Indexed OCR Text
Pages 181-200
الموطأ
التمهيد
مسعودٍ (١، وعائشةُ(١) . وقد رُوِى ذلك عن ابنِ عمرَ (١) أيضًا، وبه قال مالكٌ ،
والشافعىُّ، وأحمدُ بنُ حنبلٍ ، وأبو ثورٍ ، كلُّهم يقولُ: يُوتِرُ ما لم يُصلِّ الصبح .
واختُلِف فى هذه المسألةِ عن الأوزاعيّ ، وأبى ثورٍ. وكذلك اختُلِف فيها عن
الشعبىِّ، والحسنِ، والنخعىِّ ، فرُوِى عنهم القولانِ جميعًا. وقال أيوبُ
السَّختِيانىُ، وحميدٌ: إنَّ أكثرَ وَتِرِنا لَبعدَ الفجرِ. ومِن أهلِ العلم طائفةٌ رَأْتِ الوترَ
بعدَ طلوع الشمسِ وبعدَ صلاةٍ الصبح، وهو قولٌ ليس عليه العملُ عندَ الفقهاءِ،
إلَّ ما ذكرنا عن أبى حنيفةَ ومَن قال بقولِه فى إيجابِ الوترٍ ، وقد أوضحنا خطأه
فى ذلك فى غيرِ موضعٍ مِن كتابِنا هذا . وباللهِ التوفيقُ .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثْنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال: حدَّثنا
ابنُ وضَّاحِ ، قال: حدَّثنا حامدُ بنُ يحتَى، وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ ، وعبدُ الوارثِ
ابنُّ سفيانَ ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ
الترمذىُّ ، قال: حدَّثنا الحميدىُّ، قالا جميعًا: حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةً، قال(٤)
حامدٌ : عن الزهرىِّ(٥) ، عن سالم، عن أبيهِ. وقال الحميدىُّ(١) : سمِعتُ
الزهرىَّ (وحدَّثنا عن سالم، عن أبيهِ. ثم اتَّفقا، قال : سمِعتُ رسولَ اللهِ
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (٢٧٩).
(٢) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٢٨٦/٢، ٢٨٧، والأوسط لابن المنذر ١٩١/٥ - ١٩٣.
(٣) ينظر مصنف عبد الرزاق (٤٥٩٥)، ومصنف ابن أبى شيبة ٢٨٨/٢ - ٢٩١.
(٤) بعده فى الأصل، م: ((حدثنا)).
(٥) بعده فى ى: ((وحدثنا)).
(٦) بعده فى الأصل: ((قال)).
(٧ - ٧) سقط من: م.
١٨١
الموطأ
وَ يقولُ: ((صلاةُ الليل مثنى مثنَى، فإذا خشيتَ الصبحَ فَأُوتِرْ بواحدةٍ ». وربما
قال: ((بركعةٍ))(١).
التمهيد
حدَّثنى خلفُ بنُ قاسم قراءةً مِنِّى عليه، أنَّ أبا طالبٍ محمدَ بنَ زكريا
المقدسىَّ حدَّثه ببيتِ المقدس، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ بُردٍ،
قال: حدَّثنا محمدُ بنُ المباركِ الصُّورِىُّ(٢) ، قال: حدَّثنا معاويةُ بنُ سلَّام،
قال: حدَّثنى يحيى بنُ أبى كثيرٍ، قال: حدَّثنى أبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ
ونافعّ مولى ابنِ عمرَ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أنَّه سمِع رسولَ اللهِ وَله
يقولُ: ((صلاةُ الليلِ "ركعتين ركعتَين٣)، فإذا خِفتَ الصبحَ فأوتِرْ
(٤)
بواحدةٍ))(٤).
ومَّا يُحتجُّ به أيضًا لمالك فى أنَّ الركعةَ فى الوترِ لا تكونُ منفردةً لا شىءَ
قبلَها ، ما أخبرنا به محمدُ بنُ إبراهيمَ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةً ، قال :
حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيبٍ ، قال : أخبرنا قتيبةُ بنُ سعيدٍ ، قال: حدَّثنا الفُضَيلُ بنُ
:
القبس
(١) الحميدى (٦٢٨). وأخرجه أحمد ١٦٣/٨ (٤٥٥٩)، ومسلم (١٤٦/٧٤٩)، والنسائى فى
الكبرى (٤٣٩، ١٣٨٠)، وابن ماجه (١٣٢٠) من طريق سفيان به.
(٢) فى الأصل: ((المصررى)). وينظر تهذيب الكمال ٣٥٤/٢٦.
(٣ - ٣) فى الأصل: ((ركعتان ركعتان))، وفى م، ومسند أحمد: ((ركعتان)).
(٤) أخرجه النسائى (١٦٩٤) من طريق محمد بن المبارك به، وأخرجه الطحاوى فى شرح المعانى
٢٧٨/١ من طريق معاوية بن سلَّام به، وأخرجه أحمد ٣٣٠/٩ (٥٤٥٤) من طريق يحيى بن أبى
کثیر به .
١٨٢
الموطأ
عِياضٍ، عن هشامٍ، عن ابنِ سيرينَ، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ وَّه قال: ((صلاةُ التمهيد
المغربِ وترصلاةٍ النهارِ )) (١). أرسَله أشعتُ، عن ابن سيرينَ، عن النبيِّ(وَلَهُ".
(٢)
ووقَفه(٢) مالكٌ(٤)، عن ابنِ عمرَ قولَه(٥) .
ومِن حُجَّةٍ من أجازَ الوترَ ( بواحدةٍ ليس قبلَها) شىءٍ، ما رواه هماٌ، عن
قتادةَ ، عن عبدِ اللهِ بنِ شقيقٍ، عن ابنِ عمرَ، أَنَّ رجلًا مِن أهلِ الباديةِ سأل النبيّ
وَلَه عن صلاةِ الليلِ، فقال بإصبَعَيهِ هكذا: ((مثنَى مثنَى، والوترُركعةٌ مِن آخرِ
(٧)
الليل)) (١).
وروَى وهبُّ بنُ جريرٍ، ("عن شعبةًٌ)، عن أبى التَّاحِ، عن أبى مِجْلٍَ، عن
ابنِ عمرَ، أنَّ النبيَّ وَلَه قال: ((الوترُ ركعةٌ مِن آخرِ الليلِ)) (١).
القبس
(١) النسائى فى الكبرى (١٣٨٢). وأخرجه عبد الرزاق (٤٦٧٥)، وابن أبى شيبة ٢/ ٢٨٢،
وأحمد ٤٥٦/٨، ٤٢/٩ (٤٨٤٧، ٤٩٩٢) من طريق هشام به .
(٢) أخرجه النسائى فى الكبرى (١٣٨٣) من طريق أشعث به .
(٣) فى الأصل، ى: ((رفعه).
(٤) بعده فى ى، م: ((عن نافع)).
(٥) سيأتى فى الموطأ (٢٧٦) .
(٦ - ٦) فى الأصل: ((فواحدة ليس سلفا)).
(٧) أخرجه أحمد ٤٤/١٠ (٥٧٥٩)، وأبو داود (١٤٢١)، والنسائى (١٦٩٠) من طريق همام
به .
(٨ - ٨) سقط من: م.
(٩) أخرجه النسائى (١٦٨٨)، والطحاوى فى شرح المعانى ٢٧٧/١ من طريق وهب به.
١٨٣
الموطأ
التمهيد
ورواه (١) القطّانُ، عن شعبةَ، عن قتادةَ، عن أبى مجلَزٍ، عن ابنِ عمرَ ، أَنَّ
رسولَ اللهِ وَّه قال: ((الوترُ ركعةٌ مِن آخرِ الليلِ))(١).
وحدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ ،
قال : حدَّثنا أبو داودَ ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ المباركِ، قال: حدَّثنا قريشُ
ابنُ حيانَ العجلىُّ ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ وائلٍ ، عن الزهرىِّ، عن عطاءِ بنِ يزيدَ
الليثىّ، عن أبى أيوبَ الأنصارىِّ قال: قال رسولُ اللهِ وَلَهِ: ((الوترُ حقٌّ على
كلِّ مسلم، فمن أحبَّ أن يوتِرَ بخمسٍ فَلْيفعلْ، ومن أحبَّ أَن يُوتِرَ بثلاثٍ
فليفعلْ، ومن أحبَّ أن يوتِرَ بواحدةٍ فَلْيفعلْ))(٣). وتابعه الأوزاعىُّ.
حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ، قال: حدّثنا
أحمدُ بنُ شعيبٍ ، قال: أنبأنا العباسُ بنُ الوليدِ بنِ مَزِيَدٍ (١) ، قال: حدَّثنا أبى،
قال: حدَّثنا الأوزاعىُّ، قال: حدَّثنى الزُّهرىُّ، قال: حدَّثنى عطاءُ بنُّ يزيدَ ، عن
أبى أيوبَ، أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ قال: ((الوترُ حقٌّ، فمن شاءَ أُوتَرَ بخمسٍ، ومن
شاء أوترَ بثلاثٍ، ومن شاء أوترَ بواحدةٍ)) (١).
القبس
(١) فى الأصل، م: ((روی) .
(٢) أخرجه النسائى (١٦٨٩) من طريق يحيى القطان به .
(٣) أبو داود (١٤٢٢). وأخرجه الطبرانى (٣٩٦٢)، والحاكم ٣٠٣/١ من طريق عبد الرحمن بن
المبارك به .
(٤) فى النسخ: ((يزيد)). والمثبت من مصدر التخريج. وينظر تهذيب الكمال ٢٥٥/١٤.
(٥) النسائى (١٧١٠)، وفى الكبرى (١٤٠١). وأخرجه الدارمى (١٦٢٤)، وابن ماجه
(١١٩٠)، من طريق الأوزاعى به.
١٨٤
الموطأ
التمهيد
وروَاهُ(١) ابنُ عيينةَ، عن الزهرىِّ، عن عطاءِ بنِ يزيدَ، "عن أبى أيوبَ))
موقوفًا مِن قولِه، وزاد : ومن غُلِبَ(٣) فَلْيُومِئُ إيماءً(4) .
وذهبَ النسائىُّ إلى أنَّ الصحيحَ عندَه موقوفٌ، وخرّجه أبو داودَ مرفوعًا
كما ذكرنا عنه، وهو أولى إن شاءَ اللهُ . وقد شُبِّه على قومٍ مِن متقدِّمِى الفقهاءِ
بمثلِ هذا الحديثِ وشبهِه، فقالوا: الوترُ واجبٌ. وفى حديثِ الأعرابيّْ فى
حديثٍ طلحةَ بنِ عبيدِ اللهِ فى الخمسِ صلواتٍ: هل علىَّ غيرُها يا رسولَ اللهِ؟
فقال رسولُ اللهِ وَهِ: (( لا، إلَّا أن تطَّوَّعَ)). دليلٌ على أن لا فرضَ إلَّ الخَمسَ.
وسنُوضِّحُ هذا المعنَى بما يجبُ مِن القولِ فيه بعدَ ذكرِ الاختلافِ فى ذلك ، ونبيِّنُ
الصحيحَ فيه عندَنا، فى بابِ أبى سُهيلٍ(١) نافعٍ مِن كتابنا(٧) هذا إن شاءَ اللهُ.
وقد حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ، قال: حدَّثنا
أحمدُ بنُ شعيبٍ ، قال: أخبرنا محمودُ بنُ غَيلانَ، قال: حدَّثنا وكيع، قال: حدَّثنا
سفيانُ، عن أبى إسحاقَ، عن عاصم، عن علىٍّ، قال: ليس الوترُ بحَتمٍ(٨) مثلَ
القبس
(١) فى الأصل: ((رواية)).
(٢ - ٢) سقط من: م.
(٣) بعده فى م: ((عليه)).
(٤) أخرجه النسائى (١٧١٢)، وفى الكبرى (١٤٠٢) من طريق ابن عيينة به.
(٥ - ٥) فى الأصل: ((قول الأوزاعى)).
(٦) فى الأصل: ((سهل)).
(٧) سيأتى فى شرح الحديث (٤٢٧) من الموطأ .
(٨) فى الأصل: ((محتم)).
١٨٥
الموطأ
٢٦٨ - حدّثنی عن مالك، عن یحیی بن سعيد ، عن محمدِ بنِ
يحيى بنِ حَبَّانَ، عن ابنِ مُحَيْرِيزٍ، أن رجلًا مِن بنى كِنَانَةً يُدْعَى
المكتوبةِ، ولكنه سُنَّةٌ سنَّها رسولُ اللهِ مَّةٍ(١).
التمهيد
ومِن حديثٍ أبى إسحاقَ أيضًا، عن عاصم بنٍ (١ ضمرةً، عن علىّ، أنَّ
رسولَ اللهِ وَله قال: ((أوتِروا يا أهلَ القرآنِ؛ فإنَّ اللهَ وترٌ يُحبُّ الوترَ))(١).
(٢)وفى هذا دليلٌ على أنَّه غيرُ واجبٍ، ولو كان واجبًا ما خُصَّ به أهلُ
القرآنِ) ، والذين أوجَبوه لم يَخصُّوا بوجوبِه صاحبَ القرآنِ مِن غيرِه. وقد
يحتمِلُ أن يكونَ أهلُ القرآنِ هلهنا أهلَ الإسلامِ، ولكنَّ الظاهرَ غيرُ ذلك . وفى
حديثٍ طلحةً وعبادةَ بنِ الصامتِ ، عن النبيِّ بَّله: ((خمسُ صلواتٍ)) (١). مع
قولِ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿وَالضَّلَوَةِ الْوُسْطَى﴾. [البقرة: ٢٣٨]. ما يُغْنِى عن قولِ كلّ
قائلٍ . وبالله التوفيقُ .
مالكٌ، عن یحیی بنِ سعیدٍ ، عن محمدِ بنِ یحیی بنِ حَبَّانَ، عن ابنِ
مُخَيْرِيزٍ، أن رجلًا من بنى كِنانةَ يُدْعَى المُخْدَجِىَّ سمِع رجلًا بالشامِ يُكنى
٥
القبس
(١) النسائى فى الكبرى (١٣٨٥). وأخرجه ابن أبى شيبة ٢٩٦/٢، وأحمد ٨٠/٢ (٦٥٢)، وأبو
یعلی (٦١٨) من طريق و کیع به .
(٢) فى ى: ((عن)). وينظر تهذيب الكمال ١٣/ ٤٩٦.
(٣) أخرجه أحمد ٢٢٣/٢ (٨٧٧)، وأبو داود (١٤١٦) من طريق أبى إسحاق السبيعى به .
(٤ - ٤) سقط من: ى، م.
(٥) سيأتى فى الموطأ (٢٦٨).
١٨٦
الموطأ
المُخْدَجِىَّ، سمِع رجلًا بالشامِ يُكْنَى أبا محمدٍ ، يقولُ: إن الوترَ واجبٌ .
فقال المخدَجِىُّ: فرُحْتُ إلى عُبادةَ بنِ الصامِتِ ، فاعتَرَضْتُ له وهو رائح
إلى المسجدِ ، فأخبَرْتُه بالذى قال أبو محمدٍ ، فقال عُبادةُ : كذَب
أبو محمدٍ ، سَمِعتُ رسولَ اللهِ وَلَه يقولُ: ((خمسُ صلواتٍ
كتَبهن الله عزَّ وجَلّ على العبادِ ، فمَن جاء بهن، لم يُضَيِّعْ منهن
شيئًا استخفافًا بحقِّهن، كان له عندَ اللهِ عهدٌ أن يُدْخَلَه الجنةَ،
ومَن لم يأْتِ بهن، فليس له عندَ اللهِ عهدٌ؛ إن شاء عذَّبَه، وإن
شاء أَدْخَلَه الجنةَ)).
التمهید
أبا محمدٍ يقولُ: إن الوترَ واجبٌ . قال المُخْدَجِىُّ: فرُحتُ إلى عبادةَ بنِ
الصامتِ ، فاعترَضتُ له وهو رائحٌ إلى المسجدِ ، فأخبرتُه بالذى قال أبو محمدٍ ،
قال عبادةٌ: كذَب أبو محمدٍ، سمِعتُ رسولَ اللهِ وَ يقولُ: ((خمسُ صلواتٍ
كتبَهن اللهُ عزَّ وجلَّ على العبادِ ، فمَن جاء بهن لم يضيّعْ منهن شيئًا استخفافًا
بحقِّهن، كان له عندَ اللهِ عهدٌ أن يدخلَه الجنةَ . ومَن لم يأتِ بهنَّ فليس له عندَ
اللهِ عهدٌ، إن شاء عذَّبه، وإن شاء أدخله الجنةَ))(١).
لم يُختلَف عن مالكِ فى إسنادِ هذا الحديثِ ، فهو حديثٌ صحيح ثابتٌ ،
رواه عن محمدٍ بنٍ يحيى بنِ حَبانَ جماعةٌ ؛ منهم يحيى بن سعيدٍ (١) ، وعبدُ ربِّه
القبس
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (٢٩٩). وأخرجه أبو داود (١٤٢٠)، والنسائى (٤٦٠)، والطحاوى
فى شرح المشكل (٣١٦٧)، والبيهقى ٨/٢، ٤٦٧، ٢١٧/١٠ من طريق مالك به.
(٢) سيأتى تخريجه ص ١٩١.
١٨٧
الموطأ
ابنُ سعيدٍ ، ومحمدُ بنُ إسحاقَ(١) ، وعُقَيلُ بنُ خالدٍ ، ومحمدُ بنُ عجلانَ ،
التمهيد
وغيرهم - بهذا الإسنادِ ومعناه سواءً، إلا أن ابنَ عجلانَ وعقيلًا لم يُذكَرِ
المُخُدجىُ فى إسنادِهِ، فيما روَى الليثُ عنهما (٣).
ورواه الليثُ أيضًا عن يحيى بن سعيدٍ كما رواه مالكٌ سواءً(٤).
وإنما قلنا : إنه حديثٌ ثابتٌ . لأنه رُوِى عن عبادةَ من طرق ثابتةٍ صحاحٍ من
غيرٍ طريقِ المُخُدجىِّ بمثلٍ رواية المخدجىِّ .
فأما ابنُ محيريزٍ فهو عبدُ اللهِ بنُ محيريزٍ ، وهو من جِلَّةِ التابعين ، وهو معدودٌ
فى الشاميين، يروى عن معاذٍ بنٍ جبلٍ، وأبى سعيد الخدرىِّ، ومعاويةً ، وأبى
محذورةً، وغيرِهم، تُوفِّى فى خلافةِ الوليدِ بنِ عبدِ الملكِ. وأما المُخْدَجِئُّ فإنه (٥).
لا يُعرَفُ بغيرِ هذا الحديثِ، وقال مالكٌ: المُخْدَجِىُّ لقبٌ وليس بنسبٍ فى شىءٍ
من قبائلِ العربِ . وقيل : إن المخْدَجِئٍّ اسمُه رُفَيِعٌ. ذُكِر ذلك عن يحيى بن معينٍ .
وأما أبو محمدٍ فيقالُ: إنه مسعودُ بنُّ أوسِ الأنصارىُّ . ويقالُ : سعدُ بنُ أوسٍ .
القبس
(١) أخرجه ابن ماجه (١٤٠١)، والطحاوى فى شرح المشكل (٣١٦٩)، وابن حبان (٢٤١٧) من
طریق عبد ربه به .
(٢) أخرجه أحمد ٤١٤/٣٧ (٢٢٧٥٢)، والطحاوى فى شرح المشكل (٣١٧٠) من طريق ابن
إسحاق به .
(٣) أخرجه الطحاوى فى شرح المشكل (٣١٧٢) من طريق الليث عن ابن عجلان به، وأخرجه
أيضا فى (٣١٧١) من طريق عقيل بن خالد .
(٤) أخرجه الطحاوى فى شرح المشكل (٣١٦٨)، والبيهقى ٤٦٧/٢ من طريق الليث به.
(٥) فى ف، ر: ((فمجهول)) .
١٨٨
الموطأ
التمهيد
ويقالُ : إنه بَدْرِىٌّ. وقد ذكرناه فى الصحابةِ(١).
وفى هذا الحديثِ من الفقهِ دليلٌ على ما كان القومُ عليه من البحثِ عن
العلم ، والاجتهادِ فى الوقوفِ على الصحةِ منه ، وطلبِ الحجةِ ، وتركِ التقليد
المؤدّى إلى ذهابٍ العلم . وفيه دليلٌ على أن من السلفِ مَن قال بوجوبِ الوترِ .
وهو مذهبُ أبى حنيفةً ، وقد ذكرنا وجهَ قولِه، والحجةَ عليه فى غيرِ موضعٍ من
كتابِنا هذا، والحمدُ للهِ .
وقد روَى أبو عصمةَ نوحُ بنُّ أبى مريمَ ، عن أبانِ بنِ أبى عياشٍ ، عن عكرمةً ،
عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: «الوترُ علىَّ فريضةٌ وهو لكم تطوعٌ،
والأضحى علىَّ فريضةٌ وهو لكم تطوعٌ، والغسلُ يومَ الجمعةِ علىَّ فريضةٌ وهو
لكم تطويعٌ))(٢). وهذا حديثٌ منكر لا أصلَ له، ونوحُ بنُ أبى مريمَ ضعيفٌ
متروٌ، ويقالُ: اسمُ أبيه أبى مريمَ يزيدُ بنُ جَعْوَنةً(١)، وكان نوح أبو عصمةَ هذا
قاضىَ مروٍ ، مجتمَعٌ على ضعفِه ، وكذلك أبانُ بنُ أبى عياشِ مجتمَعٌ على ضعفِه
وتركٍ حديثه .
وفيه أن الصلواتِ المكتوباتِ المفترضاتِ خمسٌ لا غيرُ، وهذا محفوظٌ
القبس
(١) الاستيعاب ٣/ ١٣٩١.
(٢) ينظر مسند الفردوس (٧٤٣٣)، وكنز العمال (١٩٥٤١).
(٣) فى الأصل، ف، م: ((جعدبة))، وفى ر: ((جعدية)). والمثبت هو الصواب، وينظر تهذيب
الكمال ٥٦/٣٠.
١٨٩
الموطأ
التمهید
فى غيرِ ما حديثٍ. وفيه دليلٌ على أن مَن لم يصلِّ من المسلمين فى مشيئةٍ
اللهِ، إذا كان موحّدًا مؤمِنًا بما جاء به محمدٌ وَلِّ مصدِّقًا مِقِرًّا وإن لم
يعملْ، وهذا يَردُّ قولَ المعتزلةِ والخوارج بأسرِها . ألا ترى أن المقرَّ بالإسلامِ
فى حين دخوله فيه يكونُ مسلمًا قبل الدخول فى عملِ الصلاةِ وصومٍ
رمضانَ ، بإقرارِه واعتقادِه وعُقْدَةِ نِيَّتِه؟ فمِن جهةِ النظرِ لا يجبُ أن يكونَ
كافرًا إلا بدفع ما كان به مسلمًا، وهو الجحودُ لما كان قد أقرَّ به واعتقَده .
واللهُ أعلمُ .
وقد ذكّرنا اختلافَ العلماءِ فى قتلِ من أتَى مِن عملِ الصلاةِ إذا كان بها
مقِرًّا، فى بابِ زيدِ بنِ أسلمَ من هذا الكتابِ ) . والحمدُ للهِ .
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ
إسماعيلَ الترمذىُّ، قال: حدَّثنا الحميدىُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةً ، قال :
حذَّثنی یحیی بنُ سعیدٍ ومحمدُ بنُ عجلانَ ، عن محمد بنِ یحیی بن حبان ، عن
عبدِ اللهِ بنِ محيريزٍ، عن المُخْدَجِىّ ، قال: قيل لعبادةَ بنِ الصامتِ : إن أبا محمدٍ
يقولُ : الوترُ واجبٌ . قال: وكان أبو محمدٍ رجلاً من الأنصارِ. فقال عبادةُ:
كذَب أبو محمدٍ ، سمِعتُ رسولَ اللهِ وَلِّ يقولُ: ((خمسُ صلواتٍ كتَبهن اللهُ
على العبادِ فى اليوم والليلةِ ، مَن أتى بهنَّ لم ينتقِصْ من حقٌّهنَّ شيئًا استخفافًا بهنَّ
كان حقًّا على اللهِ أن يدخله الجنةَ ، ومَن لم يأتِ بهنَّ فليس له عندَ اللهِ عهدٌ ، إن
القبس
(١) سيأتى ص٢٩٢ - ٣٠٧.
١٩٠
الموطأ
شاء غفر له، وإن شاء عذَّبه))(١).
التمهيد
وروَى زيدُ بنُ أسلمَ ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ ، عن عبدِ اللهِ الصُّنابحىِّ ، قال :
زعَم أبو محمدٍ أن الوترَ فرضٌ واجبٌ، فقال عبادةُ بنُ الصامتِ : كذَب
أبو محمدٍ، سمِعتُ رسولَ اللهِ وَ لَهيقولُ: ((خمسُ صلواتٍ افترَضهن اللهُ،
مَن أحسَن وضوءَهن، وصلَّاهن لوقتِهن وأتمَّ ركوعَهن وسجودَهن، كان له
عندَ اللهِ عهدٌ أن يغفرَ له، وإن لم يفعلْ، جاء وليس له عندَ اللهِ عهدٌ ، إن شاء
عذَّبه، وإن شاء غفَر له)). حدَّثناه(١) عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ
ابنُّ بكرٍ ، قال: حدَّثنا أبو داودَ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ حربٍ الواسطىُ ، قال:
حدَّثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبرنا محمدُ بنُ مُطرّفٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ .
فذكره(٣) .
حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ
ابنُ أبي أسامةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عمرَ الواقدىُّ، قال : حدثنا عبدُ الحميدِ
ابنُّ جعفرٍ ، عن أبيه ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبى عمرةَ النَّجَارِىِّ ، أنه سأَل عبادةَ بنَ
الصامتِ عن الوترِ. قال: أمرٌ حسنٌ جميلٌ، قد عمِل به رسولُ اللهِ وَلَه
القبس
(١) الحميدى (٣٨٨). وأخرجه الطبرانى فى الشاميين (٢١٨٢) من طريق ابن عيينة به.
(٢) فى م: ((حدثنا)) .
(٣) أخرجه البيهقى ٣٦٦/٣ من طريق محمد بن بكر به ، وهو عند أبى داود (٤٢٥) . وأخرجه
البيهقى ٢١٥/٢ من طريق يزيد بن هارون به، وأخرجه أحمد ٣٧٧/٣٧ (٢٢٧٠٤)، والطبرانى فى
الأوسط (٤٦٥٨)، وأبو نعيم فى الحلية ١٣٠/٥، ١٣١ من طريق محمد بن مطرف به .
١٩١
الموطأ
والمسلمون بعدَه، ( وليس بواجبٍ(٢). قال: وكان عبادةُ يوتر بثلاثٍ ، وربما
خرَج والمؤذنُ يقيمُ، فأمر المؤذنَ أن يجلسَ حتى يوترَ، ويقيمَ .
التمهيد
وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم ، قال : حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ جعفرِ بنِ الوردِ ، قال :
حدَّثنا يوسفُ بنُ موسى بنِ عبدِ اللهِ الأُودِىُّ، حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ خُبَيْقٍ(٢)، حدَّثنا
يوسفُ بنُ أسباطَ ، عن السَّرِىِّ بنِ إسماعيلَ، عن الشعبىِّ، عن كعبِ بنِ
عُجْرةَ، قال: خرج علينا رسولُ اللهِ وَّه فقال: ((أتدرون ما قال ربّكم؟)).
قال: قلنا: اللهُ ورسولُه أعلم. قال: ((يقولُ: مَن صلَّى الصلاةَ لوقتِها، ولم
يُضيِّعْها استخفافًا بحقِّها، فله عَلَىَّ أن أُدخلَه الجنةَ. ومَن لم يصلِّها لوقتِها ،
وضيّعها استخفافًا بحقِّها، فلا عهدَ له عَلَىَّ، إن شئتُ غفَرتُ له، وإن شئتُ
عَذَّبْتُهُ))(٤).
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ وعبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ
خالدٍ ، قالا : حدَّثنا أحمدُ بنُ جعفرٍ بنِ حمدانَ ببغدادَ ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ
أحمدَ بنِ حنبلٍ، قال: حدَّثنا أبى، قال: حدَّثنا هاشمٌ) ، قال: حدَّثنا عيسى
ابنُ المسَيَّبِ البجلُّ، عن الشعبىِّ، عن كعبِ بنِ عجرةَ، قال: بينا نحن جلوسٌ
فى مسجدِ رسولِ اللهِ وَّهِ مسندى ظهورِنا إلى قبلةِ مسجدِه سبعةُ رهطٍ ؛ أربعةٌ
القبس
(١ - ١) فى ر: ((فواجب على)).
(٢) أخرجه ابن خزيمة (١٠٦٨)، والبيهقى ٤٦٧/٢ من طريق عبد الحميد بن جعفر به.
(٣) فى م: ((حنين)). وينظر الجرح والتعديل ٤٦/٥.
(٤) أخرجه الطبرانى ١٤٢/١٩ (٣١٢) من طريق السرى به .
(٥) فى الأصل، م: ((هشيم)). وينظر تهذيب الكمال ١٣٠/٣١.
١٩٢
الموطأ
التمهيد
من موالينا، وثلاثةٌ من عربِنا، إذ خرج علينا رسولُ اللهِ وَلَهِ صلاةَ الظهرِ حتى
انتهى إلينا فقال: ((ما يُجلِسُكم هلهنا؟)). قلنا: يا رسولَ اللهِ، ننتظرُ الصلاةَ.
قال: فأرقم(١) قليلًا، ثم رفَع رأسَه فقال: ((أتدرون ما يقولُ ربّكم تبارَك
وتعالَى؟)). ( قلنا: اللهُ ورسولُه أعلم. قال:(٢) ((يقولُ: مَن صلَّى الصلاةَ
الوقتِها، وحافظ عليها، ولم يضيِّعْها استِخْفافًا بحقِّها، فله على عهدٌ أن أدخلَه
الجنةَ ، ومَن لم يصلِّها لوقتِها ، ولم يحافظْ عايها ، وضيَّعها استخفافًا بحقِّها ، فلا
عهدَ له ، إن شئتُ عذَّبْتُه، وإن شئتُ غفرتُ له))(١) .
قال أبو عمرَ: ذهبت طائفةٌ من أهلِ العلم إلى أن معنى حديثٍ عبادةَ
المذكورِ فى هذا البابِ ، ومعنى حديثٍ كعبِ بنِ عجرةَ هذا ، أن التضييعَ للصلاةِ
الذى لا يكونُ معه لفاعلِه المسلم عندَ اللهِ عهدٌ هو أن لا يقيمَ حدودَها من مراعاةٍ
وقتٍ وطهارةٍ، وتمامٍ ركوعٍ وسجودٍ ، ونحوِ ذلك، وهو مع ذلك يصلِّيها ولا
يمتنعُ من القيامِ بها فى وقتِها وغيرٍ وقتِها ، إلا أنه لا يحافظُ على أوقاتِها . قالوا :
فأمَّا من ترَكها أصلًا ولم يصلُّها فهو كافرٌ. قالوا : وتركُ الصلاةِ كفرٌ. واحتجُوا
بآثارٍ؛ منها حديثُ أبى الزبيرِ وأبى سفيانَ، عن جابرٍ، عن النبيِّ وَِّ، أنه قال:
القبس
(١) أرثم: سكت ولم يجب. ينظر النهاية ٢٦٧/٢.
(٢ - ٢) ليس فى: الأصل، ف، م.
(٣) أحمد ٥٥/٣٠ (١٨١٣٢). وأخرجه الطبرانى ١٤٢/١٩ (٣١١)، وفى الأوسط (٤٧٦٤) من
طريق هاشم بن القاسم به .
١٩٣
( موسوعة شروح الموطأ ١٣/٥ )
الموطأ
(( بينَ العبدِ وبينَ الكفرِ تركُ الصلاةِ)). وما كان فى معنى هذا من الآثارِ قد
التمهید
ذكَّرناها فى بابٍ زيدِ بنِ أسلمَ (١)، عندَ ذكرِنا اختلافَ العلماءِ فى أحكامِ تارك
الصلاةِ هنالك ، فلا معنَى لذكرِ ذلك هلهنا.
أخبرنا أبو ذرٍّ عبدُ بنُ أحمدَ (١) فيما أجاز لنا، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ
ابنِ خَمِيرُويه ، قال : أخبرنا محمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ السامىُ ، حدثنا أحمدُ بنُ أبی
رجاءٍ، حدثنا عبد الوهابِ الثقفئُ ، عن أيوب ، عن محمدِ بنِ سیرینَ ، قال :
نُجُمتُ أن أبا بكرٍ وعمرَ كانا يعلِّمان مَن دخَل فى الإسلامِ ؛ تؤمنُ باللهِ ولا تشركُ به
شيئًا ، وتقيمُ الصلاةَ التى افترَض اللهُ عليك لمواقيتِها ، فإنَّ فى تفريطِها الهلكةَ ،
وتؤدى الز کاةً طيِّبَ النفسِ بها ، وتصوم رمضانَ، وتحُ البيتَ، وتسمعُ
٣)
وتطيعُ لمن ولَّاه اللهُ أمرَك، وتعملُ للهِ ولا تَعْمَلُ للناسِ(٤).
ومما احتجُّوا به فى أن معنى حديثٍ عبادةَ فى هذا البابِ تضييعُ الوقتِ
وشِبهُه، ما حدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، حدَّثنا الحسنُ
ابنُّ علىِّ الأشنانىُ، حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ زِئْرِيقٍ(٢) ، حدَّثنا بقيةُ بنُ
القبس
(١) ينظر ما سيأتى ص ٢٩٢ - ٣٠٧.
(٢) فى م: ((حمد)).
(٣ - ٣) ليس فى: الأصل، م.
(٤) أخرجه عبد الرزاق (٥٠١٣، ٢٠٦٨٣)، وابن نصر فى تعظيم قدر الصلاة (٩٣٢) من طريق
أيوب به .
(٥) فى م: ((زريق)). وينظر تهذيب الكمال ٣٦٩/٢.
١٩٤
الموطأ
التمهيد
الوليد ، عن ضُبارةً بنِ عبدِ اللهِ ، عن دُوَيْدِ بنِ نافع ، عن الزهرىِّ ، عن سعيد بنِ
المسيبِ، أن أبا قتادةَ بنَ رِبْعِىٌّ أخبره، أن رسولَ اللهِ وَ له قال: ((إن الله تبارك
وتعالَى افترَض على أمتى خمسَ صلواتٍ ، وعهِد عندَه عهدًا؛ مَن حافظ عليهن
لوقتهن أدخَله اللهُ الجنةَ، ومَن لم يحافظْ عليهن فلا عهدَ له عندَه))(١).
وذكَر إسماعيلُ بنُ إسحاقَ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ ثُميرٍ ، قال :
حدَّثنا حفصٌ، عن الأعمشِ، عن أبى الضُّحَى، عن مسروقٍ ، قال : كلَّ شيءٍ
فى القرآنِ : ساهون ، ودائمون ، وحافظون - فعلى مواقيتها .
قال: وحدَّثنا ابنُ نميرٍ، قال: حدَّثنى أبى، حدَّثنا الأعمشُ، عن مسلم،
عن مسروقٍ ، قال : الحفاظُ على الصلاةِ: الصلاةُ لوقتِها ، والسهؤُ عنها : تركُ
وقتِها (١) . وعن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ مثلُ ذلك، وقد ذكّرنا خبرَ ابنِ مسعودٍ فى
باپ زیدِ بنِ أسلمَ (٢) .
وأصحُ شىءٍ فى هذا البابِ من جهةِ النظرِ ومن جهةِ الأثرِ ، أن تارك الصلاةِ
إذا كان مقرًّا بها غيرَ جاحدٍ ولا مستكبرٍ ، فاسقٌ مرتكبٌ لكبيرةٍ موبقةٍ من الكبائرِ
الموبقاتِ ، وهو مع ذلك فى مشيئةِ اللهِ عزَّ وجلَّ ، إن شاء غفر له ، وإن شاء عذَّبه ؛
فإنه لا يغفرُ أن يُشركَ به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاءُ. وقد يكونُ الكفرُ يُطلقُ
القبس
(١) أخرجه أبو داود (٤٣٠)، وابن ماجه (١٤٠٣) من طريق بقية بن الوليد به .
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٣١٦/١ عن ابن نمير به ..
(٣) سيأتى تخريجه ص٢٩٧ .
١٩٥
الموطأ
التمهيد
على مَن لم يخرجْ من الإسلام، ألا ترَى إلى قولِهِ وَلَ فى النساءِ: «رأيتُهن أكثرَ
أهلِ النارِ بكفرِهنَّ)). قيل: يا رسولَ اللهِ، أيكفُوْن باللهِ؟ قال: ((يَكفرن العشيرَ،
ويَكْفُوْن الإحسانَ)) (١). فأطلَق عليهن اسمَ الكفرِ لكفرِهن العشيرَ والإحسانَ،
وقد يُسمَّى كافرُ النعمةِ كافرًا. وأَصلُ الكفرِ التغطيةُ للشىءٍ، ألم تسمع قولَ
(٢)
لبيدٍ(٢):
* فى ليلةٍ كفَر النجومَ غَمامُها »
فيحتمِلُ - واللهُ أعلمُ - إطلاقُ الكفرِ على تاركِ الصلاةِ أن يكونَ معناه أن
تركّه الصلاةَ غطّى إيمانَه وغيَّبه حتى صار غالبًا عليه، وهو مع ذلك مؤمِنٌ
باعتقادِهِ، ومعلومٌ أن مَن صلَّى صلاتَه(٢)، وإن لم يحافظْ على أوقاتِها، أحسنُ
حالاً ممن لم يصلِّها أصلًا وإن كان مقِرًّا بها .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثْنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا
محمدُ بنُ إسماعيلَ الترمذىُّ، قال: حدَّثنا أبو صالح، قال: حدَّثنى الليثُ ،
قال : حدَّثنى يزيدُ بنُ أبى حبيبٍ ، عن أبى الخيرِ ، عن الصُّنابحىِّ ، عن عبادةَ بنِ
الصامتِ، أنه قال: إنى من النقباءِ الذين بايعوا رسولَ اللهِ وَله. وقال: بايَعناه
على أن لا نشركَ باللهِ شيئًا ، ولا نسرقَ، ولا نزنىَ، ولا نقُلَ النفسَ التى حرَّم اللهُ
إلا بالحقِّ ، ولا ننتهبَ ، ولا نعصىَ، فالجنةُ إن فعَلنا ذلك ، فإن غشِينا من ذلك
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (٤٤٧).
(٢) شرح ديوانه ص ٣٠٩.
(٣) فى ف: ((صلواته الخمس)).
١٩٦
الموطأ
التمهید
شيئًا كان أمرُ ذلك إلى اللهِ (١).
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ
الترمذىُّ ، قال : حدَّثنا أبو توبةَ الربيعُ بنُ نافع، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مهاجرٍ ،
عن عروةَ بنِ رُوَيْمٍ، عن ابنِ ١ حاجبٍ ، عن عبادةَ بنِ الصامتِ ، قال : سمِعتُ
رسولَ اللهِ وَ لَه يقولُ: ((مَن مات يشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له ، وأن
محمدًا عبدُه ورسولُه - وجَبت له الجنةُ)) .
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدٍ
البِرْتِىُّ ومحمدُ بنُ غالبِ التَّمتالمُ ، قالا: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا (٣ محمدُ
ابنُ" مسلم، عن عثمانَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أوسٍ، قال : سمِعتُ أوسَ بنَ عبدِ اللهِ
يقولُ: سمِعتُ عبادةَ بنَ الصامتِ يقولُ: سمِعتُ رسولَ اللهِ وَلَه يقولُ: ((مَن
لقِى اللهَ لا يشرِكُ به شيئًا دخَل الجنةَ))(٤) .
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا الترمذىُّ، قال:
حدَّثنا سعيدُ بنُّ الحكم بن أبى مريمَ ، حدَّثنا يحيى بنُ أيوبَ ، قال: حدَّثنی محمدُ
القبس
(١) أخرجه الشاشى (١٢٠٦) من طريق عبد الله بن صالح به، وأحمد ٤٠٧/٣٧ (٢٢٧٤٢)،
والبخارى (٣٨٩٣، ٦٨٧٣)، ومسلم (٤٤/١٧٠٩) من طريق الليث به .
(٢) فى م: ((أبى).
(٣ - ٣) فى الأصل، ف، م: ((أبو)). وينظر تهذيب الكمال ٤١٢/٢٦.
(٤) أخرجه البخارى فى تاريخه ١٧/٢ عن محمد بن مسلم به .
١٩٧
الموطأ
التمهید
ابنُ عجلانَ، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حَبَّنَ ، عن عبدِ اللهِ بنِ محیریزٍ الجمحىِّ ،
عن الصنابحىِّ ، أنه قال: دخَلتُ على عبادةَ بنِ الصامتِ وهو فى الموتِ ، فلما
رأيتُ ما به من العَلَزِ(١) بكيتُ، فقال: ما يبكيك؟ فوالله لئن شُفِّعتُ لأشفَعنَّ
لك، ولئن سُئِلتُ لأشهَدنَّ لك، ولئن استطَعتُ لأَنفعتَّك، وواللهِ ما كتَمتُك
حديثًا سمِعتُه من رسولِ اللهِ وَّةٍ إلا حديثًا واحدًا؛ سمِعتُ رسولَ اللهِ وَيه
يقولُ: ((مَن لقِى اللهَ يشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ، وأن محمدًا رسولُ اللهِ وَّلَالِ دِخَل
(٢)
الجنةً))(٢).
قال أبو عمرَ: محمَلُ هذه الأحاديثِ بعدَ القِصاصِ و"العفوِ، أن٣
يكونَ (أُخِرُ أمرٍ" الموحّدين إلى الجنةِ ، والحمدُ للهِ .
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمادٍ ،
قال: حدثنا مسددٌ ، قال: حدثنا حمادُ بنُ زیدٍ ، وعبدُ الواحدِ ، وهشيم ، ويزيدُ
ابنُّ زريعٍ - قالوا: حدَّثنا خالدٌ الحذاءُ، عن أبى قلابةَ، عن أبى أسماءً، عن عبادةً
قال: أَخَذ علينا رسولُ اللهِ نَّه فى البيعةِ حيثُ أَخَذ على النساءِ، أَلَّ نشركَ باللهِ
القبس
(١) العَلَز: القلق والكرب عند الموت. ينظر اللسان (ع ل ز).
(٢) أخرجه الطبرانى فى مسند الشاميين (٢١٨٠) من طريق سعيد بن أبى مريم به ، وأخرجه أحمد
٣٨٤/٣٧ (٢٢٧١١) من طريق محمد بن عجلان به .
(٣ - ٣) فى ص: ((الغفران)).
.(٤ - ٤) فى م ((آخرا من)).
١٩٨
الموطأ
شيئًا، ولا نزنىَ، ولا نسرقَ، ولا نقتلَ أولادَنا، ولا يعْضَةَ(١) بعضنا بعضًا، ولا
نعصیه فی معروف ، فمن أتَی منکم حدًّا فى الدنيا فعُجّلت له عقوبتُه فهو
كفارتُه، ومن أُخِّر ذلك عنه فأمرُه إلى اللهِ ، إن شاء عذَّبه وإن شاء غفر له (٢) .
التمهید
وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ
ابنُ إسماعيلَ الترمذىُّ، قال: حدَّثنا الحميدىُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، قال :
سمِعتُ الزهرىَّ يقولُ: حدَّثنى أبو إدريسَ الخَوْلانُ، أنه سمِع عبادةَ بنَ الصامتِ
يقولُ: كنا عند النبيِّ وَلَه فى مجلسٍ فقال: ((تبايعونى على ألّا تشركوا باللهِ
شيئًا ، ولا تسرِقوا ، ولا تزنُوا - الآية - فمن وفَّى منكم فأجره على اللهِ، ومَن
أصاب من ذلك شيئًا فستره اللهُ عليه فذلك إلى اللهِ ، إن شاء غفَر له وإن شاء
عذَّبه)). قال سفيانُ: كنا عند الزهرىِّ، فلما حدَّث بهذا الحديثِ أشار عَلَىَّ
أبو بكرٍ الهذلُ أن أحفظَه، فكتبتُه، فلما قام (١) الزهرىُّ أخبَرتُ به أبا بكرٍ().
قال أبو عمر: قولُه فی حدیثِ ابنِ شهابٍ هذا: (( ومن أصاب من ذلك
شيئًا)). يريدُ: مما فيه الحدودُ ، ما عدا الشركَ . وقد بان ذلك فى الحديث الذى.
القبس
(١) سقط من: م. لا يَعْضَه بعضنا بعضا: أى لا يرميه بالعضيهة، وهى البهتان والكذب. النهاية
٢٥٤/٣.
(٢) أخرجه ابن حبان (٤٤٠٥) من طريق يزيد بن زريع به مختصرا، وأخرجه أحمد ٣٤١/٣٧
(٢٢٦٦٨) من طريق خالد الحذاء به .
(٣) فى م: ((قدم)).
(٤) الحميدى (٣٨٧). وأخرجه أحمد ٣٥١/٣٧ (٢٢٦٧٨)، والبخارى (٤٨٩٤، ٦٧٨٤)،
ومسلم (١٧٠٩)، والترمذى (١٤٣٩)، والنسائى (٤٢٢١، ٥٠١٧) من طريق سفيان به .
١٩٩
الموطأ
التمهید
قبلَ هذا، وذلك مُقَيِّدٌ بقولِ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ
مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءٍ﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦]. ومُقَيَّدٌ بالإجماع على أن مَن مات
مشركًا فليس فى المشيئة، ولكنه فى النارِ وعذابِ اللهِ، أجارنا اللهُ وعصَمنا
برحمته من كلِّ ما يقودُ إلى عذابِهِ .
أخبرنا أحمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا
الحارثُ بنُ أبي أسامةَ، قال: حدَّثنا معلَّى بنُ الوليدِ بنِ «عبدِ العزيزِ)
العَنْسِئُ(١)، وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ،
قال: حدَّثنا مضرُ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا الحكمُ بنُ موسى، قالا: حدَّثنا
مُبَشِّرُ بنُ إسماعيلَ الحلبىُّ، عن الأوزاعىِّ، عن عُميرِ بنِ هانئٌّ، عن بُنادةَ بنِ
أبى أميةً، عن عبادةَ بنِ الصامتِ، قال: قال رسولُ اللهِ وَ له: ((من شهِد أن
لا إلهَ إلا الله وحده لا شريكَ له، وأن محمدًا عبدُه ورسولُه». زاد الحكمُ:
(( وأن الجنةَ حقٌّ ، وأن النارَ حقٌّ ، وأن الساعةَ آتيةٌ لا ريبَ فيها ، وأن الله يبعثُ
مَن فى القبورِ)). ثم اتفقا: ((وأن عيسى ابنَ مريمَ عبْدُ اللهِ ورسولُه، وكلمتُه
ألقاها إلى مريمَ وروح منه، أدخله اللهُ الجنةَ على ما كان من عملٍ)). وقال
الحكم: ((من عمله))(١) .
القبس
(١ - ١) فى الأصل، م: ((عبد الله)). وينظر تهذيب الكمال ٢٧/ ١٩٢.
(٢) فى الأصل، ر، م: ((العبسى))، وفى ف: ((القيسى)). وينظر المصدر السابق.
(٣) أخرجه مسلم (٢٨) من طريق مبشر بن إسماعيل به، وأخرجه أحمد ٣٤٩/٣٧ (٢٢٦٧٥)،
والبخارى (٣٤٣٥)، والنسائى فى الكبرى (١١١٣٢) من طريق الأوزاعى به .
٢٠٠