Indexed OCR Text

Pages 321-340

الموطأ
بعدَ الصبح والعصرِ؛ لأنَّهم لا يقولون أنَّ الثانيةَ نافلةٌ ، بل يقولون: إنا لا التمهيد
نَعلمُ أَىُّ الصَّلاَتَين فرضُه. ولا يَأْمُرونه أنْ يدْخُلَ مع الإمام إلّا بنيةِ الفرضِ ؛
ثم(١) ذلك إلى اللهِ " يَجْعَلُها أَيَتَهما شاء، فأَيَتَهما" جعَلها، فالأخرَى
تَطَوُّعٌ .
والأغلبُ عندَهم فى الظّنِّ أنَّ الثانيةَ فرضُه؛ لفَضْلِ صَلاةِ الجماعةِ
على صلاةِ الفَذِّ، وتأوَّلوا(٢) قولَ رسولِ اللهِ وَلِّ فى حديثٍ يزيدَ
ابنِ الأسودِ: ((فإِنَّها لكما نافلةٌ)). قالوا: معنَى نافلةٍ: فضيلةٌ وزيادةُ
خَيْرٍ، ولا يُوجِبُ أَنْ يَكونَ معنَى قولِه ذلك أنْ يَكونَ تطوُّعًا،
واحتجوا بقولِ اللهِ تعالى: ﴿نَافِلَةٌ لَّكَ﴾ [الإسراء: ٩٧]. أى: فضيلةٌ ،
وبقَولِه عزَّ وجلَّ : ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ: إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةٌ﴾ [الأنبياء: ٧٢] أى:
فضيلةٌ .
ومن أدلِّ دليلٍ على أنَّ الأُولَى فرضُه والثانيةَ نَفْلٌ على مَذْهَبٍ مالكٍ وأصحابِهِ
ممّا لم يَخْتلِفوا فيه، أنَّهم لم يَخْتَلِفوا أنَّ من صلَّى وحدَه لا يَكونُ إمامًا فى تلك
الصلاةِ ، فدلَّ على أنَّها غيرُ فريضةٍ ، وإذا كانتْ غيرَ فريضةٍ كانَتْ تطوُّعًا . وباللهِ
التوفيقُ .
القبس
(١) بعده فى س: ((يجعل)).
(٢ - ٢) فى س: ((أيتهما شاء)).
(٣) بعده فى ص، م: ((فى)).
٣٢١
( موسوعة شروح الموطأ ٢١/٥ )

٢٩٧ - مالكٌ، عن نافع، أن رجلاً سأل عبدَ اللهِ بنَ عمرَ
الموطأ
فقال: إِنِى أُصَلِّى فى بيتى، ثُم ◌ُذْرِكُ الصلاةَ مع الإمامِ، أفأُصلِّى
معه؟ فقال له عبدُ اللهِ بنُ عمرَ: نعم. فقال الرجلُ: أيتَهما أجعلُ
صلاتى؟ فقال له ابنُ عمرَ: أوَذلك إليك؟ إنما ذلك إلى اللهِ يَجعلُ
أيتَهما شاء(١).
الاستذ کار
ذكَر مالكٌ فى ((الموطأ)) عن نافعٍ، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان يقولُ: مَن صلَّى
المغربَ أو الصبحَ، ثم أدرَكَهما مع الإمامِ فلا يَعُدْ لهما". وهو قولُ
الأوزاعىّ، والحسنِ البصرىِّ، وسفيان الثورىِّ)، وقال مالكٌ وأصحابُه: يعيدُ
الصلواتِ كلَّها مَن صلَّها وحدَه إلا المغربَ (٣ وحدَها. وهو قولُ أبى موسى
الأشعرىِّ، والنعمانِ بنِ مُقَرّنٍ، وأبى مِجْلَزِ وطائفةٍ(٤)؛ روَى حمادُ بنُ سلمةَ ،
عن أبى عمرانَ الجَوْنيّ، عن أنسٍ بنِ مالكِ، قال: صليتُ الفجرَ ثم أتيتُ
المسجدَ ، فوجدتُ أبا موسى الأشعرىَّ يريدُ أن يصلىَ، فجلستُ ناحيةً ، فلما
صلَّى قالَ : مالَكَ لم تُصَلِّ ؟ قلتُ : إنى قد صليتُ . قال : إن الصلاةَ كلَّها تعادُ
(٥) (٣)
إلا المغربَ ؛ فإنها وتر صلاةِ النهارِ
القبس
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (٣٣١). وأخرجه ابن المنذر فى الأوسط (١١٢١)، والبيهقى ٢/
٣٠٢ من طريق مالك به .
(٢ - ٢) فى الأصل: ((يعدهما))، وفى ح: ((يعيدهما)).
والأثر سيأتى فى الموطأ (٣٠٠).
(٣ - ٣) سقط من: ح.
(٤) ينظر الأوسط ٤٠٣/٢، ٤٠٤.
(٥) أخرجه ابن المنذر فى الأوسط (١١١٤) من طريق حماد به .
٣٢٢

الموطأ
"وحمادٌ، عن حميدٍ، عن أنسٍ، عن الأشعرىِّ والنعمانِ بنِ مُقَرِّنٍ، مثلَهُ. الاستذكار
(١
وحمادٌ ، عن عمرانَ بنِ محُدَيرٍ ، عن أبى مِجْلٍَ، قال : الصلواتُ كلُّها تعادُ
إلا المغربَ؛ فإنها وترٌ (١) .
وقال مالك: تعادُ الصلواتُ كلُّها إِن صلَّاها وحدَه إلا المغربَ وحدَها) فإنه
لا يعيدُها؛ لأنها تصيرُ شفعًا. كذلك قال فى ((موطئِهِ)).
وفى روايةٍ قال مالكٌ: ومَن صلَّى فى جماعةٍ ولو مع واحدٍ ، فإنه لا يعيدُ
تلك الصلاةَ إلا أن يعيدَها فى مسجدِ النبيِّ وَّه، أو المسجدِ الحرامِ، أو
مسجدٍ بيتِ المقدسِ. قال مالكٌ: فإن دخَل الذى صلَّى وحدَه المسجدَ،
فوجَد القومَ جلوسًا فى آخرِ صلاتِهم، فلا يدخلُ معهم، وإنما يدخلُ معهم
مَن علِم أنه يُدرِكُ(٤) مِن صلاتِهم ركعةٌ بسجدتَيها. وقال أبو حنيفةً
وأصحابُه: لا يعيدُ المصلِّى وحدَه مع الإمامِ العصرَ ولا الفجرَ ولا المغربَ،
ويعيدُ معه الظهرَ والعشاءَ) ، ويجعلُ صلاتَه مع الإمام نافلةً . قال محمدُ بنُ
الحسنِ : لأن النافلةَ بعدَ الصبحِ والعصرِ لا تجوزُ، ولا تعادُ المغربُ؛ لأن النافلةَ
لا تكونُ وترًا فى غیرِ الوترِ .
القبس
(١ - ١) سقط من: ح .
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٧٧/٢ من طريق حميد به .
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٧٨/٢ من طريق عمران به .
(٤) فى م: ((یدری)) .
(٥) بعده فى ح: ((فقط)).
٣٢٣

الموطأ
الاستذكار
قال أبو عمرَ : احتجّ بهذا بعضُ أصحابِنا لمالكِ فى قولِه : لا تعادُ المغربُ .
وهو أصحُ مِن قولِهِ : تكونُ شفعًا . وقد تقدَّم القولُ فى صلاةِ الليلِ مَثْنِى مَثْنِى،
وقولِه: ((لا وترانِ فى ليلةٍ) (١). وهو المعنَى الذى نزَع به محمدُ بنُ الحسنِ فى
المغرب .
والعَجَبُ مِن مالكِ رحِمه اللَّهُ يقولُ: لأنها تصيرُ شفعًا. وهو يحتجّ بقولِ
ابنِ عمرَ: لا " فَصلَ أفصلُ) مِن السلامِ(٣). فكيف وبعدَ السلامِ(٤) مشَى
وعمِل؟! فكيف تنضافُ مع ذلك صلاةٌ إلى أخرَى؟ وُجَّةُ مَن ذهب إلى قولٍ
ابنِ عمرَ والأوزاعيِّ، أن رسولَ اللهِ وَ ل ـ صلَّى بعد العصرِر کعتین، فیما ذکرت
عائشةٌ(). وقد رُوى عنها أنها قالت: ما ترك رسولُ اللَّهِ فَ لَِّركعتين بعدَ العصرِ
فى بيتى قطّ ١. وقالت أم سلمةَ: ركَعهما بعدَ العصرِ حينَ شغَله الوفدُ عنهما قبلَ
العصر
(٥).
وقد ذكرنا هذه الآثارَ فيما سلَف مِن كتابِنا ؛ فرأَى ابنُ عمرَ إعادةَ العصرِ.
لهذا ، ولأنه المذهبُ الذى كان يذهبُ إليه فى النهي عن الصلاةِ بعدَ العصرِ، أنه
عندَ اصفرارِ الشمسِ، وعندَ الطلوعِ، وعندَ الغروبِ .
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٣١٤.
(٢ - ٢) فى ح: ((فضل أفضل))، وفى م: ((فصل أفضل)).
(٣) أخرجه أحمد فى العلل ومعرفة الرجال ٢٠٠/٢ (١٤٠٥) من طريق مالك عن نافع ، عن ابن
:
عمر . .
(٤) بعده فى ح: ((فصل و)) .
(٥) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (٥١٨) من الموطأ .
٣٢٤

الموطأ
وقد ذكرنا مذهبه فى ذلك والحُجَّةَ له ، فى بابِ النهي عن الصلاةِ بعدَ الصبح الاستذكار
والعصرِ ، فیما تقدَّم مِن هذا الكتاب(١) ، والحجةُ له ولغيره فى المغربِ ما ذكرنا فى
هذا البابِ ، والحمدُ للهِ. وقال الشافعىُّ: مَن صلَّى وحدَه أعاد صلاتَه مع الجماعةِ
إذا وجَدها وأمكنته فى تلك الصلاةِ ، والصلواتُ كلُّها فى ذلك سواءٌ؛ لأن
النبىَّ وَّه قال لمُحْجَنِ الدِّيلِىّ: ((إذا جئتَ فصلٌ مع الناسِ وإن كنتَ قد
صليتَ))(١) . ولم يخصَّ صلاةٌ مِن صلاةٍ، (" ولم يَذكر عصرًا ولا مغربًا ولا
صُبْحًا٢). قال: والأُولى هى الفريضةُ، والثانيةُ تَطوٌُّ سَنَّها رسولُ اللهِ وَهه
كما سنَّ الوترَ والعيدين وغيرَهما. وهو قولُ داودَ بنٍ علىٍّ فى إعادةِ الصلواتِ
كلِّها فى جماعةٍ ؛ لأنه يرى الصلاةَ فى الجماعةِ فرضًا على ما تقدَّم عنه (٤).
واختلف عن الثورىِّ؛ فروى عنه أنه يعيدُ الصلواتِ كلَّها مع الإمامِ كقولٍ
الشافعىِّ . ورُوى عنه مثلُ قولِ مالكٍ سواءً. ولا خلافَ عن الثورىِّ، أن الأولى
فريضةٌ ، والثانيةَ تطوعٌ .
وقال أبو ثورٍ: يعيدُها كلَّها إلا الصبحَ(٥) والعصرَ ، إلا أن يكونَ فى مسجد
فتقامَ الصلاةُ ، فلا يَخرجْ حتى يُصلَِّها. وحُجَّتُه حديثُ أبى هريرةَ ، أنه رأَى
القبس
(١) سيأتى فى شرح الحديث (٥١٨) من الموطأ .
(٢) تقدم فى الموطأ (٢٩٦).
(٣ - ٣) سقط من: ح.
(٤) ينظر ما تقدم ص ٢٥٢، ٢٥٣، ٣١٥.
(٥) فى ح: ((الفجر)).
٣٢٥

الموطأ
٢٩٨ - مالكٌ، عن يحيى بن سعيدٍ، أن رجلاً سأل سعيدَ بنَ
المسيَّبِ فقال: إنى أصَلِّى فى بيتى، ثُم آتِى المسجدَ، فأجدُ الإمامَ
يُصلِّى، أفأُصلِّى معه؟ فقال سعيدٌ: نعم. فقال الرجلُ: فَأَيَّتُهما
صلاتِى ؟ فقال سعيدٌ: أوَأنت تجعلُهما؟ إنما ذلك إلى اللهِ .
الاستذكار رجلاً خارجًا مِن المسجدِ إِذْ أُقيمتِ الصلاةُ، فقال: أمَّا هذا فقد عصَى
أبا القاسم وَلُّ(١). ونهْيُهُ وَّ عن الصلاةِ بعدَ الصبحِ وبعدَ العصرِ.
وذكَر مالكٌ فى هذا البابِ أيضًا ، عن نافع ، عن ابنِ عمرَ ، وعن يحيى بنٍ
سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ (١ - بمعنى واحدٍ - أن سائلًا سأل كلَّ واحدٍ
منهما ، قال له : إنه يصلِّى فى بيته، ثم يأتى المسجدَ فيجِدُ الناسَ يصلُّون أيصلِّى
معهم؟ فقالا: نعم . قال السائلُ: فأيَّتَهما أجعلُ صلاتى؟ فقالا: ذلك إلى اللهِ
تعالى يجعلُ أيتَهما(٤) شاء.
وذكَر أصحابُ مالكٍ، عن مالكِ، أن هذا مذهبُه، لا يُدْرَى أُّ صلاتيه
فريضتُه، ولا أيْتُهما هى النافلةُ، وإنما ذلك إلى اللـهِ يَجعلُها أيتَهما شاء. هذه
جملةٌ حكاها أصحابُه عنه ، لم يختلفوا عنه فى ذلك ، واختلفوا عنه فى مسائلَ
تدلُّ على المرادِ مِن ذلك، واختلَفت أجوبةُ أصحابِه فى تلك المسائلِ؛ منها :
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٣١٠.
(٢) تقدم فى الموطأ (٢٩٧).
(٣) الموطأ برواية أبى مصعب (٣٣٢). وأخرجه البيهقى ٣٠٢/٢ من طريق مالك به .
(٤) فى م: ((أيتها)).
٣٢٦

الموطأ
الرجلُ يُحْدِثُ فى الثانيةِ مع الإمام . ومنها : أن يذكر أن الأولى كانت على غيرِ الاستذكار
وضوءٍ. ومنها : أن يُسقِطَ مِن إحداهما سجدةٌ ناسيًا، ولا يدرِى مِن أيتِهما (١).
أسقطها، بما قد ذكرناه فى كتابٍ ((اختلافٍ(٢) مالكِ وأصحابِه)). والذى
يَتحصلُ عليه مذهبُه عندى، ما ذكره ابنُ وهبٍ فى ((موطئِه)) عن مالك ، قال :
قال مالكٌ: مَن أحدث فى صلاِه مع الإمامِ، فصلاتُه فى بيتِه هى صلاتُه.
وقد روَى ابنُّ أبى ذئبٍ ، عن عثمانَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ سراقةً ، قال : سألتُ
عبدَ اللَّهِ بِنَ عمرَ عن رجلٍ صلَّى العصرَ، ثم أعادَها فى جماعةٍ ، أيتُهما المكتوبةُ ؟
قال : الأُولى(٣) . وهذه روايةٌ عن ابنِ عمرَ، ظاهرُها مخالفٌ لما ذكره مالكٌ عنه
فى ((الموطأ) فى قولِه : ذلك إلى اللهِ . لأنه فى رواية ابنٍ أبى ذئبٍ قطَع بأن الأولى
هى المكتوبةُ ، والثانيةَ نافلةٌ . وفى روايةِ مالكِ شكَّ فلم يَدْرِ أيتُهما صلاتُه ، إلا أنه
ممكنٌ أن تكونَ الأَولى ، وممكنٌ أن تكونَ الثانيةَ . والنظرُ عندى يوجبُ أن تكونَ
روايةُ مالكِ متقدمةً ؛ لأنه لم يَيِنْ له حينئذٍ أيتُهما صلاتُه، ثم بانَ له بعدُ أن الأولى
صلاتُه ، فانصرف مِن شكُّه إلى يقينِ علمِه، ومحالٌ أن ينصرِفَ مِن يقينه إلى
شكِّ، فدلَّ ذلك على أن قولَه: الأولى هى المكتوبةُ. قد بانَ له فأنتَى به . فإن
قيل : كيف يكونُ عندَه الأُولى المكتوبةَ ، والثانيةُ نافلةً فى العصرِ ، ولا نافلةً بعدَ
العصرِ ؟ قيل : معلومٌ عن ابنِ عمرَ أن التنفلَ بعدَ العصرِ جائزٌ عندَه، ومذهبُه
القبس
(١) فى م: (أيتها)) .
(٢) بعده فى ح: ((قول)).
(٣) تقدم تخريجه ص ٣١٦.
٣٢٧

الموطأ
الاستذكار أن العصرَ والظهرَ والعشاءَ تعادُ عندَه دونَ المغربِ والصبح" لمن صلَّى
وحده .
وقد ذكرنا فى ((التمهيدِ)) الرواياتِ عن ابنِ عمرَ فى ذلك بالأسانيدِ(٢)
واختلف فى ذلك أيضًا عن سعيدِ بنِ المسئَّبِ، كما اختُلف عن ابنِ عمرَ؟
فرَوى همامٌ ، عن قتادةَ ، قال : قلتُّ لسعيدِ بنِ المسيَّبِ : إذا صليتُ وحدى ، ثم
أدركتُ الجماعةَ؟ فقال: أعِدْ، غيرَ أنك إذا أعدتَ المغربَ ، فاشفعْ بركعةٍ ،
واجعلْ صلاتَك وحدَك تطوعًا .
قال أبو عمرَ: هذا شىءٌ لا يُعرفُ وجهُه، كيف يَشفعُ المغربَ
بركعةٍ ( وتكونُ الأولى تطوعًا، وقد أجمَع العلماءُ على أن المغربَ إذا نوَى بها
الفريضةَ، لم يشْفعها بركعةٍ"؟ وما أظنُّ الحديثَ، واللهُ أعلمُ، إلا والأولى
فرضُه ، فإن صحَّ ما ذكرناه عنه فهو وهم مِن قتادةَ ، أو من دونَه فى الإسنادِ . وقد
ذكَّرنا الإِسنادَ فى ((التمهيدِ))(٢). وقد كان جماعةٌ مِن العلماءِ يُضَعِّفون أشياءَ مِن
حديثٍ قتادةَ ، عن سعيدِ بنِ المسئَّبِ .
وأما قولُ ابنِ عمرَ، وسعيدٍ : ذلك إلى اللهِ . فقد تأوَّل فيه قومٌ ؛ منهم ابنُ
الماجِشونِ وغيرُه ، أن ذلك فى القبولِ ، كأنه قال: أيتُهما يتقبلُ اللهُ منِّى؟ فقالا
القبس
(١ - ١) سقط من: ح.
(٢) ينظر ما تقدم ص٣١٦، ٣١٧.
(٣) تقدم ص٣١٧ .
٣٢٨

٠
الموطأ
له : ذلك إلى اللهِ. لأنه قد يتقبلُ النافلةَ دونَ الفريضةِ، ويتقبلُ الفريضةَ دونَ الاستذكار
النافلةِ، على حسبِ النيةِ فى ذلك والإخلاصِ ، مع أنه تعالى يتفضلُ على مَن
يشاءُ مِن عبادِه بما شاء مِن رحمتِهِ . وعلى هذا التأويلِ لا يتدافعُ قولُ مَن قال : إن
الفريضةَ هى الأولى . مع قوله : ذلك إلى اللهِ تعالى . وقد أجمَع مالكٌ وأصحابُه
على أن مَنِ صلَّى فى بيتِه وحدَه ، أنه لا يؤمّ فى تلك الصلاةِ غيرَه . وهذا يوضحُ
لك أن الأُولى هى عندَهم الفريضةُ، وعلى هذا جماعةُ أهلِ العلمِ .
حتى لقد قال إبراهيمُ النخعىُ: مَن صلَّى صلاةً وحدَه، وقصَد بذلك أداءَ
فرضِه، وكتبَت الملائكةُ الحفظةُ ذلك، لم يستطع أحدٌ أن يردّه إلى نافلةٍ(). أو
نحوَ ذلك ، هذا معنى قولِه . واختارَت طائفةٌ مِن أصحابٍ مالكِ أن تكونَ الثانيةُ
فرضَه؛ لأنها صلاةُ جماعةٍ ، ويأمُرونه ألا يدخلَ مع الإمامِ إلا بنيةِ الفرضِ .
وتأوَّلوا فى قولِه وَلَهِ للذين أمرَهم أن يُعيدوا الصلاةَ مع الإمامِ: ((فإنها لكم
نافلةٌ))(٢) . قالوا: نافلةٌ هلهنا بمعنى فضيلةٍ.
واحتجُوا بقولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ: إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ
عِا
نَافِلَةً﴾ [الأنبياء: ٧٢]. أى: فضيلةً. وكذلك تأوَّلوا فى قولِ اللهِ تعالى:
﴿وَ مِنَ الَتْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةٌ لَّكَ﴾ [ الإسراء: ٧٩] . أى: فضيلةً. قالوا: وإنما لم
يؤمَّ فى تلك الصلاةِ أحدًا؛ لأنا لا ندرى أُّ الصلاتين صلاتُه حقيقةً، فاحْتَطْنا ألَّ
القبس
(١) تقدم تخريجه ص٣١٩ .
(٢) تقدم تخريجه ص٣٢٠ .
٣٢٩

الموطأ
٢٩٩ - مالِكٌ، عن عَفِيفِ بنِ عمرٍو السَّهْمِىِّ، عن رجلٍ مِن بنى
أسدٍ ، أنه سأَل أبا أيوب الأنصارىَّ فقال: إِنِّى أُصَلِّى فى بيتى، ثُم آتى
المسجدَ فأجدُ الإِمامَ يُصَلِّى ، أفأُّصَلِّى معه؟
فقال أبو أيوب : نعم ، فصل معه ، فإن من صنع ذلك فإن له سهم
جَمْعٍ، أَو مِثْلَ سهمِ جَمْعٍ .
الاستذكار يؤمّ أحدًا؛ خوفًا مِن أن تكونَ الثانيةُ تطوعًا، فيأتمَّ به فيها مَن هى فريضتُه .
وأما حديثُه فى هذا البابِ عن عَفيفِ بنِ عمرٍو السَّهْميِّ ، عن رجلٍ مِن بنى
أسدٍ ، أنه سأل أبا أيوبَ(١) الأنصارىَّ، فقال: إنى أصلِّى فى بيتى ثم آتِى
المسجدَ ، فأجِدُ الإِمامَ يصلِّى ، أفأصلِّى معه؟ فقال أبو أيوبَ : نعم صلِّ معه ؛ فإن
مَن صنَعِ ذلك له سهمُ جَمْعٍ . أو: مثلُ سهمٍ جَمْعٍ(٢) . فقد رواه ابنُ وهبٍ ، عن
عمرو بن الحارثِ، عن بكيرِ بنِ الأشجِّ ، أنه سمِع عفيفَ بنَ عمرٍ و يقولُ: حدَّثَنَى
رجلٌ مِن(٢) أسدِ بنِ خزيمةَ، أنه سأل أبا أيوبَ الأنصارىَّ، فقال: أحدُنا يصلِّى
فى منزلِه الصلاةَ، ثم يأتى المسجدَ، فتقامُ الصلاةُ فيصلِّى معهم؟ فقال
أبو أيوبَ: سألْنا عن ذلك رسولَ اللهِ وَلِّ، فقال: ((له بذلك سهمُ جَمْعٍ))(1).
القبس
(١) فى ح: ((مسعود)).
(٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٢١٩)، وبرواية أبى مصعب (٣٣٣). وأخرجه البخارى فى
تاريخه ٧/ ٧٥، والبيهقى ٣٠٠/٢ من طريق مالك به .
(٣) بعده فى ح: ((بنى)). وهو موافق لما عند أبى داود والمزى.
(٤) أخرجه أبو داود (٥٧٨) - ومن طريقه البيهقى ٢/ ٣٠٠، والطبرانى (٣٩٩٨)، والمزى =
٣٣٠

الموطأ
ولو استدلَّ مُستدِلٌّ على سقوطِ فرضِ الجماعةِ ، وأنها مُسْتحبَّةٌ وسنةٌ لا فريضةٌ ، الاستذكار
بهذه الآثارِ كلِّها، وما كان مثلَها عن النبيِّ وَّهِ، ثم عن أصحابِه؛ فإنهم لم
يقولوا لأحدٍ ممن سألهم فى إعادةِ الصلاةِ مع الإمامِ ، وقد صلَّى وحدَه : بئس ما
فعلتَ إِذْ صليتَ وحدَك، وكيف تصلِّى وحدَك؟ ولا صلاةَ لمن صلَّى وحدَه . بل
جميعُهم سكَت له عن ذلك ، وندَبه إلى إعادةِ الصلاةِ للفضلِ لا لغيرِهِ، واللهُ يَمُّ
على مَن يشاءُ بفضلِه وتوفيقِه .
وأما قولُه: ((سهمُ جمعٍ)). فقال ابنُ وهبٍ : يُضعَفُ له الأجر.
قال أبو عمرَ : هذا التأويلُ أشبهُ عندِى مِن قولٍ مَن قال: إن الجمعَ هنا
الجيشُ ، وإن له أجرَ الغازى وأجرَ الغزاةِ فى سبيلِ اللهِ ، وإن ذلك مأخوذٌ مِن قولِه
تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَّءَ الْجَمْعَانِ﴾ [الشعراء: ٦١] . یعنی الجیشین . وقول ابن وهپ فى
ذلك أصوبُ .
وقد ذكرنافى ((التمهيدِ)) (١) الخبرَ عن المنذرِ بنِ الزبيرِ ، أنه أوصى فى وصيتِه ،
فقال: لفلانٍ كذا، ولفلانٍ كذا، ولفلانٍ سهمُ جَمْعٍ. قال مصعبُ بنُ
عبدِ اللهِ : فسألتُ عبدَ اللهِ بنَ المنذرِ بنِ الزبيرِ: ما يعنى بسهمِ جَمْعٍ؟ قال :
نصيبُ رجلَين. وهذا يَشْهدُ لما قاله ابنُ وهبٍ، وهو المعروفُ عن فصحاءٍ
العرب . واللهُ أعلمُ .
القبس
= فى تهذيب الكمال ١٨٣/٢٠ من طريق ابن وهب به .
(١) تقدم تخريجه ص ٣١٣.
٣٣١

٣٠٠ - مالك، عن نافع، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان يقولُ: مَن
الموطأ
صَلَّى المغربَ أو الصبحَ ، [٤٩ ظ] ثُم أَدْرَ كهما مع الإمامِ ، فلا يَعُدْ لهما .
قال يحيى : قال مالكٌ: ولا أَرَى بأسًا أن يُصَلَّىَ مع الإمام مَن كان
قد صلَّى فى بيتهِ ، إلا صلاةَ المغربِ ، فإنه إذا أعادها كانت شَفْعًا .
١
العملُ فى صلاةِ الجماعةِ
٣٠١ - حدَّثنى يحيى، عن مالك، عن أبى الزِّنادٍ، عن الأعرجِ،
عن أبى هريرةَ، أن رسولَ اللهِ وَلَه قال: ((إذا صلّى أحدُكم بالناسِ
فلْيُخَفِّفْ ؛ فإِن فيهم الضعيفَ والسَّقِيمَ والكبيرَ، وإذا صلّى أحدُكم
لنفسِه فلْيُطَوِّلْ ماشاء)) .
الاستذ کار
ذكَر مالكٌ فى ((الموطأُ)) عن نافع، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان يقولُ: من صلَّى
المغربَ أو الصبحَ، ثم أدرَكَهما مع الإمامِ ، فلا يَعُدْ لهما (٢).
. التمهيد
مالكٌ، عن أبى الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبى هريرةَ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَله
قال: ((إذا صلَّى أحدُكم بالناسِ فلْيُخَفِّفْ، فإنَّ فيهم الضعيفَ، والسقيمَ ،
والكبيرَ، وإذا صلَّى أحدُكم لنفسِه فلْيُطَوِّلْ ما شاء))(١).
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٢١٨)، وبرواية أبى مصعب (٣٣٤). وأخرجه الشافعى ٢٠٦/٧،
والبيهقى فى المعرفة (١٠٧٣) من طريق مالك به .
(٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٢٤٨)، وبرواية أبى مصعب (٣٣٦). وأخرجه أحمد ٢٠٧/١٦
(١٠٣٠٦)، والبخارى (٧٠٣)، وأبو داود (٧٩٤)، والنسائى (٨٢٢) من طريق مالك به .
٣٣٢

الموطأ
التمهيد
أكثر الرواةِ عن مالك فى ((الموطَّأُ)) لا يقولون فى هذا الحديث: (( والكبيرَ)) .
وقاله جماعةٌ ؛ منهم یحتی ، وقُتیبةُ ، وهكذا روایةُ أُبی الزِّنادِ مِن حدیثِ مالك
وغيرِهِ ، لم يذكُرْ فى حديثه هذا: (( وذا الحاجةِ)). وهو محفوظٌ مِن حديثٍ أبى
هريرةَ أيضًا، وأبى مسعودٍ (١)، وعثمانَ بنِ أبى العاصى (١).
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ
وضَّاحِ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةَ، قال: حدَّثنا علىُ بنُ مُشْهِرٍ، عن
محمدِ بنِ عمرٍو، عن أبى سلمةَ، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ وَّقال: ((إذا كان
أحدُكم إمامًا فلْيُخَفِّفْ، فإنَّ وراءَه الكبيرَ، والضعيفَ، وذا الحاجةِ ، فإذا صلَّى
أحدُكم لنفسِه فيُطَوِّلُ ما شاء))(٣).
وأكثرُ ما فى هذا الحديثِ أَمْرُ الأئمةِ بالتَّخفيفِ ، وتركِ التَّطويلِ، لِعِلَلٍ قد
بانَتْ فى قوله: ((فإنَّ فيهم الكبيرَ، والسقيمَ، والضعيفَ، وذا الحاجةِ)).
والتخفيفُ لكلِّ إمام أمْرٌ مُجتمَعٌ عليه، مندوبٌ عندَ العلماءِ إليه ، إلَّا أنَّ ذلك
إنما هو أقلُّ الكمالِ، وأما الحَذَفُ والنُّقصانُ فلا؛ لأنَّ رسولَ اللهِ أَلّ قد نھَی
عن نقْرِ الغرابِ، ورأى رجلًا يُصلِّى ولم يُتِمَّ ركوعَه وسجودَه، فقال له :
((ارجِعْ فصَلِّ، فإِنَّك لم تُصَلِّ)) (١). وقال ◌َ: (( لا ينظُرُ اللهُ عزَّ وجلَّ إلى
القبس
(١) سيأتى تخريجه ص ٣٤١.
(٢) سيأتى تخريجه ص ٣٣٩.
(٣) أخرجه أحمد ٣١٠/١٦ (١٠٥٢٢) من طريق محمد بن عمرو به، وأخرجه مسلم (١٨٥/٤٦٧)،
وابن حبان (٢١٣٦) من طريق أبى سلمة به .
(٤) تقدم تخريجه فى ١٧٣/٤ - ١٧٥.
٣٣٣

الموطأ
مَن لا يُقیمُ صلبه فی ركوعه وسجوده))(١) . وقال أنش: كان رسولُ اللهِ
صَلى الله
وَسَيَّة
التمهيد
أخفَّ الناسِ صلاةٌ فى تمامٍ .
حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ، حدَّثنا أحمدُ بنُّ
شعيبٍ ، أخبرنا قتيبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا أبو عوانةً، عن قتادةَ، عن أنس ، أنَّ
النبيَّ ◌َّ كان أخفَّ الناسِ صلاةً فى تمامٍ " .
ورُوِى هذا عن أنسٍ مِن وجوهٍ ، وقد رواه عبدُ الملكِ بنُ بُديلٍ، عن مالكِ،
عن ابن شهابٍ ، عن أنسٍ ) . فهو غريبٌ مِن حديث مالك، غيرُ محفوظ له،
وعبدُ الملكِ بنُ بُديلٍ شامىٌ ليس بالمشهورِ بحملِ العلمِ، ولا ممن تُعرَفُ له
بجرحَةٌ(٤) يجبُ بها ردُّ روايته . واللهُ أعلمُ .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال :
حدَّثنا محمدُ بنُّ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ صالح، قال: حدَّثنا
اللَّيْثُ، قال: حدَّثنى يزيدُ بنُ أبى حبيبٍ، أَنَّ جعفرَ بنَ عبدِ اللهِ بنِ
الحكم، حدَّثه عن تميم بن محمودِ اللَّيثىّ، عن عبد الرحمنِ بنِ شِبلٍ
القبس
(١) أخرجه أحمد ٢٢٤/٢٦ (١٦٢٩٧)، وابن ماجه (٨٧١، ١٠٠٣)، والطحاوى فى شرح
المشكل (٣٩٠١) من حديث على بن شيبان .
(٢) النسائى (٨٢٣)، وفى الكبرى (٨٩٨). وأخرجه مسلم (١٨٩/٤٦٩)، والترمذى (٢٣٧) عن
قتيبة به، وأخرجه مسلم (١٨٩/٤٦٩)، وابن خزيمة (١٦٠٤) من طريق أبى عوانة به .
(٣) أخرجه الخطيب ٢٣٢/٣ من طريق عبد الملك بن بديل به .
(٤) فى الأصل: ((مُزبة))، وفى ص ١٦: ((حرمة)). والجُزْحة؛ يقال للمشهود عليه: هل معك
لمجزحة . وهى ما تجرح به الشهادة . أساس البلاغة (ج ر ح).
(٥) بعده فى ص، ص ١٧: ((عبد)). وينظر تهذيب الكمال ٦٤/٥.
٣٣٤

الموطأ
الأنصارىِّ، أنه قال: إنَّ رسولَ اللهِ وَ لَهِ نهَى عن نقرِ الغرابِ، وافتراشِ
(١)
السَّبْعُ(١).
التمهيد
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ وأحمدُ بنُ قاسم، قالا: حدَّثنا : قاسمُ بنُ
أصبغَ ، قال : حدَّثنا الحارثُ بنُ أبى أسامةَ ، قال: حدَّثنَا يعلَى، قال: حدَّثنی
عبدُالحكم، عن أنسٍ، أنَّ رسولَ اللهِ نَِّ قال: ((اعتدِلُوا فى الركوع
والسجودِ ، ولا يفتَرِشْ أحدُكم ذراعَيهِ افتراشَ الكلبِ)) .
وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ
أصبغَ(٢) قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ حربٍ
وعارٌ، قالا: حدَّثنا مهدىُّ بنُ ميمونٍ ، قال : أخبرنا واصلٌ الأحدبُ ، عن أبى
وائلٍ ، قال : رأى حذيفةُ رجلًا يُصلِّى لا يُتِمُ ركوعَه ولا سجودَه، فلما انصرف
دعاه، فقال: مُذْ كم صلَّيتَ هذه الصلاةَ؟ قال: صلَّتُها منذُ كذا وكذا . فقال
حذيفةُ : ما صلَّيتَ . أو قال: ما صلَّيتَ للهِ . وأحسَبُه قال : وإن مِتَّ مِتَّ على
غيرٍ سُنَّةٍ(٢) محمدٍ زَّةٍ(٤).
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا
أبو داودَ، قال: حدَّثنا حفصُ بنُ عمرَ النَّمَرِىُّ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن
القبس
(١) أخرجه أحمد ٢٩٤/٢٤ (١٥٥٣٣)، وأبو داود (٨٦٢) من طريق الليث به .
(٢) فى م: ((محمد)).
(٣) فى ص ١٧: ((ملة)).
(٤) أخرجه أحمد ٣٨١/٣٨ (٢٣٣٦٠)، والبخارى (٣٨٩، ٨٠٨) من طريق مهدى بن ميمون به .
٣٣٥
٦

الموطأ
سليمانَ، عن عُمَارةَ بنِ عُميرٍ، عن أبى معمرٍ، عن أبى مسعودٍ البَذْرِىِّ، قال: قال
رسولُ اللهِ وَّهِ: ((لا تُجْزِئُّ صلاةُ الرجلِ حتى يُقِيمَ ظَهرَه فى الركوع والسجودٍ))" .
التمهيد
قال أبو عمرَ: فى حديث أبى هريرةً ورفاعةً بن رافعٍ، عن النبيِّ ◌َِّ فِى
تعليم الأعرابيّ: ((ثم اركع فاعتدِلْ قائمًا ، ثم اسجدْ فاعتدلْ ساجدًا ، ثم اجلِسْ
فاطمَئنَّ جالسًا، ثم اسجُدْ فاعتدِلْ ، فإذا صلَّيتَ صلاتَك على هذا فقد أتَمَمْتَ
صلاتَك))(٢) . وقد ذكَرْنا هذا الخبرَ فى غيرِ موضعٍ مِن كتابِنا، والحمدُ للهِ.
واختلف الفقهاءُ فيمن صار مِن الركوعِ إلى السجودِ ولم يرفَعْ رأسَه ؛ فروَى
ابنُ وهب عن مالكِ أنَّه لا يُجزِئُه . قال: ويُلْغِى تلك الركعةَ ولا يعتدُّ بها مِن
صلاِهِ إن لم يرفَعْ صُلبَه . وروى ابنُ عبدِ الحكم عنه : إذا رفع رأسَه مِن الركوعِ ثم
أهوَى ساجدًا قبلَ أن يعتدِلَ أنَّه يُجزِثُه . وقال ابنُّ القاسمِ: ومَن رفَع رأسَه مِن
الركوعِ ولم يعتدِلْ قائمًا حتى خرّ ساجدًا، فلْيُستَغْفِرِ اللهَ ولا يَعُدْ، فإنْ خرَّ مِن
الركوعِ إلى السجودِ ولم يرفَعْ شيئًا فلا (" يعتَدُّ بتلك؟ الركعةِ. وهو قولُ مالكٍ.
قال ابنُ القاسمِ : ومَن رفع رأسه مِن السجودٍ فلم يعتدِلْ جالسًا حتى سجد
أُخرى، فلْيستغفِرِ اللهَ ولا يَعُدْ، ولا شىءَ عليه فى صلاتِه. قال ابنُ القاسم :
1
القبس
(١) أبو داود (٨٥٥). وأخرجه الطبرانى ٢١٣/١٧ (٥٧٩) من طريق حفص بن عمر به، وأخرجه
أحمد ٣٠٥/٢٨ (١٧٠٧٣)، وابن خزيمة (٥٩٢)، وابن حبان (١٨٩٣) من طريق شعبة به .
(٢) تقدم تخريجه فى ١٧٣/٤ - ١٧٥ .
(٣ - ٣) فى ص، ص ١٧: ((يعيد تلك)).
٣٣٦

الموطأ
٠
التمهيد
وأحبُّ إلىَّ فى الذى خرَّ مِن الركعةِ ساجدًا قبلَ أن يرفَعَ رأسَه أن يتمادَى مع الإمامِ
ثم يُعيدَ الصلاةَ . وقال عيسى بنُ دينارٍ : إنْ فعَل ذلك فى الركعةِ الأولى قطَع
صلاتَه وابتدَأها ، وإن فعَل ذلك فى الركعةِ الثانيةِ جعَلها نافلةً وسلَّم ، وإن فعَل
ذلك فى الركعةِ الثالثةِ أتمَّ صلاتَه وجعَلها نافلةً ثم أعادها بتمامٍ ركوعها
وسجودِها، وهذا فيمن صلَّى وحدَه، وأما مَن صلَّى مع الإمامِ وفعَل مثلَ ذلك
تمادى معه ثم أعادها .
قال أبو عمرَ: لا معنى للفرقِ بينَ الركعةِ الأولى وغيرِها فى أثرٍ ولا نظرٍ ،
وكذلك لا معنى لقولٍ مَن صيَّرها نافلةً، والصوابُ إلغاءُ تلك الركعةِ على ما
روَى ابنُ وهبٍ وغيرُه، عن مالكٍ؛ لأنَّ الاعتدالَ فرضٌ كالركوع والسجودٍ ، ألا
ترَى إلى قولِ رسولِ اللهِ وَله: ((ارفَعُ(١) حتى تعتدِلَ(١) قائمًا، ثم اسجُدْ حتى
تطمئنّ(٢) ساجدًا، ثم اجلِسْ حتى تعتدِلَ جالسًا)). وقد ذكرنا هذا الخبرَ فيما
سلَف مِن هذا الكتابِ. وقال وَلَهَ: (( لا تُجْزِئُ رجلًا صلاتُه حتى يُقيمَ فيها ظهرَه
فى ركوعهِ وسجودِهِ)). وقال أبو حنيفةَ فيمَن صار مِن الركوع إلى السجودِ ولم
يرفَعْ رأسَه: إنه يُجزئُه. وقال أبو يوسفَ: لا يجزِئُه. وقال الثورىُّ، والأوزاعىُّ،
والشافعىُّ، وأحمدُ ، وإسحاقُ، وداودُ، والطبرىُّ: إذا لم يرفَع رأسَه مِن الركوعِ
لم يعتَدَّ بتلك الركعةِ حتى يقومُ فيعتدِلَ صُلبُه قائمًا .
القبس
(١) فى الأصل: ((ثم اركع))، وفى ص: ((اركع)).
(٢) فى ص ١٦: ((تطمئن)).
(٣) فى الأصل، ص ١٦: ((تعتدل)).
.٣٣٧
( موسوعة شروح الموطأ ٢٢/٥ )

الموطأ
التمهید
قال أبو عمرَ : أحاديثُ هذا البابِ تدُلَّ على صحة هذا القولِ ، وما روَى فيه
ابنُ وهبٍ ، عن مالكِ هو الصوابُ، وعليه العلماءُ، وروايةُ ابنِ عبدِ الحكم قد
روَى مثلَها ابنُ القاسم ، ولا أعلمُ أحدًا تقدَّم إلى هذا القولِ غيرَ أبى حنيفةً،
والأحاديثُ المرفوعةُ فى هذا البابِ تردُّه . وباللهِ التوفيقُ .
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا
أحمدُ بنُ شعيبٍ ، قال : أخبرنا إسماعيلُ بنُ مسعودٍ ، قال: حدَّثنا خالدٌ ، وهو
ابنُ الحارثِ ، عن ابنِ أبى ذِئْبٍ ، قال : أخبرنا الحارثُ بنُ عبدِ الرحمنِ ، عن سالم
ابنِ عبدِ اللهِ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، قال: كان رسولُ اللهِ وَله
يأمُرُنا (١) بالتَّخفيفِ، ويؤُمُّنا بـ: ((الصافاتِ))(٢).
قال أبو عمرَ: زاد بعضُهم فى هذا الحديثِ : فى الصبح. وقد قيلَ : فى
المغربِ. ولا حَدَّ فى إكمالِ الصلاةِ وتخفيفِها أكثرُ مِن الاعتِدَالِ فى الركوعِ،
والسجودٍ، والجلوس، وأقلُّ ما يُجزِئُّ مِن القراءةِ ((فاتحةُ الكتابِ )) بقراءةٍ تُفْهَمُ
◌ُروُھا . قال ابنُ القاسم عن مالك فى الر کوع : إذا أمكن بدئهمِن رُ کبتته وإن لم
يُسبّخ فهو مُجْزِئُّ عنه. وكان لا يُوقِّتُ تسبيحًا. وقال الشافعىُّ: أقلُّ ما يُجزِئُ
مِن عملِ الصلاةِ أن يُحِمَ ويقرَأَ بـ: ((أُمّ القرآنِ(٣))) إن أحسنها، ويركَعَ حتى
القبس
(١) فى ص، ص ١٧: ((يأمر)).
(٢) النسائى (٨٢٥)، وفى الكبرى (٩٠٠). وأخرجه ابن خزيمة (١٦٠٦) من طريق خالد بن
الحارث به، وأخرجه أحمد ٤١٥/٨، ٤١/٩ (٤٧٩٦، ٤٩٨٩)، وابن خزيمة (١٦٠٦)، وأبو
يعلى (٥٤٤٥) من طريق ابن أبي ذئب به .
(٣) فى ص، ص ١٧: ((الكتاب)).
٣٣٨

الموطأ
التمهید
يطمئنَّ راكعًا، ويرفَعَ حتى يعتدِلَ قائمًا، ويسجُدَ حتى يطمئنَّ ساجدًا على
الجبهةِ ، ثم يرفَعَ حتى يعتدِلَ جالسًا، ثم يسجدَ الأُخرى كما وصَفتُ، ثم يقومَ
حتى يفعَلَ ذلك فى كلِّ ركعةٍ ، ويجلِسَ فى الرابعةِ ، ويتشهَّدَ، ويُصلِّىَ على
النبيِّ وَّه ويُسلِّمَ تسليمةً يقولُ: السلامُ عليكم. فإذا فعل ذلك أجزَأته
صلاتُه، وقد ضَيَّعَ حظّ نفسِه فيما ترَك .
قال أبو عمرَ: أما التشهُّدُ، والصلاةُ على النبيِّ وَِّ، والتسليمُ، فمُختَلَفٌ
فى ذلك، وقد ذكَوْناه فيما سلَف مِن كتابِنا هذا فى مواضِعَ منه . والحمدُ للهِ .
قال أبو عمرَ : لا أعلمُ بينَ أهلِ العلمِ خلافًا فى استِحبابِ التَّخفيفِ لكُلِّ مَن
أمَّ قومًا على ما شرَطْنا مِن الإتيانِ بأقلّ ما يُجزِىُّ، والفريضةُ والنافلةُ عندَ جميعِهم
سواءٌ فى استحبابِ التَّخفيفِ فيما إذا صُلِّيتْ جماعةً بإمام ، إلّا ما جاء فى صلاةٍ
الکسوف علی سُنَّتِها على ما قد بيَّنا مِن مذاهب العلماءِ فی ذلك فى بابٍ زیدِ بنِ
أسلمَ(١). والحمدُ للهِ .
روَى مُطرّفُ بنُ الشِّخِّيرِ، عن عثمانَ بنِ أبى العاصِى، قال: أمَرنى
رسولُ اللهِ وَّهِ أَن أَؤُمَّ الناسَ، وأن أَقدِّرَهم بأُضعَفِهم، فإنَّ فيهم الكبيرَ،
والسقيمَ، والضعيفَ(٢)، وذا الحاجة .
ذكره الشافعُ(١) ، عن ابنِ عيينةً ، عن محمدِ بنِإسحاق ، عن سعیدِ بنِ أبی
القبس
(٣) فى ص، ص ١٧: ((الكتاب)).
(١) سيأتى فى شرح الحديث (٤٤٧) من الموطأ .
(٢) فى ص، ص ١٦، ص ١٧: ((الصغير)).
٣٣٩

الموطأ
التمهيد هندٍ، عن مُطَرِّفٍ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الشِّخِّيرِ، عن عثمانَ بنِ أبي العاصِى .
وأحسنُ شىءِرُوِى عندى فى تخفيفِ الصلاةِ والتَّجُزِ فيها مِن أجلِ الحاجةِ
والحادثِ يَعرِضُ - حدیثُ أبی قتادةً و حدیثُ أنس مع حدیثِ أبی الزنادِ
المذكورِ فى هذا البابِ .
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ أسدٍ ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ بنِ
السكَنِ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يوسفَ، قال: حدَّثنا البخارىُّ، قال: حدَّثنا
ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى عدىٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن أنسٍ ، عن
النبيِّ وَّه قال: ((إِنِّى لأَدخُلُ فى(٢) الصلاةِ فَأُريدُ إِطالتَها، فأسمعُ بكاءَ الصبىّ
فأتجوَّزُ؛ لما أعلمُ مِن شِدةِ وَجْدٍ أُمّه مِن بُكائِه))(٢).
وحديثُ أبى قتادةَ حدَّثناه محمدُ بنُ إبراهيمَ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ
معاويةَ ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيبٍ ، قال: أخبرنا سويدُ بنُ نصْرٍ، قال :
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ المباركِ، عن الأوزاعيِّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ أبى
كثيرٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبى قتادةَ، عن أبيهِ، عن النبيِّ وَّرِ قال: ((إنِّى
لأقومُ فى الصلاةِ فأسمعُ بكاءَ الصبىِّ، فأتجوَّزُ فى صلاتِى كراهيةَ أَنْ أَشقَّ
· القبس
(١ - ١) سقط من: م.
(٢) ليس فى : الأصل، م.
(٣) البخارى (٧١٠). وأخرجه ابن خزيمة (١٦١٠) عن ابن بشار به، وأخرجه أحمد ١٢٣/١٩
(١٢٠٦٧)، وأبو يعلى (٣١٥٨) من طريق ابن أبى عدى به، وأخرجه البخارى (٧٠٩)، ومسلم
. (١٩٢/٤٧٠) من طريق سعيد بن أبى عروبة به .
٣٤٠