Indexed OCR Text

Pages 301-320

الموطأ
التمهید
ولكِنْ مَن رَضِىَ وتَابَع )). قالوا: يا رسولَ اللهِ ، أَلَا نُقاتِلُهم؟ قال: ((لا ، ما صَلَّوا
(١)
الخَفْسَ))(١).
وفيه دليلٌ على أنَّهم إنْ لم يُصَلُّوا الخمسَ قُوتِلوا، ومن حُجَّتِهم أيضًا قولُه
وَلَه : ((نُهِيتُ عَنْ قتلِ المصلِين)»(٢). وفى ذلك دليلٌ على أنَّ من لم يُصَلِّ لم يُنْهَ
عن قَتْلِه، واللهُ أعلمُ، ألا ترَى إلى قولِه وَلِّ لأصحابِه الذين شاوَروه فى قتلِ
مالكِ بنِ الدُّخْشُم: ((أليس يصلِّى؟)) قالوا: بلَى، ولا صلاةَ لهُ(١) . فتَهاهُم عن
قتلِهِ لصَلاتِه، إذا قالوا: بَلَى إِنَّه يُصَلِّى. ولو قالوا: إِنَّه لا يُصَلَّى. ما نَهاهم عن
قتلِه ، واللهُ أعلمُ . ولم يَحْتَجَّ عليهم فى المنعِ مِن قتلِه إلا بالشَّهادةِ والصَّلاةِ ؛ لأنَّه
قال لهم: ((أليس يَشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّ اللهُ؟)). قالوا: بلَى، ولا شهادةَ له . فقال:
((أليس يُصَلِّى؟)). قالوا: بلَى، ولا صلاةً له. قال: ((أولئكَ الذين نَهانِى اللهُ
عن قَتْلِهِم)). وقد قال فى غيرِ ذلك الحديثِ: ((نُهِيتُ عن قتلِ المصَلِّين)).
واعتُلُوا فى دفع الآثارِ المروِيَّةِ فى تكفيرِ تاركِ الصلاةِ بأن قالوا : معناها
فيمن(٤) ترَك الصلاةَ جاحِدًا لها، مُعانِدًا، مُستكبِرًا، غيرَ مُقِرٍّ بفَرْضِها. قالوا :
القبس
(١) أحمد ١٤٩/٤٤ (٢٦٥٢٨). وأخرجه الترمذى (٢٢٦٥) من طريق يزيد بن هارون به ،
وأخرجه أحمد ٢٢٣/٤٤ (٢٦٦٠٦)، ومسلم (٦٤/١٨٥٤)، وأبو داود (٤٧٦٠) من طريق
هشام بن حسان به .
(٢) أخرجه الطبرانى ٢٦/١٨ (٤٤) من حديث أنس، وأخرجه أبو داود (٤٩٢٨) من حديث
أبى هريرة .
(٣) سيأتى فى الموطأ (٤١٦).
(٤) فى س، م: ((من)).
٣٠١

الموطأ
التمهيد
ويَلْزَمُ مَن كَفَّرَهم بتلك الآثارِ وَقَبِلَها على ظاهِرِها فيهم أنْ يُكَفِّرَ القاتلَ والشَّاتَمَ
للمسلم، وأنْ يُكَفِّرَ الزَّانِىَ، وشارِبَ الخمرِ، والسارقَ ، والمتْتَهِبَ ، ومن رغِب
عن نَسَبِ أبِيه؛ فقد صحَّ عنه رَِّ أَنَّه قال: (( سبابُ المسلم فسوقٌ، وقِتَالُه
كفرٌ)) ). وقال: (( لا يَزْنِى الزَّانى حينَ يَزْنِى وهو مؤمنٌ، ولا يَسْرِقُ السارقُ حينَ
يَشْرِقُ وهو مؤمنٌ، ولا يَشرَبُ الخمرَ حينَ يَشْرَبُها وهو مؤمنٌ، ولا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً
ذَاتَ شَرَفٍ يَرْفَعُ الناسُ إِليه فيها أبْصَارَهم حين يَنْتَهِبُها وهو مؤمنٌ))(١).
وقال: ((لا تَرْغَبوا عن آبائِكم، فإِنَّه كفرٌ بكم أن تَرْغَبوا عن آبَائِكم)) (١).
وقال: ((لا تَرْجِعوا بَعدِى كفَّارًا؛ يَضْرِبُ بعضُكم رقاب بعضٍ))(١). إلى آثارٍ
مثلِ هذه لا يُخرجُ بها العلماءُ المؤمنَ من الإسلامِ، وإنْ كان بفعلٍ ذلك فاسقًا
عندَهم ، فغيرُ نكيرٍ أنْ تكونَ الآثارُ فى تاركِ الصلاةِ كذلك . قالوا : ومعنَى قولِه :
(( سبابُ المسلم فُسوقٌ، وقتالُه كفرٌ)). أنَّه ليس بكفرٍ يُخْرِجُ عن الملَّةِ، وكذلك
كلُّ ما ورَد من تكفيرٍ من ذكّرنا من يَضْرِبُ بعضُهم رقابَ بعضٍ ، ونحوِ ذلك.
وقد جاء عن ابنِ عباسٍ ، وهو أحدُ الذين رُوِىَ عنهم تكفيرُ تاركِ الصَّلاةِ ، أنَّه
القبس
(١) أخرجه أحمد ١٥٧/٦ (٣٦٤٧)، والبخارى (٤٨)، ومسلم (٦٤) من حديث ابن مسعود.
(٢) أخرجه البخارى (٢٤٧٥، ٥٥٧٨، ٦٧٧٢، ٦٨١٠)، ومسلم (٥٧) من حديث أبى هريرة .
(٣) أخرجه أحمد ٤٧٥/١٦ (١٠٨١٣)، والبخارى (٦٧٦٨)، ومسلم (٦٢) من حديث أبى
هريرة .
(٤) أخرجه أحمد ٥٠٤/٣١ (١٩١٦٧)، والبخارى (١٢١، ٤٤٠٥، ٦٨٦٩، ٧٠٨٠)،
ومسلم (٦٥) من حديث جرير بن عبد الله البجلی .
٣٠٢

الموطأ
قال فى حكم الحاكمِ الجائرِ: كفرٌ دُونَ كُفْرٍ.
التمهيد
حدَّثَنِى محمدُ بنُ إبراهيمَ ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطَرّفٍ ، قال: حدَّثنا
سعيدُ بنُ عثمانَ ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إسماعيلَ ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ
◌ُیینةً ، عن هشامٍ بنِ حُجَيْرٍ ، عن طاوسٍ ، قال : قال ابنُ عباسٍ : ليس بالكفرِ
الذى تذهبون إليه، إنَّه ليس بكفرٍ يَنقلُ عن المِلَّةِ. ثم قرأ: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ
(١)
أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤].
واحتجُوا أيضًا بقولِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ: لا يَتْلُغُ المرءُ حقيقةَ الكفرِ حتى
يَدعوَ مثنَى مثنَى. وقالُوا: يَحْتَمِلُ قولُه ◌َلّهِ: (( لا يَزْنِى الزَّانِى حِينَ يَزْنِى وهو
مؤمنٌ)) . يريدُ مُسْتَكْمِلَ الإِيمانِ ؛ لأنَّ الإِيمانَ يزيدُ بالطّاعةِ ، ويَنقُصُ بالمعصيةِ ،
وكذلك السارقُ، وشاربُ الخمرِ، ومَن ذُكِرَ معهم. وعلى نحوٍ ذلك تَأَوَّلوا
قولَ عمرَ بنِ الخَطَّابِ: لا حَظّ فى الإسلام لمن ترَك الصلاةَ. قالوا: أرادَ أنَّه لا كبيرَ
حَظُّ له، ولا حَظًّا كاملًا له فى الإسلامِ. ومثلُه قولُ ابن مسعودٍ وما أشْبَهَه ،
وجعَلوه كقوله: ((لا صلاةَ لجارِ المسجدِ إلَّا فى المسجدِ))(٢). أى: أنَّه ليس له
صلاةٌ كاملةٌ .
ومثلُه الحديثُ: ((ليس المسكينُ بِالطَّرَّافِ عليكم))(١) . يريدُ ليس هو
القبس
(١) أخرجه ابن نصر فى تعظيم قدر الصلاة (٥٦٩) من طريق ابن عيينة به .
(٢) تقدم تخريجه ص ٢٥٨.
(٣) أخرجه أحمد ١٤٥/٦ (٣٦٣٦) من حديث ابن مسعود ، والبخارى (٤٥٣٩) ، ومسلم
(١٠٣٩) من حديث أبى هريرة .
٣٠٣

الموطأ
التمهيد
المسكينَ حقًّا؛ لأنَّ هناك من هو أشدُّ مسكنةً منه، وهو الذى لا يسألُ، ونحوُ
هذا ممّا اغْتَلُّوا به .
وقد رأى مالكٌ استابَةَ الإِبَاضِيَّةِ والقَدَرِيَّةِ، فإِنْ تابوا وإلّا قُتِلوا. ذكَر ذلك
إسماعيلُ القاضِى ، عن أبى ثابتٍ ، عن ابنِ القاسمِ، وقال : قلتُ لأيِى ثابتٍ :
هو (١) رأىُ مالك فى هؤلاءٍ وحسبُ؟ قال: بل فى كلِّ أهلِ البدع. قال
القاضِى: وأَّا رأى مالكٌ ذلك فيهم لإفسادِهم فى الأرضِ، وهم أعظمُ إفسادًا
من المحاربين؛ لأنَّ إفسادَ الدِّينِ أعظمُ من إفسادِ المالِ ، لا أنَّهم كفَّارٌ.
قال أبو عمرَ : فهذا مالكٌ يُرِيقُ دماءَ هؤلاءِ وليسوا عندَه كفَّارًا؛ فكذلك
تاركُ الصلاةِ عندَه(٢) من هذا البابِ قتلُه ، لا من جهةِ الكفرِ .
وممّا يدلُّ على أنَّ تارك الصلاةِ ليس بكافرٍ كفرًا يَنْقُلُ عن الإسلام إذا كان
مؤمنًا بها، مُعْتَقِدًا لها، حديثُ ابن مسعودٍ، عن النبيِّ وَلِّ، قال: ((أَمِرَ بعبدٍ من
عبادِ اللهِ أن يُضْرَبَ فى قبرِهِ مِائَةً جلدةٍ ، فلم يَزَلْ يَسألُ اللهَ ويدعُوه، حتَّى
صارَتْ جَلْدَةً واحدةً فامْتَأْ قبره نارًا، فلمَّا أَفَاقَ ، قال: علامَ جَلَدْتُمُونى؟ قالُوا :
إِنَّك صَلَّيْتَ صلاةٌ بِغَيْرِ طُهورٍ، ومرَرْتَ على مظلومٍ فلم تَنْصُرْه))(١). قال
الطَّحاوِىُّ: فى هذا الحديثِ ما يدلُّ على أنَّ تاركَ الصلاةِ ليس بكافرٍ؛ لأَنَّ
من صلَّى صلاةً بغيرِ طُهورٍ لم يُصَلِّ، وقد أُجِيبَتْ دَعْوَتُه ولو كان كافرا ما
القبس
٠٠
(١) فى م: ((هذا)).
(٢) فى س: ((عندهم)).
(٣) تقدم تخريجه ص ٢٠١ .
٣٠٤

الموطأ
التمهيد
أُجِيبَتْ له دعوةٌ؛ لأَنَّ الله تباركَ وتعالَى يقولُ: ﴿وَمَا دُعَُّ الْكَفِرِينَ إِلَّا فِى
ضَلَلٍ﴾ [غافر: ٥٠]. وقد ذكرنا إسنادَ حديثِ ابنِ مسعودٍ هذا فى بابٍ يحيى بنِ
سعيدٍ، عندَ قولِهِ نَّه: (( خمسُ صلواتٍ كَتَبَهُنَّ اللهُ على العِبادِ)). ثم قال:
(( ومن لم يَأْتِ بهنَّ فليس له عندَ اللهِ عهدٌ؛ إنْ شاءَ عَذَّبَه، وإن شاء غفَر له))(١).
وممّا يَدُلُّ على أنَّ الكفرَ منه ما لا يَتْقُلُ عن الإِسلام قولُهُ وَّةِ: ((يَكْفُوْنَ
العشيرَ، ويَكْفُرْنَ الإِحسانَ))(٢). وكافر النعمةِ يُسَمَّى كافرًا، وأصلُ الكفرِ فى
اللغةِ السَّتْرُ، ومنه قيلَ للَّيلِ: كافرٌ. لأَنَّه يَسْتُرُ؛ قال لَبِيدٌ(١):
* فى ليلةٍ كفَر النُّجومَ غَمَامُها *
أىْ : ستَرَها .
وفى هذه المسألةِ قولٌ ثالثٌ قاله ابنُ شهابٍ ؛ رواه شُعَيْبُ بنُ أبى حمزةَ عنه ،
قال: إذا ترَك الرجلُ الصلاةَ، فإن كان إَّما ترَكها لأَنَّه ابتدَع دينًا غيرَ الإسلامِ
قُتِلَ ، وإنْ كان إنما هو فاسقٌ فإِنَّه يُضْرَبُ ضرْبًا مُبَرِّحًا ويُشْجَنُ حتى يَرجِعَ . قال :
والذى يُفْطِرُ فى رمضانَ كذلك .
قال أبو جعفرِ الطحاوِىُّ: وهو قولُنا، وإليه يذْهَبُ جماعةٌ من سَلَفِ الأُمَّةِ
من أهلِ الحجازِ والعراقِ .
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ١٩١.
(٢) سيأتى فى الموطأ (٤٤٧).
(٣) شرح ديوانه ص ٣٠٩.
٣٠٥
( موسوعة شروح الموطأ ٢٠/٥ )

الموطأ
التمهید
قال أبو عمرَ: بهذا يقولُ داودُ بنُ علىٍّ، وهو قولُ أبى حنيفةً فى تاركِ
الصَّلاةِ : إِنَّه يُسْجَنُ ويُضْرَبُ ولا يُقْتَلُ.
وابنُ شهابِ القائلُ ما ذكرنا هو القائلُ أيضًا فى قولِ النبيِّ وَله: ((أُمِوْتُ أن
أُقاتِلَ الناسَ حتَّى يَقُولوا: لا إِلهَ إِلَّ اللهُ))(١): كان ذلك فى أوَّلِ الإسلامِ، ثم نزَلتِ
الفرائضُ بعدُ . وقولُه هذا يَدُلُّ على أنَّ الإيمانَ عندَه قولٌ وعملٌ ، واللهُ أعلمُ ، وهو
قولُ الطَّائِفتين اللَّتين ذكَرْنا قَولَهم قبلَ قولِ ابنِ شهابٍ، كلُّهم يقولُ: الإيمانُ قولٌ
وعملٌ .
وقد اختلفوا فى تاركِ الصلاةِ كما رأيتَ(١)، واحتجَّ مَن ذهَب هذا المذهبَ ،
أغْنِى مذهبَ ابنِ شهابٍ، فى أنَّه يُضْرَبُ ويُسْجَنُ(١) ولا يُقْتَلُ - بقولِ رسولِ اللهِ
وَله : ((أُمِوْتُ أن أُقاتِلَ الناسَ حتَّى يَقُولوا لا إلهَ إلَّ اللهُ، فإذا قالُوها عَصَموا منِّى
دماءهم وأموالهم إلَّ بحَقِّها)). قالوا: وحقُّها الثَّلاثُ التى قال النبيُّ وَ لَّ: (( لا
يَحِلُّ دمُ امْرِئٌّ مسلم إلَّا بإِحْدَى ثلاثٍ ؛ كفرٌ بَعْدَ إِيمانٍ ، أو زنِّى بعدَ إِحصانٍ ، أو
قَتْلُ نفسٍ بغیرِ نفسٍٍ )) (١) .
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٢٩٨.
(٢) فى م: ((علمت)).
(٣) بعده فى م: ((ولا)).
(٤) فى س: ((حق)).
والحديث أخرجه أحمد ١١٩/٦ (٣٦٢١)، والبخارى (٦٨٧٨)، ومسلم (١٦٧٦) من
حديث ابن مسعود .
٣٠٦

الموطأ
التمهيد
قالوا : والكافر جاحدٌ ، وتارك الصلاةِ المقرّ بالإسلام ليس بجاحدٍ ولا کافٍ،
وليس بمستكبِرٍ ولا معاندٍ، وَمَا يُكَفَّرُ بالصلاةِ من جحَدها واسْتَكْبَر عن أدائِها .
قالوا : وقد كان مؤمنًا عندَ الجميع بتقينٍ قبلَ تركِه للصلاةِ ، ثم اختلفوا فيه إذا ترك
الصلاةَ ، فلا يَجِبُ قتلُهُ إِلَّ بيقينٍ، ولا يقينَ مع الاختلافِ ، فالواجبُ القولُ بأقلِّ
ما قيلَ فى ذلك، وهو الضربُ والسَّجنُ ، وأمَّا القتلُ ففيه اختلافٌ، والحُدودُ تُدْرَاً
بالشُّبهاتِ. واحتجُوا أيضًا بقولِهِ وَالَ: ((سيَكونُ عليكم بعدِى أمراءُ يُؤَخِّرُون
الصلاةَ عن مِيقاتِها، فصَلُّوا الصَّلاةَ لوَقْتِها واجْعَلُوا صلاتكم معهم سُبْحَةً)) (١).
قالوا : وهذا يَدُلُّ على أنَّهم غيرُ كُفَّارٍ بتأخيرِها حتى يَخْرُجَ وَقتُها، ولو كفَروا
٥
بذلك ما أمَرهم بالصلاةِ خَلْفَهم بسبحةٍ ولا غيرِها .
قال أبو عمرَ : هذا قولٌ قد قال به جماعةٌ من الأئمةِ ممن يقولُ : الإيمانُ قولٌ
وعملٌ. وقالتْ به المرجئةُ أيضًا ، إِلَّا أنَّ المرجئةَ تَقولُ: المؤمنُ المُقُرُ مُسْتكمِلُ
الإيمانِ . وقد ذكرنا اختلافَ أئمَّةِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ فى تاركِ الصلاةِ ، فأمَّا أهلُ
البدع ؛ فإنَّ المرجئةَ قالتْ: تارك الصلاةِ مؤمنٌ مُستكمِلُ الإيمانِ إذا كان مُقِرًّا غيرَ
جاحدٍ ، ومُصَدِّقًا غيرَ مُشْتكبِرٍ. وحُكِيَتْ هذه المقالةُ عن أبى حنيفةً وسائرٍ
المرجئةِ ، وهو قولُ جهم . وقالتِ المعتزلةُ: تاركُ الصلاةِ فاسقٌ ، لا مؤمنٌ ولا كافرٌ،
وهو مُخلَّدٌ فى النارِ إلّا أن يتوبَ . وقالت الصُّفْرِيَّةُ والأزارقةُ مِن الخوارجِ: هو كافرٌ
حلالُ الدَّم والمالِ . وقالتِ الإباضيّةُ: هو كافرٌ، غيرَ أنَّ دمَه ومالَه مُحَرَّمانٍ .
ويُسَمّونه كافرَ نعمةٍ . فهذا جميعُ ما اختلَف فيه أهلُ القبلةِ فى تاركِ الصلاةِ .
القبس
(١) تقدم تخريجه فى ٥١/٢، وينظر ما سيأتى ص٣١٩.
٣٠٧

الموطأ
التمهيد
وفى هذا الحديثِ أيضًا أنَّ من صلَّى فى بيتِه ثم دخَل المسجدَ فأقيمَتْ عليه
تلك الصلاةُ ، أنَّه يُصلِّيها معهم ، ولا يَخْرُجُ حتى يُصلِّىَ وإنْ كان قد صلَّى فى
جماعةِ أهلِه أو غيرِهم ؛ لأنَّ فى حديثِنا فى هذا البابِ: بلى يا رسولَ اللهِ ، ولكنِّی
قد صَلَّيْتُ فى أَهلِى. فَأَمَره (١) رسولُ اللهِ ◌ٍِّ(٢) أنْ يُصلِّىَ وإنْ كان قد صلَّى فى
أهلِه، ولم يُبَيِّنْ أَنَّه كان صلَّى مُتْفَردًا، وهذا موضعٌ اختلف العلماءُ فيه؛ فقال
جمهورُ الفقهاءِ: أَّا هذا لمن صلَّى وحدَه، وأمَّا من صلَّى فى بيتِه أو غيرٍ بيتِه فى
جماعةٍ فلا يُعِيدُ تلك الصَّلاةَ؛ لأنَّ إعادَتَها فى جماعةٍ لا وجه له، وأَّما كانت
الإعادةُ لفضلِ الجماعةِ ، وهذا قد صلَّى فى جماعةٍ ، فلا وجه لإعادَتِه فى جماعةٍ
أخرَى، ولو جاز أنْ يُعِيدَ فى جماعةٍ أخرَى من صلَّى فى جماعةٍ ، لَلَزِمَه أنْ يُعِيدَ
فى جماعةٍ أخرَى ثالثةٍ ورابعةٍ ، إلى ما لا نهايةَ له فى تلك الصَّلاةِ ، وهذا لا يَجوزُ
أنْ يقولَ به أحدٌ، واللهُ أعلمُ، واحتجُوا بقولِهِ وَله: (( لا تُعَادُ الصلاةُ فى يومٍ
مَرَتَیْنِ)) .
وقالوا : معنَى هذا الحديثِ أنَّ مَن صلَّى فى جماعةٍ لا يُعِيدُ فى جماعةٍ. وثمّن
قال بهذا القولِ مالكُ بنُ أنس، وأبو حنيفةً، والشَّافعىُّ ، وأصحابُهم .
أخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قراءةً مِنِّى عليه، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم ،
قال: حدَّثنا عُبيدُ بنُ عبدِ الواحدِ البزَّارُ، قال: حدَّثنا على بنُ المدينيّ ، قال :
حدَّثنا يزيدُ بنُّ زُرَيع، قال: حدَّثْنا محُسيْنٌ، وهو المُعلِّمُ، عن عمرو بنِ شُعيبٍ ،
القبس
(١) فى س، م: ((فقال)).
(٢) بعده فى ص: ((له على ذلك)).
٣٠٨

الموطأ
التمهيد
عن سليمانَ مولَى ميمونةَ ، قال: أَتَيْتُ على ابنِ عمرَ وهو على البلاطِ(١) ، وهم
يصلُّون ، فقلتُ: أَلَا تُصَلِّى معهم؟ قال: إِنِّى سمِعتُ رسولَ اللهِ وَلَ يقولُ:
(( لا تُصلُّوا صلاةٌ فى يومٍ مَرَّتَيْنِ)) (١).
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدٍ
البِرْتِىُّ، قال: حدَّثنا أبو معمرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارثِ(١)، قال: حدَّثنا حسينٌ
المُعلِّمُ ، عن عمرو بن شعيبٍ ، عن سليمانَ بنِ يسارٍ ، قال : مرَرْتُ بابنِ عمرَ وهو
جالش " على البلاطِ) ، والقومُ يُصلُّون . قال: فقلتُ: ألا تُصلِّى معهم؟ قال :
قد صلَّيْتُ . قال: قلتُ: القومُ يُصلُّون. قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ وَلِّ يقولُ:
(( لا تُصَلُّوا صلاةٌ فى يومٍ مَرَّتَيْن)).
وقال أحمدُ بنُ حنبلٍ، وإسحاقُ بنُ راهُويَه، وهو قولُ داودَ : جائزٌ
لمن صلَّى فى جماعةٍ ثم دخل المسجدَ فأَقِيمَتْ تلك الصلاةُ أنْ يُصلِّيَها
ثانيةً فى جماعةٍ. قال أحمدُ : ولا يَجوزُ له أنْ يَخْرُجَ إذا أُقِيمَتْ عليه
الصلاةُ حتى يُصلِّيّها وإنْ كان قد صلَّى فى جماعةٍ . واحتجَّ بحديثٍ أبی
هريرةَ ؛ قولِه فى الذى خرَج عندَ الإقامةِ من المسجدِ: أمَّا هذا فقد عصَى
القبس
(١) البلاط: ضرب من الحجارة تفرش به الأرض، ثم سمى به المكان اتساعا، وهو موضع بالمدينة
بين المسجد وسوق المدينة. ينظر النهاية ١/ ١٥٢.
(٢) أخرجه أبو داود (٥٧٩) من طريق يزيد بن زريع به، وأحمد ٣١٥/٨ (٤٦٨٩)، والنسائى
(٨٥٩)، وابن خزيمة (١٦٤١)، وابن حبان (٢٣٩٦) من طريق حسين المعلِّم .
(٣) فى س: ((الرزاق)). وينظر تهذيب الكمال ٤٧٨/١٨.
(٤ - ٤) فى م: ((بالبلاط)).
٣٠٩

الموطأ
تمهيد أبا القاسم ◌َل﴾ (١).
ورُوِىَ عن أبى موسى الأشعرىِّ، وحذيفةَ بنِ اليَمَانِ ، وأنسِ بنِ مالكٍ ،
وصلةَ بنِ زُفَرَ، والشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ إعادةُ الصلاةِ فى جماعةٍ لمن صلَّاها فى
جماعة ، وبه قال حمّادُ بنُ زیدٍ ، وسليمان بن حربٍ ؛ حکی ذلك أبو بكرٍ
الأثرمُ ، عن أحمدَ ، وعن سائرٍ مَن ذَكَرْنا، كما ذكَرْنا بالأسانيدِ ، فمن ذلك أنْ
قال : حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ بكرِ السَّهْمِىُّ، قال: حدَّثنا حُميدٌ ، عن أنسٍ : قَدِمْنا مع
أبى موسى حينَ بعَثه عمرُ على البَصْرةِ، فصلَّى بنا الغداةَ فى المِرْبَدِ (١) ، فانْتَهَينا
إلى المسجدِ الجامعِ فأُقيمت الصلاةُ علينا، فصلَّئْنا مع المغيرة بنٍ شعبةً(٤).
قال : وأخبرنا عثمانُ بنُ أبى شيبةَ ، وسفيانُ بنُ وكيع، قالا: حدّثنا جريرٌ،
عن ليثٍ، عن نُعَيم بنِ أبي هندٍ، عن رِئْعِىِّ بنِ حِراشٍ)، عن صِلَةً (١٧ بنِ زُفرَ،
قال : انْطَلَقْتُ مع حذيفةَ فى حاجةٍ فأتينا على مسجدٍ يُصلُّون الظهرَ، فصَلَّنا
معهم ؛ ثم خرَجْنا فأتينا على مسجدٍ يُصلُّون الظهرَ، فصلَّيْنا معهم. وذكَر مثلَ
القبس
(١) أخرجه أحمد ١٥/ ١٨١، (٩٣١٥)، ومسلم (٦٥٥)، وأبو داود (٥٣٦).
(٢) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٢٧٧/٢، ٢٧٨.
(٣) المربد: موضع بالبصرة. ينظر معجم البلدان ٤٨٣/٤.
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٧٧/٢ من طريق حميد به بنحوه .
(٥) فى ص: ((عن)). وينظر تهذيب الكمال ٤٩٧/٢٩.
(٦) فى م: ((خراش)). وينظر سير أعلام النبلاء ٤/ ٣٥٩.
(٧) فى س: ((جبلة)). وينظر تهذيب الكمال ٢٣٣/١٣.
٣١٠

الموطأ
ذلك فى العصرِ والمغربِ ؛ من إعادتِهما فى جماعةٍ ، قال: فذهَبْتُ أَقومُ فى الثالثةِ التمهيد
(١)
فأجلَسَنِى(١) .
قال : وحدَّثنا مُوسى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا أبو عَوانَةَ ، عن إسماعيلَ بنِ
سالمٍ، عنٍ عامٍ، قال: إذا دخلْتَ المسجدَ وقد صلَّيْتَ صلاةً وحدَك، أو فى
جماعةٍ ، فَأَقِيمَتْ تلك الصلاةُ وأنتَ فى المسجدِ فإِنِّى أكرَهُ أَنْ تَخْرُجَ كما تَخْرُجُ
اليهودُ والنَّصارَى، ولكن صلِّها معهم فتكونُ صلاتُك التى قد صَلَّيْتَ قبلَ ذلك
الفريضةَ، وصلاتُك هذه التَّطوُّعَ؛ صلِّها معهم وإن كانت العصرَ. حدَّثنا
سلیمانُ بنُ حرپ ، قال : صلَّئْتُ ثم أتیتُ مسجدَ حمَّادٍ بن زيد، وذلك فى
صلاةِ العصرِ، وقد علِم حمَّادُ بنُ زيدٍ أَنِّى أصلِّى بهم هلهُنا، فأَقِيمتِ الصلاةُ ،
فقال لى حمَّادٌ : صلِّ. قلتُ: قد صلَّيْتُ . قال: صلِّ. فصلَّيْتُ . قلتُ لسليمانَ
ابنِ حربٍ: مَن صلَّى فى جماعةٍ أَيُعِيدُ؟ قال: نعم. حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ،
حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ ، حدَّثنا الخضرُ بنُ داودَ، حدَّثنا أبو بكرٍ الأثرم .
فذكَر الأحاديثَ إلى آخرِها .
واتَّفَقَ أحمدُ بنُ حنبلِ وإسحاقُ بنُ راهُويَه على أنَّ معنَى حديثِ ابنِ عمرَ
الذى قدَّمنا ذِكْرَه عن النبيِّ وَهِ: ((لا تُصلُّوا صلاةً فى يومٍ واحدٍ مَرَّتَيْن)).
قالا: إَّما ذلك أن يُصلِّىَ الإنسانُ الفريضةَ، ثم يقُومَ فيُصَلِيَها ثانيةً يَنْوِى بها
الفرضَ مرّةً أُخرَى يَعْتَقِدُ ذلك، فأمَّا إذا صلَّها مع الإمام على أنَّها سُنَّةٌ تَطؤُّعًا
فليس بإعادةٍ للصَّلاةِ .
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٧٦/٢ من طريق ليث به. وليس فيه: ((عن ربعى بن خراش)).
٣١١

الموطأ
التمهيد
قال أبو عمرَ: قد عَلِمْنا أنَّ رسولَ اللهِ نَِّهَا أمَر الذى صلَّى فى أهلِه وحدَه
أنْ يُعيدَ فى جماعةٍ من أجلِ فضلِ صلاةِ الجماعةِ على صلاةِ الفذِّ ؛ لِيَتَلافَى ما فاتَه
من فضلِ الجماعةِ إذا كان قد صلَّى منفردًا، والمصلِّى فى جماعةٍ قد حصل له
الفرضُ والفضلُ ، فلم يكُنْ لإعادته الصلاةَ وجةٌ إلَّا أنْ يَتَطَوَّعَ بها، وسُنَّةُ التَّطَوَّعِ
أنْ يُصَلِّىَ ركعتين ركعتين (١). وقد رُوِىَ عن النبيِّ وَّلِ أَنَّه قال: ((صلاةُ الليلِ
والنهارِ مثنَى مِثنَى)) ) . يغنى فى التَّطوُّعِ. ورُوِىَ عنه أَنَّه نهَى عن القصدِ إلى
التَّطوُّعِ بعدَ العصرِ والصُّبْحِ، فمِنْ هلهنا لم يَكُنْ لإعادةِ الصلاةِ لمن صلَّها فى
جماعةٍ وجة، واللهُ أعلمُ، والأحاديثُ عن السلفِ تَدُلَّ على ذلك لفضلٍ
الجماعةِ . واللهُ أعلمُ .
روَى مالكٌ عن عفيفِ بنِ عمرٍو (٢) السّهْمِىِّ، عن رجلٍ من بَنِى أسدٍ ، أَنَّه
سأَل أبا أيوبَ الأنصارِىَّ، فقال: إنِّى أصلِّى فى بَيْتِى ثم آتى المسجدَ ، فأجدُ
الإمامَ يُصلِّى أفأُصلِّى معه؟ فقال أبو أيوبَ: نعم، فصلٌ معه، ومَن صنَع ذلكَ
فإِنَّ له سهمَ جَمْعٍ ، أو مثلَ سهمٍ جمعٍ(١) . قال ابنُ وهبٍ: يعنِى يُضَغَّفُ له
الأجر.
قال أبو عمرَ : قولُ ابنٍ وَهْبٍ هذا، واللهُ أعلمُ، خيرٌ من قولٍ من قال : إِنَّ
القبس
(١) سقط من: س، م.
(٢) تقدم تخريجه ص ١٧٢، وسيأتى ص ٦٣٠.
(٣) فى س، م: ((عمر)). وينظر تهذيب الكمال ٢٠/ ١٨٢.
(٤) سيأتى فى الموطأ (٢٩٩).
٣١٢

الموطأ
الجمعَ هُنا الجيشُ، وإنَّ له أجْرَ الغازِى أو الغُزاةِ ؛ من قوله: ﴿تَرَّءَا الْجَمْعَانِ﴾
[ الشعراء: ٦١ ] يعْنِى الجيشين. وليس هذا عندِى بشىءٍ، والوجهُ ما قالَه ابنُ
وَهْبٍ ، وهو المعروفُ عن العربِ .
التمهيد
أخبرنى عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ إسماعيلَ، حدَّثنا
محمدُ بنُ الحسنٍ، حدَّثنا الزبيرُ بنُ أبى بكرٍ ، قال : حدَّثنی عمِّى مصعبُ بنُ
عبدِ اللهِ ، أَنَّ فى وصيةِ المنذرِ بنِ الزبيرِ: إِنَّ لفلانٍ بَغْلَتِى الشَّهباءَ، ولفلانٍ عشَرةً
آلافٍ درهم، ولفلانٍ سهمَ جَمْعٍ. قال مُصعَبٌ : فسألْتُ عبدَ اللهِ بنَ المنذرِ بنِ
الزبيرِ: ما يَعْنِى بِسَهْمِ جَمْعٍ؟ قال : نصيبُ رجلين(١).
واخْتَلف الفقهاءُ أيضًا فيما يُعادُ من الصَّلواتِ مع الإمام لمن صلَّاها فى بَيْتِه ؛
فقال مالك: تُعادُ الصَّلواتُ(٢) مع الإمام إلَّا المغربَ وحدَها؛ فإنَّه لا يُعيدُها لأنَّها
تَصيرُ شَفْعًا. قال: ومَن صلَّى فى جماعةٍ ولو مع واحدٍ فإِنَّه لا يُعيدُ تلكَ الصلاةَ
إلّا أنْ يُعِيدَها فى مسجدِ النبيِّ وَّةِ، أو المسجدِ الحرامِ، أو "بيتِ المقدسِ).
قال : وإنْ دخَل الذى صلَّى وحدَه المسجدَ فوجَدهم جُلوسًا فى آخرِ صلاتِهم فلا
يَجْلِسُ معهم ، ولا يَدْخُلُ فى صلاتِهِم حتى يَعلَمَ أنَّه يُدْرِكُ منها ركعةً . ومن قولٍ
مالكِ أنَّه لا يَدْرِى أُّ الصلاتين فَرِيضَتُه، وإنّما ذلك عندَه إلى اللهِ يَجْعَلُها أيَّتَهما
شاء، ولا يَقولُ : إِنَّها نافلةٌ .
القبس
(١) أخرجه ابن عساكر ٢٧/٥٦ من طريق الزبير بن بكار به .
(٢) بعده فى م: (( كلها)).
(٣ - ٣) فى م: ((المسجد الأقصى)).
٣١٣

الموطأ
التمهید
ورُوِى عن ابنِ عُمَرَ (١) وسعيدِ بنِ المُسيِّبِ(٢) مثلُ قولِه هذا: ذلك إلى
اللهِ يَجْعَلُ أَيَّتَهما شاء. واختلفت أجوِبَتُه وأجوبةُ أصحابِه فيمن أحدث فى
الثانيةِ مع الإمام، أو ذكَر بعدَ فَراغِه منها أنَّ الأولَى على غيرِ وضُوءٍ، أو
أَسْقَط منها سجدةٌ، بما لم أرَ لِذِكْرِهِ وَجْهًا فى هذا الموضعِ. وقال ابنُ
وَهْبٍ فى ((المُوَطَّأُ)): قال مالكٌ: من أحدَث فى هذه فصلاتُه فى بَيْتِه هى
صَلاتُه .
قال أبو عمرَ: هذا هو الصحيحُ من قولِه وقولٍ غيرِه فى هذه المسألةِ ، وقال
أبو حنيفةً وأصحابُه: لا يُعيدُ المُصَلِّى وحدَه العصرَ مع الإمام، ولا الفجرَ، ولا
المغربَ، ويُصلِّى معه الظهرَ والعشاءَ، ويَجعَلُ صلاته مع الإمام نافلةً . قال محمدُ
ابنُ الحسنِ: لأَنَّ النافلةَ بعدَ العصرِ والصبح لا تَجُوزُ ، ولا تُعادُ المغربُ لأنَّ النافلةَ لا
تَكونُ وترًا فى غيرِ الوترِ. وقال الأوزاعِىُ: يُعيدُ مع الإمامِ جميعَ الصَّلواتِ إلَّا
المغرِبَ والفجرَ. وهو قولُ عبدِ اللهِ بنُ عمرَ(٣). وحجَّةُ من قال هذا القولَ أنَّ الوترَ
فى صلاةِ النافلةِ غيرُ جائزٍ؛ لقولِ رسولِ اللهِ وَله: ((صلاةُ اللَّيلِ مثنَى مثنَى)).
والإجماع العلماءِ أنَّ النافِلَةَ غيرَ الوترِ لا تكونُ وترًا، وقال رسولُ اللهِ وَةِ: ((لا
وتران فى ليلةٍ))(٤). وقال رسولُ اللهِ وَلَهَ: ((لا صلاةَ بعدَ الصُّبح حتَّى تَطْلُعَ
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (٢٩٧).
(٢) سيأتى فى الموطأ (٢٩٨).
(٣) سيأتى فى الموطأ (٣٠٠).
(٤) أخرجه أحمد ٢١٧/٢٦، ٢٢٢ (١٦٢٨٩، ١٦٢٩٦)، وأبو داود (١٤٣٩)، والترمذى
(٤٧٠)، والنسائى (١٦٧٨) من حديث طلق بن على.
٣١٤

الموطأ
التمهيد
الشمسُ)) (١) . وصلَّى بعدَ العصرِ ركعتين ١) . وجاء عن جماعةٍ من السلفِ أَنّهم
كانوا يتَطوَّعون بعدَ العصرِ ما كانتِ الشمسُ بَيْضاءَ نَفيَّةً ، ولم يَجِئُ ذلك عن
واحدٍ منهم فى الصلاةِ بعدَ الصُّبحِ، والتَّهْىُ عندَ ابنِ عمرَ ومن قال بقولِه عن
الصلاةِ بعدَ العصرِ معناه إذا اصْفَرَّتِ الشمسُ وكانَتْ على الغُروبِ، وأمَّا إذا
كانَتْ بَيضاءَ نَقِيَّةً فلا بأسَ عندَهم بصَلاةِ النافلةِ .
وللقول فى هذا التأويل موضة من کتابنا غیرُ هذا، یأتی ذکژه فى بابٍ
محمدٍ بنِ يحيى بنِ حبَّانَ(١) إن شاء اللهُ؛ فلذلك لم يرَ ابنُ عمرَ بإعادةِ
العصرِ بأسًا، وكَرِهَ إعادةَ الصُّبحِ. وقال الشَّافِعِىُ: يُصَلِّى الرجلُ الذى صلَّى
وحدَه مع الجماعةِ كلَّ صلاةٍ؛ المغربَ وغيرَها؛ لأنَّ النبيَّ وَّ قال لمُحِجَنٍ
الدِّيلِيِّ: ((إذا جِئْتَ فَصَلٌ مع النَّاسِ وإن كنتَ قد صَلَّيْتَ)). ولم يَخُصَّ
صلاةً من صلاةٍ. قال: والأولَى هى الفريضةُ والثانيةُ سُنَّةٌ تَطوُّعًا، سنَّها
رسولُ اللهِ وَّهِ. وهو قولُ داودَ بنِ علىٍّ، إلَّا أنَّ داودَ يرَى الإعادةَ فى
الجماعةِ على من صلَّى وحدَه فرضًا، ولا يَحْتَسِبُ عندَه بما صلَّى وحدَه،
وفَرْضُه ما أدرَكه من صلاةِ الجماعةِ، وأمَّا مَن صلَّى فى جماعةٍ ، ثم أدْرَك
جماعةً أُخرَى، فالإعادةُ هلهُنا عندَهُ(١) استحبابٌ .
القبس
(١) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (٥١٨) من الموطأ.
(٢) سيأتى فى شرح الحديث (٥١٨) من الموطأ.
(٣) سقط من : م .
٣١٥

الموطأ
التمهيد
واخْتُلِفَ عن الثورِىِّ؛ فروِى عنه أَنَّه يُعِيدُ الصلواتِ كلّها مع الإمامِ كقولٍ
الشَّافِعِيِّ سواءً، ورُوِىَ عنه مثلُ قولِ مالك ، ولا خلافَ عن الثورِىِّ أنَّ الثانيةَ
تَطٌُّ وأنَّ التى صلَّى وحدَه هى المكتُوبةُ . وقال أبو ثَوْرٍ: يُعِيدُها كلَّها إِلَّ الفجر
والعصرَ، إِلَّا أنْ يكونَ فى مسجدٍ فَتُقامَ الصلاةُ، فلا يَخْرُجْ حتى يُصَلِّيَها؛
وحُجَّتُه النَّهىُ عن صلاةِ النافلةِ بعدَ العصرِ وبعدَ الصُّبحِ .
فأمَّا ما احتجَّ به مالكٌ من قولِ ابنِ عمرَ وسعيدِ بنِ المُسيَّبِ : ذلك إلى اللهِ
يَجْعَلُ أَيَّتَهما شاءَ. ولم يَقُلْ واحدٌ منهما أنَّ الثانيةَ نافلةٌ ، فإِنَّ ابنَ عمرَ وسعيدَ بنَ
المُسَيَّبِ قد اخْتُلِف عنهما فى ذلك، وإنْ كان نَقْلُ مالكٍ أَصَحَّ .
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ ، قال : حدثنا أبو عبدِ الملكِ محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ أبی
دُلَيْم ، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا آدمُ بنُ أبى إِياسِ العَسْقَلَانِيُ ، قال:
حدَّثنا ابنُ أبى ذِئْبٍ ، عن عثمانَ بنِ عبدِ اللهِ ، قال: سألتُ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ عن
رجلٍ صلَّى العصرَ ثم أعادَ فى الجماعةِ، أَيَّتُهما المكتوبةُ؟ قال: الأولَى(١).
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ
الوَرَّاقُ، قال: حدَّثنا الخضرُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ الأَثْرَمُ، قال: حدَّثنا
أبو بكرٍ بِنُّ أَبِى شَيْبَةَ، قال: حدَّثنا الثَّقَفِىُ، عن عبدِ اللهِ بن عثمانَ ، عن مُجاهدٍ ،
قال : خرَجْتُ مع ابنِ عمرَ من دارِ عبدِ اللهِ بنِ خالدٍ حتى نظَرْنا إلى بابِ المسجدِ ،
فإذا الناسُ فى صلاةِ العصرِ، فلم يَزَلْ واقفًا حتى صلَّى الناسُ ، وقال: إِنِّى قد
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٧٥/٢ من طريق عثمان بن عبد الله به.
/
٣١٦

الموطأ
صلَّيْتُ فى البيتِ (١).
التمهيد
وحدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ محمدٍ ، قراءةٌ مِنِّى عليه، أنَّ أباهُ حدَّثه،
قال : حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ يونسَ، قال: حدَّثنا بَقِىُ بنُ مَخْلدٍ ، قال: حدَّثنا أبو
بکرِ بنُ أَبی شَيْئَةً . فذكَر پاسنادِه مثلَه .
وذكر أبو بكرِ الأثرمُ ، قال: حدَّثنا حَفْصُ بنُ عمرَ ، قال: حدَّثَنَا هَمَّامٌ،
قال : حدَّثنا قتادةُ ، قال : قلتُ لسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ : إذا صَلَّيْتُ وحدِى ثم أدْرَكْتُ
الجماعةَ؟ فقال: أعِدْ، غيرَ أنَّكَ إِذا أَعَدْتَ المَغْرِبَ صَلَّيْتَ إليها ركعةٌ أخرَى
تَشْفَعُ بها ، واجْعَلْ صلاتَكَ وحدَكَ تَطَرُّعًا . وهذا حديثٌ لا وجه له، كيف
يَشْفَعُ المغربَ وتكونُ الأُولَى تَطُّعًا، وقد أجمع العلماءُ أنَّ المغربَ لا تُشفَعُ
بركعةٍ إذا نوَى بها الفريضةَ، وأَنَّ التَّطَوُّعَ لا يكونُ وَثْرًا فى غيرِ الوَتْرِ ؟! وقد كان
جماعةٌ مِن العلماءِ يُنكِرون أشياءَ كثيرةً من حديثٍ قتادةَ ، عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ ،
منها هذا، وأمّا ما جاء عن ابن عمر من رواية مالك فى ((مُوَطِئِه)) ، وما قد ذكرناه
عنه هلهنا، فإِنَّ الحَدِيثِينِ وإِنْ تَدافَعا فإنَّه قد يَحْتَمِلُ أنْ يُخَرَّجا على غيرِ وجهِ
التَّدافُع ؛ بأنْ يُحْمَلَا على أنَّ قولَه: ذلك إلى اللـهِ . أَنَّه أرادَ بذلك القبولَ، أى: أنَّه
يَتَقَبَّلُ أَيْتَهما شاء، فقد يتَقَبَّلُ اللهُ النافلةَ التَّطوُّعَ ولا يَتَقَبَّلُ الفريضةَ، وقد يتَقَبَلُ
اللهُ الفريضةَ دونَ التَّطوُّع، وقد يتقبّلُهما بفضلِه جميعًا، وقد لا يَقْبَلُ واحدةً
القبس
(١) ابن أبى شيبة ٢٧٩/٢.
(٢ - ٢) فى ص: ((عبد الصمد)). وينظر سير أعلام النبلاء ١٧ /٧٤.
(٣ - ٣) فى م: ((عبيد الله)). وينظر سير أعلام النبلاء ٣٧٧/١٦.
٣١٧

الموطأ
منهما، وليس كلُّ صلاةٍ مقبولةً، وقد كان بعضُ الصالحين(١) يقولُ: طُوبَى لمن
التمهید
تُقُبِّلَتْ منه صلاةٌ واحدةٌ . قال ذلك على جهةِ الإِشْفاقِ ، وقد رَوَيْنا عن ابنِ عمرَ
مثلَ هذا ومَعْناه .
أخبرنا أحمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عيسَى ، قال: حدَّثنا علىّ
ابنُ عبدِ العزيزِ ، قال: حدَّثنا أبو عُبيدٍ ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عمَّارٍ ، قال: حدّثنا
هشامُ بنُ يحيى الغَسَّانِئُ، عن أبيه ، قال : جاء سائلٌ إلى ابنِ عمرَ، فقال لابنه :
أَعْطِه دينارًا. فقال له ابنُه: تَقَبَّلَ اللهُ منكَ يا أبَتَاهُ. فقال: لو عَلِمْتُ أنَّ اللهَ تَقَبَّلَ
مِنِّى سجدةً واحدةً ، أو صدقةً درهم واحدٍ لم يَكنْ غائبٌ أحبَّ إلىَّ من الموتِ ،
أَتَدْرِى ممن يتَقَبَّلُ اللهُ: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾(٢) [المائدة: ٧
فكان ابنُ عمرَ ، واللهُ أعلمُ، وسعيدُ بنُ الْمُسَيَّبِ إذا سألَ كلَّ واحدٍ منهما
الشَّائِلُ : أَتُهما صلاتِى؟ أَىْ: أَيَّتُهما التى يَتَقَبَّلُ اللهُ منِّى ؟ أجابَه كلُّ واحدٍ منهما
بأنَّ ذلك ليس إليه عِلْمُه، وأنَّ ذلك أمرٌ عِلْمُه إلى اللهِ، وهو تأويلٌ مُحتمَلٌ
صحيحٌ، وقد تأوَّل هذا التَّْويلَ عبدُ الملكِ بنُ الماحِشُونِ، وقال: إنَّ الأولَى هى
صلاتُه . والنَّظرُ يُصَحِّحُ ما قالَه؛ لإجماع الفقهاءِ القائلين بأنَّ شهود الجماعةِ لیس
بفرضٍ واجبٍ ، على أنَّ الذى صلَّى وحدَه لو لم يَدخُلِ المسجدَ فيُعِيدَ مع الجماعةِ
لم يَكَنْ عليه شىءٌ، وفى قولِ ابنِ عمرَ: تُعادُ مع الإمامِ كلَّ صلاةٍ إلّ المغربَ
والفجرَ. دليلٌ على أنَّ الأُخرَى عندَه تطَوُّعٌ وسنَّةٌ .
القبس
(١) فى ص: ((المصلين)).
(٢) ذكره ابن الجوزى فى صفة الصفوة ٥٧٦/١ عن هشام بن يحيى الغسانى به.
٣١٨

الموطأ
التمهيد
ويَشهدُ لِما ذَكَوْنا ما رواه ابنُ أبى ذِئْبٍ، عن عثمانَ بنِ عبدِ اللهِ؟ عنه(٢)، ا
أنَّ الأُولَى صَلاتُه .
وممّا يُصَحِّحُ هذا المذهبَ أيضًا ما رواه أبو ذرٍّ(٢)، وأبو هريرةَ(٤)، وجماعةٌ ،
عنِ النبىِّ بَّهِ، أَنَّه قال: ((سيَكونُ عليكم بعدِى أمراءُ يُؤَخِّرُون الصلاةَ عن
مواقيتِها ، فصلَّوا الصلاةَ لوقتِها، واجعَلوا صلاتَكم معهم سُبْحَةً)). أى: نافلةٌ.
وحديثُ يزيدَ (١) بنِ الأُسودِ الخزاعِيِّ، عن النبيِّ وَلَّهِ، قال: ((إذا صَلَُّما فى
رحالِكما ثمّ أَتَيُما الناسَ وهم يُصلُّون فَصَلِّيًا معهم، فإِنَّها لكما نافلةٌ)). وهذه
الأحادِيثُ تدُلُّ على أنَّ الأُولَى فرضُه والثانيةَ تَطوٌُّ له، وتدُلُّ أيضًا على أن(٦)
إعادةَ الصلاةِ مع الإمامِ أنَّه أمرٌ عاتٌ من غيرِ تَخْصِيصٍ ولا تَعيين .
وذكر أبو بكر الأثرمُ، قال: حدَّثنا عقَّانُ، قال: حدَّثنا جريرُ بنُ حازمٍ،
قال : سمِعتُ حمَّادًا قال: كان إبراهيمُ يقولُ: إذا نوَى الرجلُ صلاةً و(١) كتَبَتْها
الملائكةُ ، فمن يَستطيعُ أنْ يُحَوِّلَها؟ فما صلَّى بعدَها فهو تَطوُّعٌ(١).
القبس
(١ - ١) فى ص، س: ((عبيد الله)). وينظر تهذيب الكمال ٤٢٢/١٩.
(٢) سقط من: م.
(٣) تقدم تخريجه فى ٥٨/٢ .
(٤) أخرجه أحمد ٢٩٩/١٤، ٥٤٢/١٦ (٨٦٦٣، ١٠٩٣٠)، والبخارى (٦٩٤).
(٥) فى ص: ((زيد)). وينظر تهذيب الكمال ٨٢/٣٢.
(٦) سقط من: ص، م.
(٧) ذكره ابن قدامة فى المغنى ٥٢٢/٢ عن حماد به .
٣١٩

الموطأ
التمهيد
قرأتُ على عبدِ الوارثِ بنِ سفيانَ: حدَّثكم قاسمُ بنُ أصبغَ؟ قال : نعم ،
حدَّثنا، قال: حدَّثنا عبيدُ بنُ عبدِ الواحدِ بنِ شريكٍ ، قال: حدَّثنا علىّ بنُ
المدينىٌّ ، قال: حدَّثنا هُشيمُ بنُ بَشيرٍ ، قال : أخبرنا یعلَی بنُ عطاءٍ، عن جابرِ بنِ
يزيدَ بنِ الأُسودِ، عن أبيه، عن النبيِّ وَلِّ، أَنَّه أَتِىَ بِرَجُلينِ بعدَما صلَّى الغداةَ،
كانا فى آخرِ المسجدِ، لم يُصَلِّيا معنا، قالا: كنا قد صَلَّيْنا فى رِحالِنا. قال: ((فلا
تَفْعَلا ، إِذا صَلَّيْتُما فى رِحالِكما ثمّ أَتَيُما مسجدَ جماعةٍ فَصَلِيا معهم ، فإنَّها لكما
نافلةٌ))(١) . وهذا نصٌّ فى موضع الخلافِ يَقْطَعُه . وبالله التوفيقُ.
وروَى شُعبةُ، عن يَعلَى بنِ عطاءٍ، بإسنادِه مثلَه سواءً(٢).
والحُجَّةُ لمالكِ والقائِلين بقَوْلِه؛ أنَّ الصَّلواتِ كلَّها تُعادُ مع الإمام إلّا
المغربَ، قولُهُ وَّهِ: ((صلاةُ اللَّيلِ مثنَى مثنَى)). وقولُه ◌َالَ: ((لا وِثْران فى
ليلةٍ)). ومعلومٌ أنَّ المغربَ إِنْ أعادَها كانتْ إحدَى صَلاتَيْه تَطُّعًا، وسُنَّةُ
التَّطوَّع أنْ تُصَلَّى رَكْعتَين، وغيرُ جائزٍ أنْ يكونَ وِتران فى ليلةٍ؛ لأنَّ ذلك
لو كان صار شَفْعًا وبطَل معنَى الوترِ، فلمَّا كان فى إعادةِ المغربِ مخالفةٌ
لهذين الحَدِيثينِ منَع مالكٌ من إعادتِها، ولا يَدْخُلُ على من قال بقولِه فى
إعادةِ العصرِ والصُّبحِ مع الإمامِ مخالفةٌ لحديثِ التَّهْي عن التَّطَوُّعِ بالنافلةِ
القبس
(١) أخرجه أحمد ١٨/٢٩ (١٧٤٧٤)، والترمذى (٢١٩)، والنسائى (٨٥٧)، وابن حبان
(١٥٦٥) من طريق هشيم به .
(٢) أخرجه أبو داود (٥٧٥، ٥٧٦)، وابن حبان (١٥٦٤) من طريق شعبة به.
٣٢٠