب يومَ العيدِ بعدَ الصلاةِ. وحدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةً، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيبٍ ، قال: حدَّثنا قتيبةُ بنُ سعيدٍ ، قال: حدَّثنا أبو الأحوصِ، عن منصورٍ، عن الشعبىِّ، عن البراءِ قال: خطبنا رسولُ اللهِ وَّهِ يومَ النَّحرِ بعدَ *(٣) الصلاةِ) . القبس (١) تقدم تخريجه ص ٢٨٢. (٢) تقدم تخريجه ص ٢٨٢، ٢٨٣. (٣) النسائى (١٥٦٩)، وفى الكبرى (١٧٧٧). وأخرجه مسلم (٧/١٩٦١) من طريق قتيبة به، وأخرجه أحمد ٥٩٠/٣٠ (١٨٦٢٨)، والبخارى (٩٨٣)، ومسلم (٧/١٩٦١)، وأبو داود (٢٨٠٠) من طريق أبى الأحوص به . ٣٠٥ ( موسوعة شروح الموطأ ٢٠/٦ ) الموطأ التمهید وذكَر عبدُ الرزاقِ (١) ، أخبرنا معمرٌ، عن هشام بن عروةَ، عن وهبٍ بنِ كيسانَ ، عن رجلٍ قال : شهِدتُ مع أبى بكرٍ يومَ عيدٍ ، فبدَأ بالصلاةِ قبلَ الخُطبةِ بلا أذانٍ ولا إقامةٍ ، ثم شهِدتُه مع عمرَ بنِ الخطابِ ، فَبَدَأ بالصلاةِ قبلَ الخُطبةِ بلا أذانٍ ولا إقامةٍ . فهذا ما صَحَّ عندَنا فى الأذانِ للعيدَين، وفى موضع الخُطبةِ فيهما، وأمَّا التكبيرُ فيهما، فسيأتى ذكره فى آخرِ بابٍ نافِعُ(١ ، وأمَّا القراءةُ فيهما فسيأتى ذكرُها أيضًا فى بابٍ ضمرةَ بنِ سعيدٍ (٤)، وأمَّا الاغتسالُ لهما، فليس فيه شىءٌ ثبت عن النبيِّ وَّهِ مِن جهةِ النقلِ، وهو مستحبٌّ عندَ جماعةٍ مِن أهلِ العلم ، قياسًا على غُسلِ الجُمُعةِ . وأمّا قولُ عمر فی حدثنا فى هذا الباب فی خُطِه : إِنَّ هذین یومانٍ نھی رسولُ اللهِ وَلَّ عن صيامِهما؛ يومُ فطرِ كم مِن صيامِكم ، والآخرُ يومٌ تأكلُون فيه مِن نشُكِكُم . فلا خلافَ بينَ العلماءِ فى صحَّةِ هذا الحديثِ واستعمالِهِ ، وكلُّهم مجمِعٌ على أنَّ صيامَ يومِ الفطرِ ويومِ الأُضحَى لا يجوزُ بوجهٍ مِن الوجوهِ ؛ لا للمتطوِّعِ، ولا لناذِرٍ صَومَه ، ولا أنْ يقضِىَ فيهما رمضانَ؛ لأنَّ ذلك معصيةٌ ، القبس (١) عبد الرزاق (٥٦٣٩). (٢) فى م: ((عن)). (٣) سيأتى ص٣٣٣ - ٣٣٦. (٤) سيأتى ص ٣٣٠ - ٣٣٣. ٣٠٦ الموطأ التمهيد وقد صحّ عنه بَّ أَنَّه قال: ((لا نذرَ فى معصيةٍ)) (١). وإَما اختلف الفقهاءُ فى صيامٍ أيامِ التشرِيقِ للمتمَتِّعِ، والناذرِ صومَهما(١) ، وقضاءِ رمضانَ فيهما(٢)، والتطوُّعِ بآخِرٍ يومٍ منها ، وسنذكُرُ ذلك كلَّه فى ( بابِه من" كتابنا هذا(٥) إن شاء اللهُ . وفيه دليلٌ على الأكلِ مِن الضَّحايا وسائِرِ النُّسُكِ ، وإن كان فى قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْبَابِسَ الْفَقِيَرَ﴾ [الحج: ٣٦]. ما يُغنى عن قولٍ كلِّ قائلٍ ، إلَّا أَنِّى أَقولُ : الأكلُ مِن الهَدي بالقرآنِ، ومِن الضَّحيةِ بالسُّنةِ . وأمَّا إذنُ عثمانَ لأهلِ العوالِى، وقولُه: قد اجتمَع لكم فى يومِكم هذا عيدان - يعنى الجُمعةَ والعيدَ - قال: فَمَن أحبَّ مِن أهلِ العاليةِ أن ينتظِرَ الجُمُعةَ فلْينتظِرْها ، ومَن أحبَّ أن يرجِعَ فقد أذِنتُ له . فقد اختلف العلماءُ فى تأويلِ قولٍ عثمانَ هذا. واختلفَتِ الآثارُ فى ذلك(١) عن النبيِّ وَلِّ، واختلف العلماءُ فى تأويلها والأخذِ بها؛ فذهَب عطاءُ بنُ أبى رباح إلى أنَّ شُهودَ العيدِ يومَ الجُمُعةِ يجزئُ من(١) الجُمُعةِ إذا صلَّى بعدَها ركعَتَين على طريقِ الجَمع . ورُوِى عنه أيضًا القبس (١) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٠٤٠) من الموطأ . (٢) فى م: ((صومها)). (٣) فى م: ((فيها)). (٤ - ٤) سقط من: ى، م. (٥) سيأتى فى شرح الحديث (٨٥١) من الموطأ . (٦) بعده فى م: ((أيضا)). (٧) فى م: ((عن)). ٣٠٧ الموطأ التمهید أنَّه يُجزِثُه وإن لم يُصلِّ غيرَ صلاةٍ العيدِ ، ولا صلاةَ بعدَ صلاةِ العيدِ حتى العصرِ. ومحكِى ذلك عن ابنِ الزبيرِ، وهذا قولٌ مَهجورٌ؛ لأنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ افترَضَ صلاةَ الجُمُعةِ(١) يومَ الجُمُعَةِ على كلِّ مَن فى الأمصارِ مِن البالغين الذكورِ الأحرارِ، فمَن لم يكنْ بهذه الصفةِ ، ففرضُه الظُّهرُ فى وقتِها فَرضًا مطلقًا ، لم يختَصَّ به يومَ عيدٍ مِن غيرِهِ. و(٣)قولُ عطاءٍ هذا ذكَره عبدُ الرزاقِ(٣)، عن ابنِ جريج قال: قال عطاءُ بنُّ أبى رباحٍ : إنِ اجتمَع يومُ الجُمُعةِ ويومُ الفِطرِ فى يومٍ واحدٍ ، فَلْيجمَعْهما وليُصلِّهما ركعَتَين قطُّ حينَ يصلِّى صلاةَ الفِطرِ ، ثم هى هى حتى العصرِ، ثم أخبرنا عندَ (٤) ذلك قال: اجتَمعا؛ يومُ فطرٍ ويومُ جُمُعةٍ ، فى يومٍ واحدٍ فى زمنٍ ابنِ الزبيرِ، فقال ابنُ الزبيرِ: عيدان اجتَمَعا فى يومٍ واحدٍ. فجمَعهما (*) جميعًا فجعَلهما واحدًا، فصلَّى يومَ الجُمُعةِ ركعَتَين بكرةَ صلاةِ الفطرِ لم يزِدْ عليهما حتى صلَّى العصرَ. قال: فأمَّا الفقهاءُ، فلم يقولوا فى ذلك، وأمَّا مَن لم يفقَةْ فأنكَرَ ذلك عليه . قال: ولقد أنكَرتُ أنا ذلك عليه، وصلَّيتُ الظهرَ يومَئِذٍ . قال: حتى بلَغَنا بعدُ أنَّ العيدَين كانا إذا اجتمَعا صُلِّيًا كذلك واحدًا. وذكَّر عن محمدِ بنِ عليٍّ بنِ الحسينِ، أَنَّه أَخْبَرَهم أنَّهما كانا يُجمَّعان إذا اجتَمَعا . ورُوِى أنَّه وجَده فى كتابٍ لعلىٍّ، زعَم (١). القبس (١) بعده فى م: ((فى)). (٢) بعده فى ر، ى: ((هو)). (٣) عبد الرزاق (٥٧٢٥). (٤) فى ى: ((بعد)). (٥) بعده فى ى: ((كأنه ابن الزبير)). (٦) فى ى: ((وعمر)). ٣٠٨ الموطأ التمهيد قال (١) : وأخبرنى ابنُ جريج قال: أخبرنى أبو الزبيرِ فى جَمْعِ ابنِ الزبيرِ بينَهما يومَ جمَع بينَهما ، قال : سَمِعنا فى ذلك أنَّ ابنَ عباس قال : أصاب ؛ عيدان اجتَمَعا فى يومٍ واحدٍ . قال أبو عمرَ : ليس فى حديثِ ابنِ الزبيرِ بيانُ أنَّه صلَّى مع صلاةِ العيدِ ركعَتَين للجُمُعةِ، وأُّ الأمرَين كان، فإِنَّ ذلك أمرٌ متروٌ مهجورٌ، وإن كان لم يُصلِّ مع صلاةِ العيدِ غيرَها حتى العصرِ، فإنَّ الأصولَ كلَّها تشهَدُ بفسادِ هذا القولٍ؛ لأنَّ الفرضَين إذا اجتَمَعا فى وقتٍ (١) واحدٍ لم يَسقُطْ أحدُهما بالآخرِ (٢)، فكيف أن يَسقُطَ فَرِضٌ لِسُنَّةٍ حضَرت فى يومِه ؟ هذا ما لا يَشُُّ فی فسادِه ذُو فَهم ، وإن كانَ صلَّى مع صلاةِ الفطرِ ر كعَتَين للجُمُعةِ ، فقد صلَّى الجُمُعةَ فى غيرِ وقتِها عندَ أكثرِ الناسِ ، إلّا أنَّ هذا موضع قد اختَلَف فيه السَّلفُ؛ فذهَب قومٌ إلى أنَّ وقتَ الجُمُعةِ صدرُ النهارِ ، وأنَّها صلاةُ عيدٍ ، وقد مضَى القولُ فى ذلك فى بابِ ابنِ شهابٍ، عن عروةً(٤) . وذهَب الجمهورُ إلى أنَّ وقتَ الجُمُعةِ وقتُ الظُّهرِ. وعلى هذا فقهاءُ الأمصارِ. وأمَّ القولُ الأُوَّلُ أنَّ الجُمُعَةَ تسقُطُ بالعيدِ، ولا تُصلَّى ظهرًا ولا مُجُمُعةً ، فقولٌ بَيِّنُ الفسادِ ، وظاهرُ الخطأُ ، متروكٌ مهجورٌ لا يُعَرَّجُ عليه؛ لأنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يقولُ: ﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِنْ يَوْمِ القبس (١) عبد الرزاق (٥٧٢٦). (٢) فى ى، م: ((فرض)). (٣) فى ر: ((الآخر)). (٤) تقدم فى ٦٤/٢ - ٦٦ . ٣٠٩ الموطأ التمهید اُلْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩]. ولم يخُصَّ يومَ عيدٍ مِن غيرِهِ، وأمَّا الآثارُ المرفُوعَةُ فى ذلك، فليس فيها بيانُ سقوطِ الجُمُعةِ والظهرِ ، ولكنْ فيها الرّخصةُ فى التخلُّفِ عن شُهودِ الجُمُعةِ ، وهذا محمولٌ عندَ أهلِ العلم على وجهَين؛ أحدُهما ، أن تسقُطَ الجُمُعةُ عن أهلِ المِصرِ وغيرِهم ، ويصلُّون ظهرًا. والآخرُ ، أنَّ الرخصةَ أَمَا وردت فى ذلك لأهل البادية ومن لا تجبُ علیه الجُمُعَةُ . وسنذ گمُ اختلاف الناسِ فى ذلك، وفيمَن تجبُ عليه الجُمُعةُ ، فى هذا البابِ إن شاء اللهُ تعالى . حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ المُصَفَّى وعمرُ بنُ حفصِ الوَصَّابِىُّ(١)، قالا: حدَّثنا بقيّةُ، قال: حدَّثنا شعبةٌ، وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا ابنُ المُصفَّى ، قال : حدَّثنا بقيّةُ، قال: حدَّثنا شعبةُ، قال: حدَّثَنَى المغيرةُ الضَّبيُّ(١) ، عن عبدِ العزيزِ ابنِ رُفَيِعٍ، عن أبى صالحٍ، عن أبى هريرةَ، عن رسولِ اللهِ وَلَهِ، أَنَّه قال: ((قد اجْتَمَع فى يومِكم هذا عيدان ، فمَن شاء أجزأه من الجمعةِ)، وإنَّا مُجَمِّعون إن (٤) شاءَ اللهُ )) القبس (١) فى النسخ: ((الرصافى)). والمثبت من مصدر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٣٠٣/٢١. (٢) فى النسخ: ((البصرى)). والمثبت من مصدر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٣٩٧/٢٨. (٣ - ٣) فى النسخ: ((أجزأته)). والمثبت من سنن أبى داود. (٤) أبو داود (١٠٧٣). وأخرجه ابن ماجه (١٣١١)، والبيهقى ٣١٨/٣ من طريق محمد بن المصفى به، وأخرجه ابن ماجه (١٣١١)، وابن الجارود (٣٠٢)، والطحاوى فى شرح المشكل (١١٥٥) من طريق بقية به. ٣١٠ الموطأ التمهيد قال أبو عمرَ : احتجَّ مَن ذهَب مذهَبَ عطاءٍ فى هذه المسألةِ بهذا الحديثِ ؛ لما فيه مِن قولِهِ وَلَّ: ((إن شئتُم أجزَأُكم)). ((فمَن شاء أْزَأه)) (١). وهذا الحديثُ لم يَزْوِه فيما عَلِمتُ عن شعبةَ أحدٌ مِن ثقاتِ أصحابِه الحفاظِ ، وأَّما رواه عنه بَقِيَّةُ بنُ الوليدِ ؛ وليس بشىءٍ فى شعبةً أصلاً ، وروايَتُه عن أهلٍ بلَدِه أهلِ الشَّامِ فيها كَلامٌ ، وأكثرُ أهلِ العلم يُضعِّفون بَقِيَّةً عن الشَّاميِّينَ وغيرِهم، وله مَنا کِیرُ، وهو ضعيفٌ لیس ممّن يُحتجّ به . وقد رَواه الثورىُّ، عن عبدِ العزيزِ بنِ رُفَيعٍ، عن أبى صالح مرسلًا قال : اجتمَع عيدَان على عهدِ رسولِ اللهِ وَ لِّه فقال: ((إِنَّا مُجَمِّعون، فمَن شاء منكم أن يُجمِّعَ فَلْيُجمِّعْ، ومَن شاء أن يرجعَ فَلْيرجِعْ )) (١) فاقتصَرَ فى هذا الحديثِ على ذِكرٍ إِياحَةِ الرُّمجموعِ، ولم يذكُرِ الإجزاءَ . ورواه زيادٌ البكَّائىُ، عن عبدِ العزيزِ بنِ رُفَيَعِ بمعنَى حديثِ الثورىِّ، إِلَّ أنَّه أسندَه . حدَّثنى عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُّ إسحاقَ النَّيسابورىُّ، قال: حدَّثنا إبراهِيمُ بنُ دينارٍ، قال: حدَّثنا زيادٌ ابنُ عبدِ اللهِ بنِ الطُّغيلِ البكَّائِيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ رُفَيَعٍ، عن أبى صالحٍ، عن أبى هريرةَ قال: اجتَمَعنا إلى رسولِ اللهِ وَّه فى يومِ عيدِ ويومٍ القبس (١) فى ر: ((أجزته))، وفى ى، م: ((أجزأته)). والمثبت مما تقدم فى رواية أبى داود. (٢) أخرجه عبد الرزاق (٥٧٢٨)، والطحاوى فى شرح المشكل (١١٥٦)، والبيهقى ٣١٨/٣ من طريق الثوری به . ٣١١ الموطأ التمهید جُمُعةٍ، فقال لنا رسولُ اللهِ نَّه وهو فى العيدِ: ((هذا يومٌ قد اجتَمَع لكم فيه عيدان؛ عيدُكم هذا، والجُمُعةُ ، وإنِّى مُجَمِّعٌ إذا رجَعتُ، فمَن أحبَّ منكم أن يشهَدَ الجُمُعَةَ فلْيَشْهَدْها)). قال: فلمَّا رجَع رسولُ اللهِ وَّ جمَّع بالناسِ". فقد بان فِى هذه الرّوايةِ وروايةِ الثورىِّ لهذا الحديثِ، أنَّ رسولَ اللهِ وَلَّه جمَّع ذلك اليومَ بالناسِ ، وفى ذلك دليلٌ على أنَّ فَرضَ الجُمُعةِ والظُهرِ لازم، وأَنَّها غيرُ ساقطةٍ ، وأنَّ الرخصةَ إًَّا أُريدَ بها مَن لم تَجِبْ عليه الجُمُعةُ مَّن شهِد العيدَ مِن أهلِ البوادِى، واللهُ أعلمُ، وهذا تأويلٌ تَعْضُدُه الأصولُ ، وتقومُ عليه الدلائلُ، ومَن(٢) خالفَه فلا دليلَ معه ، ولا حُجَّةً له . فإنِ احتَجَّ مُحتَجٌ بما حدَّثناه عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ ، قال: حدَّثنا أبو قلابةً ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ حُمْرانَ ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ جعفرٍ ، قال اخترنی ابی ، عن وهب بنِ کَیْسان قال : اجتمعَ عِیدان علی عھدِ ابنِ الزییرِ ، فصلَّى العيدَ ولم يخرج إلى الجُمُعةِ . قال : فذكرتُ ذلك لابنِ عباسٍ ، فقال : ما أماطَ (٢) عن سُنَّةِ نبيِّه. فذكرتُ ذلك لابنِ الزبيرِ ، فقال: هكذا صنَع بنا عمرُ. قيل له : هذا حديثٌ اضطُرِب فى إسنادِهِ، فروَاه يحيى القطّانُ ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ جعفرٍ ، قال : أخبرنى وهبُ بنُ كَيْسانَ ، قال : اجتمع على عهد ابنِ الزبيرِ عيدانِ ، فأخَّرَ الخُرُوجَ حتى تعالَى النَّهارُ، ثم خرَج فخَطَب فأطالَ القبس (١) أخرجه ابن عدى ٣/ ١٠٥٠، والبيهقى ٣١٨/٣ من طريق زياد بن عبد الله به. (٢) فى ر، ى: ((ما)). (٣) ما أماط. أى: ما بعد. ينظر النهاية ٤/ ٣٨٠. ٣١٢ الموطأ الخُطبةَ ، ثم نزَل فصلَّى ركعتين، ولم يُصلِّ للناس يومَئذٍ الجُمُعةَ، فذُكر ذلك لابنِ عباسٍ ، فقال: أصاب(١) الشُّنةَ. التمهيد ذكَره أحمدُ بنُ شُعيبِ النَّسوىُّ(٢) عن بُندارٍ(٢)، عن القطَّانِ، عن عبد الحميدِ بنِ جعفرٍ - لم يقُلْ : عن أبيه - عن وهبٍ بنِ كَيْسانَ، وذكَر أنَّ ذلك كان(٤) حينَ تعالَى النهارُ، وأنَّه أطال الخُطبةَ . وقد يَحتمِلُ أن يكونَ صلَّى تلك الصلاةَ فى أوَّلِ الَّوالِ ، وسقطت صلاةُ العيدِ ، واستجزَأ بما صلَّى فى ذلك الوقتِ . وفى روايةِ الأعمشِ، عن عطاءٍ، عن ابنِ الزبيرٍ ، أنَّ الناسَ جَمَّعوا فى ذلك اليومٍ ولم يَخرُجْ إليهم ابنُ الزُّبيرِ ، وكان ابنُ عباسٍ بالطائف ، فلمَّا قَدِم ذكرنا له ذلك ، فقال : أصاب الشُّنةَ(٥) . وهذا يَحتمِلُ أن يكونَ صلَّى الظهرَ ابنُ الزبيرِ فى بيتِه ، وأنَّ الرخصةَ ورَدت فى تَركِ الاجتماعَيْنْ ؛ لِمَا فى ذلك مِن المشقَّةِ ، لا أنَّ الظُّهرَ تَسقُطُ . وأمَّا حديثُ إسرائيلَ، عن عثمانَ بنِ المغيرةِ الثقفىّ ، عن إياسٍ بنِ أبِى رَمْلةً الشاميِّ قال: شَهِدتُ معاويةَ بنَ أبى سفيانَ يسألُ زيدَ بنَ أرقمَ : هل شَهِدتَ مع القبس (١) بعده فى ر: ((الناس)). (٢) النسائى (١٥٩١)، وفى الكبرى (١٧٩٤). (٣) فى النسخ: ((سوار)). وبندار هو محمد بن بشار كما فى مصدر التخريج. (٤) سقط من : ى، م. (٥) أخرجه أبو داود (١٠٧١) من طريق الأعمش به . ٣١٣ الموطأ التمهيد رسولِ اللهِ وَّلْ عِيدَين اجتَمَعا فى يومٍ؟ قال: نعم. قال: فكيف صنَع؟ قال: صلَّى العيدَ، ثم رخّص فى الجُمُعةِ فقال: ((مَن شاء أن يُصلِّىَ فَلْيُصَلِّ)). وهذا الحدیثُ لم يذكره البخارى، وذكره أبو داود (١) ، عن محمدِ بنِ كَثِيرٍ، عن إسرائيلَ. وذكَره النسائِئُ (١) ، عن عمرو بنٍ علىٍّ، عن ابنِ مهدئٍّ، عن إسرائيلَ. وليس فيه دليلٌ على سقوطِ الجُمُعةِ ، وَما فيه (٢) أنَّه رخّص فى شُهودِها . وأحسنُ ما يُأوَّلُ فى ذلك أنَّ الإِذْنَ(٤) رُخِّص به مَن لم تَجِبِ الجمعةُ عليه فَمَّنْ شَهِد ذلك العيدَ ، واللهُ أعلمُ، وإذا احتَمَلت هذه الآثارُ مِن التّأْوِيلِ ما ذكرنا ، لم يجُزْ لمسلم أن يذهَبَ إلى سُقوطِ فرضِ الجُمعةِ عمَّن وجبت عليه ؛ لأنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يقولُ: ﴿يَأَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوَةِ مِن يَّوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]. ولم يخُصَّ اللهُ ورسولُه يومَ عيدٍ مِن غيرِه مِن وجهٍ تجبُ حجَّتُه، فَكَيفَ بَمَن ذهَب إلى سقوطِ الجُمعةِ والظهرِ المجتمَعِ عليهما فى الكتاب والسُّنةِ والإجماع، بأحاديثَ ليس منها حديثٌ إلَّا وفيه مطعَنٌّ لأهلِ العلمِ بالحديثِ، ولم يُخْرِجِ البخارىُّ ولا مسلمُ بنُ الحجّاج منها حديثًا واحدًا ، وحسبُكَ بذلك ضعفًا لها ، وسنذكُرُ الآثارَ فى فرضِ الجُمُعةِ فى بابٍ صفوانَ بنِ سُلَيمٍ مِن هذا الكتابِ ) إن شاء اللهُ تعالى، وإن كانَ الإجماعُ فى فرضِها يُغْنِى القبس (١) أبو داود (١٠٧٠). (٢) النسائى (١٥٩٠)، وفى الكبرى (١٧٩٣). (٣) بعده فى ى: ((دليل على))، وفى م: ((دليل)). (٤) فى ر، م: ((الآذان)). (٥) تقدم فى ٧٤٥/٤ - ٧٥٠ . ٣١٤ الموطأ عَمَّا سِواه . والحمدُ للهِ . التمهيد وأمَّا اختلافُ العلماءِ فيمَن تجبُ عليه الجُمعةُ مِن الأحرارِ البالغينَ الذُّكورِ غيرِ المسافرِين، فقال ابنُ عمرَ، وأبو هريرةَ، وأنسٌ، والحسنُ البصرىُّ، ونافعٌ مولَى ابنِ عمرَ : تجبُ الجُمعةُ على كُلِّ مَن كان بالمِصرِ، وخارجًا عنه، ثمّن إذا شَهِد الجُمعةَ أمكنه الانصِرافُ إلى أهلِه، فآواهُ الليلُ إلى أهلِهُ(١). وبهذا قال الحكَمُ بنُ عُتَيْبَةَ، وعطاء(٢) ، والأوزاعىُّ، وأبو ثورٍ. وقال ربيعةُ ومحمدُ بنُ المنكدرٍ: إنّما تجبُ على مَن كان على أربعةِ أميالٍ (٢) . ٠ وذكر عبدُ الرزاقِ (٤)، عن محمدِ بنِ راشدٍ، قال: أخبرنى عَبْدَةُ بنُ أبي لبابةً(٥)، أنَّ معاذَ بنَ جبلٍ كان يقولُ على مِنبرِه: يا أهلَ قَرَدَا(١)، ويا أهلَ دامرةً(٧) - قريتين مِن قُرى دمشقَ، إحداهما على أربعَةِ فراسخَ ، والأُخرَى على خمسةٍ -: إنَّ الجمُعةَ لزِمَتكم، وإنَّه لا جُمُعةَ إلَّ معنا . وقد رُوِى عن معاويةً أنَّه كان يأمرُ مَن بينَه وبينَ دمشقَ أربعةٌ وعشرونَ مِيلًا القبس . (١) ينظر مصنف عبد الرزاق (٥١٥٢)، ومصنف ابن أبى شيبة ١٠٢/٢، ١٠٣، والأوسط لابن المنذر (١٧٥٥ - ١٧٥٧)، وسنن البيهقى ١٧٥/٣. (٢) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ١٠٣/٢، والأوسط لابن المنذر ٣٥/٤. (٣) ينظر الأوسط لابن المنذر ٣٧/٤، وفتح البارى لابن رجب ١٦١/٨. (٤) عبد الرزاق (٥١٦٢). (٥) فى ى: ((أمامة)). وينظر تهذيب الكمال ١٨/ ٥٤١. (٦) فى ر: ((مردا))، وفى ى، م: ((فردا)). والمثبت من مصدر التخريج، وينظر مراصد الاطلاع ٠١٠٧٧/٣ (٧) فى ر: ((دامكة))، وفى ى: ((دار مكة)). والمثبت من مصدر التخريج. ٣١٥ الموطأ التمهيد بشُهودِ الجُمُعةِ(١). وذکر معمرٌ، عن هشام بن عروةً ، عن عائشةَ بنتِ سعد بن أبى وقاصٍ ، قالت : كان أبى مِن المدينةِ على ستةِ أميالٍ أو ثمانيةٍ ، فكان ربّما شَهِد الجُمُعةَ بالمدينةِ ورَّما لم يشهَدْها (٢) . وقال الزهرىُّ: يُنزَلُ إليها(١) مِن ستةِ أميالٍ . ورُوِى عن ربيعةً أيضًا أنَّه قال : إَما تَجِبُ الجُمُعةُ على مَن إذا سَمِع النداءَ وخرَج مِن بيته، أدرَك الصلاةَ. وقال مالكٌ والليثُ : تَجِبُ الجُمعةُ على كلِّ مَن كان على ثَلاثةِ أميالٍ . وقال الشافعىُّ : تَجِبُ الجمعةُ على كلِّ مَن كان بالمصرِ، وكذلك كلُّ مَن سَمِع النداءَ ممّن يسكُنُ خارج المِصِرِ. وهو قولُ داودَ. وقال أبو حنيفةً: الجُمعةُ على كلِّ مَن كان بالمصرِ ، وليس على من كان خارجَ المصرِ جُمُعةٌ ؛ سَمِع النداءَ أو لم يسمَغْ . وقال أحمدُ بنُ حنبلٍ وإسحاقُ : لا تَجِبُ الجمعةُ إلَّا على مَن سَمِعِ النِّداءَ، كان بالمصرِ أو خارجًا عنه. يُريدانِ الموضِعَ الذى يُسمَعُ منه ومِن مثلِه النداءُ. ورُوِى مثلُ ذلك عن عبدِ اللهِ بنِ عمرو بنِ العاصى وسعيدِ بنِ المسيَّبِ ، وقد كان الشافعىُّ يقولُ: لا يتَبيَّنُ عندِى أن يَحْرَجَ (١) بتَركِ الجُمُعةِ إِلَّ مَن يسمَعُ النِّداءَ. قال: القبس (١) ينظر مصنف عبد الرزاق (٥١٦١). (٢) أخرجه عبد الرزاق (٥١٥٧) عن معمر به. (٣) فى ر: ((لها)). (٤) سیأتی تخريجه ص ٣١٨. (٥) أخرجه عبد الرزاق (٥١٥٦)، وابن أبى شيبة ١٠٢/٢. (٦) فى ى: ((يخرج)). وحَرِج الرجل: أثم. المصباح المنير ( ح رج). ٣١٦ الموطأ التمهيد ويُشبِهُ أَن يَخْرَجَ (١) أهلُ المِصِرِ وإن عظُمَ ، بتَركِ الجُمُعةِ. قال أبو عمرَ: يُشبِهُ أن يكونَ مذهَبُ مالكِ وأصحابِهِ والليثِ ، فى(١٢) مراعاةٍ الثلاثةِ أميالٍ ؛ لأنَّ الصوتَ النَّدِىَّ فى الليلِ عندَ هُدوءِ الأصواتِ يمكِنُ أن يُسمَعَ من ثلاثةِ أَميالٍ ، واللهُ أعلمُ . فلا يكونُ مذهَبُ مالكٍ فى هذا التأويلِ مخالفًا لَمّن قال : لا تَجِبُ الجمعةُ إلَّ على مَن سَمِع النداءَ. وهو قولُ أكثَرِ فقهاءِ الأمصارِ. وقد ذكر ابنُ عبدوسٍ(٢) فى ((المجموعَةِ))، عن علىٍّ بنِ زيادٍ ، عن مالكِ ، قال : عزِيمَةُ الجُمُعةِ على مَن كان بموضِعِ يَسمعُ منه النداءَ، وذلك مِن ثلاثةِ أميالٍ ، ومَن كان أبعدَ فهو فى سعةٍ ، إلّا أن يرغَبَ فى شُهُودِها فهو أحسَنُ . فهذه روايةٌ مفسّرةٌ ، وعلى هذا قال مالكٌ ، فيما رَوَى عنه ابنُ القاسم وغيرُه ، أَنْ لیس العملُ على ما صنَع عثمانُ فى إذنِه لأهلِ العوالِى ؛ لأنَّ الجُمعةَ كانت عندَه واجبَةً على أهلِ العوالى ؛ لأنَّ العوالِىَ من المدينةِ على ثلاثةِ أميالٍ ونحوِها. وذهَب غيرُ مالكٍ إلى أنَّ إذنَ عثمانَ لأهل العوالِى إِنَّا كان لأنَّ الجمُعةَ لم تكنْ واجِبَةً على أهلِ العوالى عندَه؛ لأنَّ الجُمعةَ إَما تجبُ على أهلِ المصرِ عندَه. هذا قولُ الكُوفيّين ؛ سفيانَ وأبى حنيفةً ، وقد ذكّرنا أقوالَهم، فأغنى عن إعادتِها . وأمَّا اختلافُ العلماءِ فى وُجوبِ الجمُعةِ على أهلِ العمودِ والقُرَى الكِبارِ القبس (١) فى ى: ((يخرج)). (٢) فى ر، ى: ((من)). (٣) محمد بن إبراهيم بن عبدوس أبو عبد الله، من كبار أصحاب سحنون ، كان حافظا لمذهب مالك ناسكا عابدًا، له ((المجموعة)) و ((التفاسير)) وغيرهما، توفى سنة ستين ومائتين. طبقات الفقهاء ص ١٥٨، والديباج المذهب ١٧٤/٢. ٣١٧ الموطأ التمهيد والصِّغارِ، وفى عَدَدِ رجالِ الموضِع الذى تجبُ فيه الجُمُعةُ ، فسنذكُرُه فى غير هذا الموضِعِ إن شاء اللهُ تعالَى. ومِن حُجَّةِ مالكٍ فى مراعاةِ الثَّلاثةِ أميالٍ ، ما حدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال : حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ السلام، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال: حدَّثنا معدِىُّ بنُ سليمانَ ، قال: حدَّثنا ابنُ عجلانَ ، عن أبيه، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَالَ: ((عسى(١) أحدُكم أن يَتَّخِذَ الصَّةَ(٢) مِن الغَنمِ، فينزلَ بها على رأسٍ مِيلَيْنْ أو ثلاثةٍ مِن المدينةِ ، فتأتِى الجُمُعةُ فلا يُجمِّعُ، فيُطبَعُ على قلبِهِ))(٢) . ومِن مُحَّةٍ مَن شرَط سماعَ النداءِ ما حدَّثناه عبدُ الوارثِ أيضًا ، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا الخُشَنىُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ، عن (٤) سفيانَ، عن محمدِ بنِ سعيدٍ(٥) ، عن عبدِ اللهِ بنِ هارُونَ، أنَّه سمِع عبدَ اللهِ بنَ عمرٍو يقولُ: الجمعةُ على مَن سَمِع النداءَ . القبس (١) فى م: ((على)). (٢) الصبة: الجماعة من الغنم، تشبيها بجماعة الناس، وقد اختلف فى عددها، فقيل: ما بين العشرين إلى الأربعين من الضأن والمعز. وقيل غير ذلك. ينظر النهاية ٣/ ٤. (٣) أخرجه ابن ماجه (١١٢٧)، وابن خزيمة (١٨٥٩)، والحاكم ٢٩٢/١، والبيهقى فى الشعب (٣٠١١) من طريق ابن بشار به . (٤) فى ر، ى: (( بن)). (٥) فى النسخ: ((معبد)). والمثبت من مصادر التخريج، وينظر الجرح والتعديل ٧/ ٢٦٤. (٦) أخرجه البخارى فى تاريخه ٩٣/١ من طريق عبد الرحمن بن مهدى به. ٣١٨ . الموطأ وذكَر عبدُ الرزاقِ (١) ، عن داودَ بنِ قيسٍ ، قال: سُئِل عمرُو بنُ شعيبٍ وأنا التمهيد أسمَعُ: مِن أين تؤثَى الجمعةُ؟ فقال: مِن مدِّ الصَّوتِ. قال أبو عمرَ : ممّا يحضُرُنى مِن الاحتجاج على مَن ذهَب مذهَبَ عطاءٍ وابنٍ الزبيرِ - على ما تقدَّم ذِكرُنا له - إجمائُ المسلمينَ قديمًا وحديثًا، أَنَّ مَن لا تحِبُ عليه الجُمعةُ ولا التُّزولُ إليها لبُعدِ موضِعِه عن موضِعِ إِقامَتِها - على حَسَبٍ ما ذكَوْنَا مِن اختِلافِهم فى ذلك - كلُّهم(١٢) مجمِعُ أنَّ الظُّهرَ واجِبَةٌ لازِمةٌ على مَن كانت هذه حاله، وعطاء وابنُ الزُّبيرِ موافِقانِ للجماعةِ فى غيرِ يومِ عيدٍ ، فكذلك يومُ العيدِ فى القياسِ والنَّظرِ الصحيح ، هذا لو كان قولُهما اختِلافًا يوجِبُ النظرَ ، فكيفَ وهو قولٌ شاذٌّ بعيدٌ ، والله المستعانُ وبه التوفيقُ. وأمَّا قولُ أبى عُبيدٍ مولَى ابنٍ أزهرَ فى حديثنا المذكورِ فى هذا البابِ : ثم شَهِدتُ العيدَ مع علىٍّ بن أبى طالبٍ وعثمانُ محصورٌ، فجاء فصَلَّى، ثم انصرَف فخطَب . ففيه دليلٌ على أنَّ الجمُعةَ واجبَةٌ على أهلِ المِصرِ بغيرِ سلطانٍ ، وأنَّ أهلَه إذا أقامُوها ولا سلطانَ عليهم، أجزأتهم . وهذا موضعٌ اختَلفَ العلماءُ فيه قديمًا وحديثًا . وصلاةُ العيدينِ مثلُ صلاةِ الجُمعةِ، والاختلافُ فى ذلك سواءٌ؛ لأنَّ صلاةَ عليٍّ بالناسِ العيدَ وعثمانُ محصُورٌ، أَصْلٌ فى كلِّ سبَبٍ تخَلَّفَ الإمامُ عن حُضُورِه أو خليفَتُه، أنَّ على المسلمينَ إقامةَ رجلٍ يقومُ به . وهذا مذهَبُ مالكِ، والشافعيِّ ، والأوزاعيِّ على اختلافٍ عنه ، والطبرِىِّ، كلَّهم القبس (١) عبد الرزاق (٥١٥٥). (٢) فى ى، م: ((کله)). ٣١٩ الموطأ التمهید يقولُ : تجوزُ الجمُعةُ بغيرِ سلطانٍ كسائرِ الصلواتِ . وقال أبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ ، وزُفَرِ، ومحمدٌ: لا تُجْزِئُّ الجمعةُ إذا لم يكنْ سلطانٌ . ورُوِى عن محمدِ بنِ الحسنِ، أنَّ أهلَ مِصرٍ لو ماتَ والِيهم جازَ لهم أنْ يُقَدِّمُوا رجلًا يُصَلِّى بهم الجمعَةَ حتى يَقْدَمَ عليهم وَالٍ . وقال أحمدُ بنُ حنبلٍ : يُصلُّونَ بإذْنِ السلطانِ . وقال داودُ : الجُمعةُ لا تفتقِرُ إلى وَالٍ، ولا إلى (١) إمامٍ، ولا إلى خُطْبةٍ ، ولا إلى مكانٍ. و(٢) يجوزُ للمُنفرِدِ عندَه أن يُصلِّىَ ركعَتينٍ، وتكونَ جُمعةٌ . قال: ولا يُصلِّى أحدٌ إِلَّ ركعَتَين فى وقتِ الظُّهْرِ يومَ الجُمُعةِ. وقولُ داودَ هذا خِلافُ قولِ جميعِ فقهاءِ الأمصارِ ؛ لأنَّهم أجمَعوا أنَّها لا تكونُ إلَّا يإمامِ وجماعةٍ . واختلفوا فى عَدَدِ الجماعةِ، وفى المكانِ، والوالِى، والخُطْبةِ. واللهُ المستعانُ . ذكَر عبدُ الرزاقِ (٢) ، عن معمرٍ، عن الزهرىِّ، أَنَّه كان يقولُ: حيثُما كان أميرٌ، فإنَّه يَعِظُ أصحابَه يومَ الجمُعةِ، ويُصلَّى بهم ركعتين . ذكَرنا قولَ الزهرىِّ هذا؛ لأَنَّه الذى روَى حديثَ علىٍّ حينَ صلَّى بالناسِ العيدَ وعثمانُ محصُورٌ ، وقد ذكرنا فى بابٍ حديثِ ابنِ شهابٍ ، عن عبيدِ اللهِ ، عن جماعةٍ مِن التابعِين أنَّ الحدودَ والجمعةَ إلى السلطانِ. ولا يَخْتَلِفُ العُلَماءُ أنَّ الذى يُقيمُ الجُمُعةَ السلطانُ ، وأنَّ ذلكَ سُنةٌ مسنونةٌ ، وَما اختلَفوا عندَ نُزولٍ ما القبس (١) سقط من: م. (٢) بعده فى ر: ((لا)). (٣) عبد الرزاق (٥١٤٦). ٣٢٠