Indexed OCR Text

Pages 641-660

٣٥٩ - وحدَّثنى يحيى ، عن مالك ، عن ابن شهابٍ ، عن عروةً بنِ
الزبيرِ، عن عائشةَ زوج النبيِّ وَّ أنها قالت: ما رأيتُ رسولَ اللهِ وَله
يصلِّى سُبحَةَ الضُّحَى قَطُّ، وإنى لأُسَبِّحُها، وإن كان رسولُ اللهِ وَلَه
◌َيَدَعُ العملَ وهو يُحِبُّ أن يعمَلَه ؛ خشيةَ أن يعملَ به الناسُ فيُفرَضَ
عليهم .
الموطأ
رسولُ اللهِ وَةِ: ((مَا نَقَضَ قَوْمٌ العهدَ إلَّا كان القتلُ بَيْنَهم، ولَا ظَهَرَتْ فاحشةٌ التمهيد
فى قَوْمٍ إلَّا سَلَّطَ اللهُ(١) عليهم الموتَ، ولَا مَنَعَ قَوْمٌ الزكاةَ إلَّا حَبَسَ اللهُ عنهم
*(٢)
الْقَطْرَ))(٢).
ولا يُؤْوَى مرفوعًا عن النبيِّ وََّ هذا الحديثُ إلا عن بريدةَ بهذا الإسنادِ .
والله أعلمُ .
مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عروةَ بنِ الزبيرِ ، عن عائشةَ قالت : ما سبَّحَ
رسولُ اللهِ وَّ سُبحةَ الضُّحَى قطُّ، وإِنِّى لأسبْحُها، وإن كان رسولُ اللهِ وَّة.
لَيْدَُ العملَ وهو يُحبُّ أن يعملَ به؛ خشيةَ أنْ يعملَ به الناسُ فيفرضَ عليهِم(١).
أمّا قولُها(٤): سبَحَ سُبحةَ الضُّحَى. فمعناه(٤): صلَّى صلاةَ الضُّحَى.
القبس
(١) سقط من: ص ١٧، ص ٢٧، م.
(٢) البزار (٣٢٩٩ - كشف). وأخرجه الحاكم ١٢٦/٢، والبيهقى ٣٤٦/٣، ٢٣١/٩، وفى
الشعب (٣٣١٢) من طريق عبيد الله بن موسى به .
(٣) الموطأ برواية أبى مصعب (٤٠٤). وأخرجه أحمد ٢٨٢/٤٢ (٢٥٤٥١)، والبخارى (١١٢٨)
ومسلم (٧١٨)، وأبو داود (١٢٩٣)، والنسائى فى الكبرى (٤٨٠) من طريق مالك به .
(٤) بعده فى م: ((ما)).
٦٤١
( موسوعة شروح الموطأ ٤١/٥ )

الموطأ
التمهيد قال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينٌ﴾ [الصافات: ١٤٣]. قال
الْمُفُسِّرُون: مِن المصلِّينَ. إلّا أنَّ أهلَ العلم لا يُوقعونَ اسمَ سُبحةٍ إلَّا على النافلةِ
دُونَ الفريضةِ؛ لقولِهِ وَ الَ: ((واجْعَلُوا صَلَاتَكُم معهم سُبحةٌ)) (١) . أى: نافلةٌ.
وفى هذا الحديثِ مِن الفقْهِ معرفةُ رأفةِ رسولِ اللهِ وَلِّ بِأُمَّتِه ورحمتِه بهم،
صلواتُ اللهِ عليه وسلامُه، كما قال اللهُ عزَّ وجلّ: ﴿لَقَدْ جَاءَ كُمْ رَسُوٌ
مِّنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصُ عَلَيْكُمْ بِلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ
رَّحِيمٌ﴾
[التوبة: ١٢٨] .
وأمَّا قولُ عائشةَ: ما سبَّحَ رسولُ اللهِ وَِّ سُبحةَ الضُّحَى قطُّ. فهو مما قلتُ
لك: إِنَّ مِن علم السُّننِ كثيرًا(٢) يُوجدُ عندَ بعضِ أهلِ العلمِ دونَ بعضٍ. فليس
أحدٌ مِن الصحابةِ إلَّا وقد فاتَه مِن الحديثِ ما أُحصَاه غيرُه، والإِحاطةُ مُمتنعةٌ ،
وهذا ما لا يجهلُهُ إِلَّ مَن لا عنايةً له بالعلم، وإنّما حصلَ المتأخِّرونَ على علم ذلك
مُذْ صار العلمُ فى الكتبِ، لكنَّهم بذلك دخلَتْ عليهم الدواخلُ فى
حفظهم٢ ، فليسوا فى الحفظِ كالمتقدِّمينَ وإن كان قد حصلَ فى كُتبِ المقلّ
منهم علمُ جماعةٍ مِن العلماءِ، واللهُ يُنوّرُ بالعلم قلبَ مَن يشاءُ.
وقد رُوىَ عن النبيِّ وَ لَه آثارٌ كثيرةٌ حسانٌ فى صلاةِ الضُّحى ؛ منها حديثُ
أمّ هانىّ وغيرِها . فحديثُ أَمِّ هانىٌّ مِن روايةِ مالكٍ سيأتِى فى موضعِه مِن كتابِنا
القبس
(١) تقدم تخريجه فى ٥١/٢، وينظر ما سيأتى ص ٣١٩.
(٢) فى م: ((علما خاصا)).
(٣ - ٣) فى م: ((حفظهم داخلة)).
٦٤٢

الموطأ
التمهید
هذا) إن شاء اللهُ . وأمَّا غير رواية مالك ، فى حديث أمّ هانئ ، وغیرُ إِسناده ،
فَقَرأْتُ على سعيدِ بنِ نصرٍ ، أَنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال : حدَّثنا جعفرُ بنُ
محمدِ بنِ شاكرٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سابقٍ ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ طهمانَ ،
عن أبى الزُّبيرِ، عن عكرمةَ بنِ خالدٍ ، عن أَمِّ هانئٌّ بنتِ أبى طالبٍ ، أَنَّها قالت : قَدِم
رسولُ اللهِ وَّهِ فِى الفتح؛ فتح مكّةً، فنزلَ بأعلَى مَكّةً، فصلَّى ثمانىَ رَكَعاتٍ ،
فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، ما هذه الصلاةُ؟ قال: ((صَلاةُ الضُّحَى))(٢) .
"ألا ترى أنَّ أُمَّ هانى قد علِمت من صلاةِ الضُّحى) ما (+ خفى على"
عائشةَ، وأَينَ أَمُ هانىٌّ فى الفقْهِ والعلم مِن عائشةً؟ وبالأغلبِ مِن الأُمورِ يُقضَى ،
وعليه المدارُ، وهو الأصلُ .
وقد روَى إسماعيلُ بنُ أبى خالدٍ، عن أبى صالح، عن أُمّ هانى
قالت: لما كان يومُ الفتح اغتسلَ رسولُ اللهِ وَلَه، وصلَّى ثمانىَ
رَكْعاتٍ، فلم يَرَه أحدٌ صلَّهُنَّ بعدُ(٥). فهذه أُمُّ هانىَّ لم تعلمْ أنَّ رسولَ
اللهِ وَلَّهِ صِلَّ هُنَّ بعدُ .
القبس
(١) تقدم فى الموطأ (٣٥٧).
(٢) أخرجه الطبرانى فى الأوسط (١٨١٦)، وأبو الشيخ فى جزء أحاديث أبى الزبير عن غير جابر
(٤٩) من طريق محمد بن سابق به .
(٣ - ٣) فى م: ((فحفظت أم هانئ )).
(٤ - ٤) فى ق، م: ((جهلت)).
(٥) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٠٩/٢، وأحمد ٤٦٩/٤٤، ٤٧٠ (٢٦٨٩٨)، والطبرانى ٤١٢/٢٤
(١٠٠٣) من طريق إسماعيل بن أبى خالد به .
٦٤٣

الموطأ
التمهید
وروَى شعبةُ، عن عمرو بنِ مُرَّةً، عن ابنٍ أبى ليلَى ، قال: ما خبََّنا أحدٌّ أنَّه
رأى رسولَ اللهِ وَه، صلَّى صلاةَ الضُّحَى غيرُ أُمّ هانىٌ؛ فإنَّها ذكَرَتْ أنَّ
رسولَ اللهِ إِ له يومَ فتح مكّةَ اغتسلَ فى بيتها، وصلَّى ثَمانىَ ركعاتٍ، فلم يرَه
أحدٌ صلَّاهُنَّ بعدُ(١) . وابنُ أبى ليلَى مِن كبارِ التَّابعين .
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال: حدَّثنا
مُضرُ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ حفصٍ الحرَّانىُ، قال: حدَّثنا موسى بنُ
أعيّنَ، عن إسحاقَ بنِ راشدٍ، عن الزهرىِّ، عن عبدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ
الحارثِ، عن أبيه قال : سمعتُه يقولُ: سأَلْتُ وحرصتُ على أحدٍ يُحدِّثُنى أنَّه
رأى رسولَ اللهِ نَّهِ يُّصِلِّى(٢) الضُّحَى، فلم أجدْ غيرَ أُمّ هانىٌّ بنتِ أبى طالبٍ،
حَدَّثَتْنِى(٢) أنَّ رسولَ اللهِ مَِّ دخلَ علیھا یومَ فتحِ مكّةً ، فأمَرَ بماءٍ فُضِعَ له،
فاغْتَسَل ثم صلَّى فى بيتِها ثمَانىَ رَكَعاتِ ، تقولُ أَمُّ هانىٍّ: لا أدرِى، أقِيَامُه أطولُ
أم رُكوعُه؟ ولا أدرِى، أركوعُه أطولُ أم سُجودُه؟ غيرَ أنَّ ذلك متقاربٌ يُشبِهُ
بعضُه بعضًا(٤).
القبس
(١) أخرجه أحمد ٤٧٢/٤٤ (٢٦٩٠٠)، والبخارى (١١٠٣)، ومسلم ٤٩٧/١ (٨٠/٣٣٦)،
وأبو داود (١٢٩١)، والنسائى فى الكبرى (٤٨٦) من طريق شعبة به .
(٢) بعده فى الأصل، م: ((صلاة)).
(٣) طمس فى ق، وفى م: ((فإنها ذكرت)).
(٤) أخرجه أحمد ٤٤/ ٤٧٠، ٤٧١ (٢٦٨٩٩)، ومسلم ٤٩٨/١ (٨١/٣٣٦)، والنسائى فى
الكبرى (٤٨٤، ٤٨٥) من طريق الزهرى به. وعند أحمد والنسائى فى الموضع الثانى : عبيد الله بن
عبد الله . قال أبو حاتم فى ترجمة عبد الله بن عبد الله بن الحارث، قال: ويقال: عبيد الله. وعبد
الله أصح. الجرح والتعديل ٥/ ٩١.
٦٤٤

الموطأ
التمهید
ورَوَی سفيانُ بنُ ◌ُیینةً ، عن عبد الكريم(١) ابی أُمّةً ویزید بنِ ابی زیادٍ ، عن
عبدِ اللهِ بنِ الحارثِ قال: سألتُ عن صلاةِ الضُّحَى فى إمارةِ عثمانَ وأصحابُ
رسولِ اللهِ وَ لِّ مُتوافرونَ، فلم أجدْ أحدًا أثبَتَ لى صلاةَ رسولِ اللهِ وَه
الضُّحَى إِلَّا أمَّ هانى. فذكَر الحديثَ. قال عبدُ اللهِ بنُ الحارثِ: فحَدَّثْتُ
به ابنَ عباسٍ فقال: إنْ كنتُ الأمرُ على هذه الآيةِ: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِّ
وَاْإِشْرَاقِ﴾ [ص: ١٨]. فهذه صلاةُ الإشراقِ(٢) .
قولُ ابنِ شهابٍ فى هذا الحديثِ : عن أبيه . هو الصَّوابُ ، لا ما قال عبدُ
الكريم ويزيدُ بنُ أبی زِيادٍ . واللهُ أعلمُ .
فهذه الآثارُ كلُّها حُجَّةٌ لعائشةَ فى قولِها: ما سبَّعَ رسولُ اللهِ وَل ◌ِ سُبحةَ
الضُّحَى قطُّ؛ لأنَّ كثيرًا مِن الصحابةِ قد شَرِكَها فى أنها لم تَعْلَمْ" ذلك. وممّا
يُؤْيِّدُ ذلك أيضًا حديثُ جابرِ بنِ سمرةً، قال سماكُ بنُ حربٍ : قلتُ لجابرِ بنِ
سمرةَ: أَكُنْتَ تُجالسُ رسولَ اللهِ وَلَرَ؟ قال: نعم، كثيرًا، كان لا يقومُ مِن
مُصلَّاه الذى صلَّى فيه الغداةَ حتى تطلع الشمسُ ، فإذا طلعَتْ قام . وهو حديث
صحيحٌ، روَاه الثورىُّ وغيرُه جماعةٌ ، عن سماكٍ(٤).
القبس
(١) بعده فى ق: ((ابن)). وينظر تهذيب الكمال ٢٥٩/١٨.
(٢) أخرجه الحميدى (٣٣٣) عن سفيان، عن عبد الكريم به، وأخرجه الحميدى (٣٣٢)، وابن
ماجه (١٣٧٩) من طريق سفيان ، عن يزيد به .
(٣ - ٣) فى ق، م: ((جهل)).
(٤) أخرجه أحمد ٤٩٠/٣٤، ٥٢٢ (٢٠٩٦٨، ٢١٠٣٢)، ومسلم (٢٨٧/٦٧٠)، وأبو =
٦٤٥

الموطأ
التمهيد
وأمَّا الآثارُ المرويَّةُ فى صلاةِ الضُّحَى، فحدَّثَنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال:
حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، وحدَّثَنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا
قاسمٌ ، قال : حدَّثنا بكرُ بنُ حمَّادٍ ، قالا: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا حمَّادُ بنُ
زيدٍ، عن واصلٍ، عن يحيى بنِ عُقيلٍ، عن يحيى بنٍ يَعْمَرَ، عن أبى الأسودِ ،
عن أبى ذرٌّ قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((يُصبحُ ابنُ آدَمَ وعلى كُلِّ سُلامَى منه
صدقةٌ؛ فإماطتُه الأَذَى عنِ الطَّريقِ صدقةٌ، وتَسْلِيمُه على مَن لَقِىَ صدقةٌ ،
وأَمْرُه بالمعروفِ صدقةٌ، ونَهْيُه عن المُّكَرِ صَدَقَةٌ، ومُجَامَعَتُه أُهْلَه صدقةٌ)) .
قالوا: يا رسولَ اللهِ ، أحدُنا يضعُ شهوتَه فتكونُ له صدقةً؟ قال: ((أَرأيْتُم لو
وضعَها فى غيرِ حلِّ، ألم يكنْ يْثَمُ؟)) قال: ((وَرَكْعَتَا الضُّحَى (١ تُجْزِئُ
مِن٢ ذلك كُلِّه))(٣) .
قال أبو داودَ : وحدَّثنا وهبُ بنُ بقيّةً(٣)، قال: حدَّثنا خالدٌ ، عن واصل،
عن يحيى بنِ عُقِيلٍ، عن يحيى بنِ يَعْمَرَ، عن أبى الأسودِ الدِّيلىّ، قال: بينما
نحن عندَ أبى ذرٍّ. فذكرَ نحوَه ، وفيه ذكرُ الصلاةِ، والصومِ، والحجّ،
القبس
= داود (٤٨٥٠) من طريق الثورى به .
(١ - ١) فى الأصل: ((تجزئان من))، وفى م: ((يجزئان عن)).
(٢) أبو داود (١٢٨٥، ٥٢٤٣). وأخرجه البزار (٣٩١٧) من طريق حماد بن زيد به ، وأخرجه
أحمد ٤٣٤/٣٥ (٢١٥٤٨)، والنسائى فى الكبرى (٩٠٢٨) من طريق واصل به، وليس عند أبى
داود، وأحمد، والنسائى ذِكر ((أبى الأسود)). وينظر تحفة الأشراف ١٦٧/٩ (١١٩٢٨).
(٣) فى الأصل: ((منبه)). وينظر تهذيب الكمال ١١٥/٣١.
٦٤٦
٠

الموطأ
والتَّسبيحِ، والتَّكبيرِ، والتَّحميدِ؛ كُلُّ ذلك صدقةٌ. وقال: فعَدَّ رسولُ اللهِ وَه
مِن هذه الأعمالِ الصَّالحةِ، ثم قال: ((يُجزئُ أَحَدَكم مِن ذلك رَكْعَتا
الضُّحَى ))(١).
التمهيد
وحدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا
أحمدُ بنُ محمدِ البِرتىُّ، قال: حدَّثنا عاصمُ بنُ علىٍّ، وحدَّثَنا محمدُ بنُ
إبراهيمَ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيبٍ ، قال :
أنبأَنا علىُ بنُ حُجرٍ ، قالا : أنبأَنا إسماعيلُ بنُ جعفرٍ ، قال : أخبرنى محمدُ بنُ أبى
حرملةَ ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ ، عن أبى ذرِّ قال: أوصانِى حبيبى(٢) بثلاثٍ لا أَدَعُهُنَّ
إن شاء اللهُ أبدًا؛ أوصانِى بصلاةِ الضُّحَى، وبالوترٍ قبلَ النَّومِ ، وبصيامٍ ثلاثةِ أَيَّامٍ
مِن كُلِّ شهرٍ(٣) .
وقد روَى أبو الدَّرداءِ عن النبيِّ ◌َِّ مثلَه .
حدَّثنِى خلفُ بنُ القاسم ، قال : حدَّثنا أحمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ الحدَّادِ ، قال :
حدَّثنا أحمدُ بنُ إبراهيمَ القرشىُ بدِمَشْقَ، قال: حدَّثنا أبو النَّضرِ إسحاقُ بنُ
القبس
(١) أبو داود (١٢٨٦، ٥٢٤٤).
(٢) فى ق، م: ((حبى)).
(٣) النسائى (٢٤٠٣)، وفى الكبرى (٢٧١٢). وأخرجه ابن خزيمة (١٠٨٣، ١٢٢١،
٢١٢٢) عن على بن حجر به، وهو فى حديث على بن حجر (٣٠٩)، وأخرجه أحمد ٤٠٧/٣٥
(٢١٥١٨) من طريق إسماعيل بن جعفر به .
٦٤٧

الموطأ
التمهيد إبراهيمَ بنِ يزيدَ القرشيُ (١)، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ يزيدَ بنِ صالحِ بنِ صُبيحٍ ، عن
العلاءِ، عن مكحول، عن أبى الدَّر داءِ قال: قال رسولُ اللهِ وَهِ: ((يَا عُويمرُ، لا
تبِتْ إلَّا عَلَى وترٍ، وصلِّ ركعتي الضُّحَى مُقيمًا أو مسافرًا، وصُمْ ثلاثةَ أَيَّامٍ من
كُلِّ شهرٍ، تستكملُ الزَّمانَ كُلَّه - أو قال: الدَّهرَ كُلَّه))(٢) .
وروَى أبو هُريرةً عن النبيِّ وَِّهِ مثلَه .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ، حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، حدَّثنا محمدُ بنُ
غالبٍ ، حدَّثنا بكّارُ بنُ محمدٍ ، قال : أنبأنا عبدُ اللهِ بنُ عونٍ ، عن محمدٍ ، عن
أبي هُريرةَ قال: أمرنِى رسولُ اللهِ وَّ أنْ أصومَ ثلاثةَ أيَّامٍ مِن كُلِّ شهرٍ، وألا أنامَ
إلّ على وترٍ ، وبركعتي الضُّحَى(٣).
ورُويَ هذا عن أبى هريرةَ مِن وُمُوهٍ . فهذا أبو ذرٍّ، وأبو الدَّرداءِ، وأبو
هُريرةَ، قد رووْا عن النبيِّ مَّهِ أَنَّه أوصاهُم بركعتى الضُّحَى، أو صلاةِ الضُّحَى.
ذكرَ عبدُ الرَّزَّاقِ (٤)، عن ابنِ جريجٍ، قال: أخبرنى عطاءٌ، أنَّ أبا هريرةَ قال:
ثلاثٌ لا أدعُهُنَّ حتى ألقَى أبا القاسمِ بََّ؛ أن أبِيتَ على وترٍ، وأنْ أصومَ مِن كُلِّ
شهرٍ ثلاثةَ أيَّامٍ ، وصلاةُ الضُّحَى .
القبس
(١) فى الأصل: ((الرقاشى)). وينظر تهذيب الكمال ٣٨٩/٢.
(٢) أخرجه الخطيب فى الموضح ٢٢٠/٢ من طريق مكحول به .
(٣) أخرجه الطبرانى فى الأوسط (٢٥٧٣) من طريق بكار بن محمد به، بذكر: ((غسل الجمعة)).
بدلا من: ((الضحى)). وينظر علل الدارقطنى ٧٢/١٠.
(٤) عبد الرزاق ( ٤٨٤٩، ٧٨٧٦).
٦٤٨

الموطأ
قال(١) : وأخبرَنا عُمرُ بنُ ذرٍّ، قال: سمِعتُ مُجاهدًا يقولُ: كانَ رسولُ اللهِ
وَ يُصلِّى الضُّحَى ركعتينٍ، وأربعًا، وستًّا، وثمانيًا. وهذا حديثٌ مُرسلٌ.
التمهید
وكان سعيدُ بنُّ جبيرٍ ومجاهدٌ يُصلِّيَانِ الضُّحَى وبرّبانٍ فيها (٢).
وروى ابنُ وهب ، عن یحیی بنِ أُوبَ ، عن زبَّانَ بنِ فائدٍ ، عن سهلِ بنِ
مُعاذٍ بن أنسِ الجهنىّ، عن أبيه، أنَّ رسولَ اللهِ وَ لَه قال: ((منْ قعَدَ فِى مُصلَّاه
حينَ ينصرفُ من الصُّبح حتَّى يُسبّحَ ركعتي الضُّحَى، لاَ يقولُ إلَّا خيرًا ، غُفرَ لَه
خطايَاهُ، وإنْ كانَتْ أكثرَ منْ زبدِ البَخْرِ ))(١). وهذا الإسنادُ عندَهم ليّنٌ
ضعيفٌ، إلّا أنَّ الفضائلَ يرؤُونَها عن كُلِّ مَن روَاها ولا يردُّونَها .
وحدَّثَنَا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا
أبو داودَ ، قال: حدَّثنا داودُ بنُ رُشَيْدٍ، قال: حدَّثنا الوليدُ، عن سعيدِ بنِ
عبدِ العزيزِ، عن مكحولٍ، عن كثيرٍ بنِ مُؤَّةَ، عن نُعيمِ بنِ همَّارٍ ، قال :
سمِعتُ رسولَ اللهِ وَلَه يقولُ: ((يَا بنَ آدمَ، لاَ تُعجزنى عنْ أربع ركعاتٍ
فِى أَوَّلِ النَّهارِ أُكفِكَ آخرَهُ))(٤) .
القبس
(١) عبد الرزاق (٤٨٥٢)، ووقع فى المطبوع: ((عمرو بن دينار)). بدلا من: ((عمر بن ذر)). وينظر
تهذيب الكمال ٥٢/١٨.
(٢) ينظر مصنف عبد الرزاق (٤٨٧٨).
(٣) أخرجه أبو داود (١٢٨٧)، والبيهقى ٤٩/٣ من طريق ابن وهب به، وأخرجه ابن عبد الحكم فى فتوح
مصر ص ٢٩٦ من طريق يحيى بن أيوب به .
(٤) أبو داود (١٢٨٩). وأخرجه ابن قانع فى معجم الصحابة ١٥١/٣ من طريق الوليد بن مسلم
به، وأخرجه البخارى فى تاريخه ٩٣/٨، والطبرانى فى مسند الشاميين (٢٩٤) من طريق سعيد به .
٦٤٩

الموطأ
فهؤلاءِ كلُّهم قد عرفوا من صلاةِ الضُّحَى ما " لم يعلمه١) غيرُهم.
التمهید
وأخبرَنا إبراهيمُ بنُ شاكرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عُثمانَ،
قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عُثمانَ وسعيدُ بنُ خُمَيْرٍ(١) ، قالا: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ
ابنِ صالحٍ، قال: حدَّثنا عثمانَ بنُ عُمرَ ، قال: حدَّثنا يُونسُ ، عن الزُّهرىِّ، عن
محمودِ بنِ الرَّبيعِ، عن عتبانَ بنِ مالكٍ، أنَّ رسولَ اللهِ وَلِّ صلَّى فى بيتِه سُبحةً
الضُّحَى ، فقاموا وراءَه فصلَّوا(٣) .
وهذا حديثٌ إَّما حدَّثَ به عُثمانُ بنُ عُمرَ بنٍ فارسٍ أو يُونسُ بنُ يزيدَ ،
على المعنَى، بتأويلٍ تأوَّلَه، وأَما الحديثُ على حسبٍ ما روَاه مالكٌ وغيرُه،
عن ابنٍ شهابٍ، على ما مضَى فى هذا الكتابِ فى بابِ ابنِ شهابٍ، عن
محمودٍ بنِ الرَّبيعُ . والدَّليلُ على أنَّه لا يُعرفُ فى هذا الحديثِ ذكرُ صلاةٍ
الضُّحَى، إنكارُ ابنِ شهابٍ لصلاةِ الضُّحَى، فقد كانَ الزُّهرىُّ يُفتِى
بحديثٍ عائشةَ هذا. ويقولُ: إِنَّ رسولَ اللهِ وَلَةِ لم يُصلِّ الضُّحَى قطُّ .
قال: وأَّما كان أصحابُ رسولِ اللهِ وَ لّهِ يُصلُّونَها بالهواجرِ. أو قال:
بالهجيرِ . ولم يكنْ عبدُ الرّحمنِ بنُ عوفٍ، وعبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ ،
القبس
(١ - ١) فى ق، م: ((جهله)).
(٢) فى الأصل: ((جبير))، وفى م: (( حمير ).
(٣) أخرجه أحمد ١٩٠/٣٩ (٢٣٧٧٣)، وابن خزيمة (١٢٣١)، والدارقطنى ٨٠/٢ من طريق
عثمان بن عمر به .
(٤) سيأتى فى الموطأ (٤١٨).
(٥) أخرجه عبد الرزاق (٤٨٦٢).
٦٥٠

الموطأ
التمهيد
وعبدُ اللهِ بنُ عُمرَ، يُصلُّونَ الضُّحَى ولا يعرفونَها (١).
وروَى القاسمُ بنُ عوفِ الشَّيبانُ، عن زيدِ بنِ أرقمَ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَله
قال : ((صلاةُ الأوَّابِينَ إِذَا رمضَتِ الفصالُ(٣))) .
وروَى بكثرُ(٢) الأعنقُ، عن ثابتٍ، عن أنس، أنَّ رسولَ اللهِ وَلَه قال
له: ((يَا أُنسُ، وصلِّ صلاةَ الضُّحَى؛ فإنَّهَا صلاةُ الأوَّابِينَ)) (٤). والأُوَّلُ
أُثبَتُ .
روَاه مُسدَّدٌ، حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريع، حدَّثنا هشام الدَّستُوائىُ، حدَّثنا القاسمُ
(٥)
ابنُ عوف(٥) .
وقال طاوسٌ : أوَّلُ مَن صلَّها الأعرابُ(١).
وذكرَ عبدُ الرَّزَّاقِ (٧)، عن ابنٍ عُيينةَ، عن إسماعيلَ، عن الشعبىِّ قال:
سمِعتُ ابنَ عُمرَ يقولُ: ما صلَّيْتُ الضُّحَى منذُ أسلمتُ .
وروَى معمرٌ، عن الزُّهرىِّ، عن سالم، عن أبيه قال: لقد قُتِلَ عُثمانُ وما
القبس
(١) ينظر مصنف عبد الرزاق (٤٨٧٤ - ٤٨٧٦).
(٢) رمضت الفصال: وهى أن تحمى الرمضاء، وهى الرمل، فتبرك الفصال من شدة حرها وإحراقها
أخفافها. النهاية ٢/ ٢٦٤.
(٣) فى النسخ: ((مطر)). والمثبت من مصدر التخريج، وينظر الجرح والتعديل ٣٨٥/٢.
(٤) أخرجه البخارى فى التاريخ الكبير ٩٣/٢، والأصبهانى فى الترغيب (١٢١) من طريق بكر الأعنق به .
(٥) أخرجه أبو نعيم فى المستخرج (١٦٩٦) من طريق مسدد به .
(٦) أخرجه عبد الرزاق (٤٨٧٢).
(٧) عبد الرزاق (٤٨٧٩).
٦٥١

الموطأ
التمهيد أحدٌ يُسبّحُها، وما أحدثَ الناسُ شيئًا أحبَّ إلىَّ منها(١).
وهذا نحوُ قولٍ عائشةَ: إِنِّى لأُسبِّحُها (٢). وقولِها: لو نُشرَ لى أبواىَ ما
تركتُها .
أُخبرَنا محمدُ بنُ عبدِ الملكِ، قال: حدَّثنا ابنُ الأعرابيّ، قال: حدَّثنا
سعيدُ(٢) بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بنُ عُيينةً، عن ابنِ المنكدرِ ، عن ابنِ(*)
رُمِيثَةً ، عن أُمِّه قالَتْ : دخلْتُ على عائشةَ فصلَّتْ ثمانىَ رَكَعاتٍ مِن الضُّحَى،
فَسأَلْها أُمِّى: أخْبِرِينى عن رسولِ اللهِ وَِّ فى هذه الصلاةِ بشىءٍ. قالَتْ: ما أنا
بمخبرتِكِ عن رسولِ اللهِ وَله فيها بشىءٍ، ولكنْ لوْ نُشرَلِى أَبِى عَلَى أَنْ أَدعَهُنَّ ما
(٥)
تركتُهُنُ(٥).
وقد رُوىَ عن عائشةَ فى صلاةِ الضُّحَى حديثٌ مُنكرٌ، روَاه معمرٌ، عن
قتادةَ، عن مُعاذةَ العدويَّةِ، عن عائشةَ قالَتْ: كانَ رسولُ اللهِ وَهِ يُصلِّى صلاةَ
الضُّحَى أربعَ ركعاتٍ ، ويزيدُ ما شاءً ) . وهذا عندِى غيرُ صحيحٍ، وهو مردودٌ
بحديث ابنٍ شهاب المذكورِ فى هذا الباب .
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (٤٨٦٨) عن معمر به .
(٢) فى الأصل: ((لأستحبها)).
(٣) فى الأصل: ((سعدان)).
(٤) فى الأصل، ق: ((أبى)). وينظر الإصابة ٧/ ٦٥٦.
(٥) أخرجه إسحاق بن راهويه (١٣٩٢)، والبخارى فى التاريخ الصغير ٢٠١/١، والمحاملى فى
الأمالى (٩٥) من طريق سفيان به .
(٦) أخرجه عبد الرزاق (٤٨٥٣) عن معمر به.
٦٥٢

٣٦٠ - وحدَّثنى يحيى، عن مالك، عن زيدِ بنِ أسلَمَ، عن الموطأ
عائشةَ ، أنها كانت تُصَلِّى الضحى ثمانىَ ركَعاتٍ ، ثم تقولُ: لو نُشِر
لى أبواىَ ما ترَكتُهنَّ(١).
جامعُ سُئحة الضُحى
٣٦١ - وحدَّثنى يحيى، عن مالك ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ
أَبِى طلحةَ ، [٥٦ظ] عن أنسٍ بنِ مالكٍ ، أن جَدتَه مُلَيكةَ دعَت رسولَ اللهِ
منَّ لطعامٍ، فأكَل منه، ثم قال رسولُ اللهِ وَلَّهِ: ((قومُوا فلأُصَلِّ
لكم)). قال أنس: فقمتُ إلى حصيرٍ لنا قد اسْوَدَّ من طُولٍ ما لُبِس،
فنضَحتُه بماءٍ ، فقام عليه رسولُ اللهِ وَله، وصفَفتُ أنا واليتيمُ وراءَه،
والعجوزُ من ورائِنا، فصلّى لنا ركعتَين، ثم انصرف .
التمهيد
مالكٌ ، عن إسحاقَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أبى طلحةَ، عن أنسٍ بنِ مالكٍ ، أنَّ جدَّتَه
مُليكَةَ دعَتْ رسولَ اللهِ نَّهِ لطعامِ صَنَعَتْه، فَأَكَل منه، ثم قال رسولُ اللهِ وَلِهِ :
((قُومُوا فلأُصَلِّ لَكم )). قال أنس: فقمتُ إلى حصيرٍ لنا قد اسودَّ من طولِ ما
لُبْسَ، فنضَحتُه بالماءِ، فقام عليه رسولُ اللهِ وَلَه، وصففْتُ أنا واليتيمُ وراءَه،
القبس
أدخَل مالكٌ رحِمَه اللهُ حديثَ أنسٍ فى صلاِه مع اليتيمِ فى جامعِ سُبْحةٍ
الضُّحَى، وليس للضُّحَى فيه ذِكرٌ ، وإنما تَلَقَّفه مِن قولِه فيه: إن جَدَّتَه مُلَيكةً دَعَتْ
رسولَ اللهِ وَ لَه إلى طعام صَنَعَته. والظاهرُ أن ذلك كان فى وقتِ الغَداءِ عند تناولٍ
الغَداءِ ، وإن كان يَحتملُ سائرَ أوقاتِ النهارِ .
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (٤٠٥). وأخرجه عبد الرزاق (٤٨٦٦) من طريق مالك به .
٦٥٣

الموطأ
التمهيد والعجوزُ من ورائِنا، فصلَّى لنا ركعتين ثم انصرف(١).
هكذا روَاه جماعةُ رُواةٍ ((الموطّأُ))، وزادَ فيه إبراهيمُ بنُ طَهْمانَ، وعبدُ اللهِ
ابنُّ عونٍ الخرّازُ(٢) ، وموسَى بِنُ أَعْيَنَ: فأكَل منه، وأكَلْتُ معه، ثم دعًا بوَضوء
فتوضَّأَ ، ثم قال: ((قمْ فتوضَّأْ، ومُرِ العجوزَ فتَتَوضَّأَ(٢) ، ومُرْ هَذا اليتيمَ فليتوضّأْ ،
ولأصلٌ لكم)).
قال أبو عمرَ : قولُه فى الحديثِ، أنَّ جدَّتَه مُليكةَ. مالكٌ يقولُه، والضَّميرُ الذى
فى جدَّتِه ، هو عائدٌ على إسحاقَ ، وهى جدَّةُ إسحاقَ أَمُّ أبيهِ عبدِ اللهِ بنِ أبي طلحةً،
وهى أُمّ سليم بنتُ مِلحانَ زوجُ أبى طلحةً الأنصارىِّ، وهى أُم أنسٍ بنِ مالكٍ، كانت
تحتَ أبيه مالكِ بنِ النَّضرِ، فولَدتْ له أنسَ بنَ مالكِ، والبراءَ بنَ مالكِ، ثم خلَف
عليها أبو طلحةً، وقد ذكرنا قصَّتَها فى كتابِ النساءِ من كتابِنا فى ((الصحابةِ))(٤).
وذكر عبدُ الرزاقِ (٥) هذا الحديثَ، عن مالكٍ، عن إسحاقَ، عن أنسٍ ، أنَّ
جدَّتَه مليكةً - يعنى جدَّةَ إسحاقَ - دعَتِ النبيَّ بَّهِ لطعام صنَعَتْه. وساقَ
الحديثَ بمعنَى ما فى ((الموطَُّ)).
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (١٧٨)، وبرواية أبى مصعب (٤٠٦). وأخرجه أحمد ٣٤٧/١٩،
٤٨٩ (١٢٣٤٠، ١٢٥٠٧)، والبخارى (٣٨٠، ٨٦٠)، والدرامى (١٣٢٤، ١٤١٤)، ومسلم
(٦٥٨)، وأبو داود (٦١٢)، والترمذى (٢٣٤)، والنسائى (٨٠٠) من طريق مالك به.
(٢) أخرجه الدارقطنى فى غرائب مالك - كما فى فتح البارى ٤٩٠/١ - من طريق عبد الله بن عون به .
(٣) فى ق: ((تتوضأ))، وفى م: ((فلتتوضأ )».
(٤) الاستيعاب ١٩٤٠/٤ .
(٥) عبد الرزاق (٣٨٧٧).
٦٥٤

الموطأ
التمهيد
وفى هذا الحديثِ إجابةُ الدَّعوةِ إلى الطعامِ فى غيرِ الوَليمةِ ، وسيأتى القولُ
والآثارُ فى ذلك فى الحديثِ الذى بعدَ هذا١) إن شاء اللهُ. وفيه أنَّ المرأةَ
المُتُجِالَّةً(١) والمرأةَ الصَّالحةَ، إذا دعَتْ إلى طعامٍ أُجيبتْ، هذا إن صحَّ أنَّها لم
تكنْ بذاتِ محرمٍ مِن رسولِ اللهِ بَّه. وفى قولِ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿وَالْقَوْعِدُ
مِنَ النِّسَاءِ الَّتِى لَا يَرْجُونَ نِكَمًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ هُنَاعُ أَنْ يَضَعْنَ
◌ِيَابَهُنَ غَرَ مُتَبَرِحَاتٍ بِينَةٌ﴾ [النور: ٦٠] كفايةٌ .
وفيه من الفقهِ أيضًا أنَّ من حلَف ألَّ يَلْبَسَ ثوبًا ولم تكنْ له نيَّةٌ ، ولا كان
الكلامِه بِساطٌ يُعلمُ به مُرادُه ، ولم يَقصِدْ إلى اللِّباسِ المعهودِ، فإِنَّه يَحنثُ بما يُتوطَّأُ
ويُتْسَطُ مِن الثيابِ؛ لأنَّ ذلك يُسمَّى لِباسًا، أَلَا تَرَى إلى قوله: فقمْتُ إلى حصيرٍ
لنا قد اسودَّ مِن طُولٍ ما لُبسَ .
حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ يحيى ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ القاسم بنِ شعبانَ ،
قال : حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيبٍ ، قال: حدَّثنا قتيبةُ بنُ سعيدٍ ، قال : أخبرنا الفُضيلُ
ابنُ عياضٍ، عن هشامٍ، عن ابنِ سيرينَ قال: قلتُ لعَبيدةَ: افتراشُ الحرير
(٣) "
كلُمسِه؟ قال : نعم " .
وأمَّا نَضْحُ الحصيرِ ، فإِنَّ إسماعيلَ بنَ إسحاقَ وغيرَه من أصحابِنا كانوا ..
يقولونَ : إِنَّ ذلك إِنَما كان لِتَلْبِينِ الحصيرِ لا لنجاسةٍ فيه. واللهُ أعلمُ. وقال بعضُ
القبس
(١) سيأتى فى شرح الحديث (١١٧٥) من الموطأ .
(٢) المتجالة: الكبيرة المسنة . ينظر النهاية ٢٨٨/١.
(٣) أخرجه ابن حجر فى تغليق التعليق ٥/ ٦٣، ٦٤ من طريق هشام به .
٦٥٥

الموطأ
التمهيد أصحابنا : إنَّ التَّضحَ طُهرٌ لما شُكَّ فيه ؛ لتَطْيِيبِ النَّفسِ عليه .
قال أبو عمرَ : الأصلُ فى ثَوبِ المسلم ، وفى أرضِه ، وفى جسمِه ، الطَّهارةُ
حتى يُستَيْقَنَ بالنَّجاسةِ، فإذا تُيقِّنتْ وجَب غَسلُها، وكذلك الماءُ أصلُه أَنَّه
محمولٌ على الطهارةِ حتى يُسْتَثِقَنَ حُلولُ النَّجاسةِ فيه ، ومعلومٌ أنَّ النَّجاسةَ لا
يُطهِّرُها التَّضْحُ، وأَّا يُطهِّرُها الغَسلُ، وهذا يدلُّكَ على أنَّ الحصيرَ لم يُنضَعْ
النجاسةٍ ، وقد يُسمَّى الغَسلُ فى بعضٍ كلامِ العربِ نَضْحًا، ومنه الحديثُ: ((إِنِّى
لأَعلمُ أرضًا يُقالُ لها : عُمانُ . يَنضَحُ البحرُ بناحيتِها ))(١) الحديث. فإنْ كان
الحصيرُ نَجِسًا فَأَمَا أُرِيدَ بذكرِ النَّضحِ الغَسلُ. واللهُ أعلمُ . ومن قال من أصحابنا :
إِنَّ النَّضحَ طهارةٌ لما شُكَّ فيه . فأَّما أخذَه من فعلٍ عمرَ بنِ الخطابِ رضِى اللهُ عنه
حينَ احتلَم فى ثَوبِهِ، فقال: أغسِلُ منه ما رأيتُ، وأنضَحُ ما لم أرَه (٢) . ومن قال
مِن أصحابنا: إنَّ النَّضحَ لا معنَى له . فهو قولٌ يَشْهَدُ له النَّظرُ والأصولُ بالصِّحَّةِ ،
ورُوِى عن جماعةٍ من السَّلفِ فى الثَّوبِ النَّجِسِ أنَّهم قالوا: لا يَزِيدُه النَّضحُ إلَّ
شرًّا. وهو قولٌ صحيح. ومَن ذهَب بحديثِ عمرَ إلى قَطع الوَسْوسةِ وحَزازَاتٍ
النَّفْسِ، فى نَضحِه من ثوبِه ما لم يرَ فيه شيئًا مِن النَّجاسةِ ، كان وجْهًا حسَنًا
صحیحًا إن شاء اللهُ .
قال الأخفشُ : كلُّ ما وقَع عليك من الماءِ مُفرَّقًا فهو نضح ، ويكونُ النَّضحُ
باليدِ وبالفم أيضًا. قال: وأمَّا النَّضخُ بالخاءِ المنقوطةِ، فكلَّ ماءٍ أَتَى كثيرًا منهمِرًا،
القبس
(١) تقدم تخريجه فى ٥٩٨/٣ .
(٢) تقدم فى الموطأ (١١٣) .
٦٥٦

الموطأ
ومنه قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانٍ﴾ [الرحمن: ٦٦]. أى: التمهيد
مُنْهَمِرتانِ بالماءِ الكثيرِ .
وفى هذا الحديثِ أيضًا حُجَّةٌ على أبى حنيفةً ؛ لأَنَّه يقولُ : إِذا كانوا ثلاثةً
وأرادُوا أن يُصلُّوا جماعةً قام إمامُهم وسَطَهم ولم يتقدّمْهم . واحتجّ بحديثٍ ابنٍ
مسعودٍ(١). وفى هذا الحديثِ: وصَفَفْتُ أنا واليتيمُ من ورائِه، والعجوزُ من
ورائِنا .
وقد رُوِى عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ قال: صلَّى رسولُ اللهِ وَّ بِى وبجبّارِ بنِ
صخرٍ فأقامَنا خَلْفَهُ(١) . وإنْ كان فى إسنادٍ حديثِ جابرٍ هذا مَن لا تقومُ به حُجَّةٌ ،
فحديثُ أنسٍ من أَثْبَتِ شىءٍ، وعليه عوَّ البخارىُّ وأبو داودَ فى هذا البابِ .
حدَّثنى محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ سعيدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مطرّفٍ، قال:
حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إسماعيلَ الأيلىُ ، قال: حدَّثنا
سفيانُ بنُ عيينةً ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ أبى طلحةً، عن عمِّه أنسٍ
ابنِ مالك قال: صلَّيتُ أنا ويتيم كان عندَنا خلفَ رسولِ اللهِ وَّه، وأمّ سليم أمّ
أنسٍ بنِ مالكِ مِن ورائِناً(٣) .
القبس
(١) سيأتى تخريجه فى الصفحة التالية .
(٢) أخرجه مسلم (٣٠١٠)، وأبو داود (٦٣٤).
(٣) أخرجه أحمد ١٣٦/١٩ (١٢٠٨١)، والبخارى (٧٢٧، ٨٧١)، والنسائى (٨٦٨) من طريق
سفیان به .
٦٥٧
( موسوعة شروح الموطأ ٤٢/٥ )
١

الموطأ
التمهید
وفيما أجاز لنا عبيدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ بنِ جعفرِ السَّقَطْىُّ ، وأخبرناه
بعضُ أصحابِنا عنه، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ محمدِ بنِ إسماعيلَ الصَّفَّارُ،
قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ بنِ يزيدَ العبدىُّ، قال: حدَّثنا عبادُ بنُ العوَّامِ، عن
هارونَ بنِ عنترةَ الشيبانىٌّ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ الأُسودِ بنِ يزيدَ، عن أبيه
وعلقمةَ، أَنَّهما صلَّيًا مع ابنٍ مسعودٍ فى بيتِه، أحدُهما عن يمينِه، والآخر عن
شمالِهِ، فلمَّا انصرَف قال: هكذا صلَّْتُ مع رسولِ اللهِ وَّ(١).
وهذا الحديثُ لا يَصُ رفعُه، والصحيحُ عندَهم فيه التَّوقيفُ على ابنِ
مسعودٍ أَنَّه كذلك صلَّى بعلقمةَ والأسودِ، وحديثُ أنسٍ أَثبَتُ عندَ أهلِ العلمِ
بالنَّقْلِ . واللهُ أعلمُ .
وأمَّا إذا كان الإِمامُ وآخرُ، فَإِنَما يقومُ عن يمينِه، وهذا مجتمَتٌ عليه .
أخبرنا أبو القاسم عبيدُ اللهِ فيما كتَب بإجازتِه إلَّ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ
الصَّفَّارُ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: حدَّثنا هشيمُ بنُ بَشيرٍ، عن أبى
بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ ، عن ابنِ عباسٍ قال : بِتُّ ليلةً عندَ خالتى ميمونةً بنتٍ
الحارثِ. قال: فقام النبيُّ وَلَهِ يُصلِى مِن الليلِ. قال: فقُمتُ عن يسارِهِ أُصلِّى
بصلاتِهِ، فَأَخَذ بذؤابةٍ كانت لِى - أو برأسِى - فأقامنى عن يمينِهِ (١).
القبس
(١) أخرجه النسائى (٧٩٨) من طريق هارون بن عنترة به، وأخرجه أحمد ٤١/٧ (٣٩٢٧) من
طريق عبد الرحمن بن الأسود به.
(٢) أخرجه أحمد ٣٤٢/٣ (١٨٤٣)، والبخارى (٥٩١٩)، وأبو داود (٦١١) من طريق هشيم به.
٦٥٨

الموطأ
وسنذكُرُ هذا الحديثَ من روايةِ مالكِ فى بابٍ مَخرمةَ بنِ سُليمانَ (١) إن التمهيد
شاء اللهُ .
وفيه أيضًا حُجَّةٌ على مَن أبطَل صلاةَ المصلِّى خلفَ الصَّفِّ وحدَه، وكان
أحمدُ بنُ حنبلٍ ، والحميدىُّ، وأبو ثورٍ ، يذهبون إلى الفَرْقِ بينَ المرأةِ والرجلِ فى
المصلِّى خلفَ الصفِّ ، فكانوا يرونَ الإِعادةَ على مَن صلَّى خلفَ الصفِّ وحدَه
مِن الرجالٍ، لحديثِ وابصةَ بنِ معبدٍ، عن النبيِّ وَّ بذلك(١) . ولا يرون على
المرأةِ إذا صلَّتْ خلفَ الصفِّ شيئً لهذا الحديثِ . قالوا: وسُنَّةُ المرأةِ أَنْ تقومَ خلفَ
الرجالِ لا تَقومُ معهم. قالوا: فليس فى حديث أنس هذا حُجّةٌ لمن أجازَ الصلاةَ
للرجلِ خلفَ الصفِّ وحدَه .
قال أبو عمر : فى هذا الباب حديثٌ موضوع وضعه إسماعيلُ بنُ یحتِی بنِ
عبيدٍ (١) اللهِ التَّيمىُّ، عن المسعودىِّ، عن ابنِ أبى مُليكةً، عن عائشةَ قالت : قال
رسولُ اللهِ وَّةِ: ((المرأةُ وحدَها صفٌ))(٤). وهذا لا يُعرفُ إلَّا بإسماعيلَ هذا.
وقد استدلَّ الشافعىُّ على جوازِ صلاةِ الرجلِ خلفَ الصفِّ وحدَه بحديثِ أنس
هذا، وأردَفه بحديثٍ أبى بكرةَ حينَ ركَع خلفَ الصفِّ وحدَه، فقال له
القبس
(١) تقدم فى الموطأ (٢٦٥).
(٢) أخرجه أحمد ٥٢٤/٢٩ (١٨٠٠٠)، وأبو داود (٦٨٢).
(٣) فى ق: ((عبد)). وينظر ميزان الاعتدال ٢٥٣/١.
(٤) ذكره ابن حجر فى فتح البارى ٢١٢/٢ عن المصنف .
٦٥٩

الموطأ
التمهيد رسولُ اللهِ وَّهِ: ((زادَك اللهُ حرصًا ولا تَعُدْ)) (١). ولم يَأْمُرْه بإعادةِ الصلاةِ.
قال: وقولُه لأبى بكرةَ: ((ولا تَعُدْ)). يعنى: لا تَعُدْ أنْ تتأخّرَ عن الصلاةِ حتى
تَفوتَك. قال: وإذا جازَ الرُّكوعُ للرجلِ خلفَ الصفِّ(٢) وحِدَه، وأجزَأ ذلك
عنه ، فكذلك سائرُ صلاتِه؛ لأنَّ الوُّكوعَ رُكنٌ من أركانِها ، فإذا جازَ للمصلِّى أنْ
يركعَ خلفَ الصفّ(٢)، كان له أنْ يَسجُدَ وأَنْ يُتمّ صلاته، واللهُ أعلم . وقد
احتجَّ جماعةٌ مِن أصحابِنا بما احتجّ به الشافعىُّ فى هذه المسألةِ . والذى عليه
جمهورُ الفقهاءِ؛ كمالكِ، والشافعىِّ، والثَّورىِّ، وأبى حنيفةً، فيمن اتَّبِعَهم
وسلَك سبيلَهم ، إجازةُ صلاةِ المنفردِ خلفَ الصفِّ وحدَه، وحديثُ وابصةً
مُضطرِبُ الإسنادِ لا يُثْبِتُه جماعةٌ من أهلِ الحديثِ .
وفى هذا الحديثِ أيضًا ما يدلُّ على أنَّ الصَّبيَّ إِذا عقَل الصلاةَ حضَرها
مع الجماعةِ ودخَل معهم فى الصَّفِّ إذا كان يُؤْمَنُ منه اللَّبُ والأُذَى،
وكان مَمَّن يَفْهَمُ حدودَ الصلاةِ ويَعْقِلُها، وقد رُوىَ عن عمرَ بنِ الخطابِ أنَّه
كان إِذا أبصَر صبيًّا فى الصَّفِّ أخرَجه. وعن زِرِّ بنِ مُبيشٍ، وأبى وائلٍ،
بمثلٍ ذلك(٣) . وهذا يَحتمِلُ أنْ يكونَ لم(٤) يُؤْمَنْ لَعِبُه ولهؤُه، أو يكونَ كرِه
له التَّقدُّمَ فى الصَّفِّ ومنْعَ الشيوخِ من مَوضعِه ذلك، والأصلُ ما ذكرناه ؛
القبس
(١) سيأتى تخريجه فى شرح الحديثين (٣٩٦، ٣٩٧) من الموطأ .
(٢) فى الأصل، م: ((الصفوف)).
(٣) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٤١٣/١.
(٤) فى الأصل، م: (( أنه لم يكن )) .
٦٦٠