Indexed OCR Text

Pages 601-620

الموطأ
التمهيد
الشمسُ على يومٍ أفضلَ من يوم الجمعةِ ، وما من دابةٍ إلا وهى تفزَعُ ليوم الجمعةِ
إلا هذين الثقلين ؛ الجنَّ والإِنسَ، على كلِّ(١) بابٍ مِن أبوابٍ المسجدِ ملكان
يكتُبان الأُولَ فالأولَ ، كرجلٍ قدَّم بدنةً ، وكرجلٍ قدَّم بقرةً ، وكرجلٍ قدَّم شاةً،
وكرجلٍ قدَّم طيرًا، وكرجلٍ قدَّم بيضةً، فإذا قعَد الإمامُ طُويتِ الصَّحُفُ(٢))).
قال أبو عمر : لم أچِدْ ذ کر الساعاتِ إلا فی حدیثِ مالك ، عن شُمَئِّ ،
وفى حديث علىٍّ بنِ زيدٍ عن أوسٍ بنِ خالدٍ، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ وَ لِقال:
((إن الملائكةَ يومَ الجمعةِ على أبوابِ المسجدِ يكتُبون الناسَ على منازلهم؛ جاء
فلانٌ من ساعةٍ كذا، جاء فلانٌ من ساعةٍ كذا(٣)، جاء فلانٌ والإمامُ يخطُبُ ،
جاء فلانٌ وقد أدرَك الصلاةَ، وجاء فلانٌ ولم يُدرِكِ الجمعةَ، إذا لم يُدرِكِ
الخُطْبةَ )) .
حدَّثناه سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ
أصبغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا عفَّانُ، حدَّثنا حمَّادُ بنُ
سلمةَ ، أخبرَنا علىُ بنُ زيدٍ (٤) .
القبس
(١) ليس فى: الأصل، ص ١٧، م.
(٢) فى الأصل، ص ١٧: ((الصحيفة)).
والحديث أخرجه أحمد ٥٥٢/١٥ (٩٨٩٦)، والنسائى - كما فى تحفة الأشراف (١٤٠١٩،
١٤٠٣٣، ١٤٠٨٢) - وأبو يعلى (٦٤٦٨) من طريق العلاء به.
(٣) بعده فى ص ١٧، م: ((جاء فلان من ساعة كذا)).
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ١٥٢/٢، وأحمد ٢٠٩/١٤ (٨٥٢٣) عن عفان به، وأخرجه الطيالسى
(٢٦٨٨)، وأحمد ٢٣٦/١٦ (١٠٣٦٠) من طريق حماد بن سلمة به.
٦٠١

الموطأ
التمهيد
وأخبرَنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال : حدَّثنا أبو
داودَ ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ موسى، قال: أخبرنا عيسى - يعنى ابنَ يونسَ -
قال : أخبرنا عبدُ الرحمنِ بنُ يزيد بن جابرٍ ، قال: حدَّثنی عطاءً الخراسانىُ ، عن
مولَى امرأتِه أمّ عثمانَ - يعنى ابنَ عطاءٍ - قال : سمِعتُ عليًّا على منبرِ الكوفةِ
يقولُ: ((إذا كان يومُ الجمعةِ غَدَت الشياطينُ براياتها إلى الأسواق ، فیرمُون الناسَ
بالترابيثٍ، (أو بالربائث١ِ)، ويُطّئُونهم(٢) عن الجمعةِ، وتغدُو الملائكةُ
فيجلسون على بابِ المسجدِ فيكتُبون الرجلَ من ساعةٍ ، والرجلَ من ساعتين،
حتى يخرُجَ الإمامُ، فإذا جلس الرجلُ مجلسًا يستمكِنُ فيه من الاستماعِ
والنظرٍ، وأنصَت(٣) ولم يلْغُ، كان له كِفلان من أجرٍ(٤)، (°فإن نَأَى وجلَس
حيثُ لا يسْمَعُ، فأنّصت ولم يَلْغُ، كان له كفلٌ من أجر٥ٍ)، وإن جلَس مجلسًا
یستمکِنُ فیه من الاستماع والنظرِ، فلغا ولم يُنصِتْ، كان له کِفلٌ من وِزْرٍ ،
ومَن قال لصاحبِهِ يومَ الجمعةِ: صه. فقد لغا، ومَن لغا فليس له فى جمعته تلك
القبس
(١ - ١) سقط من النسخ. والمثبت من سنن أبى داود. قال الخطابى عن الرواية الأولى: وليس
بشىء. قال ابن الأثير: يجوز - إن صحت الرواية - أن يكون جمع تربيثة وهى المرة الواحدة من
التربيث، تقول: ربّقْتُه تربيثا وتربيئة واحدة، مثل: قدمته تقديما وتقديمة واحدة. والربائث جمع
ربيثة، وهى الأمر الذى يحبس الإنسان عن مهامه. ينظر معالم السنن ٢٤٣/١، والنهاية ٢/ ١٨٢.
(٢) فى سنن أبى داود: ((يثبطونهم)).
(٣) فى الأصل، ص ٢٧، م: ((الصمت)).
(٤) فى م: ((الأجر)).
(٥ - ٥) سقط من النسخ. والمثبت من سنن أبى داود.
٦٠٢

الموطأ
التمهيد
شىءٌ)). ثم يقولُ فى آخرِ ذلك: سمِعتُ رسولَ اللهِ وَلِّ يقولُ ذلك(١) . قال أبو
داودَ : رواه الوليدُ بنُ مسلمٍ، عن ابنِ جابرٍ، قال: (( بالرّبائِثِ))(٢) . وقال : مولَی
امرأتِه أمّ عثمانَ بنِ عطاءٍ .
قال أبو عمرَ: ففى هذه الأحاديثِ وجَدْنا ذكرَ الساعاتِ ، فاللهُ أعلمُ .
وكان الشافعىُّ رحمه اللهُ يقولُ: أُحِبُّ التبكيرَ إلى الجمعةِ، وأَلَّ تُؤْتَى إلا مشيًا .
وفى قولِه : التبكيرُ. دليلٌ على أنه الاستعجالُ فى أولِ النهارِ وقد جاء فى كثيرٍ من
هذه الأحاديثِ: ((المهجّرُ)). وجاء فيها: ((المتعجّلُ)). وقال بعضُ أصحابٍ
الشافعىِّ: ليس فى قوله: ((المهجّرُ)). ما يدُلَّ على أنه من وقتِ الهجيرِ
والهاجرةِ. قال: وإنما هو من التهجيرِ الذى يُرادُ به البِدَارُ والاستعجالُ، وتركُ
الحاجاتِ، واطّرائح الأشغالٍ. (٣ومن ذلك٣) قيل: المهاجرُ. لمن ترَك أهلَه ووطنَه
وبادَر إلى صُحبةٍ محمدٍ وَله.
قال أبو عمرَ : وقد استدلَّ بحديثٍ سُمَىٌّ المذكورِ فى هذا البابِ ، الشافعىُّ
وأصحابُه ومَن قال بقولهم فى تفضيلِ البُذْنِ فى الضحايا على الكِباشِ، وهذا(٤)
موضعٌ اختلف فيه الفقهاءُ؛ فقال مالكٌ وأصحابُه: أفضلُ الضحايا الفحولُ من
الضأن ، وإناثُ الضأنِ خيرٌ من فُحولِ المَغَزِ، وفحولُ المَغَزِ خيرٌ من إناثِها ، وإناثُ
القبس
(١) أبو داود (١٠٥١)، وأخرجه البيهقى ٢٢٠/٣ من طريق ابن جابر به.
(٢) فى ص ١٧: ((الترابيث))، وفى م: ((بالترابيث)).
(٣ - ٣) فى ص ١٧: ((ولذلك)).
(٤) فى ص ١٧: ((هو )).
٦٠٣

الموطأ
التمهید
المَغْزِ خيرٌ من الإبلِ والبقرِ. وحُجَّةُ مَن ذهب هذا المذهبَ قولُ اللهِ عزَّ
وجلَّ: ﴿وَفَدَيْنَهُ بِذِبْجِ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧]. وذلك كبشٌ، لا جمَلٌ
ولا بقرةٌ .
وروَى مجاهدٌ وغيرُه، عن ابنِ عباسٍ، أنه سأله رجلٌ فقال: إنی نذَرتُ أن
أنحَرَ نفسى. فقال: يُجزِتُك كبشٌ سَمينٌ. ثم قرأ: ﴿وَقَدَيْنَهُ بِذِبْجِ
عَظِيمٍ﴾(١).
وقال بعضُهم: لو علِم اللهُ حيوانًا أفضلَ من الكبشِ لفدَى به إسحاقَ(٢).
وضگی رسول الله ێ بکیشین املحین(٣)، وأکثُ ما ضحّی به الكباشُ.
وذكر ابنُّ أبى شيبةً، عن ابنِ عُليَّةَ، عن ليث ، عن مجاهدٍ ، قال : الذِّبح
العظيمُ الشاةُ .
حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ دُخَيم، قال: حدَّثنا أبو
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٥٩٠٤)، والطبرانى (١١٤٤٣) من طريق عطاء بن أبى رباح، عن ابن
عباس .
(٢) قال ابن قيم الجوزية: وإسماعيل هو الذبيح على القول الصواب عند علماء الصحابة والتابعين
ومن بعدهم، وأما القول بأنه إسحاق فباطل بأكثر من عشرين وجها، وسمعت شيخ الإسلام ابن
تيمية يقول: هذا إنما هو متلقى عن أهل الكتاب مع أنه باطل بنص كتابهم؛ فإن فيه: إن الله أمر
إبراهيم أن يذبح ابنه بكره، وفى لفظ: وحيده، ولا يشك أهل الكتاب مع المسلمين أن إسماعيل هو
بكر أولاده. زاد المعاد ١/ ٧١، وينظر تفسير ابن كثير ٧/ ٣٠.
(٣) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٠٥٤) من الموطأ.
٦٠٤

الموطأ
جعفرٍ محمدُ بنُّ الحسينِ بنِ زيدٍ، قال: حدَّثنا فهدُ(١) بنُ سليمانَ، قال: حدَّثنا التمهيد
إسحاقُ بنُ إبراهيم بن یونسَ احُتینُّ ، عن هشام بن سعد ، عن زیدِ بنِ أسلم ، عن
عطاءِ بنِ يسارٍ، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلَه: «نزَل علىَّ جبريلُ
فى يومٍ عيدٍ)). فقال له النبىُّ وَله: ((يا جبريلُ، كيف رأيتَ عيدَنا؟)). فقال:
يا محمدُ، لقد تباهَى به أهلُ السماءِ. وقال: يا محمدُ، اعلمْ أن الجَذَعَ من
الضأنِ خيرٌ من السيدِ(٢) من المعزِ، والجَذَعَ من الضأنِ خيرٌ من السيِّدِ (٢) من البقرِ،
والجَذَعَ من الضأنِ خيرٌ من السّيدِ(٢) من الإبلِ، ولو علم اللهُ ذِبحًا هو خيرٌ منه
لفدَى به إبراهيمُ ابنَه(٣) .
قال أبو عمرَ : هذا الحديثُ عندَهم ليس بالقوىِّ، والحُتُّنُ عندَه مناكيرُ.
وقال الشافعىُّ: الإبلُ أحبُّ إلىّ أن يُضَى بها من البقرِ، والبقرُ أحبُّ إلىَّ
من الغنم ، والضأنُ أحبُّ إِلىَّ من المَغَزِ. وقال أبو حنيفةً وأصحابُه : الجزورُ فى
الأُضحيةِ أفضلُ ما ضُخِّىَ به ، ثم يتلوه البقرُ فى ذلك، ثم تتلوه الشاةُ . وحُجَّةُ من
ذهَب إلى هذا المذهبِ قولُهُ وَّهِ: ((المهجّرُ إلى الجمعةِ كالمُهدِى بدَنَةً، ثم الذى
يَلِيه كالمُهدِى بقرةً، ثم الذى يَلِيه کالمهدِى شاةً». فبان بهذا الحديث أن التقُّبَ
إلى اللهِ عزَّ وجلَّ بالإبلِ أفضلُ من التقرّبِ إليه بالبقرِ، ثم بالغنم، على ما فى هذا
القبس
(١) فى ص ١٧: ((محمد)). وينظر تهذيب الكمال ٣٩٦/٢ ترجمة إسحاق بن إبراهيم.
(٢) فى ص ٢٧: ((الثنى)). والسّيِّد: ككيّس وإِمَّع: المسن من الإبل والبقر والمعز. ينظر التاج (س ود).
(٣) أخرجه العقيلى ٩٧/١، ٩٨، وابن عدى ٣٣٥/١، والحاكم ٢٢٢/٤، ٢٢٣، والبيهقى
٢٧١/٩ من طريق إسحاق بن إبراهيم الحنينى به.
٦٠٥

الموطأ
التمهيد الحديث. وقد أجمعوا على أن أفضلَ الهدايا الإبلُّ، واختلفوا فى الضحايا ،
فكان ما أجمَعوا عليه فى الهدي قاضيًا على ما اختلفوا فيه فى الأضاحى ؛ لأنه
قُربانٌ كلُّه، وقد أجمعوا على أنه ما استيسر من الهدي شاةً ، فدلَّ على نُقصانٍ
ذلك عن مرتبةٍ غيرِهِ، وقال رسولُ اللهِ وَلَةِ: ((أفضلُ الرّقابِ أغلاها ثمنًا،
وأنفشُها عندَ أهلِها))(١). ومعلومٌ أن الإبلَ أكثرُ ثمنًا من الغنم، فوجب أن تكونَ
أفضلَ؛ استدلالاً بهذا الحديثِ . وأمَّا الذِّبحُ العظيمُ الذى قُدِى به الذبيحُ ، فجائزٌ
أن يُطلَقَ عليه عظيمٌ؛ لِمَا ذكَر ابنُ عباسٍ(٢) أنه كبشٌ رعَى فى الجنةِ أربعينَ خريفًا ،
وأنه الذى قرَّبه ابنُ آدمَ فَتُقُبِّل منه ورُفِع إلى الجنةِ(٣).
قال أبو عمرَ : لو لم يكنْ فضلُ الكبشِ إلا أنه أولُ قُربانٍ تُقُرَّب به
إلى اللهِ فى الدنيا فتقَبَّله، وأنه فُدىَ به نبيِّ كريمٌ من الذّبح، وقال
اللهُ فيه: ذِئْعُ(٤) عظيمٌ.
ذگر عبد الرزاق(٥)، عن معمر ، عن یحیی بنِ أُبی کثیرٍ، عن محمد بنِ
عبد الرحمنِ بنِ ثوبانَ ، قال: مرَّ النعمانُ بنُّ أبى فُطيمةَ(٦) على النبيِّ مَلّ بكبشِ
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (١٥٥٣).
(٢) بعده فى ص ٢٧: ((من فضله)).
(٣) ينظر تفسير ابن جرير ٦٠٤/١٩، والحاكم ٥٥٩/٢.
(٤) فى م: ((بذبح)).
(٥) عبد الرزاق (٨١٣١).
(٦) فى النسخ: ((قطبة)). والمثبت من مصدر التخريج. وينظر الإصابة ٦/ ٤٥٠.
٦٠٦

٢٢٥ - وحدَّثنى عن مالك، عن سعيدِ بنِ أبى سعيدِ المَقْتُرِىِّ، عن أبى هريرةَ، الموطأ
أنه كان يقولُ: غُسْلُ يومِ الجُمُعةِ واجبٌ على كلِّ مُخْتَلِم، كغُشْلِ الجنابةِ.
أعيَنَ أقرَنَ(١)، فقال النبيُّ ◌َّهِ: ((ما أشبه هذا الكبشَ بالكبشِ الذى ذبحه إبراهيم)). التمهيد
فاشترَى معاذُ بنُ عَفراءَ كبشًا أقرنَ أَعينَ(١) فأهداه إلى النبيِّ وَّهِ فضخّى به.
وعن سعيدِ بنِ أبى سعيدٍ، عن أبى هريرةَ، أنه كان يقولُ: غُسْلُ الجمُعةِ الاستذكار
واجبٌ على كلِّ محتلمٍ، كغسلِ الجنايةِ(٢).
لا أعلمُ أحدًا أو يجب غسلَ الجمعةِ فرضًا إلا أهلَ الظاهرِ ؛ فإنهم أو جبوه فرضًا
وروى أبو سعيد الخدرىُّ عن النبيِّ وَلِّ، أنه قال: ((غُسْلُ يومِ الجُمُعةِ واجبَّ القبس
على كلِّ مُخْتَلِم)). وقال وَلِّ: ((حٌّ على كلِّ مسلم أن يغتسلَ فى كلِّ أسبوع
يومًا )). فاغْتَرَّت بهذه الألفاظِ طائفةٌ مُقَصِّرَةٌ، وظنُّوا أن الغسلَ يومَ الجمُعةِ فريضةٌ
بظاهرِ هذه الأحاديثِ، وليس كذلك، وإنما هو سُنَّةٌ مُؤكّدَةٌ. قال أَشْهَبُ : قلتُ
لمالكِ : غُسْلُ يومِ الجمُعةِ واجبٌ ؟ قال: ليس كلُّ ما جاء فى الحديثِ يكونُ هكذا .
(١) بعده فى ص ٢٧: ((أكحل)).
(٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٦٠)، وبرواية أبى مصعب (٤٣٣). وأخرجه عبد الرزاق
(٥٣٠٥)، وابن المنذر فى الأوسط (١٧٦٨) من طريق مالك به .
قال أبو عمر فى التمهيد ٢١/ ٩٠، ٩١ من النسخة المطبوعة: (( مالك ، عن سعيد بن أبى سعيد،
عن أبى هريرة ، أنه كان يقول : غسل الجمعة واجب على كل محتلم كغسل الجنابة . هذا قد جاء
عن رجل لا يحتج به ، عن عبيد الله بن عمر ، عن سعيد بن أبى سعيد ، عن أبى هريرة ، عن النبى
وَ﴾. وقد روى عن أبى هريرة، عن عمر، عن النبى وَّلتر فى الغسل يوم الجمعة، وقد أوردنا الآثار
فى ذلك وأوضحنا معانيها فى باب ابن شهاب ، عن سالم، وفى باب صفوان بن سليم أيضًا ذكر من
قال ذلك . والحمد لله)). وينظرما سيأتى ص ٦١٩ - ٦٤٧ .
٦٠٧

الموطأ
الاستذكار وجعلوا تاركَه عامدًا عاصيًّا للهِ ، وهم مع ذلك يُجيزون صلاةً الجمعةِ دونَ غُسلِ
لها، واحتجُوا بظاهرِ الحديثَين اللذين ذكرناهما، وهما ثابتان، ولكن المعنى
فيهما غيرُ ظاهرِهما بالدلائلِ الموجبةِ لإخراجِهما عن الظاهرِ .
فأولُ ذلك ما ذكرناه فى ((التمهيدِ))(١)، مِن حديثِ الجُرَيرىِّ، عن أبى
نضرةَ، عن أبى سعيد الخدرىِّ، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((مَن أَتَى الجمعةَ
فتوضَّأَ فبها ونِعْمَتْ، ومَن اغتسَل فالغُسلُ أفضلُ)).
وهذا كلامٌ مُجْمَلٌ بديعٌ على عادةِ السلفِ ؛ إذ كانوا يُجْمِلون الأقوالَ ولا يَتشطونها .
القبس
والدليلُ على سُقُوطِه مِن خمسةٍ أوجهٍ :
الأوَّلُ: قال لنا شيخُنا الفِهْرىُّ: قال لنا قاضى القضاةِ الدَّامَغانىُّ(٢): قال لنا أبو
الحسينِ القُدُورىُّ(٣) رئيسُ الحنفية فى وقتِه: قولُ النبيِّ وَِّ: ((غُسْلُ يومِ الجُمُعةِ
واجبٌ على كلِّ مُخْتَلِم)) . يعنى ساقطًا، فَيَحتملُ أن يكونَ يَسْقُطُ سُقُوطَ الفرائضِ،
ويحتملُ أن يَشْقُطَ سُقُوطَ السُّنَّنِ، فلا يكونُ لهم(٤) فى الحديثِ مُتَعَلَّقٌ .
الوجهُ الثانى: روَى النسائىُّ، وأبو داودَ، عن النبيِّ وَلِّ، أنه قال: ((مَن تَوضَّأَ
يومَ الجُمُعةِ(٥) فبها ونِعْمَتْ، ومَن اغتسَل فالغُسْلُ أفضلُ)). وهذا نصّ.
(١) سيأتى تخريجه ص ٦٢٩، ٦٣٨، ٦٤٤.
(٢) هو محمد بن على بن محمد بن الحسين بن عبد الملك الدامغانى الكبير أبو عبد الله الحنفى ،
قاضى القضاة ، ولى القضاء - بعد موت ابن ماكولا - سنة سبع وأربعين وأربعمائة ، مات ببغداد سنة
ثمان وسبعين وأربعمائة. الجواهر المضية ٢٦٩/٣، ٢٧٠، والمنتظم ٢٤٩/١٦.
(٣) هو أحمد بن محمد بن جعفر بن حمدان، أبو الحسين بن أبى بكر ، البغدادى، القدورى، مولده
سنة اثنتين وستين وثلاثمائة، صنف (المختصر))، وشرح (مختصر الكرخى))، و((التجريد))، وغيرها ،
ومات سنة ثمان وعشرين وأربعمائة . الجواهر المضية ٢٤٧/١، ووفيات الأعيان ١/ ٧٨.
(٤) فى ج، م: ((له)).
(٥) بعده فى ج، م: ((ثم راح)).
٦٠٨

الموطأ
فهذا أبو سعيدٍ قد رَوى الحديثَين معًا، وفى هذا ما يدلّ على أن غُسلَ الجمُعةِ الاستذكار
فضيلةٌ لا فريضةٌ ، فلم يَثْقَ إلا أنه على النَّدْبِ، كأنه قال : واجبٌ فى الأخلاقِ
الكريمةِ وحسنِ المجالسةِ. كما تقولُ العربُ : وجَب حقُّك. أى فى كرمٍ
الأخلاقِ والبرِّ بالصديقِ ونحوِ هذا .
ومثلُ هذا حدیثُ سَمُرةَ ، ذكرناه أيضًا فى (( التمهيدِ))(١) من وجوهٍ ، عن
قتادةَ، عن الحسنِ، عن سَمُرةَ بنِ جُنْدُبٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((مَن
توضَّأَ يومَ الجمعةِ فبها ونِعْمتْ، ومَن اغتسلَ فالغُسلُ أفضلُ)).
وقال أبو عيسى الترمذىُّ : قلتُ للبخارىِّ: قولُهم: إن الحسنَ لم يسمعْ مِن
سَمُرَةَ إِلا حديثَ العقيقةِ ؟! قال : قد سمع منه أحاديث كثيرةً . وجعَل روايته عن
سَمُرةً سماعًا وصحَّحها .
الوجهُ (٢) الثالثُ: روى مسلم عن أبى هريرةَ، عن (٣) النبيِّ وَلِّ أنه (٤) قال: ((مَن
توضّأُ يومَ الجُمُعةِ فأحسَنَ الوضوءَ، ثم راحَ إلى الجُمُعةِ فَأَنْصَتَ ولم يَلْغُ، غُفِرِ له(٥)).
وهذا نصّ آخرُ.
القبس
الوجهُ الرابعُ: حديثُ ((الموطأ))، أن رجلًا دخَل على عمرَ رضِى اللَّهُ عنه، فقال
له : ما زِدْتُ على أن توضَّأتُ . الحديث إلى آخرِهِ. وَجْهُ التعلَّقِ منه أن عمرَ والصحابةَ
بأجمعِهم أعلَموا ذلك(٦) الرجلَ بتأكيدٍ(٧) الغُسْلِ ، وأقژُوه علی تر که، ولو كان فرضًا
(١) سیأتی تخريجه ص ٦٢٩ .
(٢) سقط من: د.
(٣) فى ج: ((أن)).
(٤) سقط من : ج، م.
(٥) بعده فى د: ((ما تقدم من ذنب فيه وما تأخر)). وينظر مسلم (٢٧/٨٥٧).
(٦) فى ج: ((لذلك)).
(٧) فى د: ((تأكید)).
٦٠٩
( موسوعة شروح الموطأ ٣٩/٤)

الموطأ
ومِن حديثٍ يحيى بن أبي كثيرٍ، عن أبى سلمةَ، عن أبى سعيد الخدرىِّ، قال:
الاستذكار
ثلاثٌ منَّ على كلِّ مسلم يومَ الجمعةِ ؛ الغُسلُ، والسواكُ، وَمَسُ طِيبًا إن وجده(١).
ومعلوم أن الطيبَ والسواكَ ليسا بواجبين، فكذلك الغُسلُ ، واللَّهُ أعلمُ .
وأما قولُ أبى هريرةَ : كغُسلِ الجنابةِ . فإنه أراد الهيئةَ والكيفيةَ ، ففى هذا جاء
تشبيهُه له بِغُسلِ الجنابةِ ، لا فى الفرضِ والوجوبِ بما ذكرنا مِن الدلائلِ ، مع أنه
معلومٌ محفوظٌ عن أبى هريرةَ ، أنه كان يأمرُ بالغُسلِ ولا يوجِئُه فرضًا، ويقولُ
فيه : كغُسلِ الجنايةِ .
رواه سفيانُ وغيرُه، عن عاصم بن عبيدِ اللهِ، عن مولّى لبنى (٢أبِى رُهْم٢ٍ)،
ما سامَحوه؛ لأن القومَ كانوا أجلَّ مِن أن يُقِرُّوا(٣) على منكرٍ .
القبس
الوجهُ الخامسُ: أَن أَمْرَ النبيِّ وَلِّ بالغسلِ إنما كان لسببٍ؛ رَوَت(٤) عائشةُ فى
الصحيح، أن الناسَ كانوا يتناوَبون الجُمُعةَ مِن العَوالى وغيرِها، وكانوا عُمَّالَ
أنفسِهم(٥) - وفى روايةٍ: وكانوا يَلْبَسون الصوفَ - فِيَظْهَرُ منهم رِيحُ الضَّأْنِ(٩). زادَ
النسائيُ(٧): وكان يكونُ عليهمُ الوَسَخُ فتَخْرُجُ(٨) رَوَائِحُهم، فيتَأَذَّى بها الناسُ ، فأمر
(١) سيأتى تخريجه ص ٦٣٧ .
(٢ - ٢) فى ص: ((أبى أدهم))، وفى م: ((أدهم)).
(٣) فى د: ((يقروه)).
(٤) فى د: ((رواية)).
(٥) سيأتى تخريجه ص٦٣٤، ٦٣٥.
(٦) أخرج هذه الرواية الطيرانى فى الأوسط (٨٣٨٩).
(٧) سيأتى تخريجه ص ٦٣٥.
(٨) بعده فى د: ((رءوسهم).
٦١٠

الموطأ
عن أبى هريرةَ ، أنه خرَّج إلى المسجدِ فلقِى امرأةً قد تطيّيتْ فقال: أين تريدين الاستذكار
يا أمةَ اللهِ؟ قالتْ: إلى المسجدِ. قال: وله تطييتٍ ؟ قالت: نعم. قال: فارجعى
فاغسلی عنكِ هذا الطيب ، فإن الله لا يقبلُ منكِ حتى ترجعی فتغسليه عنكِ
کغُسلِكِ من الجنابةِ .
وبعضُ رواةٍ هذا الحديثِ عن عاصم يرفعُه إلى النبيِّ ◌َل﴾(١).
والحديثُ المذكورُ فى أولِ هذا البابِ عن سُمَيٍّ، عن أبى صالحٍ، عن أبى
هريرةً، عن النبيِّ عليه السلام قال: ((مَن اغتسلَ يومَ الجمعةِ غُسْلَ
الجنابةِ، ثم راحَ فى الساعةِ الأُولى)) الحديث(٢). يشهدُ بما وصَفنا أيضًا.
وباللَّهِ توفيقُنا .
القبس
النبيُِّ نَّ بالغُسْلِ. فَبَثَتَت رضوانُ اللَّهِ عليها سببَ الغُسْلِ، وأوضّحَت عِلَّه فارتَبَط
الغُسْلُ بها ، والفرائضُ المُطْلقَةُ لا تتعلَّقُ بالعدلِ العارضةِ ؛ ولذلك قال بعضُ عُلمائِنا
رحمةُ اللهِ عليهم: لو اغْتَسلّ للجُمُعةِ(٣) بماء الوردِ جازَ(٤) . لحصولٍ المقصودِ فيه،
وذَهابِ العِلَّةِ المقتضية للاغتسالِ به.
عطفٌ: ذكَر علماؤنا رحمةُ اللهِ عليهم أن الجُمُعةَ تَجِبُ على المُكَلَّفِينَ بشروطٍ
ويَلْزَمُهم أداؤها بأُخرَ.
(١) أخرجه أحمد ٣١١/١٢ (٧٣٥٦)، وابن ماجه (٤٠٠٢) من طريق سفيان بن عيينة عن عاصم
به مرفوعًا .
(٢) تقدم فى الموطأ (٢٢٤).
(٣) فى د: ((ليوم الجمعة)).
(٤) فى م: ((لجاز)).
٦١١

الموطأ
الاستذكار
وقد ساوَى أبو هريرةَ بينَ الغسلِ والطيبٍ للجمعةِ ، والطيبُ قد أجمعوا على
أنه ليس بواجبٍ، فكذلك الغُسلُ . روى(١) سفيانُ بنُ عيينةً، عن عمرو بنِ
دينارٍ ، عن طاوسٍٍ، قال: سمِعتُ أبا هريرةَ يقولُ: حقُّ اللَّهِ على كلِّ مسلم أن
يغتسلَ فی کلِّ سبعة أيام يومًا ، يغسلُ كلِّ شىءٍ منه، ویمشُ مِن طیبٍ إن كان
لأهلِه(٢).
وهذا الحدیثُ اُثبتُ إسنادًا مِن حديث مالك ، عن سعیدِ بنِ أُبی سعیدٍ ، عن
أبى هريرةَ .
القبس
فأمَّا شُرُوطُ الوجوبِ فسبعةٌ؛ العقلُ، والذُّكُوريةُ، والحريةُ، والبلوغُ،
والقُدْرةُ، والإقامةُ، و(٣) القريةُ .
أما العقلُ، فلا خلافَ فيه؛ لأن عديم العقلِ لا يُخاطَبُ بشىءٍ، حَسَبَ ما
قَرَّرْناه فى الأصولِ، وليس فى رفعِ الخطابِ عنه(٤) حديثٌ صحيحٌ، وإنما
يُعَوَّلُ فيه على "إجماع الأمةٍ ).
وكذلك البلوغُ لا خلافَ فيه أيضًا، وهو مَنُوطٌّ بالأوَّلِ؛ لأن الصبى عديمُ
العقلِ، ولا يزالُ يَتَدرَّجُ فى المعرفةِ حالاً بعدَ حالٍ، حتى يَكْمُلَ له ويَتَدارَكَ بعضَه
(١) فى ص، م: ((رواه)).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٥٢٩٨) من طريق عمرو بن دينار به.
(٣) سقط من: د، وفى م: ((فى)).
(٤) فی ج، م: (عنهم)) .
(٥ - ٥) فى ج، م: ((الإجماع)).
٦١٢

الموطأ
الاستذكار
القبس
ببعضٍ، وليس ذلك مما يُدْرِ كُه الخلقُ، فنصَب اللَّهُ تعالى عليه علامتَه؛ وهو الاحتلامُ
للغلام، والحَيْضُ للجاريةِ، فإن عُدِما(١) فالسِّنَّ، وليس فى تقديرِه حديثٌ يُعَوَّلُ
عليه، و("لا أصلّ من٢) القياسِ يُرجَعُ إليه، إلا أنه رُوِى فى الحَدِّ(٣)
حديثان صحيحان (٤يُرجَعُ إليهماء)؛ أما أحدُهما: فإن النبيَّ وَل ◌ِ أجاز فى الغزو
ابنّ خمسَ عشْرَةَ سنةً، ورَدَّ مَن دونَه(٥). وأما الثانى: فحكمُه فى بنى قُرَيظةً ، أن
يُقْتَلَ مَن جَرَّت عليه المَوَاسِى(٦). ويَعْتِضُ(٧) الحديثَ الأَولَ عندَ علمائِنا، أن مالكًا
رحمه اللَّهُ يَرى السهمَ للصبىِّ إذا أطاقَ(٨) القتالَ وإن(٩) لم يَتْلُغْ، ويَغْتِرِضُ(٧) الثانىَ
عندَهم أن ذلك حكمٌ مخصوصٌّ ببنى قريظةً، وقيل: بالكفارِ. وذلك(١٠) كلُّه
تَعَلُّقٌّ بالمعنى. والحديثان أصلان، فلْيُعَوَّلْ عليهما وعلى الروايةِ التى توافِقُهما،
وليُطْرَخ ما سِواهما.
وأما الذُّكُورِيَّةُ؛ فلأن الأنوثةَ نُقْصانٌ يُخِلُّ بالعقلِ، حَسَبَ ما نصَّ اللَّهُ تعالى
(١) فى ج، م: ((عدمها)).
(٢ - ٢) فى ج، م: ((الأصل هو)).
(٣) فى د: ((المعنى)) ..
(٤ - ٤) سقط من: د.
(٥) البخارى (٢٦٦٤)، ومسلم (١٨٦٨).
(٦) أبو داود (٤٤٠٤، ٤٤٠٥)، وابن ماجه (٢٥٤١).
(٧) بعده فى ج، م: ((على)).
(٨) فى ج، م: ((طاق)). وكلاهما بمعنى.
(٩) سقط من: ج.
(١٠) فى ج، م: ((هذا)).
٦١٣

الموطأ
الاستذكار
القبس
عليه، ويوجِبُ الحِجابَ، ويمنَعُ مِن (١الخُلطةِ فى الجماعة١ِ) ، فلا تنتظِمُ منهن عُصْبةٌ ،
ولا تَتْعقِدُ بهن(٢) جماعةٌ فى جمعةٍ ، بل إن اللَّه تعالى أذِن لهنَّ فى الجماعاتِ(٣) على
معنى التََّعيةِ للرجالٍ ؛ رحمةً لهن وتوسِعةٌ فى الأجرِ عليهن. دخَلتُ نائُسَ(٤) - وهى
قريةُ المنجنيقِ لإبراهيم عليه السلامُ(٥) - فما رأيتُ أحسنَ منه(٦)، وسكَنتُه(٧) مُدَّةً ،
وتردَّدْتُ عليه (٨) مِرارًا، فما وقَعَت (٦عينى فيه٩) على امرأةٍ نهارًا، حتى إذا كان يومُ
الجمعةِ امتلأ المسجدُ بهن، ثم لا تقَعُ عينٌ عليهن إلى(١٠) الجُمُعةِ الأُخرى .
وأما الحريةُ ، فإنها شرطٌ فى وجويها؛ لأن العبدَ مُسْتغرَقٌ بخدمةٍ سيّدِه اسْتِغراقًا
حجّبه عن الشهاداتِ وتَحَلِها، والحجّ وآدابِهِ، والجُمُعةِ والسّغي إليها ، وليس فى ذلك
أَثَرٌ صحيحٌ، والمُعَوَّلُ فى ذلك على الإجماعِ السابقِ للخلافِ، وقد كان السلفُ
ينتابون(١١) الجُمُعةَ أحرارًا، وما ألزّموها قَطُّ عبيدَهم؛ فإن حضَرها العبدُ والمرأةُ كانا مِن
(١ - ١) فى ج: ((الخلطة بالجماعة))، وفى م: ((الخلط بالجماعة)).
(٢) فى ج، م: ((منهن).
(٣) فى م: ((الجماعة)).
(٤) نابلس ، بضم الباء الموحدة واللام وآخره سين مهملة : مدينة مشهورة بأرض فلسطين، بينها وبين
بيت المقدس عشرة فراسخ. مراصد الاطلاع ١٣٤٧/٣.
(٥) ذكر ياقوت أن اليهود تزعم أن نمرود بن كنعان رمى إبراهيم عليه السلام فى النار فى قرية بلاطة
من أعمال نابلس ، وذكر ابن كثير أنه عليه السلام وضع فى كفة المنجنيق مقيدا مكتوفا ثم ألقوه منه
إلى النار. ينظر معجم البلدان ٧١٠/١، والبداية والنهاية ٣٣٧/١، ٣٣٨.
(٦) فى م: ((منها)).
(٧) فى م ((سكنتها)).
(٨) فى م: ((عليها)).
(٩ - ٩) فى ج: ((فيه عينى))، وفى م: ((فيها عينى).
(١٠) بعده فی د: (يوم)).
(١١) فى ج، م: ((يتناوبون)). وكلاهما بمعنى.
٦١٤

الموطأ
الاستذ کار
القبس
أهلها ، ولا تجوزُ إمامةُ العبدِ فیھا ، ولا يُلْتفَتُ إلی روایة جوازها ، فإنها لم تتَعيَّنْ فی
ذمَّتِه وجوبًا، فكيف يتحمّلُها (١) ويَضْمَنُها عن غيرِهِ إمامًا ؟!
وأما القُدْرةُ، فلا خلافَ فيها بينَ الأمَّةِ؛ لأن التكليفَ إِنما يُناطُ بالقادرِ،
والقدرةُ(٢) قد تَنْتَفى عن الإنسانِ بمعنَّى يكونُ فيه؛ كالتَّقِيَّةِ والمرضِ والسَّجْنِ، أو
بمعنَّى(٣) فى غيرِه؛ كالتَّعريضِ للقريبِ أو للغريبِ أو (٤) ما يُشْبِهُه .
وأما الإِقامةُ ، فلا خلافَ فيها؛ لأن اللَّهَ عزَّ وجلَّ وضَع عن المسافرِ شَطْرَ الصلاةِ
والصيامَ ، فكيف يُكلِّفُه عبادةً مِن شرطِها الخطبةُ والإمامُ ؟
وأما القريةُ، فلا خلافَ فيه(٥) أيضًا، وإنما هى مُرتبِطٌ بالشرطِ السابقِ مِن
الإقامةِ ، وليس لها حدٌّ مُقدَّرٌ، ولا يوجَدُ عليه فى الشريعةِ دليلٌ، ◌َيْدَ أن العلماء قالوا
فى ذلك قولًا صحيحًا؛ قالوا : إذا لَزِمَتِ الجماعةُ موضعًا يمكِنُهم فيه الاستيطانُ،
ويَسْتَغْنون عن غيرهم، فقد ◌ُچِد الأمر كما يجِبُ .
وأما شروطُ الأداءِ، فهى الإسلام؛ لأن العبادةَ لا تصِحُ مِن كافرٍ، وقد وَهَل(٩)
بعضُ علمائِنا، فجعَل الإسلامَ مِن شُرُوطِ الوجوبِ ، ولا خلافَ فى مذهبٍ مالكٍ
رحِمه اللَّهُ مِن جميع رواياتِه، ولا عندَ أصحابِهِ، فى أن الكفارَ مُخاطَبون بفروعِ
(١) فى م: ((يحتملها)).
(٢) فى د: ((المقدرة)).
(٣) فى د: ((لمعنى)).
(٤) فى ج، م: ((ر)).
(٥) فى م: ((فيها)).
(٦) فى م: ((فصل)). ووهل فلان يهِلُ وهْلا: سها، وإلى الشىء: ذهب وهمه إليه وهو يريد غيره.
الوسيط ( وهـ ل ).
٦١٥

الموطأ
الاستذكار
الشريعةٍ، ولا توجَدُ لواحدٍ منهم أبدًا روايةٌ تُخالِفُ هذا الأصلَ، ١ فالْقَنُوا عنه١)
القبس
واعرفوه .
ولها فى الأداءِ شروطُ الصلاةِ المُطْلَقةُ؛ مِن الطهارةِ والسّتْرِ والاستقبالِ ، ومِن
شُرُوطِها الخُطبةُ المعدَّدةُ المفصولةُ بُجلُوسٍ، ومِن شُرُوطِها الإمامُ، ولسنا نعنى به
الأميرَ، وإنما نريدُ به مَن يُقِيمُها .
وقد قال فى ذلك مالكٌ رحمه اللهُ كلمةً لا يخرجُ مثلُها إلَّ مِن مِشْكاةٍ فصاحةٍ
النبوة: إن للَّهِ تعالى فَرائضَ فى أرضِه لا يُضَيِّعُها، إن وَلِيَها وَالٍ أو لم يَلِهَا(٢).
والبحرُ الذى استمدَّ منه مالكٌ هذا الكلامَ العَذْبَ هو إقامةُ الصحابةِ لصلاةٍ
الجُمعةِ وعثمانُ رضِى اللَّهُ عنه محصورٌ، وإجمائُ عثمانَ معهم على ذلك بقوله وقد
سُئِل: إنه يُصَلِّى لنا إمامُ فتنةٍ. فقال: الصلاةُ أحسنُ ما يفعَلُ الناسُ، فإن أحسنوا
فأحسِنْ معهم، وإن أساءُوا فاجْتَيِبْ إِساءَتَهم(٣). قال علماؤنا: ومِن شُرُوطِ أدائِها
المسجدُ الْمُسَقَّفُ . وما علِمتُ لهذا وجهًا فى الشريعةِ إلى الآنَ، ومن شروطِها العددُ
مِن أربعينَ إلى عشَرةٍ ، وليس فى ذلك أصلٌ إلا حديثانٍ ؛ أحدُ الحديثَين: إقامةُ أسعدَ (٤)
لها فى هَزْمِ(٥) النَّبِيتِ - موضعُ عندَ حَرَّةِ بنى بياضةً - وهم أربعونَ رجلًا(٦)، وهذا ليس
(١ - ١) فى ج، م: ((فالفتوى ذلك)).
(٢) المدونة الكبرى ١٥٣/١.
(٣) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (٤٣٢) من الموطأ .
(٤) فى د: ((سعد)). وهو أسعد بن زرارة، ينظر مصادر التخريج، وأسد الغابة ١/ ٨٦.
(٥) فى د، ج: ((هدم)). والهزم بالفتح ثم السكون هو ما اطمأن من الأرض، والنبيت بطن من
الأنصار، وبياضة أيضا بطن من الأنصار. ينظر معجم البلدان ٩٧١/٤ - ٩٧٣.
(٦) أخرجه أبو داود (١٠٦٩)، وابن ماجه (١٠٨٢).
٦١٦

الموطأ
الاستذكار
القبس
فيه محُجّةٌ؛ لأنه لم يَرْضَه أصحابُ الصحيح لأجلِ سَنَدِه، ولا فيه أيضًا أن هذا(١) العدد
شَرْطِ، ولعله كان اتفاقًا. وأما الحديثُ الثانى: ثبت فى الصحيح، أن النبىّ وَل
كان يخطُبُ يومَ الجُمُعةِ ، فتفرّقوا عنه إلا اثْنَى عشَرَ رجلاً، فلم يقطَعْ خطبتَه ولا تَرَك
صلاتَه، وعاتَبهم اللَّهُ تعالى على ذلك فقال: ﴿وَإِذَا رَأَوْ تِجَرَةً أَوْ لَوَّا أَنْفَضُُّوَاْ إِلَيْهَا
وَتَرَكُوكَ قََّيِمًا﴾. إلى قوله: ﴿ الزَّزِقِينَ﴾(٢) [الجمعة: ١١]. وقد رتَّب علماؤنا على هذه
النازلةِ فرعًا غريبًا؛ فقالوا: يجوزُ(٣) إتمامُ الجمُعةِ باثْنَى عشَرَ رجلًا، ولكنَّها لا تنعقِدُ إلَّا
بأكثرَ منهم . رواه أشهَبُ وغيرُه. والصحيح أن كلَّ ما جازَ إتمامُها به جاز (٤) انعقادُها
عليه، كما أنه لا إشكالَ فى ضعفٍ قولٍ مَن قال: إن الجمعةَ تنعقِدُ باثتين . لأن فائدتَها
لا توجّدُ فى ذلك، وكلُّ صورةٍ تذهَبُ بفائدةِ الحكم والعبادةِ لا حكمَ بها (٥) .
وللجمُعةِ آدابٌ تشتركُ مع غيرِها فيها وتنفردُ بها؛ فمما تنفردُ به تجديدُ البَزَّةِ ،
وتحسینُ الشارة، وقال پآلے: «ما على أحدٍ کم لو اتخذ ثویین جُمُعته سِوی ثوتیْ
مَهْنِهِ))(٦) . وتُبائع ثيابُ الجمُعةِ فى الدَّينِ؛ لأن الفرضَ مُقَدَّمٌ على السُّنةِ، وصلاتُه وهو
فارعُ الذِّمةِ عن الدَّينِ أحبُّ إليه مِن صلاتِه وهو مشغولُ الذمةِ به . ومن خصائصِها
الطِّبُ؛ للعلةِ التى قدَّمنا آنفًا، فإن الناسَ كما يَتَضرَّرون برائحةِ الوَسَخِ ينتفِعون بنفحٍ
(١) سقط من: ج ، م .
(٢) أخرجه البخارى (٢٠٦٤)، ومسلم (٨٦٣).
(٣) فى ج، م: ((يجب)).
(٤) فى ج، م: ((كان)).
(٥) فی ج، م: ((لها)).
(٦) ينظر ما سيأتى ص ٧٣٠.
٦١٧

الموطأ
الاستذكار
القبس
الطِّيبِ. ومِن أغربٍ آدابِها، ما ذكّره بعضُ علمائِنا قال: مِن آدابِ الجمُعةِ أن يَطَأَ
زوجتَه ذلك اليومَ؛ لما رُوِى فى الأثرِ عن النبيِّ بَلِّ، أنه قال: ((مَن غسَّل واغتسَل،
وبِكَّر وابتكر ، ثم راحَ إلى الجُمُعةِ)) الحديث(١).
واختلَفتِ الرّوايةُ فى ضبطِ هذا الحديثِ؛ فمنهم مَن رواه: ((غَسَل وبَكْر)).
بتشديدِ العين(٢) فيهما ، ومنهم مَن رواه بتخفيفِه فيهما ، ثم اختلفوا فى تأويله؛ فمنهم
مَن قال: إن التضعيفَ(٣) والتشديدَ إنما هو للتعدية (٤إلى الغير٤ِ)، وذلك لا يكونُ
إلا (° فى وطْءٍْ) الزوجة. ومنهم من قال: إن معناه غسل رأسه واغتسل فى سائرٍ
جسدِه . ومنهم من قال : التشديدُ إشارةٌ إلى المبالغةِ فى النظافةِ ؛ فإِنَّ صَبَّ الماءِ المطلقَ
- ما لم تكُنْ(٦) معه محاولةٌ - لا(٧) يذهَبُ بالدَّرَنِ. وهذه الاحتمالاتُ تذهَبُ بوطءٍ
الأهلِ، على أن ما قالوه مِن لُزُومِ التعديةِ بلفظِ التشديدِ صحيحٌ فى اللغةِ إذا صحَّ به
الضَّبْطُ، لكنَّ الحديثَ لم يَصِحَّ ولا ضَبْطُه(٨)، على أن التعديةَ قد تكونُ (٩أن يأْذَن٩َ)
لعبدِه و(١٠) لامرأته فى محُضُورِ الجمُعةِ، فإذا أتَوها توجّه عليهم نَذْبُ الغُسلِ ؛ لقولِه
(١) أخرجه أحمد ٩٣/٢٦ (١٦١٧٣)، والنسائى (١٣٨٣)، والترمذى (٤٩٦).
(٢) فى ج: ((السين)). والمقصود بالعين عين الفعل.
(٣) فى ج، م: ((التخفيف)).
(٤ - ٤) سقط من: ج، م.
(٥ - ٥) فى ج: ((وطئ))، وفى م: ((بوطئ)).
(٦) فى ج، م: ((يقع)).
(٧) فى ج، م: ((لم)).
(٨) فى ج، م: ((ضبط)).
(٩ - ٩) فى ج، م: ((بإذن)).
(١٠) فى ج، م: ((أو)).
٦١٨

٢٢٦ - وحدَّثنى عن مالكِ، عن ابنِ شهابٍ، عن سالمٍ بنِ الموطأ
عبدِ اللهِ، أنه قال: دخَل [١٣٨] رجلٌ من أصحابِ رسولِ اللهِ وَل
المسجدَ يومَ الجمُعةِ وعمرُ بنُ الخطابِ يخطُبُ ، فقال عمر: أيةُ ساعةٍ
هذهِ ؟ فقال: يا أميرَ المؤمنين ، انقلَبْتُ مِن السوقِ ، فسَمِعتُ النداءَ، فما
زِدْتُ على أن توضَّأْتُ. فقال عمر: والوضوءَ أيضًا وقد علِمْتَ أن
رسولَ اللهِ وَلّهِ كان يأمُرُ بالغُسْلِ؟!
التمهید
مالك ، عن ابن شهاب، عن سالم بنِ عبدِ اللهِ ، أنَّه قال : دخل رجلٌ من
أصحابٍ رسولِ اللهِ وَالّ المسجدَ يومَ الجمعةِ، وعمرُ بنُ الخطابِ يخْطبُ ، فقال
عمرُ: أَيَّةُ ساعةٍ هذه؟ قال: يا أميرَ المؤمنين، انقلَبْتُ مِن الشّوقِ، فَسَمِعْتُ
النداءَ، فما زِدتُ على أن توضَّأْتُ . فقال عمر: الوضوءَ أيضًا وقد عَلِمْتَ أنَّ
رسولَ اللهِ وَ لِّ كان يأمُرُ بالغُسْلِ(١)؟!
هكذا روَاه أكثرُ زُواةٍ ((الموطّأُ)) عن مالكِ مُؤْسَلًا، عن ابنٍ شهابٍ، عن
سالم، لم يقولوا: عن أبيه. ووصَله عن مالكِ رَوْحُ بنُ عُبادةَ، وجويريةُ بنُ
القبس
ڑ فی الصحیحِ: «إذا أراد أحدُ كم الجمعةَ فلیغْتسِلْ)). فسقط هذا الأدبُ عنها
وبقی سائرها .
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (٤٣١). وأخرجه الشافعى فى الرسالة ص ٣٠٣ (٨٤٢)، والطحاوى
فى شرح المعانى ١١٧/١، ١١٨، والبيهقى فى المعرفة (٤٥٢) من طريق مالك به.
٦١٩

الموطأ
التمهید
أسماءَ، وإبراهيمُ بنُ طَهْمَانَ(١) وعثمانُ بنُ الحكم الجُذَامِىُّ، وأبو عاصم النبيلُ
الضحاكُ بنُ مخلدٍ، وعبدُ الوهابِ بنُ عطاءٍ، ويحيى بنُ مالكِ بنِ أنسٍ،
وعبدُ الرحمنِ بنُّ مَهْدِىٌّ(٢)، والوليدُ بنُ مسلمٍ، وعبدُ العزيزِ بنُ عمرانَ،
ومحمدُ بنُ عمرَ الواقدىُّ، وإسحاقُ بنُ إبراهيمَ الحُتْنِىُّ، والقَعْنَبِىُّ، فى روايةِ
إسماعيلَ ابنِ إِسحاقَ عنه؛ فرَووه عن مالكِ، عن ابنِ شهابٍ، عن سالمٍ،
عن أبيهِ .
فأمّا حديثُ رَوْح بنٍ عبادةَ فحدَّثناه عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ يوسفَ ، قال :
حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الرحيمِ، ومحمدُ بنُ محمدِ بنِ عبدِ اللهِ ،
ومحمدُ بنُ يحيى بنِ عبدِ العزيزِ، قالوا: حدَّثنا أحمدُ بنُّ خالدٍ ، قال: حدَّثنا
قاسمُ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا أبو عاصم خُشَيشُ بنُ أصرمَ ، قال: حدَّثنا رَوْحُ بنُ
عبادةَ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن الزُّهْرِىِّ، عن سالم، عن أبيهِ ، قال: بيْنَا عمرُ بنُ
الخطابِ قائمٌ يَخْطُبُ يومَ الجمعةِ إِذْ جاء رجلٌ (٣). فذكَر الحديثَ.
وأمَّا حديثُ بجويريةَ، عن مالكِ فذكَر إسماعيلُ بنُ إسحاقَ ، قال: حدَّثنا
عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ أسماءَ، قال: حدَّثنا جويريةُ بنُ أسماءً، عن مالكٍ ، عن
الزهرىٌّ، عن سالم، عن أبيهِ، أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ بَيْنا هو قائمٌ للخُطْبةِ إِذْ دخَل
القبس
(١) أخرجه ابن بشكوال فى غوامض الأسماء المبهمة ١/ ٥٩، ٦٠ من طريق ابن طهمان به.
(٢) أخرجه أحمد ٣٢٨/١ (١٩٩) عن ابن مهدی به.
(٣) أخرجه أحمد ٤٠٢/١ (٣١٢)، والبيهقى ٢٩٤/١، وابن بشكوال فى غوامض الأسماء المبهمة
٥٩/١ من طريق روح به .
٦٢٠