Indexed OCR Text

Pages 421-440

الموطأ
التمهيد
عبدُ الملكِ بنُ حبيبٍ . ورُوِىَ ذلك أيضًا عن ابنِ عباسٍ ، وابنٍ عمرَ، وعائشةً ،
على اختلافٍ عنهم كما ذكرنا .
وأمَّا حديثُ ابنِ عمرَ ، فرَواه شعبةُ ، عن أبى حيَّانَ ، قال : سمِعتُ ابنَ عمرَ
سُئِلَ عن الصلاةِ الوسطَى فقال: هى العصرُ(١).
وأمَّا حديثُ عائشةَ، فرواه وكيع، عن محمدِ بنِ عمرٍو، عن القاسمِ بنِ
محمدٍ ، عن عائشةَ قالت : هى العصرُ(٢) .
وروَى ذلك إسماعيلُ أيضًا، عن محمدِ بنِ بكرٍ ، عن ابنِ مهدِىٌّ، عن
محمدِ بنِ عمرو، عن القاسمِ، عن عائشةً .
واحتجَّ من قال: إنَّها العصرُ. بما حدَّثَنَاه عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال :
حدثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدثنا أبو داودَ ، قال: أخبرنا عثمانُ بنُ أبى
شيبةً ، قال : أخبرنا يحيى بنُ زكريا بنِ أبى زائدةَ ويزيدُ بنُ هارونَ ، عن هشامٍ
ابنِ حسانَ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، عن عَبيدةَ، عن عليٍّ، أَنَّ رسولَ اللهِ
وَه قال يومَ الخَنَّدَقِ: ((حَبَسُونا عن الصلاةِ الوسطَى صلاةِ العصرِ، ملَأَّ اللهُ
بيوتَهم وقُبورَهم نارًا))(٣).
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٥٠٥/٢ من طريق شعبة به .
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٢/ ٥٠٤، وابن جرير ٣٤٦/٤ من طريق وكيع به .
(٣) أبو داود (٤٠٩) - ومن طريقه الدمياطى فى الصلاة الوسطى (١٧). وأخرجه أحمد ٣٩٢/٢
(١٢٢١)، والبخارى (٤٥٣٣)، وعبد بن حميد (٧٧ - منتخب)، والدارمى (١٢٦٨) من
طريق يزيد - وحده - به .
٤٢١

الموطأ
التمهيد
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: أخبرنا أحمدُ بنُّ زهيرٍ،
قال : حدثنا موسى بنُ إسماعيلَ ، قال: حدثنا أبانُ بنُ يزيدَ ، قال : حدثنا قتادةُ ،
أنَّ أبا حسانَ أخبره عن عَبِيدةَ السَّلمانِيِّ، أَنَّه سمِع عليًّا قال: إنَّ رسولَ اللهِ وَه
قال يومَ الخندقِ: ((اللهمَّ امْلَأْ بُيُوتَهم وقبورَهم نارًا كما حبَسونا عن الصلاةِ
الوسطَى حتى غابَتِ الشمسُ)).
ورواه شعبةُ، عن قتادةَ، عن أبى حسّانَ، عن عَبيدةَ، عن علىٍّ ، مثلَه
(٢)
مرفوعًا(٢).
وذكَر إسماعيلُ القاضِى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أبى بكرٍ، قال: حدَّثنا
يحيى بنُ سعيدٍ، عن هشامِ بنِ حسّانَ، عن محمدٍ ، عن (١) عَبيدةَ السَّلْمانِيِّ،
عن علىٍّ، عن النبيِّ بَّهِ، أنَّه قال يومَ الخندقِ: ((شغَلونا عن الصلاةِ الوسطَى
حتى غرَبتِ الشمسُ، ملأ اللهُ قلوبَهم وقبورَهم نارًا)) (١).
قال القاضِى : أحسنُ الأحاديثِ المرفوعةِ فى هذا البابِ عن علىِّ حديثُ
هشامٍ بنِ حسَّانَ، عن محمدٍ ، عن(٢) عَبِيدةَ .
وحدَّثنى محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبرنا محمدُ بنُ معاويةَ، قال: حدَّثنا؟
القبس
. (١ - ١) سقط من: ص٤ .
(٢) أخرجه أحمد ٣٥٩/٢ (١١٥٠، ١١٥١)، ومسلم (٦٢٧)، والنسائى (٤٧٢) من طريق
شعبة به .
(٣) فى م: ((بن)). والمثبت من مصادر التخريج.
(٤) أخرجه مسلم (٦٢٧/عقب ٢٠٢) من طريق محمد بن أبى بكر به، وأخرجه أحمد ٢٨٧/٢
(٩٩٤)، والبخارى (٤٥٣٣) من طريق يحيى بن سعيد به .
٤٢٢

الموطأ
(« أحمدُ بنُ شُعيبٍ، قال: أخبرنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبرنا عيسَى ، عن
الأعمشِ، عن مسلم، عن شُتَيرِ بنِ شكَلٍ، عن علىٍّ، قال: شغَلوا النبيَّ وَل
عن صلاةِ العصرِ حتى صلَّاها بينَ صلاتَي العِشَائينِ، فقال: ((شغَلونا عن صلاةٍ
الوسطَى، ملأ اللهُ ثُيُوتَهم وقُبُورَهم نارً))(١٨.
التمهيد
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال : أخبرنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال : أخبرنا
بكرُ بنُ حمَّادٍ ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ ، قال: حدَّثنا يحيى، عن سفيانَ ، قال:
حدثنى الأعمشُ، عن مُسلم أبى الضُّحى ، عن شُتَيرِ بنِ شكلٍ ، عن علىِّ قال:
قال رسولُ اللهِ وَلَهِ يوَ الأحزابِ: ((شَغَلونا عن الصلاةِ الوسطَى صلاةِ العصرِ
حتى غابَتِ الشمسُ، ملَأَ اللهُ قلوبَهم وأجوَافَهم نارًا)(١٣).
وروَى شعبةُ أيضًا ، عن الحكم ، عن يحيى بنِ الجزَّارِ، عن علىِّ قال: كان
النبيُّ وَّه على فُرْضَةٍ مِن فُرَضِ الخندَقِ، فقال: ((شغَلونا عن الصلاةِ الوسطَى
حتى غرَبتِ الشمسُ ، ملأ اللهُ قبورَهم وبطونَهم ويُيُوتَهم نارًا)) (١). قال شعبةُ : لم
يَسمَعْ يحيى بنُ الجزَّارِ من علىٍّ غيرَ هذا الحديثِ .
القبس
(١ - ١) سقط من : ص٤ .
(٢) النسائى فى الكبرى (٣٥٨).
(٣) أخرجه أحمد ٢/ ٣٠٤، ٤٠٤ (١٠٣٦، ١٢٤٦)، وأبو يعلى (٣٨٩)، وابن جرير فى تفسيره
٣٥٢/٤ من طريق سفيان به .
(٤) الفُرْضَةُ من الجبل: ما انحدر من وسطه وجانبه، وفرضة النهر: مشرعته. النهاية ٣/ ٤٣٣.
(٥) أخرجه أحمد ٣٤٩/٢، ٤٣٢ (١٣٠٦، ١١٣٢)، ومسلم (٦٢٧)، وأبو يعلى (٣٨٨) من
طريق شعبة به .
٤٢٣

الموطأ
التمهيد
وروَى سفيان الثورىُّ وإسرائيلُ، عن أبى إسحاقَ، عن الحارثِ ، عن علىِّ
قال : الصلاةُ الوسطَى صلاةُ العصرِ، ويومُ الحِّ الأكبرِ يومُ النَّخْرِ (١).
واحتجّ مَن قال : إنّها الصبح . بحديث مالك ، عن زيد بن أسلمَ ، عن أبى
يونُسَ ، عن عائشةَ المذكورِ فى هذا البابِ . ويَجوزُ أنْ يَخْتَجَّ به أيضًا من قال :
إِنَّها الظُّهْرُ. لأَنَّ قولَه : (والصلاةِ الوسطَى وصلاةِ العصرِ). يقتَضِى أَنَّ الوسطَى
ليستْ صلاةَ العصرِ. وقد عارض بعضُ المُتْأخِّرين حديثَ عائشةَ هذا بحديثٍ
زيدِ بنِ أرقمَ قال: كنا نتَكلَّمُ فى الصلاةِ حتى نزَلتْ: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصََّلَوَتِ
وَالضََّلَوَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾(١). قال: فهذا زيدُ بنُ أرقمَ يَذكرُ أنَّ
الآيةَ هكذا أَنْزِلَتْ ليس فيها : ( وصلاةِ العصرِ). وهو الثابتُ بينَ اللَّوْحَيْنِ بنقلِ
الكافَّةِ. واحتَجَّ أيضًا من قال: إنَّها العصرُ. بقولِ رسولِ اللهِ وَّهِ: ((الذِى تَفُوتُه
صلاةُ العصرِ فكأنما وُتِرِ أهْلَه ومالَه))(٢). قالوا: فلم يَخُصَّها رسولُ اللهِ وَه
بالذِّكْرِ إلَّا لأنَّها الوسطَى التى خَصَّها اللهُ بالتأكيدِ . واللهُ أعلمُ .
ورُوِىَ عن قبيصةَ بنِ ذُؤيبٍ ، أَنَّه قال: الصلاةُ الوسطَى صلاةُ المغربِ ، ألا
ترَى أنَّها ليستْ بأقلِّها ولا أكثرِها، ولا تُقْصَرُ فى السّفرِ، وأنَّ رسولَ اللهِ وَلِّ لم
يُؤَخِّرْها عن وَقْتِها، ولم يُعَجِّلْها(٤). وهذا لا أعلمُه قالَه غيرُ قَبِيصَةَ .
القبس
.
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٢/ ٥٠٤، وابن جرير ٣٤٢/٤، والدمياطى فى الصلاة الوسطى (٤٨) من
طریق سفيان به .
(٢) تخريجه فى ٤٦٥/٣.
(٣) تقدم فى الموطأ (٢٠).
(٤) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٤/ ٣٦٧.
٤٢٤

الموطأ
٣١٤ - وحدّثنی عن مالك ، عن زيد بنِ [١ ] أسلم ، عن عمرو بنٍ
رافع ، أنه قال : كنتُ أكتبُ مصحفًا لحفصةً أمّ المؤمنين ، فقالت : إذا بلَغْتَ
هذه الآيةَ فَاذِنِّى: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصََّلَوَتِ وَالصَّلَوَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلَّهِ
قَانِتِينَ﴾. فلما بلغْتُها آذنْتُها ، فَأَمْلَتْ علىَّ: (حَافِظُوا على الصَّلَوَاتِ
وَالصَّلاةِ الوُسْطَى وَصَلاةِ العَصْرِ وَقُومُوا للهِ قَانِتِينَ) .
التمهید
قال أبو عمرَ: كُلُّ ما ذَكَرْنا قد قيلَ فيما وصَفْنا، وباللهِ تَوْفِيقُنا ، وهو أعلمُ
بُرادِه عزَّ وجلَّ من قوله: ﴿وَالضَلَوَةِ الْوُسْطَى﴾. وكلّ واحدةٍ مِن الخمسِ
وسطَى؛ لأنَّ قبلَ كلِّ واحدةٍ منهنَّ صلاتَيْنٍ وبعدَها صلاتين (١)، كما قال زيدُ
ابنُّ ثابتٍ فى الظهرِ، والمحافظةُ على جَمِيعِهِنَّ واجبٌ . والله المستعانُ .
وعن زيد بن أسلمَ، عن عمرو بنِ رافع، أنه قال: كنتُ أكتُبُ مصحفًا الاستذكار
لحَقّصةَ رَضِى اللهُ عنها بمثلِ معناه(٢) . قال: فَأَمْلَتْ علىَّ: (حافظُوا على
الصلوَاتِ والصلاةِ الوسطَى وصلاةِ العصرِ وقُومُوا للهِ قائِتِين) (١) ولم يرفع حديثَ
حفصةً إلى النبيِّ وَلِ .
القبس
(١) قال ابن كثير: والعجب أن هذا القول اختاره الشيخ أبو عمر بن عبد البر النمرى إمام ما وراء
البحر، وإنها لإحدى الكبر، إذ اختار مع اطلاعه وحفظه، ما لم يقم عليه دليل من كتاب ولا سنة
ولا أثر. تفسير ابن كثير ٤٣٤/١.
(٢) يعنى حديث عائشة المرفوع المتقدم برقم (٣١٣).
(٣) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٩٩٩)، وبرواية أبى مصعب (٣٤٩). وأخرجه النسائى فى
مسند مالك- كما فى تهذيب الكمال ٢٣/٢٢ - وأبو عبيد فى الفضائل ص ١٦٥، والطحاوى فى
شرح المعانى ١٧٢/١، وابن أبى داود فى المصاحف ص ٨٦، ٨٧، والبيهقى ١ /٤٦٢، والدمياطى
فى الصلاة الوسطى (١١١) من طريق مالك به .
٤٢٥

٣١٥ - مالك، عن داودَ بنِ الحُصَيْنِ، عن ابنِ يَرْبُوع المخزومىِّ،
الموطأ
أنه قال : سمِعتُ زيدَ بنَ ثابتٍ يقولُ : الصلاةُ الوسطى صلاةُ الظهرِ (١).
٣١٦ - وحدَّثنى عن مالك، أنه بلغه أن علىَّ بنَ أَبِى طالبٍ،
وعبدَ اللهِ بنَ عباسٍ، كانا يقولان : الصلاةُ الوسطى صلاةُ الصبحِ .
قال يحبى : قال مالكٌ: وقولُ علىٍّ وابنِ عباسٍ أحبُّ ما سمِعتُ إلىَّ
فى ذلك .
الاستذكار
ذكر مالكٌ فى ((موطئِه)) أنه بلَغه عن علىٍّ بن أبى طالبٍ، وعبدِ اللهِ بنِ
عباسٍ رضى الله عنهما، أنهما كانا يقولان: الصلاةُ الوسطَى صلاةُ
(٢)
الصبح
.
وهذا صحيح عن ابنِ عباسٍ مِن وجوهٍ صحاحٍ ثابتةٍ عنه ، وغيرُ صحيحٍ عن
علىٍّ .
ولا يوجدُ هذا القولُ فى الصلاةِ الوسطى عن علىِّ إلا مِن طريقٍ حسين بنٍ
عبدِ اللهِ بنِ ضُمَيرةَ ، عن أبيه، عن جدِّه ضُميرةَ بنِ أبى ضُميرةً ، عن علىِّ رضِى
اللهُ عنه. وحسينٌ هذا متروكُ الحديثِ مجتمعٌ على ضعفِه .
روى حديثَ حسينِ هذا عنه إسماعيلُ بنُ أبى أُويسٍ، ويحيى بنُ يحيى
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٩٩٨)، وبرواية أبى مصعب (٣٥١). وأخرجه عبد الرزاق
(٢١٩٩)، والطحاوى فى شرح المعانى ١٦٧/١ من طريق مالك به .
(٢) الموطأ برواية أبى مصعب (٣٥٠). وأخرجه البيهقى ٤٦١/١ من طريق مالك به.
٤٢٦

الموطأ
الاستذكار
الأندلسئُ ، وغيرهما .
والمحفوظُ المعروفُ عن علىّ أنها صلاةُ العصرِ، وسنذكرُ هذا عنه فيما بعدُ إن
شاء اللهُ .
وإنما قولُ ابنِ عباسٍ فى الصلاةِ الوسطى أنها صلاةُ الصبح، فمعلومٌ عنه
ذلك مِن طرقٍ كثيرةٍ ؛ منها ما حدَّثناه إسماعيلُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ علىٍّ،
قال : حدَّثَنا محمدُ بنُ القاسم بنِ شعبانَ ، قال: حدَّثَنا الحسينُ بنُ محمدِ بنِ
الضَّحاكِ ، قال: حدَّثَنا أبو مروانَ العثمانىُ، قال: حدَّثَنَا عبدُ العزيزِ بنُ
محمدٍ الدراوردىُّ، عن ثورِ بنِ زيدِ الدِّيلىِّ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ ، أنه
كان يقولُ : الصلاةُ الوسطَى صلاةُ الصبح ، تُصلِّی فی سَوادٍ مِن الليلِ وبياضٍ
مِن النهارِ، وهى أكثرُ الصلاةِ تفوتُ الناسُ(١).
وذكره إسماعيلُ بنُ إسحاقَ ، عن إبراهيمَ بنِ حمزةَ، عن الدراوردىِّ
پاسنادِه مثله .
قال إسماعيلُ: وحدَّثَنا به محمدُ بنُ أبى بكرٍ ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ
جعفرٍ، عن ثورِ بنِ زيدٍ ، عن عكرمةً، عن ابنِ عباسٍ ، مثلَه .
قال إسماعيلُ: وحدَّثنا إبراهيمُ بنُ حمزةَ أيضًا وعلىُ بنُ المدينىِّ ، قالا :
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٤١٧.
(٢) فى النسخ: ((المدنى)). وينظر تهذيب الكمال ١٨/ ١٩١.
٤٢٧

الموطأ
الاستذكار حدَّثَنَا عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثَنَى زيدُ بنُ أسلمَ ، قال: سمعتُ ابنَ عمرَ
يقولُ : الصلاةُ الوسطى صلاةُ الصبح .
قال إسماعيلُ : يدلُّ على قولِ ابنِ عباسٍ وابنِ عمرَ فى ذلك قولُ اللهِ
عزَّ وجلَّ: ﴿وَقُرْءَانَ اٌلْفَحْرِّ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَنَ مَشْهُودًا﴾
[الإسراء: ٧٨]. فخُصَّت صلاةُ الصبحِ بهذا النصِ مع أنها منفردةٌ بوقتِها ، ولا
يشاركُها غيرُها فى وقتِها، ولا تجمعُ مع غيرِها فى سفرٍ ولا حضرٍ ، فدلَّ على
أنها الوسطى . واللهُ أعلمُ .
قال أبو عمرَ : قد اختُلف عن ابنِ عمرَ فى هذا، وعن عائشةَ أيضًا؛ قد
رُوى عنها الصبحُ ، ورُوى عنها العصرُ . وكذلك اختُلف عن ابنِ عباسٍ فى
أنها الصبحُ والعصرُ جميعًا(١). إلا أن الروايةَ عنه أنها الصبحُ مِن روايةِ أهلِ المدينةِ،
وهى أثبتُ عنه عندَنا ، واللَّهُ أعلم. وتمّن قال: إنها صلاةُ الصبحِ. طاوسٌ،
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٤١٧.
(٢) فى م: ((هذا الوقت)).
(٣) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٢/ ٥٠٥، ٥٠٦ وتفسير الطبرى ٣٦١/٤، ٣٧١، والأوسط لابن
المنذر ٣٦٧/٢.
(٤) ينظر كشف المغطى للدمياطى ص ١٢٣.
(٥) ينظر مصنف عبد الرزاق (٢٢٠١، ٢٢٠٢)، ومصنف ابن أبى شيبة ٥٠٤/٢، ٥٠٦.
(٦) ينظر مصنف عبد الرزاق (٢٢٠٧)، ومصنف ابن أبى شيبة ٥٠٤/٢، ٥٠٦، والأوسط لابن
.
المنذر ٣٦٦/٢، ٣٦٧، وشرح معاني الآثار ١٧٠/١، ١٧٢.
٤٢٨

الموطأ
الاستذكار
وعطاء، ومجاهدٌ . وبه قال مالكٌ، وأصحابُه .
وقال آخرونَ : الصلاةُ الوسطى صلاةُ الظهرِ . رُوى ذلك عن زيدِ بنِ ثابتٍ ،
وهو أثبتُ ما رُوى عنه فى ذلك . ورُوى أيضًا عن ابنِ عمرَ، وعائشةَ ، وأبى سعيدٍ.
الخدرىِّ، على اختلافٍ عنهم ، أنها الظهرُ. ورُوى ذلك أيضًا عن عبدِ اللهِ بنِ
شدادٍ وعروةَ بنِ الزبيرٍ (١). وقد ذكرنا الطرقَ بذلك عن زيدِ بنِ ثابتٍ فى
(٣)
(( التمهيدِ)) .
وهو عندَ مالك ، عن داودَ بنِ الحصين ، عن ابنٍ يربوع المخزومىِّ ، عن زيدِ بنِ
ثابتٍ(٤). وقال إسماعيلُ : مَن قال: إنها الظهرُ. ذهَب إلى أنها وسطُ النهارِ ، أو
لعل بعضَهم رَوى فى ذلك أثرًا فاتَّبعه .
وقال آخرون: الصلاةُ الوسطى صلاةُ العصرِ. ورُوى ذلك عن النبيِّ بَلَّه
رواه عنه جماعةٌ مِن أصحابِه؛ منهم علىِّ رضوانُ اللهِ عليه وغيرُه . رواه عن
علىٍّ يحيى بنُ الجَزَّارِ، وشُتيرُ بنُ شَكَلٍ، وزِرُ بنُ حبيشٍ، والحارثُ
الهمدانيُ " عن علىِّ قالْ: قال رسولُ اللهِ وَ له يومَ الخندقِ: ((شغَلونا عن
القبس
(١) تقدم ص ٤١٧.
(٢) تقدم تخريجه ص ٤١٨.
(٣) تقدم ص ٤١٨، ٤١٩ .
(٤) تقدم فى الموطأ (٣١٥) .
(٥ - ٥) فى الأصل بياض بمقدار كلمتين تقريبا. وفى م: ((والأحاديث فى ذلك صحاح ثابتة =
٤٢٩

الموطأ
الاستذكار الصلاةِ الوسطى حتى غربت الشمسُ، ملَأُ اللَّهُ بيوتَهم وقبورَهم نارًا)). هذا
لفظُ أحدِهم، عن علىٍّ رضيَ اللَّهُ عنهُ، عن النبيِّ وَلَّ، وقد ذكرنا ذلك
فى ((التمهيدِ)) . وممن قال: إنها العصرُ. علىُ بنُ أبى طالبٍ، روى ذلك
عنه مِن وجهٍ. وأبو أيوب الأنصارىُّ، وأبو هريرةَ، وأبو سعيد الخدرىُّ، على
اختلاف عنهم، وعن عائشةَ، على اختلافٍ عنها. وهو قولُ عَبيدةَ
السلمانىٌّ، والحسنِ البصرىِّ، ومحمدِ بنِ سيرينَ، والضحاكِ بنِ مزاحمٍ،
وسعيد بن جبيرٍ(١). وهو قولُ الشافعيّ، وأبى حنيفةً، وأصحابِهما، وأكثرِ
أهلِ الأثرِ. ورُوى عن ابنِ عباسٍٍ خلافُ الروايةِ الأولى. وقد ذكرنا فى
((التمهيدِ)) الطرقَ عن علىٍّ، وعائشةَ، وابنِ عمرَ، وأبى سعيدٍ، وابنٍ
(٣)
عباسٍ، بالاختلافِ عنهم .
واحتجَّ مَن قال: إنها العصرُ. بقولِهِ وَلّ: ((الذى تفوتُه صلاةُ العصرِ فكأنما
وُتِرِ أهَلَه وماَلَه)) (١). فخصَّها بالذكرِ والتأكيدِ، كما قال تعالى: ﴿حَفِظُواْ عَلَى
القبس
= أسانيدها حسان. ذكر إسماعيل قال: أخبرنا محمد بن أبى بكر قال: حدثنا يحيى وعبد الرحمن
ابن مهدى عن سفيان عن عاصم عن زر قال : قلت لعبيدة : سل عليا عن الصلاة الوسطى فسأله
قال: كنا نراها الفجر حتى سمعت)). ولعل الصواب ما أثبتناه .
(١) تقدم ص ٤٢٠ - ٤٢٣ .
(٢) تقدم تخريجه ص ٤٢٠.
(٣) تقدم - ٤٢٥ .
(٤) تقدم فى الموطأ (٢٠).
٤٣٠

الموطأ
اُلََّلَوَاتِ وَالصَّلَوْةِ الْوُسْطَى﴾ [ البقرة: ٢٣٨]. تأكيدًا لها وتعظيمًا، واللَّهُ الاستذكار
أعلمُ. واحتجَّ أيضًا بحديثٍ زيدٍ بنٍ أرقمَ، قال: كنا نتكلمُ فى الصلاةِ
حتى نزلت: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالضَلَوْةِ اَلْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلَّهِ
قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. فأَمِرنا بالسكوتِ ونُهينا عن الكلام . قالوا : فهذا زيدُ
ابنُ أرقمَ يذكرُ أن الآيةَ هكذا أنزلت ، ليس فيها : وصلاةِ العصرِ، وهو الثابتُ بينَ
اللَّوْحَيْنِ(١) بنقلِ الكافةِ .
أخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا
بكرُ بنُ حمادٍ ، وحدَّثَنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ أسدٍ ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ محمدٍ
ابنِ العلاءِ القشيرىُّ، قال: حدَّثنا زيادُ بنُ الخليل، قالا: حدَّثنا مسددٌ، قال:
حدَّثنا يحيى القطانُ، قال٢: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أبى(٢) خالدٍ ، عن الحارثِ بنِ
شبيلٍ ، عن أبى عمرٍو الشيبانيّ ، عن زيدِ بنِ أرقمَ ، قال: كنا نتكلمُ فى الصلاةِ ،
يكلِّمُ أحدُنا صاحبه فى حاجتِه، حتى نزَلَت هذه الآيةُ: ﴿حَفِظُواْ عَلَى
الصَلَوَتِ وَالضََّلَوَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلَّهِ قَنِتِينَ﴾. فَأَمرنا بالسكوتِ ، ونُهِينا
(٤)
عن الكلام".
ومما يؤكِّدُ أنها العصرُ حديثُ عُمارةَ بنِ رُوَيبةَ ، قال : سمعتُ رسولَ اللهِ
القبس
(١) فى النسخ: ((الوحيين)). والمثبت كما تقدم ص ٤٢٤ .
(٢ - ٢) سقط من: م.
(٣) ليس فى: الأصل، م. والمثبت مما تقدم فى ٤٧٠/٤، وينظر تهذيب الكمال ٦٩/٣.
(٤) تقدم تخريجه فى ٤٧٠/٤، ٤٧١.
٤٣١

الموطأ
الاستذكار
النارِ))(١).
وَّلَه يقولُ: ((مَن صلَّى قبلَ طلوع الشمس وقبلَ غروبِها، حرَّمه اللهُ على
(١)
وهذا الحَضُّ بِيِّنٌ يقتضِى صلاةَ الصبحِ وصلاةَ العصرِ. والاختلافُ القوىُّ
فى الصلاةِ الوسطى إنما هو فى هاتين الصلاتَين، وما رُوى فى الصلاةِ
الوسطى فى غيرِ الصبحِ والعصرِ ضعيفٌ لا تقومُ به حُجَّةٌ. وقد رَوى
عاصمٌ، عن أبى رَزِينٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوع
الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩]. قال: الصلاةُ المكتوبةُ . يعنى الصبح
والعصرَ. وبه قال قتادةُ وغيرُهُ(١) . وقال آخرون: الصلاةُ الوسطى صلاةُ المغربِ.
رُوى ذلك عن قَبيصةَ بنِ ذؤيبٍ ، وقال : ألا ترى أنها ليست بأقلُّها ركعاتٍ ولا
أكثرِها، وأنها لا تُقصرُ فى السفرٍ (١)، وأن رسولَ اللهِ وَلَه لم يؤخّرْها عن وقتِها
ولم يُعَجِّلُها(4)؟!
قال أبو عمرَ: كلُّ ما ذكرنا قد قيل فيما وصَفنا ، واللهُ أعلمُ بمرادِهِ مِن قولِه
ذلك تبارك اسمه . وكلَّ واحدةٍ مِن الخَمْسِ وسطَى ؛ لأن قبلَ كلِّ واحدةٍ منها
صلاتين " وبعدَها صلاتينْ) فهى وسطَى، والمحافظةُ على جميعِهن واجبٌ .
وباللَّهِ التوفيقُ .
القبس
(١) أخرجه أحمد ٤٥٦/٢٨ (١٧٢٢٠)، ومسلم (٢١٣/٦٣٤، ٢١٤)، وأبو داود (٤٢٧).
(٢) ينظر تفسير الطبرى ٢١ /٤٦٧.
(٣) فى الأصل: ((الصلاة)). والمثبت مما تقدم ص٤٢٤ .
(٤) تقدم تخريجه ص ٤٢٤.
(٥ - ٥) سقط من: م.
٤٣٢

الموطأ
الرخصةُ فى الصلاةِ فى الثوبِ الواحدِ
٣١٧ - حدَّثنى يحيى، عن مالكِ، عن هشام بن عروةَ، عن
أبيه، عن عمرَ بنِ أبى سلمةً، أنه رأى رسولَ اللهِ وَهِ يُصلِّى فى
ثوبٍ واحدٍ، مشتمِلًا به، فى بيتٍ أُمّ سلمةً، واضعًا طَرَفيه على
عاتِقَيه .
مالكٌ، عن هشام بنِ عروةَ، عن أبيه، عن عمرَ بنِ أبى سَلمَةً أنه رأى التمهيد
رسولَ اللهِ وَلِّ يصلِّى فى ثوبٍ واحدٍ مشتمِلًا به فى بيتِ أمِّ سَلَمَةَ ، واضعًا طرفَيْهِ
على عاتِقَيْه(١) .
الرُّخْصةُ فى الصلاةِ فى الثوبِ الواحدِ
القبس
رأَى عمرُ بنُ أبى سَلَمَةَ رسولَ اللهِ نَّهَ يُصلَّى فى ثوبٍ واحدٍ
مُشْتَمِلًا .
هيئاتُ اللِّباسِ كثيرةٌ، ورَد منها هلهنا خمسُ هيئاتٍ؛ التفاح، وهو
الاشْتمالُ الذى يُسْتَرِ فيه الرأسُ. والتحافٌ، وهو اللّاسُ المطْلقُ مِن غيرِ
تَفاريجَ. والاشتمالُ، و(٢) هو تَغْميمُ البَدَنِ بالمَلْبوسِ، وهو على ضربَين؛
صَمَّاءَ ومُنْفِرِجٍ.
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (٣٥٢). وأخرجه النسائى (٧٦٣)، وأبو عوانة (١٤٦٤) ،
والطحاوى فى شرح المعانى ٣٨١/١، والطبرانى (٨٢٧٢) من طريق مالك به .
(٢) سقط من : ج ، م .
٤٣٣
( موسوعة شروح الموطأ ٢٨/٥ )

الموطأ
التمهید
لم يُختَلَفْ عن مالكِ فى إسنادِ الحديثِ ولفظِهِ، وكذلك رواه جماعةٌ
أصحابِ هشامٍ، كما رواه مالكٌ بإسنادِه، وقد روَى ابنُ أبى الزِّنادِ ، عن أبيه،
عن عروةَ بنِ الزُّبِيرِ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبى أميَّةَ أخى أمّ سَلَمَةَ، أنه أبصَر
رسولَ اللهِ وَلَهِ يصلِّى فى بيتٍ أمِّ سَلَمَةً ملتحِفًا فى ثوبٍ .
واخْتُلِف فى تفسيرِ اشتمالِ الصَّمَّاءِ؛ فقيل: هو أن يَلْبَسَ الثوبَ فيَسْتِرَ به
القبس
و(١) يكونَ فَرْجُه مكشوفًا(٢) . والثانى: أن تكونَ يَداه تحتَه، ولا يَتَّخِذَ لها مخرجًا .
والصلاةُ فى الأولِ لا تجوزُ، والنَّهْىُ فيها على التحريم، والنَّهْىُ فى الثانى على
الكراهةِ(٢)؛ لأنه ذريعةٌ إلى أن يَشْقُطَ الثوبُ فينكشِفَ الفَرْجُ، إلا أن يكونَ تحتَه إزارٌ
أو(٤) سراويلُ، فإن النَّهْىَ يَشْقُطُ حرامًا و(٥) مكروهًا، فإن كان ليس تحتَه ثوبٌ،
فَلْيَشْتَمِلْ به على بَدَنِهِ، ولْيجعَلْ طرَفَيه مُخالفًا على عاتِقَيه، ولْيَعْقِدْه على عُنُقِه،
ولْيفعَلْ كما قال النبىُّ وَِّ لِسَلَمَةَ بنِ الأكوعِ: ((زُرَّه ولو بشَوْكَةٍ))(١) . فإن لم يجعَلْ
طرَفَيه على عاتقَيه وشَدَّه تحتَ ذراعيه، فهو الاضْطِبائعُ؛ افتعالٌ مِن الضَّبْعِ، فإن شَدَّه
.كذلك وهو جالسٌ مِن الركبةِ إلى القَفا، فهو الاخْتِباءُ. وهذا تنبية على وجوبٍ سَتْرٍ
العَوْرةِ فى الصلاةِ ، وقد تَقدَّم القولُ فيها، وأَقَلُّ ما يُجْزِئُ فى الصلاةِ ثوبٌ واحدٌ
(١) بعده فى م: ((قد)).
(٢) فى ج، م: ((منكشفًا)).
(٣) فى م: ((الكراهية)).
(٤) فى م: ((و)).
(٥) فى م: ((أو)).
(٦) سيأتى تخريجه ص ٤٤٦ .
(٧ - ٧) فى ج: ((الصلاة فى))، وفى م: ((فيه الصلاة)).
٤٣٤

الموطأ
التمهيد
ذكره ابنُ أبى فُديك، عن ابنٍ أبى الزِّنادِ(١) ، وهذا عندى، واللهُ أعلمُ ،
خطأٌّ ، والقولُ قولُ مالك، وكذلك رواه الناسُ عن هشام، كما رواه مالكٌ،
وروايةُ هشامٍ أولَى من روايةِ ابنِ أبى الزِّنادِ عندَهم، وابنُ أبى الزنادٍ (٢) ضعيفٌ
لا يُحتجُ به وبما خولفَ فيه أو انفردَ بِهِ ، ولو انفرَدَ بروايته هذه لكان الحدیثُ
مرسلًا؛ لأنَّ عروةَ لم يدركْ عبدَ اللهِ بنَ أبى أميّةً أخا أمّ سلَمَةَ؛ لأنه استُشْهِدَ
يومَ الطائفِ، شهِدَ مع رسولِ اللهِ وَ لهَ المشهدَ ورُمِى بسهم يومَئذٍ فماتَ منه
بعدَ ذلك .
وقال الأخفشُ : الاشتمالُ أن يلتفَّ الرجلُ برِدائِه وبكِسائِه من رأسِه إلى
قدمَيْه، يرُدُّ طَرَفَ الثوبِ الأُيمِنَ على مَنكِهِ الأيسرِ، فهذا هو الاشتمالُ .
قال: وقد حدَّثَنَا عُبيدُ اللهِ بنُ موسى، عن هشامِ بنِ عروةً، عن أبيه ،
عن عمرَ بنِ أبِى سلَمَةَ قال: رأيتُ رسولَ اللهِ وَلَ يصلّى فى ثوبٍ واحدٍ
القبس
يَسْتُرُها . وقد روَى أبو الفرج عن مالك، أن البَدَنَ كلَّه عَوْرةٌ فى الصلاةِ مِن الرجُلِ،
وهى روايةٌ ضعيفةٌ. وقد صلَّى جابرٌ فى ثوبٍ واحدٍ مُؤْتزِرًا به، وثيابُه على
المِشْجَبٍ(٢)، وقال لمن أنكَر عليه: إنما فعَلتُ ذلك لِيَرانى(٤) أحمَقُ مِثْلُك(٥).
(١) أخرجه أحمد ٢٥٩/٢٦ (١٦٣٤٢) من طريق ابن أبى الزناد به، وينظر علل ابن أبى حاتم
٨٦/١، ٠٨٧
(٢) بعده فى م: ((عبد الرحمن)).
(٣) المشجب : عِيدان تُضمُ رءوسُها، ويفرَّج بين قوائمها، وتوضع عليها الثياب. النهاية ٤٤٥/٢.
(٤) بعده فى د، م: ((من هو)).
(٥) أخرجه البخارى (٣٥٢)، ومسلم (٣٠٠٨).
٤٣٥

الموطأ
٣١٨ - وحدَّثنى عن مالك، عن ابن شهابٍ، عن سعيدِ بنِ
المسيَّبِ، عن أبى هريرةَ، أن سائلًا سأل رسولَ اللهِ وَ له عن
الصلاةِ فى ثوبٍ واحدٍ، فقال رسولُ اللهِ وَلَه: [٥٢,] ((أوَ لكُلِّكم
ثوبان؟)) .
التمهيد قد خالفَ بينَ طَرَفَيْهُ(١) . قال: وهذا هو التوشُّحُ، وهو أن يأخذَ طرَفَ
الثوبِ الأيسرَ من تحتِ يدِه اليسرى فيلقيَه على مَنْكِبِه الأيمنِ، ويُلقِىَ
طرَفَ الثوبِ الأيمنَ من تحتِ يدِه اليمنى على مَنكِبِهِ الأُيسرِ. قال: فهذا
هو التوشُّحُ الذى جاء عن رسولِ اللهِ وَّل أنه صلَّى فى ثوبٍ واحدٍ
متوشّحًا بِهِ .
وقد مضى القولُ فى معنى هذا الحديثِ مستوعبًا ممهَّدًا فى بابِ ابنِ شهابٍ ،
عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ من هذا الكتاب .
مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ ، عن أبى هريرةَ ، أنَّ سائلًا
سألَ رسولَ اللهِ وَ لَ عن الصلاةِ فى ثوبٍ واحدٍ، فقال رسولُ اللهِ وَيِ:
((أوَ لِكلِّكم ثوبان؟))(٢).
القبس
(١) أخرجه البخارى (٣٥٤)، وأبو عوانة (١٤٦٣)، والبيهقى ٢٣٧/٢ من طريق عبيد الله بن
موسى به .
(٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (١٦٠)، وبرواية أبى مصعب (٣٥٤). وأخرجه البخارى
(٣٥٨)، ومسلم (٢٧٥/٥١٥)، وأبو داود (٦٢٥)، والنسائى (٧٦٢) من طريق مالك به.
٤٣٦

الموطأ
التمهید
لم يختلِفِ الرواةُ عن مالكِ فى إسنادِ هذا الحديثِ ولا متنِه .
ورواه معمرٌ، عن الزهرىِّ، عن أبى سلمةً، عن أبى هريرةَ مثلَه سواءً(١).
وكذا رواه ابنُ مجريج .
ورواه يونسُ، وتُقيلٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدٍ وأبى(٢) سلمةَ، عن أبى
هريرةَ، عن النبيِّ وَلِّ مثلَهُ(٤).
ورواه ابنُ سيرينَ، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ وَلِّ، مثلَه سواءٌ(٥).
وهذا الحديثُ حجةٌ لإجازةِ الصلاةِ فى ثوبٍ واحدٍ . فكلُّ ثوبٍ ستَرَ العورةَ
والفخِذينِ مِن الرجلِ جازَتِ الصلاةُ فيه على ظاهرِ الحديثِ ؛ لأَنَّ يقعُ عليه اسمُ
ثوبٍ ، وقد أجمعوا أنَّ مَن صلَّى مستورَ العورةِ ، فلا إعادةً عليه .
فإنْ كانت امرأةً ، فكلُّ ثوبٍ يُغَيِّبُ ظهورَ قدَميها ، ويسترُ جميعَ جسدِها
وشعرِها ، فجائزٌ لها الصلاةُ فيه ؛ لأنها كلَّها عورةٌ إلَّ الوجه والكفَّين، على
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٣٦٤)، وأحمد ٤٩/١٣ (٧٦٠٦) عن معمر به.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٣٦٤)، وأحمد ٤٩/١٣، ٢٢٨ (٧٦٠٦، ٧٨٣٠)، والطحاوى فى
شرح المعانى ٣٧٩/١ من طريق ابن جريج به .
(٣) فى م: ((ابن)).
(٤) أخرجه مسلم (٥١٥) عقب (٢٧٥) من طريق يونس وعقيل به .
(٥) أخرجه أحمد ٦١/١٢، ٢٦٣/١٦، ٢٨٤ (٧١٤٩، ١٠٤١٨، ١٠٤٦٤)، والبخارى
(٣٦٥)، ومسلم (٢٧٦/٥١٥)، من طريق محمد بن سيرين به .
٤٣٧

الموطأ
التمهيد
هذا أكثرُ أهلِ العلم، وقد أجمعوا على أنَّ المرأةَ تكشفُ وجهَهَا فى الصلاةِ
والإحرامِ، وقال مالكٌ، وأبو حنيفةً، والشافعىُّ، وأصحابُهم، وهو قولُ
الأوزاعىِّ وأبى ثورٍ: على المرأةِ أنْ تغطّىَ منها ما سوى وجهها وكفَّيها .
وقال أبو بكرِ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ : كلُّ شيءٍ مِن المرأةِ عورةٌ ،
حتى ظُفْرُها .
حدَّثناه أحمدُ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثنا
محمدُ بنُ جريرٍ، قال: حدَّثنا الفضلُ بنُ الصباحِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ
رجاءٍ، عن ابنِ عجلانَ، عن سُمَىٍّ مولى أبى بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبى
بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ، قال: كلِّ شىءٍ مِن المرأةِ عورةٌ حتى ظُفْرُها (١).
قال أبو عمر: قولُ أبى بكرٍ هذا خارجٌ عن أقاويلِ أهلِ العلمِ ؛ لإجماعِ
العلماءِ على أنَّ للمرأةِ أنْ تُصلَِّ المكتوبةَ ويدَاها ووجهُها مكشوفٌ ذلك كلُّه
منها ، تباشِرُ الأرضَ به . وأجمعوا على أنها لا تُصلِّى متنقِّةً ، ولا عليها أن تلبَسَ
قُقَّازين فى الصلاةِ. وفى هذا أوضَحُ الدلائلِ على أنَّ ذلك منها غيرُ عورةٍ . وجائزٌ
أنْ يَنظُرَ إلى ذلك منها كُلُّ مَن نظَرَ إِليها بغيرِ ريبةٍ ولا مكروهٍ . وأمَّا النظرُ للشَّهوةِ ،
فحرامٌ تأمُّلُها مِن فوقٍ ثيابِها لشهوةٍ ، فكيف بالنظرِ إلى وجهِها مسفرةً؟! وقد
رُوِىَ نحوُ قولِ أبى بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ عن أحمدَ بنِ حنبلٍ ؛ قال الأثرمُ : سُئِلَ
القبس
(١ - ١) سقط من: ص ٤.
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٢٠/٤ عن عبد الله بن رجاء به.
٤٣٨

الموطأ
أحمدُ بنُ حنبلِ عن المرأةِ تصلِّى وبعضُ شعرِها مكشوفٌ وقدمُها؟ قال : لا التمهيد
يعجُنِى، إلا أنْ تُغطّىَ شعرَها وقدَميها. قال وسمعتُه يُسألُ عن أمّ الولَدِ (١) كيفَ
تُصلِّى؟ فقال: تُغطّى رأسَها وقدمَيها؛ لأنها لا تباعُ، وهى تُصلِّى كما تصلِّى
الحرّةُ . قال: وسمعتُه يُسألُ عن الرجلِ يصلِّى فى قميصٍ واحدٍ غيرِ مزرُورٍ ،
فقال : ينبغِى أَنْ يَزُرَّه . قيلَ : فإنْ كانت لحيتُه تُغطّى ، ولم يكنِ القميصُ متسِعَ
الجيبٍ ، أو نحوَ هذا؟ فقال: إن كان يسيرًا فجائزٌ. قال: ولا أحبُّ لأحدٍ أنْ
يصلِّىَ فى ثوبٍ واحدٍ "إلّا أن يكونَ على عاتقه منه أو من غيرِه شىءٌ. وقال)
مالكٌ: إنْ صلَّتِ المرأةُ الحرَّةُ وشعرُها مكشوفٌ، أو قدَماها، أو صدرُها ، أعادَتْ
ما دامت فى الوقتِ . وقال الشافعىُ وأبو ثورٍ وأحمدُ : تُعيدُ أبدًا إن انكشفَ شىءٌ
مِن شعرِها، أو صدرِها، أو صُدُورٍ قدمَيها . وقال أبو حنيفةً وأصحابُه: قدمُ المرأةِ
ليستْ بعورةٍ ، فإن صلَّتْ وقدمُها مكشوفةٌ ، فلا شىءَ عليها، وإن صلَّتْ ومجلُّ
شعرِها مكشوفٌ، فصلاتُها فاسدةٌ ، وإن كان الأقلُّ مِن شعرِها مكشوفًا ، فلا
شىءَ عليها ، وإن انكشَفَ شىءٌ منها غيرُ ما ذكرنا ، فصلَّتْ بذلك ، فصلاتُها
فاسدةٌ ، عَلِمتْ أمْ لم تعلم . وقال إسحاقُ: إن عَلِمَتْ فسَدَتْ صلاتُها ، وإن لم
تعلمْ فلا إعادةَ عليها . والأصلُ فى هذا البابِ أنَّ أَمَّ سلمةَ سُئِلتْ : ماذا تصلِّى فيه
المرأةُ مِن الثيابِ ؟ فقالت: تصلَّى فى الدرعِ والخمارِ السابغ، الذى يغيِّبُ ظهورَ
القبس
(١) فى ص ٤: ((الوليد)).
(٢ - ٢) فى م: ((غير مزرور؟ فقال: ينبغى أن يزره. قيل: فإن كانت لحيته)).
٤٣٩

الموطأ
التمهيد قدميها. وعن عائشةَ(٢) وميمونةً(١٢) مثلُ ذلك؛ درعٌ وخمارٌ. وهذه الآثارُ عن
أمّ سلمةَ، وعائشةَ، وميمونةَ فى ((الموطأُ)) ؛ فحديثُ عائشةَ مِن بلاغاتِ مالكٍ،
وحديثُ ميمونةَ عن الثقةِ عندَه، عن بكيرِ بنِ الأُشجّ، عن بُسرِ بنِ سعيدٍ ، عن
عبيدِ اللهِ الخولانِيّ، عن ميمونةَ ، أنها كانت تصلِی فى درعٍ وخمارٍ ، دونَ إزارٍ .
وحديثُ أمّ سلمةَ رواه مالكٌ، عن محمدِ بنِ زيدِ بنِ قُنفُذٍ ، عن أمِّه، سألت أمّ
سلمةَ : ماذا تصلِّى فيه المرأةُ مِن الثيابِ ؟ فقالت : تصلِّى فى درعٍ وخمارٍ سابخٍ إذا
غيَّبَ ظهورَ قدميها. وقد رُوِىَ حديثُ أمِّ سلمةَ مرفوعًا، ( والذين وقفُوهُ" على
أمّ سلمةً أكثرُ وأحفظُ ؛ منهم مالكٌ ، وابنُ إسحاقَ ، وابنُ أبى ذئبٍ ، وبکرُ بنُ
مضرَ، وحفصُ بنُ غياثٍ ، وإسماعيلُ بنُ جعفرٍ، كلُّهم روَؤْه عن محمدِ بنِ
زيد، عن أمِّه، عن أمّ سلمةَ، موقوفًا (٥). قاله(٩) أبو داودَ. ورفعه عبدُ الرحمنِ بنُ
عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ ، عن محمدِ بنِ زيدٍ ، عن أمِّه ، عن أمّ سلمةَ ، أنها سألتِ النبىَّ
وَه ـ فذكَرَهُ(١). عبدُ الرحمنِ هذا ضعيفٌ عندَهم، إلَّا أنه قد خرَّج البخارىُّ
بعضَ حديثه . والإجمائُ فى هذا البابِ أقوَى مِن الخبرِ فيه .
وحدّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثْنا قاسم، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ ،
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (٣٢٤).
(٢) سيأتى فى الموطأ (٣٢٣).
(٣) سيأتى فى الموطأ (٣٢٥).
(٤ - ٤) فى ص ٤: ((الذى رفعوه)).
(٥) فى ص ٤: ((مرفوعا)).
(٦) فى النسخ: ((قال)). وينظر أبو داود ١/ ١٧١، وتحفة الأشراف ٦٣/١٣ (١٨٢٩١).
(٧) أخرجه أبو داود (٦٤٠)، والحاكم ٢٥٠/١ من طريق عبد الرحمن به .
٤٤٠