Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَؤْسُوْعَةٌ
شروح الموظّا
لِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَس
المتوفى سنة ١٧٩ هـ
الَّهِيْدُ وَالاسْتِذِكَارُ
الأِ عَ بُوسُفَ بْ عَدِهِن ◌َّ الِّ
المتوفى سنة ٤٦٣ هـ
القَلَسُ
لِأبى بكرٍ محمّدِبْنٍ عَبْدِاللّهِ ابِْ العَربىّالمالكىّ
المتوفى سنة ٥٤٣ هـ
ټحقیں
الدّكتور/ عَبْد اللَّهبن عبد المُحْس التركيّ
بالتّاؤُكُ قع
مركز مجر لجوث والدراسية العربية والإسلامية
الدكتور / عبد السند حسن يمامة
الجزء الخامس

حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
القاهرة ١٤٢٦هـ - ٢٠٠٥ م

مَوْسُوْعَة"
شُرُوجَ المُودَا

الموطأ
الترغيبُ فى الصلاةِ فى رمضانَ
٢٤٧ - وحدَّثنى يحيى، عن مالك ، عن ابن شهابٍ ، عن عروةَ بنِ
الزبيرِ، عن عائشةَ زوج النبيِّ نَّه، أن رسولَ اللهِ وَلَه صلَّى فى
المسجدِ ذاتَ ليلةٍ ، فصلى بصلاتِه ناسٌ ، ثم صلَّى الليلةَ القابلةَ ، فكثُر
مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ ، عن عُروةَ بنِ الزبيرِ ، عن عائشةً، أنَّ رسولَ اللهِ
مَّ صِلَّى فى المسجدِ، فصلَّى بصلاتِه ناسٌ، ثم صلَّى القابلَةَ، فكثُر الناسُ، ثم
اجْتَمَعوا مِن الليلةِ الثالثةِ أو الرابعةِ فلم يَخرج إليهم رسولُ اللهِ مَّله، فلمَّا أصبحَ
التمهيد
بابُ الترغيبٍ فى صلاةِ رمضانَ
القبس
ورُوِى عن ابنِ عباسٍ، أنه قال: إن رمضانَ اسمُ مِن أسماءِ اللَّهِ تعالَى، وإن
القائلَ إذا قال : شهرُ رمضانَ. إنما أراد به : شهرُ اللَّهِ . وهذا ضعيفٌ سندًا ومعنّى؛
أما طريقُه فلم يصِحَّ، وأما معناه فساقطٌ؛ لقولِ النبيِّ وَِّ: ((إذا جاء رمضانُ))(١).
وقولِه: ((إذا دخَل رمضانُ))(١). وهذا يدُلُ على أنه اسمٌ مِن أسماءِ الشهرِ، وقد
كانت العربُ تُسَمِّيه فى الجاهليةِ قبلَ أن يأتىَ الشرعُ بأسماءِ اللَّهِ وصفاتِه، وهذا
بیِّنٌ فی بابِه .
(١) البخارى (١٨٩٨)، ومسلم (١٠٧٩).
(٢) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (٦٩٨) من الموطأ .

الموطأ الناسُ، ثم اجتَمَعوا مِن الليلةِ الثالثةِ أو الرابعةِ ، فلم يَخرُجْ إليهم رسولُ
اللهِ وَله، فلما أصبَح قال: ((قد رأيتُ الذى صنَعتم، ولم يَمْنَعْنى مِن
الخروج إليكم إلا أنى خَشِيتُ أن تُفرضَ عليكم)). وذلك فى رمضانَ.
قال : ((قد رأيتُ الذى صَنَعْتم ، ولم يمنعنى مِن الخُرُوجِ إليكم إلا أنِّى خشِيتُ أن
التمهيد
تُفْرَضَ(١) عليكم)). وذلك فى رمَضانَ(١).
هذا حديثٌ صحيحٌ لم يُختلفْ فى إِسْنادِه ولا فى متنِه . وفيه مِن الفقْهِ
الاجتماعُ فى النافلةِ ، وأَنَّ النَّوافلَ إذا اجْتُمِع فى شىءٍ منها على سُنتِه لم یکنْ لها
أذانٌ ولا إقامةٌ ؛ لأنَّه لم يُذْكَرِ الأذانُ فى ذلك ، ولو كان لذُكِرَ ونُقِل، وقد أجْمَع
العلماءُ أنْ لا أذانَ ولا إقامةَ فى النافلةِ، فأغنى عن الكلامِ فى ذلك .
وفيه أنَّ قِيامَ رمضانَ سُنَّةٌ مِن سُننِ النبيِّ وَّهِ، مندوبٌ إليها ، مرغوبٌ فيها ،
ولم يَسنَّ منها عمرُ بنُ الخطّابِ إذْ أحياها، إلَّ ما كان رسولُ اللهِ وَ يُحِبُّه
ويرضاه، ولم يمنع مِن المواظبةِ عليه إِلَّ خشيةَ أن يُفرضَ على أُمَّتِه ، وكان بالمؤمنينَ
رَءُوفًا رحيمًا فَلَّ، فلمَّا عِلِمَ ذلك عُمرُ مِن رسولِ اللهِ وَلَّهِ، وعَلِم أنَّ الفرائضَ
لا يُزادُ فيها ولا يُنقَصُ منها بعدَ موتِه عليه الصلاةُ والسَّلامُ ، أقامَها للناسِ وأحياها
وأمَر بها ، وذلك سنةً أربعَ عشرةَ مِن الهجرةِ ، وذلك شىءٌ ادَّخرَه اللهُ له ، وفضَّلَه
القبس
(١) فى م: ((يفرض)).
(٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٢٣٨)، وبرواية أبى مصعب (٢٧٤). وأخرجه أحمد ٢٧٩/٤٢
(٢٥٤٤٦)، والبخارى (١١٢٩، ٢٠١١)، ومسلم (١٧٧/٧٦١)، وأبو داود (١٣٧٣)، والنسائى
(١٦٠٣) من طريق مالك به .
٦

الموطأ
التمهيد
به ، ولم يُلِهِمْ إِليه أباً(١) بكرٍ، وإن كان أفضلَ مِن عُمرَ، وأشدَّ سبقًا إلى كلِّ خيرٍ
بالجملةِ ، ولكلِّ واحدٍ منهم فضائلُ خُصَّ بها ليست لصاحبِهِ ، ألا ترَى إلى قولٍ
رسولِ اللهِ وَلَه: (( أرحمُ أَمَّتِى بأمَّتِى أبو بكرٍ، وأقواهمْ فى دينِ اللهِ عُمرُ،
وأَصْدَقُهم حَياءً عثمانُ، وأقْضاهم علىُّ بن أبى طالبٍ ، وأَقْرَؤُهم أَبِىُّ بنُ
کعب))().
فجعلَ لکلِّ واحدٍ منهم خصلةً أفرده بها ، لم يلحقْه فيها صاحبه، و كان
علىُّ بن أبى طالبٍ يستحسنُ ما فعَل عُمرُ مِن ذلك ويفضِّلُه، ويقولُ : نوَّرَ شهرَ
الصومِ علينا).
وحدَّثنى خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثنا
يحيى بنُّ أَيُّوبَ العلاَّفُ، وعمرُو بنُ أحمدَ بنِ عمرٍو، وأحمدُ بنُ حمَّادٍ زُغْبةُ ،
قالوا : حدَّثنا سعيدُ بنُ أبى مريمَ ، قال: حدَّثنا نافعُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ أبى نُعيم
القارئُ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، أَنَّ النبيَّ نَّ قال: ((إنَّ اللهَ جَعَل الحَقَّ على
لِسانِ عُمَرَ وقَلْبِهِ))(٤).
القبس
(١) فى الأصل: ((أبو)).
(٢) أخرجه أحمد ٢٥٢/٢٠ (١٢٩٠٤)، وابن ماجه (١٥٤، ١٥٥)، والترمذى (٣٧٩١)،
والنسائى فى الكبرى (٨٢٨٧) من حديث أنس .
(٣) سقط من: ق، م. والأثر سيأتى تخريجه ص ١٦.
(٤) أخرجه ابن سعد ٢/ ٣٣٥، وأحمد ١٤٤/٩ (٥١٤٥)، وعبد بن حميد (٧٥٦ - منتخب)،
وأبو نعيم فى أخبار أصبهان ٣٢٧/٢ من طريق نافع بن عبد الرحمن به .
٧

الموطأ
التمهيد
(١)
وَه ) .
ورواه ابنُ وهب ، عن مالك ، عن نافعٍ ، عن ابنٍ ثُمرَ مثلَه ، عن النبيِّ
والضحاكُ بنُ عثمانَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ وَلَّهِ مثلَهُ(٢).
ورواه أبو ذرِّ وأبو هريرةَ، عن النبيِّ ◌َِ(٣).
أخبرنا محمدٌ ، حدَّثنا علىُ بنُ عُمرَ الحافظُ ، حدثنا أبو علىّ إسماعيلُ بنُ
محمدِ بنِ إسماعيلَ الصَّفَّارُ، حدثنا أبو قلابةَ عبدُ المِلِكِ بنُ محمدِ الرَّقاشىُّ ،
حدثنا بشرُ بنُ عُمرَ، حدثنا مالكُ بنُ أنسٍ، عن الزهريِّ، عن محُميدِ بنِ
عبدِ الرحمنِ، عن أبى هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ نَّهِ: ((إنَّ اللهَ عز وجل فرضَ
عليكم صيامَ شهرِ رمضانَ، وسَنَنْتُ لكم قِيامَه، فمَن صامَه وقامَه إيمانًا
واخْتِسابًا غُفرَ له ما تَقَدَّم مِن ذنبِهِ، ومَن قام ليلةَ القَدْرِ إيمانًا واحتِسابًا غُفرَ له ما
تقدَّم مِن ذنبِه )). قال أبو الحسنِ علىُّ بنُ عُمرَ الدَّار قطنىُّ: لم يذكره إلَّا أبو قلابةَ،
عن بشرِ بنِ عُمرَ، وكذلك قولُه: ((ومَن قام ليلةَ القَدْرِ إيمانًا واحْتِسابًا)). غيرُ
محفوظ لمالكٍ عن الزهرىِّ .
قالَ أبو عمرَ: أبو قلابةَ ثقةٌ، وبشرُ بنُ عُمرَ ثقةٌ، والحديثُ غريبٌ .
وِمَّا يدلُّ على أنَّ قِيامَ رمضانَ سُنَّةٌ مِن سُننِ النبيِّ وَلِّ، ما رَواه عبدُ اللهِ بنُ
القبس
(١) أخرجه الطبرانى فى الأوسط (٣٣٣٠)، وابن عدى ١٥٢٣/٤، والخليلى فى الإرشاد (١٠٣)
من طريق ابن وهب به .
(٢) أخرجه الطبرانى فى الأوسط (٢٨٩)، وابن شاهين فى مذاهب أهل السنة (٧٧)، واللالكائى
فى شرح أصول الاعتقاد (٢٤٨٥) من طريق الضحاك به .
(٣) أخرجه أحمد ١١٧/١٥ (٩٢١٣)، وأبو داود (٢٩٦٢)، وابن ماجه (١٠٨) من حديث أبى
هريرة وأبى ذر .
(٤) ليس فى: الأصل .
٨

الموطأ
التمهيد
وهب ، قال : أخبرنى مُسلمُ بنُ خالدٍ ، عن العَلاءِبنِ عبد الرحمنِ ، عن أبيه ، عن
أبى هريرةَ قال: خرج رسولُ اللهِ نِّهِ وإذا الناسُ فى رَمضانَ يُصلُّون فى ناحيةٍ
المسجدِ ، فقال: ((مَن هؤلاء؟)) فقيل: هؤلاءِ ناسٌ ليس معهم قُرآنٌ، وأبىُ بنُ
كعبٍ يُصلِّى بهم، وهم يُصلَّون بصلاتِه. فقال النبيُّ وَلّ: ((أصابوا، ونِعْمَ ما
صنَعوا))(١). فقد أقرَّهُم رسولُ اللهِ وٍَّ على ذلك، وما أقرَّ عليه فقد رضيّه ؛ وذلك
سُنَّةٌ. ومما يُؤيِّدُ ذلك أيضًا قولُ عائشةَ: إِنْ كان رسولُ اللهِ وَ لَيَدعُ
العملَ وهو يُحبُّ أنْ يَعملَ به خشيةَ أنْ يَعملَ به الناسُ فيُفرضَ عليهم .
وحدَّثَنَا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثَنَا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثَنَا أَبو
داودَ ، وحدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثَنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال: حدَّثَنَا
بكرُ بنُ حمَّادٍ ، قالا جميعًا: حدَّثَنَا مُسدَّدٌ، حدَّثَنا يزيدُ بنُ زُريع، قالَ: حدَّثَنَا
داودُ بنُ أبى هندٍ ، عن الوليدِ بنِ عبدِ الرحمنِ ، عن جبيرٍ بنِ نُفيرٍ ، عن أبى ذرٍّ،
قال: صُمْنَا - يعنى رمضانَ - فلم يَقُمْ بنا - يعنِى النبىَّ مَّ - شيئًا منَ الشَّهرِ
حتى بَقَىَ سبعٌ، فقامَ بنا حتى ذهَب ثُلثُ اللَّيلِ، فلمَّا كانت السادسةُ لم يقُمْ
بنا٢) ، فلَمَّا كانت الخامسةُ قامَ بنا حتى ذهَب شطرُ اللَّلِ. قال: فقال: ((إنَّ
الرَّجلَ إذا صلَّى مع الإِمامِ حتى يَنْصَرِفَ حُسِبَ له قيامُ ليلةٍ)). فلمَّا كانت الرابعةُ
القبس
.
(١) أخرجه أبو داود (١٣٧٧)، وابن نصر فى مختصر قيام الليل ص ٩٠، وابن خزيمة (٢٢٠٨)،
والبيهقى ٢/ ٤٩٥، وفى فضائل الأوقات (١٢٣) من طريق ابن وهب به .
(٢) سيأتى فى الموطأ (٣٥٩).
(٣ - ٣) سقط من: م.
٩

الموطأ
لم يقمْ بنا ، فلمَّا كانت الثَّالثةُ جمَع أهلَه ونساءَه والناسَ ، فقامَ بنا حتى خشِينا أنْ
التمهید
يفوتَنا الفَلائحُ. قال: قلتُ : وما الفَلائحُ؟ قال: السُّحورُ، ثم لم يَقمْ بنا بقيَّةَ
(١)
الشَّهرِ(١).
وحدَّثَنَا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةً، قال: حدَّثنا
أحمدُ بنُّ شُعيبٍ ، قال: حدَّثَنا أحمدُ بنُّ سُليمانَ ، قال: حدَّثَنَا زِيدُ بنُ حبابٍ،
قال : أَخْبَرَنى معاويةُ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثنى نعيمُ بنُ زيادٍ أبو طلحةً ، قال :
سمِعتُ النُّعمانَ بنَ بشيرٍ على منبرٍ حمصَ يقولُ: قُمْنا مع رسولِ اللهِ حَ لٍّ فِى
شهرِ رمضانَ ليلةَ ثلاثٍ وعشرين إلى ثُلثِ اللَّيلِ، ثم قُمْنا معه ليلةً خمسٍ
وعِشْرِين إلى نصفِ اللّيلِ، ثم قُمْنَا معه ليلةَ سبع وعشرين حتى ظنَنَّا أَلَّا نُدركَ
الفَلاحَ. وكانوا يُستُّونَه السُّحُورَ(١).
فهذه الآثارُ فى معنَى حديثٍ مالكِ ، عن ابنِ شهابٍ ، عن عُروةَ ، عن عائشةً
المذكورِ فى هذا البابِ ، وفيها تفسيرٌ له وعبارةٌ عن معنَى الليلةِ القابلةِ والليلةِ الثالثةِ
والرّابعةِ المذكوراتِ فيه .
واختلف العلماءُ فى عددٍ قيامِ رمضانَ ؛ فقال مالكٌ : تسع وثلاثونَ بالوترِ ؛
القبس
(١) أبو داود (١٣٧٥). وأخرجه الدارمى (١٨١٨) من طريق يزيد بن زريع به، وأخرجه الطيالسى
(٤٦٨) من طريق داود بن أبى هند به.
(٢) النسائى (١٦٠٥)، وفى الكبرى (١٢٩٩). وأخرجه ابن أبى شيبة ٣٩٤/٢، ٣٩٥، وأحمد
٣٥١/٣٠ (١٨٤٠٢)، والنسائى فى الكبرى (١٢٩٩) من طريق زيد بن الحباب به، وأخرجه
الحاكم ٤٤٠/١ من طريق معاوية بن صالح به .
١٠

الموطأ
التمهيد
سِتِّ وثلاثونَ ، والوتر ثلاثٌ. وزعَم أنَّه الأمرُ القديمُ . وقال الثَّورِىُّ، وأبو حنيفةً،
والشافعىُ ، وداودُ ، ومن اتَبعهم : عشرون ركعةً سوَى الوترِ ، لا يُقامُ بأكثرَ منها
استحبابًا . واحتجُوا بحديثِ السَّائبِ بنِ يزيدَ ؛ أنَّهم كانوا يقومونَ فى زمنٍ
عُمرَ بنِ الخَطَّابِ بعشرين ركعةٌ .
ذکر عبد الرزاق (١) ، عن داودَ بنِ قیسٍ وغیرِه ، عن محمدِ بنِ يُوسفَ ، عن
الشَّائبِ بنِ يزيدَ، أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ جمَع الناسَ فى رمضانَ على أَبيِّ بنِ
كعبٍ، وعلى تميم الدَّارىِّ، على إحدَى وعشرين ركعةٌ؛ يقرءون بالمئينَ،
ويَنْصَرِفُون فى فُروعِ الفجرِ .
٠
روَى مالكٌ هذا الحديثَ عن محمدِ بنِ يُوسفَ ، عن السّائبِ بنِ یزیدَ ،
قال: أمرَ عمرُ بنُ الخطّابِ أَبَّ بن كعبٍ، وتميمًا الدَّارىَّ أنْ يقومًا للناسِ
بإحدى عشرةَ ركعةٌ . قال: وكان القارِئُ يقرأُ بالمئينَ، حتى كُنَّا نعتمِدُ على
العصىِّ مِن طُولِ القيامِ، وما كُنَّا ننصرفُ إِلَّ فى فُرُوعِ الفجرِ(١).
هكذا قال مالكٌ فى هذا الحديثِ : إِحدى عشرةَ ركعةً . وغيرُه يقولُ فيه:
إحدى وعشرينَ .
وقد روَى الحارثُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي ذبابٍ ، عن السَّائبِ بنِ یزیدَ ،
قال : كنا ننصرفُ من القيام على عهدٍ عمرَ وقد دَنَا فُروُ الفجرِ ، وكان القيامُ
القبس
(١) عبد الرزاق (٧٧٣٠).
(٢) سيأتى فى الموطأ (٢٥٠).
١١
-1

الموطأ
التمهید
على عهدِه بثلاثٍ وعشرين ركعةٌ(١). وهذا محمولٌ على أنَّ الثَّلاثَ للوترِ.
وذكرَ عبدُ الرَّزَّاقِ (١) ، عن ابنٍ جُرَيْج، قال: أخبرنى عمرانُ بنُ مُوسَى ، أنَّ
يزيدَ بِنَ خُصيفةً أخبرهم عن السَّائبِ بنِ يزيدَ، عن عُمرَ ١، قال: جمَعَ() الناسَ
على أَبىّ بنِ كعبٍ وتميم الدَّارِىِّ، فكان أَبِيُّ بن كعبٍ يُوترُ بثلاث ركعاتٍ . وعن
معمرٍ ، عن قتادةَ، عن الحسنِ ، قال: كان أَبِىُّ بنُ كعبٍ يُوتر بثلاثٍ، لا يُسلِّمُ إلَّا
فى الثالثةِ، مثلَ المغربِ (١) . وقد ذكَّرْنَا أحكامَ الوترِ فى بابِ نافع ، وما للعلماءِ
فيه من المذاهبِ مُمَّدًا، والحمدُ للهِ .
وقد روَى مالكٌ، عن يزيدَ بنِ رُومانَ ، قال : كان الناسُ يقومون فى زمنٍ
عمرَ بنِ الخطابِ فى رمضانَ بثلاثٍ وعشرين ركعةً(١). وقد رُوِى عن النبيِّ وَّل
أنَّه کان یُصلِّی فی رمضانَ عشرینَ ر کعةً والوترَ ، إلّ انَّه حدیث یدورُ علی ابی
شيبةَ إبراهيمَ بنِ عُثمانَ جدٍّ بنى أبى شيبةَ ، وليس بالقوىِّ .
حدَّثَنَا سعيدُ بنُ نصرٍ ، حدثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، حدَّثنا محمدُ بنُ وضاحٍ،
حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةَ ، حدَّثَنَا يزيدُ بنُ هارونَ، قال : أخبرنا إبراهيمُ بنُ
عثمانَ، عن الحكم، عن مِقسمٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ، أنَّ رسولَ اللهِ وَّه كانَ يُصلِّی
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (٧٧٣٣) من طريق الحارث به .
(٢) عبد الرزاق (٧٧٢٧).
(٣) فى الأصل، ق: ((عمه)). وفى إحدى نسخ المصنف تلتبس بـ ((عمه)).
(٤) بعده فى النسخ: ((عمر)). والمثبت من مصدر التخريج.
(٥) عبد الرزاق (٧٧٢٥).
(٦) سيأتى ص ١٧٣ - ١٨٦ .
(٧) سيأتى فى الموطأ (٢٥١).
١٢

الموطأ
فى رمضانَ عشرينَ ركعةً والوترَ(١) . وعن علىٍّ رضيَ اللهُ عنه، أنَّه أمَر رجلاً التمهيد
يُصلِّى بهم فى رمضانَ عشرين ركعةٌ(١) . وهذا أيضًا سوَى الوترِ .
واختلفوا أيضًا فى الأفضلِ منَ القيامِ مع الناسِ أو الانفرادِ فى شهرِ رمضانَ؛
فقال مالكٌ والشَّافعىُّ : صلاةُ المنفردِ فى بيته فى رمضانَ أفضلُ. قالَ مالكٌ: وكانَ
ربيعةُ وغيرُ واحدٍ مِن علمائنا ينصرفونَ ، ولا يقومونَ مع الناسِ . قال مالكٌ : وأنا
أفعلُ ذلك، وما قام رسولُ اللهِ وَّه إلَّا فى بيتِه. واحتجَّ الشَّافعُّ بحديثِ زيدِ بنِ
ثابتٍ ، أنَّ النبيَّ ◌َ لَّه قال فى قيامِ رمضانَ: ((أيُّها النَّاسُ، صلُّوا فى بُيُوتِكم؛ فإنَّ
أفضلَ صلاةٍ المرءِ فِى بيتِه، إلَّ المكتوبةَ)). قال الشَّافعىُّ: ولا سيَّمَا مع رسولِ اللهِ
وَُّ فى مسجدِه، على ما كان فى ذلك كُلُّه من الفضلِ.
وحديثُ زيدِ بنِ ثابتٍ هذا حدَّثَنَاه خلفُ بنُ القاسم ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ
ابنُ محمدِ بنِ إبراهيمَ الدَّيثُلُّ، قال: حدَّثَنا محمدُ بنُ علىّ بنِ زيدِ الصَّائِغُ،
قال : حدَّثَنا محمدُ بنُ معاویةً الجمحُّ ، قال: حدَّثنا سلیمانُ بنُ بلالٍ ، عن
إبراهيم بنٍ أبى النَّضرِ، عن أبيه، عن بُشرٍ (١) بنِ سعيدٍ ، عن زيد بن ثابتٍ ، أَنَّ
رسولَ اللهِ وَّه قال: ((صلاةُ المرءِ فى بيتِه أفضلُ منْ صلاتِهِ فِی مسجدِی هذا ،
إلَّ المكتوبةَ))(٤).
القبس
(١) ابن أبى شيبة ٢/ ٣٩٤. وأخرجه عبد بن حميد (٦٥٢ - منتخب)، والطبرانى (١٢١٠٢)، وفى
الأوسط ( ٧٩٨، ٥٤٤٠) من طريق إبراهيم بن عثمان به .
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٩٣/٢.
(٣) فى الأصل، م: ((بشر)). وينظر تهذيب الكمال ٧٢/٤.
(٤) أخرجه أبو داود (١٠٤٤)، والطحاوى فى شرح المعانى ٣٥٠/١، ٣٥١، والطبرانى =
١٣

الموطأ
التمهيد
ورُوِّينا عن ابنِ عُمرَ، وسالمٍ، والقاسمِ، وإبراهيمَ، ونافع، أنَّهم كانوا
ينصرِفون ولا يقومون مع الناس (١) . وقال اللَّيثُ بنُ سعدٍ: لو أنَّ الناسَ قاموا فى
رمضانَ لأنفسِهم ولأهلِيهم كلِّهم حتى يُترَكَ المسجدُ لا يقومُ فيه أحدٌ لَكان
ينبغِى أنْ يخرجُوا مِن بيوتِهم إلى المسجدِ ، حتى يقوموا فيه ؛ لأُنَّ قيامَ الناسِ فى
شهرِ رمضانَ من الأمرِ الذى لا ينبغِى تركُه، وهو ممّا بيَّنَ عُمرُ بنُ الخطَّابِ
للمسلمين، وجمَعهم عليه. قال اللَّيثُ: فأمّا إذا كانَت الجماعةُ، فلا بأسَ أنْ
يقومَ الرّجلُ لنفْسِه فى بيتِه، ولأهلٍ بيتِه. وحَجَّةُ مَن قال بقولِ اللَّيثِ قولُه ◌َيِِّ:
((عليكم بسنَّتِى، وسنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِين المهديِّين بعدِى))(١). ولا يختلفون أنَّ
عمرَ منهم، رضِىَ اللهُ عنهم . وقال قوم من المتأخِّرين، مِن أصحابٍ أبى حنيفةَ،
وأصحابِ الشَّافعيّ ؛ فمنْ أصحابٍ أبى حنيفةً عيسى بنُ أبانٍ ، وبِكَّارُ بنُ قُتيبةَ ،
وأحمدُ بنُ أبي عمرانَ، ومن أصحابِ الشافعىِّ إسماعيلُ بنُ يحيى المُزَنُ،
ومحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكم، كلُّهم قالوا : الجماعةُ فى المسجدِ فى قيامٍ
رمضانَ أحبُّ إلينا، وأفضلُ مِن صلاةِ المرءِ فى بيتِه. واحتجُوا بحديثٍ أبى
ذرٍّ، عن النبيِّ بَله: ((إنَّ الرَّجلَ إذا قامَ مع الإمام حتى ينصرفَ حُسِبَ له
القبس
= (٤٨٩٣) من طريق سليمان بن بلال به، وأخرجه الطبرانى (٤٨٩٤) من طريق إبراهيم بن أبى
النضر به، وأخرجه البخارى (٧٣١)، ومسلم (٧٨١، ٢١٣، ٢١٤) من طريق أبى النضر به .
(١) ينظر مصنف عبد الرزاق (٧٧٤٢ - ٧٧٤٤)، ومصنف ابن أبى شيبة ٣٩٦/٢، ٣٩٧،
وشرح معاني الآثار ٣٥١/١، ٣٥٢.
(٢) أخرجه أحمد ٣٦٧/٢٨ (١٧١٤٢)، وابن حبان (٥) من حديث العرباض بن سارية.
١٤

الموطأ
قيامُ ليلةٍ)). وقد ذكَوْنَا هذا الحديثَ فيما تقدَّمَ مِن هذا البابِ (١) ، وإلى هذا التمهيد
ذهَب أحمدُ بنُ حنبلٍ. قال أبو بكرٍ الأثرمُ: كان أحمدُ بنُ حنبلٍ يُصلِّى مع
الناسِ التَّراويحَ كلَّها . يعنِى الأَشفاعَ إلى آخرِها ويوترُ معهم، ويحتجُ بحديثٍ
أبى ذرٍّ. قال أحمدُ بنُ حنبلٍ: كان جابرٌ، وعلىٍّ، وعبدُ اللهِ يُصلُّونها فى
جماعةٍ(١) . قال الأثرمُ: وحدَّثَنَا عبدُ اللهِ بنُ رجاءٍ، قال: حدَّثَنَا إسرائيلُ، عن
أبى سنانٍ، عن سعيدِ بنِ بجبيٍ، قال: لأنْ أُصلِّىَ مع إمامٍ يقرأُ بـ: ﴿هَلْ أَتَنَكَ
حَدِيثُ الْغَشِيَةِ﴾ أحبُّ إلىَّ مِن أَنْ أقرَأَ مائةَ آيةٍ فى صلاتِى وحدِى (١).
،
قال أبو عمرَ: هذا عندِى لا مُجَّةَ فيه؛ لأنَّه يحتملُ أنْ يكونَ أرادَ صلاةَ
الفريضةِ ، قال الأثرمُ: وسمِعتُ أحمدَ بنَ حنبلٍ يُسألُ عن الصَّلاةِ بينَ التَّراويحِ،
فكرِهَها ، فذُكِرَله فى ذلك رُخصةٌ عن بعضِ الصحابةِ ، فقال: هذا باطلٌ ، وَّمافيه
رُخصةٌ عن الحسنِ ، وسعيدِ بنِ جُبيرٍ ، وإبراهيمَ (٤) . قال أحمدُ : وفيه عن ثلاثةٍ من
الصَّحابةِ كراهيتُه ؛ عُبادةُ بنُ الصَّامِتِ، وعقبةُ بنُ عامٍ، وأبو الدَّرداءِ(٥) . قال أبو
بكر الأثرمُ: وحدَّثَنَا أحمدُ بنُ حبابٍ ، قال: حدَّثَنَا عِيسَى بنُ يُونسَ، قال: حدَّثَنَا
ثورُ بنُ يزيدَ ، عن راشدِ بنِ سعدٍ ، أنَّ أبا الدَّرداءِ أبصَر قومًا يُصلُّون بينَ التَّراويح،
فقال: ما هذه الصَّلاةُ؟ أتصلِّى وإمامُكَ قاعدٌ بينَ يدَيكَ؟! ليسَ مِنَّا مَن رغِبَ عنا .
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ١٠ .
(٢) ينظر مصنف عبد الرزاق (٧٧٢٢، ٧٧٤١)، ومصنف ابن أبى شيبة ٣٩٥/٢.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٢٠٢٢) من طريق إسرائيل به .
(٤) ينظر مصنف عبد الرزاق (٧٧٥٠)، ومصنف ابن أبى شيبة ٣٩٨/٢.
(٥) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٣٩٩/٢، ومختصر قيام الليل ص ٩٩.
١٥

الموطأ
التمهید
وقال: مِن قَلَّةٍ فقْهِ الرَّجلِ أنْ يَرَى أَنَّه فى المسجدِ وليس فى صلاةٍ .
وحدَّثناه عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ
أحمدَ الورَّاقُ، قال: حدَّثَنَا الخضرُ بنُ داودَ، قال: حدَّثَنَا أبو بكرِ الأثرمُ. فذكرَه
بإسنادِه، وذكَرَ سائرَ كلام أحمدَ ، وكلُّ ما فى كتابى هذا عن الأثرم ، عن أحمد
وغيره ، فبهذا الإسنادِ .
وحدَّثَنَا عبدُ اللهِ، قال: حدَّثَنَا عبدُ الحميدِ ، قال: حدَّثَنَا الخضِرُ، قال :
حدَّثنا أبو بكرٍ ، قال: حدَّثَنَا مُوسَى بنُ داودَ، قال: حدَّثَنا محمدُ بنُ صُبيحٍ ، عن
إسماعيلَ بنِ زيادٍ ، قال: مرَّ علىِّ رضىَ اللهُ عنه على المساجدِ وفيها القناديلُ فى
شهرِ رمضانَ ، فقال: نوَّرَ اللهُ على عُمرَ قبرَه، كما نوَّرَ علينا مساجدَنا(١).
وقال أبو جعفرِ الطَّحاوىُّ: قيامُ رمضانَ واجبٌ على الكفايةِ؛ لأنَّهم قد
أجمعوا أنَّه لا يجوزُ للناسِ تعطيلُ المساجدِ عن قيامِ رمضانَ، فمَن فعَله كان
أفضلَ ثَمَّنِ انفردَ ، كسائرِ الفروضِ التى هى على الكفاية . قال : وكلُّ من اختارَ
التَّفْرُّدَ فينبغِى أنْ يكونَ ذلك على ألّا يُقْطَعَ معه القيامُ فى المساجدِ، فَأُمَّا التَّفْرُّدُ
الذى يُقطعُ معه القيامُ فى المساجدِ فلا .
قال أبو عمرَ: القيامُ فى رمضانَ تطوٌُّ، وكذلك قيامُ اللَّيلِ كُلُّه، وقد
خشى رسولُ اللهِ وَِّ أَنْ يُفرضَ على أُمَّتِه، فمنْ أوجبَه فرضًا واقَعُ ما خشيه
القبس
(١) أخرجه الأثرم - كما فى المغنى ٦٠٦/٢ - من طريق إسماعيل بن زياد به .
(٢) فى م: ((أوقع)).
١٦

الموطأ
٢٤٨ - وحدَّثنى يحيى ، عن مالك، عن ابن شهابٍ ، عن أبی
سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ، عن أبى هريرةَ ، أن رسولَ اللهِ وَه
كان يُرَغّبُ فى قيام رمضانَ مِن غيرِ [٤٢ ظ] أن يأمُرَ بعزيمةٍ، فيقولُ: ((مَن
قام رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدَّمَ مِن ذنبِه)) .
التمهيد
رسولُ اللهِ وَِّ وكَرِهَه وخافه على أَمَّتِه، وإذا صحَّ أنَّه تطوٌُّ فقد علِمْنا بالسُّنَّةِ
الثابتةِ أنَّ التَّطوُّعَ فى البيوتِ أفضلُ ، إلّا أنَّ قيامَ رمضانَ لابدَّ أنْ يُقامَ اتِباعًا لعمرَ ،
واستدلالاً بسنَّةِ رسولِ اللهِ وَلَهَ فى ذلك، فإذا قامت الصَّلاةُ فى المساجدِ
فالأفضلُ عندِی حینئذٍ حیثُ تصِ﴾ (١) للمُصَلِّی نیُه وخشوعُه وإخباتُه وتدُ ما
يتلُوه فى صلاتِهِ، فحيثُ كان ذلك مع قيامِ سُنَّةٍ عُمَرَ فهو أفضلُ إنْ شاءَ اللهُ .
وباللهِ التَّوفيقُ .
مالكٌ ، عن ابنٍ شهابٍ ، عن أبى سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ ، عن أبى هريرةَ ، أَنَّ
رسولَ اللهِ وَ لَّ كان يُرَغِّبُ فى قيامِ رمضانَ مِن غيرٍ أن يأمُرَ بعزيمةٍ ، فيقولُ: ((من
قامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذنبِهِ)). قال ابنُ شهابٍ: فتُوفِّىَ
رسولُ اللهِ وَّهِ والأمرُ على ذلك، ثم كان الأمرُ على ذلك فى خلافة أبى بكرٍ ،
وصدرًا من خلافةٍ عمرَ بنِ الخطابِ .
القبس
وشهرُ رمضانَ مُرَغُّبٌ فيه على الجملةِ والتفصيلِ، ولفضلِهِ أَنزَل اللَّهُ فيه القرآنَ
جملةً إلى السماءِ الدنيا، ثم نزَل نجومًا (١) بعدَ ذلك مرةً إثْرَ أخرى حتى اسْتَوفاه اللَّهُ
تعالى، فلما اسْتَوفاه اسْتَأْثَر اللَّهُ برسولِه ورفَعه إليه؛ إلى الرفيقِ الأعلى. وقال
(١) فى م: ((تصلح)).
(٢) فى م: ((منجمًا)).
١٧
( موسوعة شروح الموطأ ٢/٥ )

الموطأ
قال ابنُ شهابٍ: فَتُؤُنِّى رسولُ اللهِ نَّهِ والأمرُ على ذلك، ثُم كان
الأمرُ على ذلك فى خلافة أبى بكرٍ، وصَدْرًا مِن خلافةِ عمرَ بنِ
الخطاب .
التمهید
اختلفَ الرواةُ عن مالكِ فى إسنادٍ هذا الحديثِ ؛ فأمَّا يحيى فَرَواه هكذا بهذا
الإسنادٍ ومُتَّصِلًا، وتابَعَه ابنُ بُكَيْرٍ(١)، وسعيدُ بنُ عُفَيْرٍ، وعبدُ الرزَّاقِ ، وابنُ
القاسمِ ، فى روايةِ الحارثِ بنِ مسكينٍ عنه ، على هذا الإسنادِ ، وعلى اتِّصالِه عن
أبى سلمةً، عن أبى هريرةَ . ذكرَه النسائىُّ، عن عمرٍو بنٍ علىٍّ، عن عُثمانَ بنِ
عُمَرَ. وذكرَه الدَّارَقُطنىُ(١) ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمدِ بنِ الواثِقِ باللهِ،
حدَّثنا أحمدُ بنُ الحسنِ الكَرْجِىُ، حدَّثنا إسحاقُ بنُ موسى ، حدَّثْنا مَعْنٌ ، عن
النبىُّ الَّه: ((مَن قام رمضانَ إيمانًا واحتِسابًا غُفِر له ما تقدَّم مِن ذنبِهِ)) (١). يريدُ بقولِه:
القبس
((إيمانًا)). أن فرضَه مِن عندِ اللَّهِ، وأن عبادتَه فيه إنما هى للَّهِ تعالى؛ إذ الأعمالُ كلُّها
تَحْتِمِلُ أن تكونَ للَّهِ و(٤َتَحَتمِلُ أن تكونَ" لغيرِهِ، ولا عِبْرةَ بها إلا أن تكونَ للَّهِ على نيةِ
امتثالٍ أَمرِه والتقرّبِ إليه، كمَن توضَّأُ تَبَّدًا لا يُعْتَدُّ به عبادةٌ، وكذلك مَن صامَ إجمامًا
لَعِدتِه لا يُعَدُّ عبادةٌ؛ ولذلك قال علماءُ الحقائقِ: إن الرجلَ إذا قال : أصومُ غدًا .
يقصِدُ بذلك التطَئُّبَ ، أنه لا يُجْزِئُه، وكذلك لو قصَد بالصلاةِ رياضةً أعضائِه لم
(١) أخرجه أبو عوانة (٣٠٤٢)، والبيهقى ٤٩٢/٢، والخطيب فى المدرج ٣٢٠/١ من طريق ابن
بکير به .
(٢) أخرجه الخطيب فى المدرج ٤٥٦/١ من طريق إسحاق بن موسى به مرسلًا، وينظر علل
الدارقطنى ٢٢٩/٩.
(٣) بعده فى د: ((وما تأخر)).
(٤ - ٤) سقط من : م .
٠ ١٨

الموطأ
مالكٍ، عن الزهرىِّ، عن أبى سَلَمَةً، عن أبى هريرةَ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَلَةٍ كَانَ التمهيد
يُرَغِّبُ فى قيامِ رمضانَ من غيرٍ أَنْ يأمُرَ بعزيمةٍ . فذكَرَه مثلَ روايةِ یحیی سَواءً إلى
آخِرِ قولِ ابنِ شهابٍ .
يُجْزتْه أيضًا حتى يَنوِىَ بذلك الخدمةَ لمن تجِبُ له القُرْبةُ .
القبس
وأما قولُه: ((اخْتِسابًا)). فمذهبُ المُقطِعين إلى اللَّهِ عزَّ وجلَّ، أن معناه:
يصومُه لامتثالِ الأمرِ لا لطلبِ الأجرِ . ومِن مذهبِهِم أن الإخلاصَ فى العباداتِ إنما
يكونُ بأن يُطِيعَ الرجلُ ربَّه محبّةً فيه، لا يَجْتَلِبُ(١) بذلك جَنَّةٌ، ولا يدفَعُ بذلك
نارًا، ويَرْؤُونُ فى ذلك عن عمرَ بنِ الخطابِ ، أنه كان يقولُ إذا نظَر إلى صُهَيبٍ :
نِعْمَ العبدُ صهيبٌ؛ لو لم يَخَفِ اللَّهَ لم يَعْصِه. وآثارًا فى ذلك سِواه، وأنكر ذلك
الفقهاءُ وقالوا: إنه لولا رجاءُ الجنةِ وخوفُ النارِ ما عبَد اللَّهَ تعالى أحدٌ. وهو
الصحيحُ عندى؛ لأن العبادةَ حظُّ النفسِ وخالصةُ مَنْفعتِها ، لا يُبالِى البارئُ عنها؛
إذ العبادةُ وتركُها بالإضافةِ إلى ("جلالِ اللهِ سواءٌ)، ولكنه بحكمتِهِ البالغةِ،
ومشيئته النافذةِ ، جعَل الدنيا دارَ عملٍ، وجعَل الآخرةَ دارَ جزاءٍ، وقد صرَّح النبىُّ
رَّ بذلك فى الحديثِ المُتقدّمِ: ((مَثَلُكم ومَثَلُ أهلِ الكتابِ مِن قَبلِكم، كَمَثَلِ
رجلٍ اسْتأجَرَ أَجَراءَ)) الحديثَ إلى آخرِه(٤). فصرّح أنها أُجْرةٌ ، ويكونُ معنى قولِه :
((اخْتِسابًا)). أنه يَعْتدُّ الأَجْرةَ عندَ اللَّهِ عزَّ وجلَّ مُدَّخَرةً إلى الآخرةِ، لا يريدُ أن
(١) فى ج، م: ((يستجلب)).
(٢) فى د، م: ((يروى)).
(٣ - ٣) فى ج، م: ((جلاله واحدة)).
(٤) تقدم تخريجه فى ٥٨٩/٤ .
١٩

الموطأ
التمهيد
وأخبرَنا علىُّ بنُ إبراهيمَ ، حدَّثنا الحسنُ بنُ رشيقٍ ، حدَّثنا ابنُ طاهرٍ ، حدَّثنا
أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ الوليدِ بنِ سَوَّارٍ، حدَّثنا الحارثُ بنُ مسكينٍ، حدَّثنا
عبدُ الرحمنِ بنُ القاسم، حدَّثنا مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن أبى سلمةَ بنِ
عبدِ الرحمنِ، عن أبى هريرةَ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَ لِهِ كان يُرَغِّبُ فى قيامِ رمضانَ من
بس يستعجِلَ منها شيئًا فى الدنيا؛ لأن ما يفتَحُ اللَّهُ على العبدِ فى الدنيا مِن أملٍ،
ويَقَالُهُ(١) فيها مِن لذةٍ ، محسوبٌ مِن أجرِه، مُحاسَبٌ يومَ القيامةِ به ، فعلى العبدِ أن
ينفىَ ذلك عن قلبِه، وأن ينوىَ بعملِه الدارَ الآخرةَ خاصةً ، فإنْ(١) يَشَر اللَّهُ له فى
هذه الدارِ أملًا فذلك فضلُه يُؤْتيه من يشاءُ، ولَّ اسْتَنكَر عمرُ بنُ الخطابِ على
رسولِ اللَّهِ وَ لَّ أن ينامَ على سريرٍ مَنْسوجٍ بالحبالِ ليس بينَها وبينَ جَنْبِه حجابٌ
حتى أثَّرَت فى جنِه، فقال له: ((أَوَفى شكٌّ أنت يا بنَ الخطابِ؟ أولئك قوم
عُجّلَت لهم طَيِّاتُهم فى حياتِهم))(١) . ورأى عمرُ بنُ الخطابِ جابرَ(٤) بنَ عبدِ اللَّهِ
وقد اشترَى لحمًا بدرهم، فقال له: أمَا تخافُ قولَ اللَّهِ: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَنِبَتِكُمْ فِى
حَيَاتِكُ الدُّنْيَ﴾(٥)! [الأحقاف: ٢٠].
(١) فى ج، م: ((ناله)).
(٢) فى م: ((بأن)).
(٣) مسلم (١٤٧٩).
(٤) فى د: (( جرير)).
(٥) سيأتى فى الموطأ (١٨٠٩).
٢٠