Indexed OCR Text
Pages 281-300
الموطأ التمهيد فى غيرٍ موضعٍ من كتابِنا هذا، فلا معنى لتكريرِها بعدُ ههنا . وفى هذا الحديثِ أيضًا جوازُ تسميةِ العشاءِ بالعَتَمةِ ، وهو موضعُ اختلافٍ بينَ أهلِ العلمِ ، فمَن كرِه ذلك احتجّ بأن الله عزَّ وجلّ سمَّاها العِشاءَ بقولِه: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَوَةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨]. واحتجَّ أيضًا بحديثٍ أبى سلمةً، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ وََّ أنه قال: ((لا تَغْلِيَتَّكم الأعرابُ على اسم صلاتِكم هذه، إنما هى العِشاءُ، وإِنما يُسُّونها العَتَمَةَ؛ لأنهم يُعتِمون بالإبلِ)) (١) . ومَن أجازَ تسميةً العشاءِ بالعَتَمةِ، فحُجَّتُه حديثُ سُمَيِّ المذكورُ فى هذا البابِ ، واللهُ المُوفِّقُ للصوابِ . وَأَمَّ قولُهُ وَلَهِ: (لو يعلمُ الناسُ ما فى النداءِ والصفِّ الأُولِ ثم لم يجِدُوا إِلا أن يَستهِموا عليه لاستَهَموا)). فإنما أراد(١) الاستهامَ على الصفِ الأولِ(١) لا على الأذانِ، وعليه رجَع الضميرُ فى ((عليه). وقال ابنُ حبيبٍ: إنما ذلك فى الموضعِ الذى لا يُؤَذِّنُ فيه إلا واحدٌ كالمغربِ والجمعةِ مع(٢) كثرةِ المؤذِّنين. قال أبو عمرَ : يخُضُّهم على ذلك ؛ لئلا يزهَدوا فى الأذانِ ، فتبطُلَ السُّنةُ فيه بالتواكُلِ وقلَّةِ الرغبةِ ، وقد روَى أبو حمزةَ الشُّكّرُّ، عن الأعمش، عن أبى صالحٍ، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلَّهِ: ((الإمامُ ضامنٌ، والمؤذِّنُ القبس (١) قال النووى: معناه أن الأعراب يسمونها العتمة لكونهم يعتمون بحلاب الإبل، أى: يؤخرونها إلى شدة الظلام . والحديث أخرجه أحمد ١٧٩/٨، ٣١٥، (٤٥٧٢، ٤٦٨٨)، ومسلم (٦٤٤)، وأبو داود (٤٩٨٤) من طريق أبى سلمة به . (٢) سقط من : م. (٣) فى م: ((تجمع)). ٢٨١ الموطأ ٢٩٤ - مالك، عن ابن شهاب ، عن أبی بکرِ بنِ سلیمانَ بنِ ایی حَثْمَةً، أن عمرَ بنَ الخطابِ فَقَد سليمانَ بنَ أبى حَثْمَةَ فى صلاةٍ الصبح، وأن عمرَ بنَ الخطابِ غدًا إلى السوقِ ، ومَسكَنُ سليمانَ بينَ السوقِ والمسجدِ ، فمرَّ على الشِّفاءِ أُمِّ سليمانَ ، فقال لها: لم أَرَ سليمانَ فى الصبح؟! فقالت : إِنه بات يُصلَّى، فغلَبَتْه عَيْناه . فقال عمر: لأنْ أَشْهَدَ صلاةَ الصبح فى الجماعةِ ، أحَبُّ إِلىَّ مِن أن أقومَ ليلةً . التمهید مُؤتَمَنٌ، اللهمَّ أرشِدِ الأئمةَ واغفِرْ للمؤذِّنين)). قالوا: يا رسولَ اللهِ، لقد ترَكتَنا بعدَك نتنافسُ فى الأذانِ . فقال: ((إن بعدَكم قومًا سَفِلَتُهم مؤذِّنوهم))(١). وهذا حديثٌ انفرد به أبو حمزةَ هذا، وليس بالقوىِّ. وباللهِ التوفيقُ . الاستذكار وأما قولُ عمرَ بنِ الخطابِ رضِى اللهُ عنه فى هذا البابِ : لأن أشهدَ صلاةَ الصبحِ(٢) فى جماعةٍ ، أحبُّ إلىَّ مِن أن أقومَ ليلةٌ(٣). وكذلك قولُ عثمانَ بنِ عفانَ فى هذا البابِ أيضًا: مَن شهِد العشاءَ فكأنما قام نصفَ ليلةٍ ، ومَن شهِد الصبحَ فكأنما قام ليلةً . القبس (١) تقدم فى ٤/ ٥٠. (٢) فى ح: «العشاء)». (٣) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٢٤٣)، وبرواية أبى مصعب (٣٢٨). وأخرجه البيهقى فى الشعب (٢٨٧٧) من طريق مالك به . ٢٨٢ ٢٩٥ - مالكٌ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ، عن الموطأ عبدِ الرحمنِ بنِ أبِى عَمْرَةَ الأنصارىِّ ، أنه قال : جاء عثمانُ بنُ عفانَ إلى صلاةِ العشاءِ، فرأى أهلَ المسجِدِ قليلًا، فاضطَجَع فى مُؤَخَّرِ المسجدِ ، ينتظرُ الناسَ أن يَكْثُرُوا، فأتاه ابنُ أبى عَمْرَةَ فجلس إليه ، فسأله مَن هو ، فأخبره ، فقال : ما معك مِن القرآنِ ؟ فأخبره ، فقال له عثمانُ : مَن شَهِد العِشاءَ فكأنما قام نصفَ ليلةٍ ، ومَن شَهِد الصبحَ فكأنما قام ليلةً . مالكٌ، عن يحيى بنِ سعيدٍ ، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ التمهيد أبى عمرةَ ، أنه قال: جاء عثمانُ بنُ عفانَ إلى صلاةِ العشاءِ، فرأى أهلَ المسجدِ قليلًا ، فاضطجع فى مؤخّرِ المسجدِ ينتظِرُ الناسَ أن يكثُرُوا ، فأتاه ابنُ أبي عمرةً فجلس إليه ، فسأله مَن هو ؟ فأخبره ، فقال له : ما معك من القرآنِ ؟ فأخبره ، فقال عثمانُ : مَن شَهِد العشاءَ فكأنما قام نصفَ ليلةٍ ، ومَن شَهِد الصبح فكأنما قام =(١) ليلةٌ(١). وهذا أيضًا لا يكونُ مثلُه رأيًا ، ولا يُدرَكُ مثلُ هذا بالرأيِ ، وقد رُوِى مرفوعًا عن النبيِّ وَه . ورواه ابنُ جريجٍ، عن يحيى بنِ سعيدٍ ، قال : أخبرنى محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ الحارثِ التيمىُّ ، عن عبد الرحمنِ بنِ أبي عمرةً قال : خرَج عثمانُ إلى العشاءِ الآخرةِ. فذكَر مثلَ حديثٍ مالكِ سواءً إلى آخرِه بلفظِهِ ومعناه موقوفًا لم يرفعه . القبس (١) الموطأ برواية أبى مصعب (٣٢٩). وأخرجه البيهقى فى المعرفة (٦٤٩) من طريق مالك به . ٢٨٣ الموطأ التمهيد ذكَره عبدُ الرزاقِ (١، عن ابنِ جريجٍ . وكذلك رواه عن يحيى بنِ سعيدٍ موقوفًا كما رواه مالكٌ وابنُ جريج ، يزيدُ بنُّ هارونَ، وعبدُ الوهابِ الثقفىُّ (١). ورواه عثمانُ بنُ حكيم بنِ عبادٍ بنٍ محنّيفٍ - وهو عندَهم ثقةٌ لا بأسَ به ، وليس كيحيى بن سعيدٍ فى الإتقانِ والجلالةِ - عن محمدِ بنِ إبراهيمَ، عن ابنٍ أبى عمرةَ، عن عثمانَ مرفوعًا. رواه عن عثمانَ بنِ حكيم، سفيانُ الثورىُّ، وعبدُ الواحدِ بنُ زیادٍ العبدُّ (٤) . ذكَره عبدُ الرزاقِ (٥) ، عن الثورىِّ، عن عثمانَ بنِ حكيم ، عن عبد الرحمنِ ابنِ أبى عمرةَ، عن عثمانَ بنِ عفانَ، عن النبيِّ وَّهِ: ((مَن صلّى العشاءَ فى جماعةٍ فهو كنصفٍ قيامٍ ليلةٍ ، ومَن صلَّى العشاءَ والصبحَ فى جماعةٍ فهو كقيامٍ ليلةٍ)). وأخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، حدثنا محمدُ بنُ بکرٍ ، حدثنا أبو داودَ ، حدثنا أحمدُ بنُّ حنبلٍ، حدثنا إسحاقُ بنُّ يوسفَ ، قال: حدثنا سفيانُ، عن أبى سهيلٍ، يعنى عثمانَ بنَ حكيم، قال: حدثنا عبدُ الرحمنِ بنُ أبى عمرةَ، عن عثمانَ بنِ عفانَ قال: قال رسولُ اللهِ وَلَه: ((مَن صلَّى العشاء فى جماعةٍ كان كقيامٍ نصفٍ ليلةٍ ، ومَن صلَّى العشاء والفجرَ فى جماعةٍ كان کقيام ليلةٍ))(). القبس (١) عبد الرزاق (٢٠٠٩). (٢) بعده فى م: (( و)). (٣) ذكره الدارقطنى فى الإلزامات ص ٣٦٠ عن عبد الوهاب الثقفى به . (٤) أخرجه مسلم (٦٥٦)، وأبو عوانة (١٢٥٥)، وابن حبان (٢٠٦٠) من طريق عبد الواحد به . (٥) عبد الرزاق (٢٠٠٨) . (٦) أحمد ٥٢٦/١ (٤٩١)، وأبو داود (٥٥٥). وأخرجه أحمد ٤٦٨/١ (٤٠٨)، ومسلم (٦٥٦)، والترمذى (٢٢١) من طريق سفيان به . ٢٨٤ الموطأ هكذا فى حديثِ عثمانَ بنِ حكيم هذا المرفوع: ((من صلَّى العشاءَ والفجرَ التمهيد فى جماعةٍ فكأنَّما قام ليلةً)) . وفى حديثٍ يحيى بنِ سعيدٍ من قولٍ عثمانَ رضِى اللهُ عنه: مَن شَهِد الصبحَ فى جماعةٍ فكأنما قام ليلةً. لم يذكُرْ معها العشاءَ، وكذلك فى حديثِ الشِّفَاءِ، عن عمرَ بنِ الخطابِ من قوله . ذكَرِه مالكٌ(٢) ، عن ابن شهابٍ، عن أبى بكرِ بنِ سليمانَ بنِ أبى حَثْمةً ، أن عمرَ بنَ الخطابٍ فَقَد سليمانَ بنَ أبى حثمةَ فى صلاةِ الصبح، وأن عمرَ غدًا إلى السوقٍ، ومسكنُ سليمانَ بين المسجدِ والسوقِ ، فمرّ على الشفاءِ أمِّ سليمانَ ، فقال: لم أرَ سليمانَ فى الصبح. فقالت : إنه بات يصلِّى فغلَبتْه عيناه. فقال عمرُ: لأَنْ أشهدَ صلاةَ الصبحِ أحبُّ إلىّ من أن أقومَ ليلةٌ . هكذا رواه مالكٌ، وخالفه معمرٌ فى إسنادِه، والقولُ فى ذلك قولُ مالكٍ . واللهُ أعلمُ . ورواه أبو حفصٍ الأُبَّارُ، عن يحيى بن سعيدٍ مرفوعًا ، إلا أنه جعَل فى موضعٍ العشاءِ الصبحَ، وفى موضعٍ الصبحِ العشاءَ. حدثناه أحمدُ بنُ محمدٍ ، حدثنا أحمدُ بنُ الفضلِ ، حدثنا أحمدُ بنُ الحسنِ الصیرفیُ ، حدثنا أبو الربيع الزهرانىُ ، عن عمر بن عبد الرحمنِ الآبارِ ، عن یحیی القبس (١ - ١) فى ص، ر: ((كان كقيام ليلة هكذا فى حديث عثمان بن حكيم)). (٢) الموطأ (٢٩٤). ٢٨٥ الموطأ التمهید ابنِ سعيدٍ، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبی عمرةَ ، عن عثمانَ بنِ عفانَ قال: قال رسولُ اللهِ وَهِ: «صلاةُ العشاءِ فى جماعةٍ تعدِلُ قيامَ ليلةٍ ، وصلاةُ الصبحِ فى جماعةٍ تعدلُ قيامَ نصفٍ ليلةٍ))(١). ذكَر عبدُ الرزاقِ(٢) ، عن معمرٍ، عن الزهرىِّ، عن سليمانَ بنِ أبى حثمةَ، عن الشِّفَاءِ ابنةِ عبدِ اللهِ قالت: دخَل علىَّ بيتى عمرُ بنُ الخطابٍ، فوجَد عندى رجلَيْ نائمَينْ، فقال: ما شأنُ هذين؟ أمَا شهِدًا معنا الصلاةَ؟ قالت: يا أميرَ المؤمنين، صَلًَّا مع الناسِ - وكان ذلك فى رمضانَ - فلم يزالا يصلِّيان حتى أصبَحا، ثم صلَّيًا الصبح، ثم ناما . فقال عمر: لأن أصلِّىَ الصبحَ فى جماعةٍ أحبُّ إلىّ من أن أصلِّيَ ليلةٌ حتى أُصبِغَ. ليس فى هذا الحديثِ محُكْمٌ، وإنما فيه فضلُ صلاةِ الفريضةِ فى جماعةٍ، وقد زعم بعضُ الناسِ أن فيه دليلًا على جوازٍ صلاةِ الرجلِ وحدَه وإن كانت مفضولةً، وليس ذلك بالبيِّنِ فى هذا الحديثِ؛ لأنه يجوزُ أن يكونَ صلَّاها بعدُ كالفائتةِ، وقد مضَى القولُ فى هذه المسألةِ . القبس (١) أخرجه الطبرانى فى الأوسط (٤٩٩١)، وفى الصغير ٢٦٧/١ - ومن طريقه الخطيب فى تاريخه ٤٣٩/١٢ - من طريق الزهرانى به، وينظر علل الدارقطنى ٤٨/٣. (٢) عبد الرزاق (٢٠١١). ٢٨٦ إعادةُ الصلاةِ مع الإمامِ الموطأ ٢٩٦ - حدّثنی یحیی ، عن مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن رجلٍ مِن بنى الدِّيلِ يقالُ له : بُشْرُ بنُ مِخجنٍ. عن أَبيه مِخْجَنٍ ، أنه كان فی مجلسٍ مع رسولِ اللهِ وَلِهِ، فَأَذِّنَ بالصلاةِ، فقام رسولُ اللهِ [٤٩ و] وَِّ، فصلَّى، ثُم رجَع، ومِحْجَنٌ فى مجلسِه، فقال له رسولُ اللهِ وَلِلِّ: ((ما منعك أن تُصلَّىَ مع الناسِ؟ ألستَ برجلٍ مسلم؟)). فقال: بلى يا رسولَ اللهِ ، ولكنى قد صَلَّيْتُ فى أهلى. فقال له رسولُ اللهِ وَّةِ: ((إذا جئتَ فصَلُ مع الناسِ وإن كنتَ قد صَلَّيْتَ)) . مالكٌ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن رجلٍ من بنى الدِّيلِ يقالُ له: بُسُ(١) بنُ مِحْجنٍ، عن أبيه محجٍ، أَنَّه كان فى مجلسٍ مع رسولِ اللهِ وَّهِ فَأَذِّنَ (٢) بالصَّلاةِ، فقامَ رسولُ اللهِ وَلَّهِ، فصلَّى ثم رجَع، ومحجنٌّ فى مجلسِه ، فقال له رسولُ اللهِ وَهِ: (( ما منَعَكَ أن تُصَلِّىَ مع الناسِ؟ ألستَ برجلٍ مسلمٍ؟)) قال: بلى يا رسولَ اللهِ ، ولكِنِّى قد صَلَّيْتُ فى أهلِى. فقال له رسولُ اللهِ وَالرِ: ((إذا جِئْتَ فصلٌّ مع الناسِ، وإن كنتَ قد صلَّيْتَ))(٣). التمهيد حديثٌ : ذكَر مالكٌ عن مِحْجَنٍ حديثَ إعادةِ الصلاةِ . القبس اعلَموا، وفُقَكُم اللهُ تعالى، أنه لا صلاةَ فى يومٍ واحدٍ مَّتَين، إلا أن الشريعةً (١) فى ص: (( بشر)). (٢) بعده فى ص، س: ((رسول الله (َيرٌ)). (٣) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٢١٧)، وبرواية أبى مصعب (٣٣٠). وأخرجه ابن وهب فى = ٢٨٧ الموطأ التمهيد اخْتَلَف الناسُ عن زيدِ بنِ أسْلَمَ فى اسْمِ هذا الرجلِ ؛ فقال مالكٌ وأكثرُ الزواةِ عن زيدٍ فيه: بُشْرُ بنُ مِحْجَنٍ. بالسِّينِ المُهملةِ، كذلك هو فى ((المُوطَّأُ)) عندَ جمهورٍ رواتِه ، وقال ٢) فيه بشرُ بنُ عمرَ الزَّهْرَانِئُ: عن مالكِ، عن زيدِ بنِ أسلم ، عن بِشْرِ بنِ مِحجنٍ . فقيل له فى ذلك ، فقال: كان مالكُ بنُ أُنسِ يَزْوِی هذا الحديثَ قديمًا عن زَيْدِ بنِ أسلمَ، فَيَقولُ فيه: بِشْرٌ. فَقِيلَ له: هو بُسرٌ، فقال: عن بُشْرٍ أو بِشْرٍ. وقال بعدَ ذلك : عن زيد بن أسلمَ ، عن ابنٍ مِحْجَنٍ. ولم يَقُلْ : بُشْرٌ ولا بِشْرٌ. القبس أذِنَت فى إعادةِ الفَذِّ صلاته فى الجماعةِ لفائدتین ؛ إحداهما خاصةٌ ، وهى استجلابُ الأجرِ للمُصَلِّى . والثانيةُ عامَّةٌ ، وهى تنقسمُ قسمَين ؛ أحدُهما : إظهارُ شعائرِ الدينِ . والثانى: نَفْىُ الرِّيبةِ وسوء الظنِّ، أَلَّا تَرَى إلى قولِ النبيِّ وَلَّ: ((أَستَ برجلٍ مسلمٍ؟)). فإن قلنا : إن الصلاةَ تُعادُ فى الجماعةِ لطلبِ الأجرِ. فتعادُ فى كلِّ جماعةٍ ، وكذلك لإظهارِ الشِّعارِ . وإن قلنا: تُعادُ لنَفْي الرِّيةِ وسُوءِ الظنِّ. فتعادُ مرةً واحدةً ، ومِن هلهنا نشَأ الخلافُ . وقد روى سلیمانُ بنُ یسارٍ عن عبد الله بن عمر ، أنه وجدہ فی المسجدِ والناسُ = موطئه (٤٤٠)، والشافعى ٢٠٦/٧، وأحمد ٣١٩/٢٦ (١٦٣٩٥)، والنسائى (٨٥٦) من طريق مالك به . (١) بعده فى م: ((له)). (٢) فى م: ((قيل)). ٢٨٨ الموطأ وقال فيه الثَّوْرِىُّ(١) ، عن زيدِ بنِ أسلمَ: بشرٌ. بالشِّينِ المَتَّقوطةِ. وكان أبو نُعيم يقولُ بالسينِ(٢) كما قال مالكٌ ومن تابَعه . التمهيد ورواه الدَّراوَردِىُّ، عن زيدِ بنِ أسلمَ (١ ، فقال فيه: عن بشرٍ. بالمنقوطةِ كما قال النَّوْرِىُّ . ورَواه ابنُ مُجُرَيجٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ ، فقال فيه : بُشْرٌ. كما قال مالكٌ ، القبس . يُصَلُّون، قال له: ما هذا يا أبا عبد الرحمنِ؟ قال له: سمِعتُ النبىَّ وَ لَ يقولُ: ((لا صلاةَ فى يومٍ واحدٍ مرتين)). خرّجه أبو داودَ(٥) . وقولُ مِخْجَنٍ: كنتُ صلَّيتُ فى أهلى . حكايةُ حالٍ ، وقضيةٌ فى عَيْنٍ، يَحتملُ بأن يكونَ صلَّى فى أهلِه فذًّا ، ويحتمِلُ أن يكونَ صلَّى فى جماعةٍ ، والظاهرُ أنه كان وحدَه . وقد روَى مسلمٌ، عن أبى ذرٍّ، أنه قال: قال رسولُ اللهِ وَلَهِ: ((أمراءُ يكونون بعدِى يُميتون الصلاةَ عن وقتِها)). قال له: فماذا ترَى يا رسولَ اللهِ؟ قال له (٧): ((صَلّ فى بيتِك ، فإن أدرَكتَ الصلاةَ معهم فهى لك نافلةٌ )) . (١) أخرجه أحمد ٣١٦/٣١ (١٨٩٧٨)، والبخارى فى تاريخه ٤/٨، والطبرانى ٢٩٣/٢٠، ٢٩٤ (٦٩٦) من طريق الثوری به . (٢) فى س: ((الصواب فيه بسر)). (٣) أخرجه ابن أبى عاصم فى الآحاد والمثانى (٩٥٨)، والدارقطنى ١ /٤١٥، وابن قائع ٦٨/٣، والحاكم ٢٤٤/١ من طريق الدراوردى به ، وعندهم بالسين المهملة . (٤) أخرجه عبد الرزاق (٣٩٣٢)، والطحاوى فى شرح المعانى ١ / ٣٦٢، ٦٨/٣، والطبرانى ٢٩٤/٢٠ (٦٩٨) من طريق ابن جريج به، وعند ابن قانع بالشين المنقوطة . (٥) أبو داود (٥٧٩). وسيأتى تخريجه ص ٣٠٩. (٦) مسلم (٦٤٨). وتقدم فى ٥٧/٢، ٥٨ . (٧) سقط من : ج ، م . ٢٨٩ ( موسوعة شروح الموطأ ١٩/٥ ) ٠٠ الموطأ وروَى هذا الحديثَ أيضًا حَتْظلةُ بنُ علىِّ الأسلمِئُ (١)، عن بِشْرِ بنِ مِخْجَنٍ ، ولم يَذْكُوْ أباه . التمهید ورواه عبدُ اللهِ بنُ جعفر بنٍ نجیح ، عن زيد بن أسلم ، عن بِشْرِ بنِ مِخجٍ ، عن أبيه . بالمنقوطةِ كما قال الثَّوْرِىُّ فى روايةِ أصحابِ الثَّوْرِىِّ عنه . وقد قيلَ فيه وكذلك خرَّجه الترمذىُّ، وأبو داودَ، والنسائىُ، أن الثانيةَ هى النافلةُ(١) . القبس وروَى أبو داودَ عن يزيدَ بنِ عامرٍ قال: صَلَّيتُ فى أَهْلى ثمّ جئتُ النبىّ ◌َِله فوجَدْتُه يُصَلِّى، فجلَستُ حتى انصرَف، فقال لى: ((ألستَ برجلٍ مسلم؟)). فقلتُ: بلى. قال له: (( ما منعك أن تُصَلِّىَ معنا؟)). قال: قد كنتُ صَلَّيتُ فى أهلى . قال : ((إذا صَلَّيتَ فى أهلِك فصلٌ معنا؛ تكونُ تلك(٢) لك نافلةٌ، وهذه مكتوبةً)) (). · وقد اختلف الناسُ فيها على ثلاثةِ أقوالٍ ؛ فالقولان كما ذكرنا الآنَ فى الحديثِ، والثالثُ : أن ذلك إلى اللهِ سبحانه وتعالى يجعَلُ أيَّهما شاءَ صلاتَه. والصحيحُ أن الأُولى هى الفريضةُ؛ لأنها ابتُدِثَتْ ونُوِيَت وفُعِلت على شرطِها فى وقتِها . وإذا اختلفت الروايةُ عن النبيِّ وَّهِ وجَب التَّوْجيحُ، وروايةُ مَن روَى أن الأُولى هى الغرضُ أولَى ؛ لأن رُواتَها أكثرُ ، هذا إذا اسْتَوت الدرجةُ ، فكيفَ وروایةُ أُبی داودَ لا تُساوى روايةَ مسلمٍ لاختلاف شرطيهما(٥)؟! (١) أخرجه أحمد ٤٢٠/٢٩ (١٧٨٩٠)، وابن قانع ٨٦/١ من طريق حنظلة به . (٢) الترمذى (١٧٦)، أبو داود (٤٣١)، والنسائى (٨٥٨). (٣) سقط من: ج، م. (٤) أبو داود (٥٧٧) . (٥) فى ج: ((شرطها))، وفى م: ((شرطهما)). ٢٩٠ الموطأ عن الثَّورِىِّ: بُشْرٌ أيضًا (١). التمهید وحدَّثنى أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ ، قال: حدَّثنا الميمونُ بنُ حمزةَ الحسينِئُ ، قال : حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ سلامةَ الأزدىُّ، قال: سمِعتُ إِبراهِيمَ بنَ أبى(٢) داودَ الهولُسِيّ(٢) يقولُ: سمِعتُ أحمدَ بنَ صالحِ فى المسجدِ الجامِعِ بمصرَ يقولُ: سألتُ(٤) جماعةً من ولدِه ومِن رهْطِه فما اختلَف علىَّ منهم اثنان أنَّه بِشْرٌ كما قال النَّوْرِىُّ . قال أبو عمرَ: فى هذا الحديثِ وُجوةٌ من الفقهِ؛ أحدُها قولُه وَلِّ لُحِجَنِ الدِّيلِيّ: ((ما منعكَ أن تُصَلِّىَ مع النَّاسِ؟ ألستَ برجلٍ مسلم؟)). وفى هذا، واللهُ أعلمُ ، دليلٌ على أنَّ من لا يُصلِّى ليس بمسلم وإنْ كان مُوحِّدًا ، وهذا موضعُ اختلافٍ بينَ أهلِ العلمِ ، وتقريرُ هذا الخطابِ فى هذا الحديثِ أَنَّ أحدًا لا يكونُ مسلمًا إلَّا أنْ يُصلِّىَ، فمَن لم يُصَلِّ فليسَ بمسلمٍ . وفيه أنَّ مَن أقرَّ بالصَّلاةِ وبعملِها وإقامَتِها أنَّه يُوكَّلُ إلى ذلك إذا قال: إنِّى أُصلِّى. لأنَّ مِحْجَنًا قال لرسولِ اللهِ وَله : قد صَلَّيْتُ فى أَهْلِى . فَقَبِل منه ، ولا القبس (١) أخرجه أحمد ٣١٨/٢٦، ٣١٩ (١٦٣٩٣، ١٦٣٩٤)، والطحاوى فى شرح المعانى ٣٦٣/١ من طريق الثوری به . (٢) سقط من: س. وينظر سير أعلام النبلاء ١٢ /٦١٢. (٣) البرلسى : بضم الباء والراء واللام المشددة، كذا ضبطه السمعانى، وضبطه ياقوت بفتح الباء والراء وضم اللام وتشديدها. ينظر الأنساب ٣٢٨/١، ومعجم البلدان ٥٩٣/١. (٤) فى م: (سمعت)). ٢٩١ الموطأ حُجَّةَ فى هذا الحديثِ لمن قال : إِنَّ الإقرارَ بالصَّلاةِ دُونَ إقامتها يَحْقِنُ الدَّمَ . لأَنَّه التمهید لم يَقُلْ: إِنِّى مؤمنٌ بالصلاةِ مُقِرٍّ بها ، غيرَ أَنَّى لا أُصلِّى ، بل قال له: قد صَلَّيْتُ . والظاهرُ أَنَّه لم يُنْجِه إلَّا قولُه لرسولِ اللهِ وَلِّ: قد صَلَّيْتُ فى أهلِى. واختلف العلماءُ فى حكم تاركِ الصَّلاةِ عامدًا وهو على فعلها قادرٌ ؛ فرُوِىَ عن علىٍّ بن أبى طالبٍ، وابنٍ عباسٍ، وجابرٍ، وأبى الدَّرْداءِ، تَكفيرُ تاركِ الصَّلاةِ؛ قالُوا: من لم يُصلِّ فهو كافرٌ) . وعن عمرَ بنِ الخطّابِ، أنَّه قال: لا حظَّ فى الإسلام لمن ترك الصلاةَ . وعن ابنٍ مسعودٍ: من لم يُصلِّ فلا دِينَ له (٢) . وقال إبراهيمُ النَّخَعِىُّ، والحكمُ بنُ ◌ُتيبةَ(٤) ، وأيُّوبُ السَّخْتِيَانِىُّ، وابنُ المباركِ ، وأحمدُ بنُ حنبلٍ، وإسحاقُ بنُ راهُويَه: من ترَك صلاةً واحدةً مُتَعَمّدًا حتى يَخرِجَ وقتُها لغيرِ عُذْرٍ، وأتَى من قضائِها وأدائِها وقال : لا أُصلِّى. فهو كافرٌ، ودُه ومالُه حلالٌ ، ولا تَرِثُه ورَثَتُه من المسلمينَ ، ويُسْتَتَابُ فإِنْ تاب ، وإِلَّ قِل، وحكمُ مالِهِ ما وصَفنا كحكم مالٍ المُؤْتَدِّ. وبهذا قال أبو داودَ الطَّيالسِىُّ وأبو خَيثمةً(٥) وأبو بكرٍ بنُ أبى شَيْبةً. القبس (١) ينظر تعظيم قدر الصلاة (٨٩١، ٩٣٣، ٩٣٩، ٩٤٥، ٩٤٧)، وشرح أصول الاعتقاد (١٥٣٦، ١٥٣٧)، وشعب الإيمان (٤٢). (٢) تقدم فى الموطأ (٨١). (٣) أخرجه عبد الله بن أحمد فى السنة (٧٧٢)، وابن نصر فى تعظيم قدر الصلاة (٩٣٦، ٩٣٧)، والطبرانى (٨٩٤١، ٨٩٤٢)، والبيهقى فى الشعب (٤٣). (٤) فى ص: ((عيينة)). (٥) فى س: ((حنيفة)). وينظر تعظيم قدر الصلاة ص ٦٠٧. ٢٩٢ الموطأ التمهيد قال إسحاقُ بنُ راهُويَه: وكذلك كان رأىُ أهلِ العلم من لَّدُنِ النبيِّ ◌َّ إلى زماننا هذا؛ أنَّ تارك الصلاةِ عمدًا من غيرٍ عُذْرٍ حتى يَذْهبَ وقتُها كافرٌ إذا أتَى مِن قَضائِها وقال: لا أُصَلِّيها. قال إسحاقُ: وذهابُ الوقتِ أن يُؤَخِّرَ الظهرَ إلى غُروبِ الشمسِ، والمغربَ إلى طُلوعِ الفَجْرِ. قال: وقد أجمع العلماءُ على (١) أنَّ من سبَّ اللهَ عزَّ وجلَّ، أو سبَّ رسولَه وَلَّ(١)، أو دفَع شيئًا أَنزَله اللهُ، أو قتَل نبيًّا من أنبياءِ اللهِ، وهو مع ذلك مُقِرِّ بما أنزل اللهُ - أنَّه كافرٌ، فكذلكَ تارك الصلاةِ حتى يَخرُجَ وقتُها عامدًا . قال : ولقد أجمَعوا فى الصلاةِ على شىءٍ لم يُجمِعوا عليه فى سائرِ الشَّرائع ؛ لأَنَّهم بأجمَعِهم قالوا : مَن عُرِف بالكفرِ ثم رَأوْه يُصلِّى الصلاةَ فى وقتِها ، حتى صلَّى صلواتٍ كثيرةً فى وقتِها ، ولم يَعلَموا منه إقرارًا بالِّسانِ ، أنَّه يُحْكَمُ له بالإيمانِ، ولم يَحْكُموا له فى الصومِ والزكاةِ والحجّ بمثلٍ ذلك . قال إسحاقُ: فمَن لم يَجْعَلْ تاركَ الصلاةِ كافرًا فقد ناقَض وخالَف أصْلَه وقولَ غيرِهِ . قال: ولقد كفَر إبليسُ إذْ لم يَسجُدِ السجدةَ التى أُمِرَ بسُجودِها . قال : وكذلك تاركُ الصلاةِ عمدًا (٢) حتى يَذْهبَ وقتُها كافرٌ إذا أتَى من قَضائِها . وقال أحمدُ بنُّ حنبلٍ: لا يُكَفَّرُ أحدٌ بذنبٍ إلا تارك الصلاةِ عمدًا. ثم ذكر اسْتِتَابتَه وقتلَه . وحُجَّةٌ من قال بهذا القولِ ما رُوِىَ من الآثارِ عن النبيِّ بَّهِ فِى تَكفيرِ تاركِ القبس (١) سقط من: م. (٢) بعده فى س: ((من المسلمين)). (٣) سقط من: ص، س. ٢٩٣ الموطأ التمهيد الصلاةِ ؛ منها حدِيثُ جابرٍ عن النبيِّ وَلَه، أَنَّه قال: ((ليسَ بينَ العبدِ وبينَ الكفرِ - أو قال: بينَ الشركِ - إِلَّا تركُ الصلاةِ))(١). وحدِيثُ بُرِيدَةَ، عن النبىِّ وَلِّ، أَنَّه قال: ((العهدُ الذِى بَيْنَنا وَبينَهم الصلاةُ، فمَن تركها فقد كفر))(٢) . وقولُهُ وَّهِ: (( من ترَك صلاةَ العصرِ - يعنِى مُتَعَمِّدًا - فقَد حَبِط عملُه))(٣). هذا كلُّه ممّا احتجَّ به إسحاقُ بنُ راهُويَه فى هذه المسألةِ لقولِه المذكورِ ، واحتجَّ(٤) أيضًا بأنَّ رسولَ اللهِ وَ لَهِ كان إِذا غزَا قومًا لم يُغِرْ عليهم حتى يُصْبِحَ، فإذا أصبَح كان إذا سمِع أذانًا أمسَك، وإذا لم يَسمع أذانًا أغارَ ووضَع السيفَ(٥). واحتجَّ أيضًا بقولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿أَضَاعُواْ الصَّلَوَةَ وَأَتَّبَعُواْ الشَّهُوَتِّ فَسَوْفَ يَلْقَوّنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]. وبقولِه عزَّ وجلّ: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ اُلْمُشْرِكِينَ﴾ [الروم: ١٣]. وبقولِه عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّمَا نُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَهُم ج بِالْغَيْبِ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ﴾ [فاطر: ١٨]. وبقولِه عزَّ وجلّ: ﴿وَلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَبِ وَأَقَامُواْ الصَّلَوةَ﴾ [الأعراف: ١٧٠]. وبآياتٍ نحوِ هذا كثيرةٍ وآثارٍ . واحتجَّ غيرُهُ مَمَّن ذهَب مذهبَه فى هذه المسألةِ بحديثٍ أبى هريرةَ، قال : ((من ترَك الصلاةَ حُشِرَ مع قارونَ وفرعونَ وهامانَ)). وبحديثٍ أنس عن القبس (١) سيأتى تخريجه ص ٢٩٥، ٢٩٦ . (٢) سيأتى تخريجه ص٢٩٦ . (٣) أخرجه أحمد ٥٤/٣٨ (٢٢٩٥٧)، والبخارى (٥٥٣، ٥٩٤)، وابن ماجه (٦٩٤) من حدیث بريدة . (٤) فى س: ((احتجوا)). (٥) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٠٢٦) من الموطأ . ٢٩٤ الموطأ التمهيد النبيِّ وَّهِ: ((من صَلَّى صلَاتَنَا واستقبَل قِبْلَتَنا فذلك المسلمُ))(١). قالوا : هذا دليلٌ على أنَّ من لم يُصَلِّ صلاتنا، ولم يَستقبِلْ قبلتَنا فليس بمسلم. وبما رواه شهرُ بنُ حَوْشَبٍ ، عن أمِّ الدَّرداءِ، عن أبى الدَّرْداءِ، قال : أوصَانِى خَلِيلِى أبو القاسمِ وَله بسبع: (( لا تُشِرِكْ باللهِ شيئًا وإنْ قُطِّعتَ وإِن حُرِّقْتَ ، ولا تَتْرِكْ مكتوبةً متعمّدًا، فمن تركها فقد بَرِئَتْ منه الذِّمَّةُ ، ولا تَشْرَبِ الخمرَ ؛ فإنَّها مفتاحُ كُلِّ شرٍ، وأطِعْ والديكَ وإن أمَرَاكَ أنْ تَخْرُجَ لهما من دُنياكَ فافْعِلْ ، ولا تُنازع الأمرَ أهلَه وإنْ رأيتَ أَنَّك أنتَ ، ولا تَفِرَّ من الزَّحْفِ ؛ فإنَّ فيه الهلكةَ، وأَنْفِقْ على أهلِكَ من طَوْلِكَ، وأَخِفْهُمْ(٢) فى اللهِ، ولا تَرْفَعْ عَصاكَ عنهم)) . وبما رُوِىَ عن الصحابةِ الذين قدَّمْنا الذكرَ عنهم بذلك . وجَدْتُ فى كتابٍ أبى، رحِمه اللهُ، بخطِّه أنَّ أحمدَ بنَ سعيدِ بنِ حَزْمٍ حدَّثهم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُّ محمدِ بنِ بدرٍ الباهِلِىُّ ، قال: حدَّثنا أبو شُريحِ محمدُ بنُ زَكِرِيا كاتِبُ العُمَرِىِّ، قال: حدَّثنا الفِزيابِىُ، قال: حدَّثنا سفيانُ ، عن أبى الزُبيرِ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((بينَ العبدِ وَبينَ الكفرِ تركُ الصلاةِ)) (١). ورواه ابنُ جريجٍ، عن أبى الزُّبِيرِ، عن جابرٍ ، عن القبس (١) أخرجه البخارى (٣٩١)، والنسائى (٥٠١٢) عن أنس . (٢) فى س: ((أحبهم)) . (٣) أخرجه البخارى فى الأدب المفرد (١٨)، وابن ماجه (٣٣٧١، ٤٠٣٤) مختصرًا وابن نصر (٩١١) من طريق شهر بن حوشب به. وعند البخارى: ((بتسع)). (٤) أخرجه الدارقطنى ٥٣/٢ من طريق محمد بن يوسف الفريابي به، وأخرجه أبو داود (٤٦٧٨)، وابن ماجه (١٠٧٨)، والترمذى (٢٦٢٠)، وابن نصر فى تعظيم قدر الصلاة (٨٨٧) من طريق سفيان به. ٢٠٥ الموطأ التمهيد النبيِّ النبيِّ وَِّ، مثلَه. حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعَيبٍ ، قال : حدَّثنا أحمدُ بنُ حربٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ ربيعةً ، عن ابنِ جُرَئِج(١) . فذكره. وأخبرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيبٍ ، قال: أخبرنا الحسينُ بنُ محُرَيْثٍ (٢) ، قال: حدَّثنا الفضلُ بنُ مُوسى ، عن الحسينِ بنِ واقدٍ ، عن عبدِ اللهِ بنِ بُريدةً، عن أبيه ، قال : قال رسولُ اللهِ وَهِ: ((إنَّ العهدَ الذِى بيننا وبينهم الصلاةُ، فمن تركها، فقد كفَر))(١). وذكَر إسماعيلُ بنُ إسحاقَ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أبى بكرٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: حدَّثنا المسعودىُّ، قال: أَنتَأْنِى الحسنُ بنُ سعدٍ (٢) ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ عبدِ اللهِ ، قال: قيلَ لعبدِ اللهِ : إنَّ اللهَ يُكثرُ ذكرَ الصلاةِ فى القرآنِ: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَايِعُونَ﴾ [المعارج: ٢٣]، ﴿وَالَِّينَ هُمْ عَلَى صَلَوَتِهِمْ القبس - (١) النسائى (٤٦٣)، وفى الكبرى (٣٣٠) - ومن طريقه الطحاوى فى شرح المشكل (٣١٧٨) .. وأخرجه الدارمى (١٢٦٩)، ومسلم (٨٢)، وابن نصر فى تعظيم قدر الصلاة (٨٨٨، ٨٩١) من طریق ابن جريج به . (٢) فى س: ((حرب)). وينظر تهذيب الكمال ٦/ ٣٥٨. (٣) النسائى (٤٦٢)، وفى الكبرى (٣٢٩). وأخرجه الترمذى (٢٦٢١)، والحاكم ٦/١، ٧ من طريق الحسين بن حريث به، وأخرجه ابن نصر فى تعظيم قدر الصلاة (٨٩٤) من طريق الفضل بن موسى به، وأخرجه أحمد ٢٠/٣٨ (٢٢٩٣٧)، وابن ماجه (١٠٧٩)، والترمذى (٢٦٢١) من طريق الحسين بن واقد به . (٤) فى ص: ((سعيد)). وينظر تهذيب الكمال ١٦٣/٦. ٢٩٦ الموطأ التمهید يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٩]. فقال عبدُ اللهِ: على مواقيتِها. فقال: ما كنَّا نرَى إلّا أنْ تُتْرَكَ . فقال عبدُ اللهِ: تَرْكُها الكفرُ(). وفى هذه المسألةِ قولٌ ثانٍ ؛ قال الشافعىُ: يقولُ الإِمامُ لتارِكِ الصلاةِ : صلِّ . فإنْ قال : لا أصلِّى. سُئِلَ؛ فإِنْ ذكَر عِلَّةٌ بجسمِه (٢) أُمِرَ بالصلاةِ على قدرٍ طاقَتِهِ، فإِنْ أتى من الصلاةِ حتى يَخرُجَ وقتُها قتَله الإمامُ ، وأَما يُسْتَتَابُ ما دام وقتُ الصلاةِ قائمًا، فيسْتَتَابُ فى أدائِها وإقامَتِها ، فإنْ أَتَى قُتِلَ ووَرِثُه وَرَثَتُه . وهذا قولُ أصحاب مالك ومذهبهم ، وبعضُهم یروِیه عن مالكٍ . وروَى محمدُ بنُّ علىِّ البَجْلِىُّ(٢) ، قال: حدَّثنا يونسُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: سمِعْتُ ابنَ وَهْبٍ يقولُ : قال مالكٌ: مَن آمَن باللَّهِ وصدَّق المرسلينَ وأبَى أَنْ يُصلِّىَ قُتِلَ. وبه قال أبو ثورٍ وجميعُ أصحابِ الشَّافِعِىِّ، وهو قولُ مَكحولٍ ، وحمادِ بنِ زيدٍ ، ووكيعٍ، ومن حجّةٍ مَن ذهَب هذا المذهبَ أنَّ أبا بكر الصديقَ اسْتَحَلَّ دماءً مانعِى الزَّكَاةِ ، وقال: واللهِ لأَقَاتِلَنَّ من فرَّق بينَ الصلاةِ والزَّكاةِ . فقاتلَهم على ذلك فى جمهورِ الصحابةِ ، وأراقَ دماءَهم لمَنْعِهم الزّكاةَ وإباءَتِهم القبس (١) أخرجه اللالكائى (١٥٣٤)، والطبرانى (٨٩٤٠)، وابن المنذر فى الأوسط (١٠٧٩) من طريق المسعودى به . (٢) فى م: ((تحبسه)). (٣) فى ص: ((الجبلى)). وينظر الانتقاء لابن عبد البر ص ٩٢، وطبقات الشافعية الكبرى ٢٤٢/٢. ٢٩٧ الموطأ التمهيد من أدائها. فمن امتنع من الصلاةِ وأتَى من إقامَتِها كان أحرَى بذلك، ألا تِرَى أنَّ أبا بكرٍ شَبَّهَ الزَّكاةَ بالصلاةِ، ومعلومٌ أنَّهم كانوا مُقِرِّين بالإسلام والشهادةِ ، يُوَضِّحُ لك ذلك قولُ عمرَ لأبى بكرٍ: كيف تُقاتِلُهم وقد قال رسولُ اللهِ وَتِ: ( أُمِرْتُ أن أُقاتِلَ الناسَ حتى يقُولوا: لا إلهَ إلا اللهُ، فإذا قَالُوها عَصَمُوا مِنِّى دماءهم وأموالَهم، إِلَّ بِحَقِّها، وحسابهم على اللـهِ))؟ فقال أبو بكرٍ : هذا من حقِّها، واللهِ لو مَنَعُونِى عَنَاقًا أوعِقالاً مِمَّا كانوا يُعْطُون رسولَ اللهِ وَلَه لَقَاتَلْتُهم (١) على ذلك(١). ولو كفَر القومُ، لقالَ له (٢) أبو بكرٍ: قد ترَكوا لا إلهَ إلَّا اللهُ، وصارُوا مُشْرِكِين . وقد قالوا لأبى بكرٍ بعدَ الإسارِ: ما كفَرنا بعدَ إِيمانِنا ، ولكن شَحَحنا على أموالنا . وذلك بَيِّنٌ فى شِغْرِهم؛ قال شاعرهم(٣) : لَعَلَّ مَنايَانًا قريبٌ(٤) وما نَدْرِى ألا فاصْبَحِينا قبلَ نائِرَةِ الفجرِ فيا عجبًا ما بالُ مُلْكِ أبى بكرٍ أَطَعْنا رسولَ اللهِ ما كان يَتْنَنا لكالتَّمْرِ أو أَشهَى إليهم من الثَّهْرِ فإنَّ الذى سأَلُوكُمُ فمَنَعْتُمُ القبس (١) أخرجه أحمد ٢٢٨/١، ٢٧٠، ٣٥٨، ٤١٦، (٦٧، ١١٧، ٢٣٩، ٣٣٥)، والبخارى (١٣٩٩، ١٤٠٠) من حديث عمر. (٢) سقط من: م، وفى ص: ((لهم)). (٣) الأبيات فى تاريخ الطبرى ٢٤٦/٣ منسوبة للخطيل بن أوس أخى الحطيئة، والبيت الثانى منسوب للحطيئة فى ديوانه ص ٣٢٩، وفى الأغانى ١٥٧/٢. (٤) فى ص: ((قربت)). ٢٩٨ الموطأ التمهيد فرأى أبو بكرٍ فى عامَّةِ الصحابةِ ومعه عمرُ قتالَهم ، وبعَث خالدَ بنَ الوليد وغيرَه إلى قتالٍ مَن ارْتَدَّ، هذا كلُّه احتجَّ به الشَّافعىُّ رحِمه اللهُ، وقال: ففى هذا دلالةٌ على أنَّ مَن امتنع ممّا افترَض اللهُ عليه كان على الإمام أخْذُه به وقتالُه عليه ، وإنْ أبى(١) ذلك على نفسِه . وأمَّا تَوْرِيثُ ورثتِهم أموالَهم فلأنَّ عمرَ بنَ الخطّابِ لَّ وُلِّىَ رَدَّ على وَرَثَةِ مانعِی الزَّکاةِ كلَّ ما ؤُچِدَ من أموالهم بأیدِی الناسِ . وقد كان أبو بكرٍ سبّاهم كما سبّى أهلَ الرِّدَّةِ ، فخالَفه فى ذلك عمرُ الصلاتِهم وتوحيدِهم، ورَدَّ إِلى ورَثَّتِهم أموالَهم فى جماعة الصحابةِ ، ولم يُنْکِرْ ذلك عليه أحدٌ . وقال أهلُ السّيرِ: إِنَّ عمرَ لَّا وُلِّىَ أرسَل إلى النسوةِ اللَّاتِى كان المسلمون أَخْرَزُ وهَّ(٢)، فخيّرهنَّ أَنْ يَمْكُثْنَ عندَ من هُنَّ عندَه بتَزْويج وصداقٍ ، أو يَرْجِعْنَ إلى أهْلِيهِنَّ بالفِداءِ، فاحْتَوْن أَنْ يَمْكُنْنَ عندَ من كُنَّ عندَه، فَمَكَثنَ عندَهم بتزويجٍ وصداقٍ . قال : وكان الصَّداقُ الذى جعَل لَمن اختارَ أهلَه عَشْرَ أواقٍ لكلِّ امرأةٍ ، والأَوقيّةُ أربعون درهمًا. فاحْتَجَّ الشَّافِعِىُّ بفعلٍ عمرَ هذا فى جماعةِ الصحابةِ أيضًا مِن غيرِ نكيرٍ . وروَى سفيانُ بنُ عُيينةَ ، عن عمرٍو بنِ دينارٍ ، عن محمدِ بنِ طلحةَ بنِ یزیدَ ، القبس (١) فى م: ((أتى)). (٢) فى م: ((حازوهن)). ٢٩٩ الموطأ قال: قال عمرُ بنُ الخطّابِ: لأنْ أكونَ سألتُ رسولَ اللهِ وَِّ عن ثلاثٍ أُحبُ التمهيد إليَّ من حُمْرِ النَّعَمِ ؛ الخليفةِ بعدَه، وعن قومٍ أَقرُّوا بالزَّكاةِ ولم يُؤَدُّوها أَيَحِلُّ لنا قتالُهم؟ وعن الكَلالَةِ(١) . وروَى حمَّادُ بنُ زيدٍ ، عن عمرو بنِ مالكِ التُّكْرِىِّ، عن أبى الجَوْزاءِ، عنِ ابنِ عبَّاسٍ، قال: قواعدُ الدِّينِ ثلاثةٌ: شهادةُ أنْ لا إلهَ إلَّ اللهُ، والصلاةُ، وصومُ رمضانَ. ثم قال ابنُ عبّاسٍ: تَجِدُه كثيرَ المالِ ولا يُزَكِّى، فلا يُقالُ لذلك: كافرٌ. ولا يَحِلُّ دَمُه، وتجدُه كثيرَ المالِ لا يحُجُّ، فلا نَراه بذلكَ كافرًا ولا يحلُّ دمُه) . وقد ذكَرْنا هذا الحديثَ بإسنادِهِ فى كتابِ الزَّكاةِ مِن كتابٍ ((الاسْتِذْكَارِ))(٢). ومِن حُجَّتِه أيضًا ما حدَّثناه عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ جعفرٍ بنِ حمدانَ ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنِ حنبلٍ ، قال : حدَّثَنِى أبِى ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارونَ ، قال : أخبرنا هشامُ بنُ حسَّانَ ، عن الحسنِ، عن ضَبَّةَ بنِ مِخْصٍ، عن أُمِّ سلمةَ، قالَتْ: قال رسولُ اللهِ وَلِهِ: ((إنَّه سيكونُ أمراءُ تَعْرفون وتُنْكِرون، فمَن أَنكَر فقَدْ برِئَ ، ومن کرِه فقد سلِم، القبس (١) أخرجه الحاكم ٣٠٣/٢ من طريق ابن عيينة به . (٢ - ٢) سقط من: س، م. والأثر أخرجه أبو يعلى (٢٣٤٩) من طريق حماد بن زيد به، وقال حماد: ولا أعلمه إلا قد رفعه إلى النبى الحَد . (٣) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (٦١١) من الموطأ . ٣٠٠