Indexed OCR Text
Pages 581-600
الموطأ
رواه يحيى بنُّ أبى كثيرٍ، عن هلالٍ بن عياضٍ، عن أبى سعيد الخدرىِّ، وقد الاستذكار
أستَدناه فى ((التمهيدِ))(١) .
فهذا أبو سعيد الخدرىُّ قد رَوى فى هذا المعنى مثلَ ما رَوى أبو هريرةَ،
وحصل فی ذلك عند(٢) أبی سعیدٍ حديثان .
ومحال أن یکون معناهما واحدًا باختلاف ألفاظهما ، بل لكلِّ واحدٍ منهما
موضع، وهو ما ذكّرنا مِن أن هذا فى الذى يَعْتربه الشُّ داًا(٣)، لا ينفكُ منه قد
استنكّحه، ومع ذلك فقد أتمَّ فى أغلبٍ ظنِّه عندَ نفسِه . والحديثُ الآخرُ على مَن
لم يَدْرِ أثلاثًا صلَّى أم أربعًا، مثلُ حديثٍ عبد الرحمنِ بنِ عوفٍ .
وقد ذكرنا أسانيدَها كلَّها فى ((التمهيدِ)).
وبمعنی ما ذكرنا فشَّر اللیثُ بنُ سعدٍ حدیثَ هذا الباب ، حكاه عنه ابنُ
وهبٍ، وهو قولُ (٤ابنٍ وهبٍ، وقولُ مالكِ أيضًا) وأصحابِه .
ذگر عیسی بنُ دینار فى كتاب الصلاة من كتاب (( الهدية)»(٥)، عن ابنٍ
القاسم، عن مالك، قال: إذا كثُر السهۇ على الرجلِ ولزمه ذلك، ولا يدرِى
أُسّها أم لا ، سجَد سجدتَي السهوِ بعدَ السلامِ. ثم قيل لابنِ القاسم: أرأيتَ
رجلًا سَها فى صلاتِه ثم نسِى سهوَه، فلا يدرِى أقبلَ السلامِ أم بعدَه ؟
القبس
(١) تقدم ص٥٧١، ٥٧٢ .
(٢) فى ص، م: ((عن)).
(٣) فى ص: ((دائما)).
(٤ - ٤) سقط من: ص، م.
(٥) فى ص، م: ((المدونة)). وينظر الديباج المذهب ٦٦/٤ ترجمة عيسى بن دينار.
٥٨١
الموطأ
الاستذكار
قال: يسجدُ قبلَ السلامِ. وقال أبو مصعبٍ: مَن استنكَحه السهوُ فَلْيَلْهَ عنه
ولْيَدعْه، ولو سجَد بعدَ السلام لكان حسنًا . ومذهبُ الشافعىِّ فيمَن وصَفنا حالَه أن
يسجدَ قبلَ السلام. ولا حرجَ عندَ مالكٍ وأصحابِهِ لو سجَد فى ذلك قبلَ السلام. وقد
ذگرنافی (( التمهيدِ ))(١) مَن قال مِن أصحاب ابن شهاب فى هذا الباب : فإذا وجد
ذلك أحدُ كم فليسجد سجدتین قبلَ السلام. وذكرنا حدیثَ عبدِ الله بن جعفرٍ ،
عن النبيِّ وَلِّ، أنه قال: ((مَن شكَّ فى صلاتِه فليسجدْ سجدتين بعدَما يسلِّمُ))(٢).
النظرُ فى الصلاةِ إلى ما يَشْغَلُك عنها :
القبس
ذكَر مالكٌ(٣) حديثَ أبى جَهْمٍ فى الخَمِيصةِ.
مقدمةٌ أُصوليةٌ: اعلَموا - أفادَ كم اللَّهُ المعارفَ - أن الصلاةَ مُشْتَمِلةٌ على أفعالٍ ؛
منها ظاهرةٌ تنتشرُ على الجوارحِ، ومنها باطنةٌ تستقرهُ(٤) فى القلبِ، وكما أن التكبيرَ
يَضْبِطُ (٥) الأفعالَ الصلويةَ(٦) بالجوارحِ، ويُحَرِّمُ سائرَ الأفعالِ المُسْتَرْسِلةِ عنها(٧)،
فكذلك عَقْدُ القلبِ بالنيةِ للوقوفِ بينَ يَدَى عالمِ الخَفِيَّةِ ، والاسْتِقِبالُ للمُناجاةِ مع اللَّهِ
يُحَرِّمُ(٨) على القلبِ سائرَ الخَوَاطِرِ الْمُسْتَزْسِلةِ، ويُلزِمُه الإقبالَ على ما هو بصَدَدِهِ
(١) تقدم ص ٥٧٦ ، ٥٧٧ .
(٢) تقدم تخريجه ص٥٧٧ .
(٣) فى ج، م: ((فيه)).
(٤) فى حاشية د: ((تنتشر)).
(٥) فى ج: ((يربط)).
(٦) فى م: ((المطلوبة)).
(٧) فى ج، م: ((عليها)).
(٨) فى ج، م: ((تحرم)).
٥٨٢
الموطأ
الاستذكار
القبس
بالكليةِ ، فلا يكونُ له خاطر إلا فى صلاتِه، ولا يَمُرّ على قلبِه سِواه، إلا أن البارئَ
سبحانه لمّ جعَل القلوبَ بينَ إِصْبَعَين مِن أصابع الرحمنِ، ورتَّب عليها لَمْتَين؛
لَمَّةً (١) مِن المَلَكِ، ولَمَّةً مِن الشيطانِ، عَشُرَ على العبدِ ضَبْطُ قلبِهِ، وهانَ عليهِ ضَبْطُ
جَوارحِه؛ ولهذا كان النبيُّ وَلِّ يقولُ فى كلامِه: ((لا ومُقَلِّبِ القلوبِ))(٢).
فيجعلُها (٣) فى اليمينِ أصلًا فى التعظيم؛ تَنْبيهًا على عظيمِ القُدْرةِ، وتعريفًا للعبدِ أنه
تحتَ الغَلَبةِ والذّلَّةِ، وحِينَ اسْتَقرَّتِ الحكمةُ بالقدرةِ على هذه النصبةِ(٤)، ورفَع عنا
بِفَضْلِه ما لا طاقةً لنا به ، سمَح للعبدِ فى اسْتِرسالِ الخاطرِ على القلبِ فى الصلاةِ بما
لیس منها ، فإذا تذكّر عاد إليها ، فإن استمرّ مُختارًا مِن قِبَلِ نفسِه، وأعرض عن صلاتِه
بطَلت، حتى اختلف العلماءُ فى أفعالِ الصلاةِ التى تَقَعُ فى حالٍ شُرودٍ(٥) النِيةِ إلى
الخواطرِ المُسْتَرْسِلةِ، وُزُوبِ الفكرِ عن الحضورِ بينَ يدَي اللَّهِ عزَّ وجلَّ، هل تكونُ
مقبولةً مُعْتَدًّا بها أم لا؟ فصغا الفقهاءُ إلى أن ذلك مُجْزِئٌ(٦) عنه، مُعْتَدٍّ به، ومالَ
الزّهَادُ إِلى أنه لا يُعْتَدُّ بها، ولا يُكْتَبُ له أجْرُها، وورَد فى ذلك أَثَرانٍ عن النبيِّ وَلِّ؛
أحدُهما: ((إن الرجلَ لِيُصَلِّى الصلاةَ ، فيُكْتَبُ له نصفُها ،ثُلُها ، رُبُعُها)) . حتى ذكّر
عُشْرَها(٧) . والحديثُ الثانى: ((أوَّلُ ما يُنْظَرُ فيه مِن عملِ العبدِ الصلاةُ ؛ فإن جاء بها
(١) اللَّمَّة: الهِمَّةُ والخطرة تقع فى القلب، والمقصود إلمام الملك أو الشيطان به والقرب منه، فما كان من
خطرات الخير فهو من الملك ، وما كان من خطرات الشر فهو من الشيطان . ينظر النهاية ٤/ ٢٧٣.
(٢) سيأتى فى الموطأ (١٠٤٨).
(٣) فى ج، م: ((فجعلها)).
(٤) فى ج، م: ((النسبة)).
(٥) فى ج: ((شذوذ)).
(٦) فى م: ((مجز)).
(٧) أحمد ١٧١/٣١، ١٨٩ (١٨٨٧٩، ١٨٨٩٤)، وأبو داود (٧٩٦).
٥٨٣
الموطأ
الاستذكار
القبس
نُظِر فى سائرٍ عملِه، وإن لم يَأْتِ بها لم يُنْظَوْ له فى شىءٍ))(١). ومِن طريقٍ آخرَ: ((يقولُ
اللَّهُ تبارك وتعالى: انْظُرُوا هل لعبدِى مِن تَطَوَّعِ، فَكَمِّلوا له به فريضته))(١).
واختلف الناسُ فى هذا التكميلِ؛ فمنهم من قال: إن ترَك العصرَ مثلاً، وصَلَّى
أربعَ رَكَعاتٍ مُتَنَفِّلًا بجبِرت بها . وقال أربابُ القلوبِ : لا يُرْقَعُ الجديدُ بالخِرَّقِ. والذى
أَراه، وهو الأَوْلَى بنا والأَدْنَى(٢) فى أدلتنا، أن (٣ الرجلَ إذا٢) عَزَبَت نيُه مغلوبًا ، أن
صلاتَه كلَّها مقبولةً؛ لأن اللَّهَ عزَّ وجلَّ قد رفَع الحَرَجَ عَنَّا، وإنما بَقِيت هلهنا نُكْتَةٌ
أصوليةٌ، نُنَّهُكم عليها حتى تكونوا من أهلِها إن شاء اللَّهُ تعالى، وهو أن عُزُوبَ النِّيّةِ
إن كان بأمرٍ حضَر(٤) فى الصلاةِ ، بسببٍ عارضٍ، فالمسألةُ كما ذكّرنا، مِن غيرِ
شكٌّ، وإن كانت بأسبابٍ متقدِّمةٍ قد لَزِمتِ العبدَ مِن الانْهِماكِ فى الدنيا، والتَّعَلُّقِ
بعَلائقِها الزائدةِ ، والتَّشَبُثِ بفُضُولِها التى يُسْتَغْنَى عنها، فيَقْوَى هلهنا تَرْكُ الاعْتِدادِ
بالصلاةِ؛ لأن ذلك مِن قِبَلِهِ وسَيْئُه واقعٌ باختيارِه، ألا تَرى(٥) النبىّ وَّةِ لِمَّا أَلْهَتْه
الخَمِيصةُ عن لحَظَةٍ فى الصلاةِ، ونظَر إلى عَلَمِها، كيف أخرَجها من بيتِه وأسقَط
المنفعةَ بها أصلًا حتى لا يَتَعلَّقَ له بها خاطرٌ، فكان الذى أصابَه فى الصلاةِ مِن الإقبالِ
على الأعلامِ بحكم البشرية ، وكان إخراجها عن مِلْكِه حتى تَسْلَمَ عبادتُه مَرْتبةَ النُّبِرَّةِ ،
وقد رَوى أبو داودَ(٦)، أنه قال: ((اذهَبوا بهذه الخَمِيصةِ إلى أبى جَهْمٍ، وائْتُونى
(١) سيأتى فى شرح الحديث (٤٢٢) من الموطأ .
(٢) فى ج، م: ((الأقوى)).
(٣ - ٣) فى ج، م: ((رجلًا إن)).
(٤) فى ج، م: ((عرض)).
(٥) بعده فى د: ((أن )).
(٦) أبو داود (٩١٤، ٩١٥) .
٥٨٤
الموطأ
الاستذكار
القبس
بكُودِيِّهِ(١)). فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، الخَمِيصةُ كانت خيرًا مِن الكُرْدِىِّ. واختار واَ ه
الخيرَ مِن جهةِ العبادةِ على الخيرِ مِن جهةِ الماليةِ، وقد روى البخارىُّ أيضًا عن عقبةً ابنِ
عامٍ ، أن النبىَّ وَلَّهِصلَّى فِى فَرُوجِ(٢) حَرِيرٍ، فلما انصرَفَ نَزَعه نزعًا شديدًا كالكَارِهِ
له، وقال: ((لا ينبغِى هذا لِلمُتَّقِين))(٣). إشارةً إلى أنه كان مِن أسباب الدنيا، ومن
جملةٍ عَلائقِها الشاغلةِ عن العبادةِ ، وقد اسْتَوفَينا الكلام على هذه الأحاديثِ فى
مواضعِها، وهذا هو معنى قول عمرَ بنِ الخطاب: مَن حفِظها وحافظ عليها حفِظ
دينَه(٤) . وانتَزَعَها عمرُ مِن قولِ اللَّهِ تبارك وتعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ الَّذِينَ هُمْ
فِي صَلَتِهِمْ خَشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢،١]. فهذا حِفظُها؛ بالخشوع فيها ، والإقبال عليها ،
ثم قال: ﴿وَلَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَتِهِمْ يُحَافِتُونَ﴾ [المؤمنون: ٩]. فهذا هو المُدَاومَةُ عليها ،
وقد رأيتُ مَن(٥) يُحافِظُ عليها (٦آلافًا لا أُحصِيها٢)، وأمَّا مَن يَحْفَظُها بالخشوعِ
والإقبالِ ، فلا أقدِرُ أن أَسْتَوفِىّ بعددِهم كَفِّىَ الواحدةَ، وهذا الذى قال: مَن حفِظها
(١) فى النسخ: ((بكردية))، وعند أبى داود، الموضع الأول: ((بأنبجانيته)). وفى الموضع الثانى
قال: ((وأخذ كرديًّا ... )). والكردئُّ: هو الرداء الكردىّ، ویشبه أن یکون منسوبًا إلی کرد بن عمرو
ابن عامر بن ربيعة بن صعصعة، وكان يلبس كل يوم حلة، فإذا كان آخر النهار مزقها لئلا تلبس
بعده، وقيل: إنه كرد بن كنعان بن كوش بن حام بن نوح. وهم قبائل كثيرة. وأما الأنبجانية
فكساء غليظ لا علم له، يجوز بفتح الهمزة وكسرها وكذا الموحدة، وهى من أدون الثياب الغليظة ،
وإنما طلبها منه لئلا يؤثر رد الهدية فى قلبه، إذ إن أبا جهم كان هو الذى أهدى الخميصة للنبى و 4 * .
ينظر ص٥٥٤، ٥٥٦، وعون المعبود ٣٤٤/١، والنهاية ٧٣/١.
(٢) الفرُّوج، كتنُّور: قَبَّاءٌ فيه شَقٌّ من خلفه، الجمع الفراريج. التاج ( ف رج).
(٣) البخارى (٥٨٠١).
(٤) تقدم فى الموطأ (٥) .
(٥) بعده فى م: ((لا)).
(٦ = ٦) فى ج، م: ((إلا جاملا حصيها)).
٥٨٥
الموطأ
الاستذ کار
القبس
وحافظ عليها. هو الذى قال تَسْليةً للخلقِ إذا غُلبوا على الحقِّ: إنى لأَجْهُزُ جيشى وأنا
فى الصلاةِ (١) . وفى مثلٍ عمرَ تَغْزُبُ (٢) النّيّةُ (٣ من عبادة٢ٍ) إلى عبادةٍ أُخرى، فأمّا أمثالُنا
فإِنما تَعْزُبُ نِيَّاتُنا بالاشتغالِ بالدنيا ، فاحفَظوا، رحِمكم اللَّهُ، قلوبكم عن الخواطرِ فى
الصلاةِ، كما تحفَظون جوارحَكم عن الأعمالِ (٤) غيرِها .
وقد رأيتم(٥) الفقهاءَ يقولون: إذا كثُرت الأعمالُ والكلامُ فى الصلاةِ بطّلت وإن
کان سهْوًا . وهذا إمامُنا شُخنونٌ ، و کان مِن العلماءِ العُبَادِ ، قد ذكرنا لكم ما حكاه
الطُرْطوشيُ(٦) لنا مِن روايةِ ابنِه محمدٍ عنه، مِن إعادتِه(٧) الصلاةَ عندَ ◌ُزُوبٍ نِيَتِه
فيها(٨)، أَوَلا تَرى إلى أبى طلحةَ الأنصارىِّ لَّ عَزَبَت ◌ِيَّتُه فى صلاتِه بالاشتغالِ
يشستانِه ، استهلكه للَّهِ تعالى عِوَضًا عما اسْتَهْلَك الخاطُ مِن صلاته، وقد ژُوِّینا عن ابنِ
عباسٍ أن سليمانَ عليه السلامُ مُرِضَت عليه الخيلُ عندَ الخروج إلى الجهادِ ، فشَغَلَته عن
صلاةٍ العصر حتى غابت الشمسُ، فعَرْقَبَها ونَحَرَها (٩) . قالَ لنا الفِهْرِىُّ : قال إبراهيمُ
ابنُ أدهمَ (١٠): مَن ترَك شيئًا للَّهِ عوَّضه اللَّهُ؛ لمَّا عقَر سليمانُ الخيلَ فى ذاتِ اللَّهِ ،
(١) ابن أبى شيبة ٢/ ٤٢٤.
(٢) فى الأصل: ((تغيرت)).
(٣ - ٣) سقط من: ج، م.
(٤) بعده فى د، م: ((من)).
(٥) فى م: ((رأيت)).
(٦) فى م: ((الطرسوسي)).
(٧) فى ج، م: ((إعادة)).
(٨) فى ج، م: ((عنها)).
(٩) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٥٦٨/١٢ إلى ابن المنذر.
(١٠) إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر أبو إسحاق التميمى، ويقال: العجلى . أحد
الزهاد، أصله من بلخ، سكن الشام ودخل دمشق، توفى سنة ثنتين وستين ومائة، وقيل: سنة
إحدى. وقيل: سنة ثلاث. سير أعلام النبلاء ٣٨٧/٧، وتهذيب الكمال ٢٧/٢.
٥٨٦
الموطأ
الاستذكار
٣٦
القبس
وَالشَّيَطِينَ
عَوَّضَه اللَّهُ تعالى فقال: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الْرِجَ تَجْرِى بِأَمْرِهِ، رُفَاءَ حَيْثُ أَصَابَ
كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ [ص: ٣٦، ٣٧].
وقد نَّه مالكٌ رحِمه اللَّهُ فى هذا البابِ إلى فِقهِ حسنٍ لا يُدْرِ كُه إلا مثلُه ، وهو أنه
أدخَل هذا البابَ فى أثناءِ مسائلٍ(١) السَّهْوِ؛ ليُبيِّنَ لك أن مجيرانَ السُّجودِ إنما شُرِع فى
الأفعالِ الظاهرةِ ، وليس له(١) فى الأفعالِ الباطنةِ مدخَلٌ، وهذا يَدُلُّ على أن مذهبَه
الإجزاءُ فيها، وليس فوقَه ولا بعدَه مَن(٢) يُقْتَدَى به مثلُه.
تحقيقٌ: سها رسولُ اللَّهِ وَلِّ فى صلاِه على نحوِ الغفلةِ التى أصابَتْه فى
منامِهِ، حَسَبَ ما بينَّاه هنالك؛ مِن أنها لم تَكُنْ آفةً تنزِلُ به، كما لم يَكُنْ
نسياتُه ذُهُولًا عن الطاعةِ بغيرِها، وإنما كان البارئُ سبحانَه يأْخُذُه لنفسِه فى
الحالَين؛ حتى يُبَيِّنَ اللَّهُ تبارك وتعالى به أحكامَ الشريعةِ، ولو شاء لبيْتَها قولًا،
ولكن الفعلَ - كما بَيَّاه - أقوّى فى البيانِ ، وأَشَدُّ تَشْليةً للناسِ فى هذا
الموضعِ، وإلى هذا المعنى أشارَ رسولُ اللهِ وَلَه بقوله: ((إنما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم،
أنسَى كما تَنْسَون)).
تتميمٌ: قال مالكٌ رحِمه اللَّهُ: ما يفعَلُ مَن سلَّم مِن ركعتَين ساهِيًا. وكانت
الفائدةُ فى تنبيهِه على هذه الترجمةِ، أن الحالةَ فى زمانِ النبيِّ وَلِّ احْتَمَلت أمرَين؛
أحدُهما: نِسْيانُه وَله. والثانى: قَصْرُ الصلاةِ. فأما اليومَ، فقد سقَط أحدُ
الاحتمالَين وهو القَصْرُ وبَقِى النسيانُ، فإذا فعَل ذلك الإمامُ سبَّح به القومُ رجاءً أن
(١) سقط من: م.
(٢) فى ج، م: ((ما)).
٥٨٧
الموطأ
العملُ فى غُسلِ يومِ الجمعةِ
التمهید
القبس
يتذكَّرَ؛ لقولِهِ وَّهِ: ((مَن نابَه شىءٌ فى صلاته فلْيُسَبِّحْ))(١) . فإِنه إذا سَبَّح الْتُفِت إليه،
فإن لم يَفْقَة عنه فلْيُصَّخ له بالكلام، فإن الكلام فى مصلحة الصلاةِ جائزٌ إذا احْتِیجَ
إليه، كما فعَل أصحابُ (٢ رسولِ اللهِ وَلَّه مع٢) النبيِّ ◌َلِهِ .
فإن قيل: إنما تَكلَّم أصحابُ رسولِ اللهِ وَ لَّهِ بِقَدْرِ التقصيرِ، وقد زالَ ذلك العُذْرُ
اليومَ، فلا وجه للكلام. قلنا: هذا باطلٌ؛ لأنهم قد تكلَّموا بعدَ أن أخبر النبيُ وَ لِّ أن
الصلاةَ لم تَقْصُرْ، وقد اسْتَوفَينا القولَ مع المخالِفِين فى ((مسائل الخلافِ)).
كتابُ الجُمُعةِ
الجمعةُ خَصِيصةٌ فضَّل اللَّهُ عزَّ وجلَّ بها هذه الأمّةَ على سائرِ الأمم؛ قال النبىُّ
وَلَهُ: ((نحنُ الآخِرِون السابقونَ يومَ القيامةِ بأَيْدٍ(٣)؛ أنهم أوتوا الكتابَ مِن قبلِنا
وأوتيناه مِن بعدِهم، فهذا اليومُ الذى اختَلَفوا فيه، فَهَدَانا اللَّهُ له، فاليهودُ(٤) غدًا،
والنصارى بعدَ غدٍ)). رواه مالكٌ وغيرُه، ومعنى قوله: ((بأَيْدٍ)). أى(٥) بقوةٍ، على
أحدِ التفسيرَين فى قولِه تعالى: ﴿أُوْلِ الْأَيْدِى وَالْأَبْصَرِ﴾ [ص: ٤٥]. ورُوِى: ((يَتْدَ
أنَّهم)). فإذا كان المَرْوِىُّ ((بأيدٍ)). فمعناه: نحنُ السابقون بقوةٍ آتانا اللَّهُ إِيَّاها وفضَّلَنا
(١) سيأتى فى الموطأ (٣٩٣).
(٢ - ٢) سقط من: ج، م.
(٣) فى م: ( بید)).
(٤) فى م: ((واليهود)).
(٥) فی ج، م: (یرید)).
٥٨٨
الموطأ
التمهيد
القبس
بها . وإذا كان المَرَوىُّ: ((بَيْدَ)). فهو استثناءٌ بمعنى: غيرَ. المعنى(١): أنهم سبَقُونا(٢)
بإيتاءِ الكتابِ، وسبَقْناهم بالقَبولِ، فقالوا: سمِعْنا وعصَينا. و(٣) قلنا: سمِعْنا
وأطَعْنا(٤). وأدبَروا وأقبَلنا. وقد بيَّن ذلك النبيُّ بَِّ فى حديثِ ابنِ عمرَ وأبى
موسى، واللفظُ لأبى موسى، قال: قال النبيُّ وَّهِ: ((مَثَلُكم ومَثَلُ أهلِ الكتابِ مِن
قبلكم، كمَثَلِ رجلٍ استأْجَرٍ أُجَراءَ، فقال: مَن يَعْمَلُ لى إلى (١) الليلِ؟ فعمِلَتِ اليهودُ
إلى الظّهرِ فعَجَزوا(٥)، ثم قال: مَن يعمَلُ لى إلى الليلِ؟ فعمِلَتِ النصارى إلى العصرِ
فعَجَزوا(٥)، ثم(٦) قال: مَن يعمَلُ لى إلى الليلِ؟ - وفى روايةٍ: إِلى مُغَيْرِبانٍ(٧)
الشمس؟ - فعمِلْنا؛ فأُعْطُوا قِيراطًا قيراطًا(١) وأُعْطِينا قِيراطَين - وفى روايةٍ: اسْتَكْمَلْنا
أَجْرَ الفريقين(٨) - فقالت اليهودُ والنصارى: ما بالُنا أكثرُ عملًا وأَقَلُّ أَجْرًا؟ قال اللَّهُ
تعالى: هل ظلَمتُكم(٩) مِن حَقِّكم شيئًا؟ قالوا: لا. قال: فذلك (١٠ فَضْلِى أُوتِيه مَن
أَشَاءُ (١))) .
(١) سقط من: م.
(٢) فى ج: ((سبقوا)).
(٣) سقط من: د.
(٤) بعده فى د: ((غفرانك)).
(٥) فى ج: ((ثم عجزوا)).
(٦) فى د: ((و)).
(٧) فى ج، م: ((مغربان))، ومغيربان الشمس، أى: وقت مغيبها. يقال: غربت الشمس تغرب
غروبا ومغيربانا. ينظر النهاية ٣/ ٣٥١.
(٨) فى م: ((الفريضتين)).
(٩) فى ج، م: ((ظلمتم)).
(١٠ - ١٠) فى د: ((فضل الله يؤتيه من يشاء)). والحديث أخرجه البخارى (٥٥٨، ٢٢٧١).
٥٨٩
الموطأ
التمهید
القبس
وروَى أنسُ بنُ مالكٍ، قال النبيُّ نَّ: ((جاءَنى جبريلُ بِرْآَةٍ فى
يدِه، فيها نُكْتَّةٌ سوداءُ، فقلتُ: ما هذا يا جبريلُ؟ فقال: هى (١) الجُمُعةُ
التى أَعْطاكَ اللَّهُ. قلتُ: ما هذه النُّكْتَةُ السوداءُ التى فيها؟ قال: هى
السّاعةُ ))(٢) .
وثبت مِن حديثٍ أبى هريرةَ، عن النبيِّ بَّرِ قال: ((خيرُ يومٍ طَلَعَت عليه
الشمسُ يومُ الجُمُعةِ)) الحديثَ(٣) إلى آخرِه. وهو وإن كان آخِرَ الأيامِ خَلْقًا، فإنه
أفضلُها وقتًا، خُصَّ به أفضلُ الأنبياءِ قَدْرًا، وأعلَى الأمم مكانًا، وفضائلُها مُفَشَّرَةٌ
فى الحديثِ، التى منها خَلْقُ آدمَ، ووَجْهُ الفضيلةِ فيه اتْبِعاتُ الخيراتِ منه؛ مِن
النُُّوةِ والعبادةِ والقيامِ بحقِّ الإِلِهِيَّةِ. فإن قيل: فقد صَدَر عن ذُرِّيَّتِه مِن المعاصى ما
صدَر وهى أكثرُ ! قلنا : لحظةٌ مِن التوحيدِ خيرٌ مِن الدهرِ كلِّه معصيةً، وكلمةٌ مِن
الإيمانِ أفضلُ مِن كُفْرِ الخلقِ بأجمعِهم. ومِن فضائله وجودُ التوبةِ فيه، وقيام
الساعةِ، وهى المقصودُ الأعظمُ والغايةُ المطلوبةُ، وإصاخةُ(٤) البهائمِ تَنْتَظِرُ قيامَ
الساعةِ ، "وإنما") يخلُقُ اللَّهُ تعالى لها ذُعْرًا واستشعارًا فى ذلك اليومِ دونَ غيرِه مِن
الأيامِ تَنْبِيهًا على شَرَفِه . وفيه الساعةُ المُشْتجابةُ، وقد اختلف الناسُ فيها؛ فمنهم
مَن قال: هى مَخْفِيَّةُ الوقتِ فى جملةِ اليومِ كإخفاءِ ليلةِ القدرِ فى جملةِ العامِ أو
(١) فى ج: ((هذه)).
(٢) ابن أبى شيبة ٢/ ١٥١، وأبو يعلى (٤٠٨٩).
(٣) سقط من: د.
(٤) أصاخ له وإليه يصيخ إصاخة: استمع وأنصت لصوته. التاج ( ص ى خ ).
(٥ - ٥) سقط من: د.
٥٩٠
الموطأ
التمهيد
القبس
الشهرِ. وقد كان فى المسجد الأقصى بعضُ المُرِيدِين يعتكِفُ يومَ الجمُعةِ مِن صلاةٍ
الصبحِ إلى الضُّحَى، وفى الجمُعةِ الثانيةِ مِن الضُّحَى إلى الظهرِ، وفى الجمُعةِ الثالثةِ
مِن الظهرِ إلى العصرِ، وفى الجمُعةِ الرابعةِ مِن العصرِ إلى المغربِ، فاسْتَحْسَنتُ
ذلك بحَضْرةٍ شيخِنا أبى بكرِ الفِهْرِىِّ، فقال لى: ومِن أين يعلَمُ(١) أنها تَحْصُلُ
له، ولعلَّها تنتقِلُ انتقالَ ليلة القدر؟ ومنهم من قال: هى من(٢) حين مُجُلُوسٍ
الإمامِ ("على المنبر٣ِ) إلى انقضاء(٤) الصلاةِ. ومنهم من قال: هى مِن العصرِ إلى
غُرُوبِ الشمسِ، وهى الساعةُ التى تِيبَ فيها على آدمَ. على ما رُوِى فى
الإسرائيلياتِ. والصحيح أنها مِن (٥) خُرُوجِ الإمامِ إلى تمامِ (٦) الصلاةِ، كذلك
ثبت عن النبيِّ وَهِ.
وهى واجبةٌ على الأعيانِ ، والعَجَبُ ممن يقولُ : إنها فرضٌ على الكفايةِ . والنبىُّ
وَ لّ يقولُ: ((مَن ترك الجُمُعةَ طبَع اللَّهُ على قلبِه بالنِّفَاقِ)). واللَّهُ تبارك وتعالى يقولُ:
﴿إِذَا تُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اَللَّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعُ﴾ [الجمعة: ٩].
وهذه الآيةُ مُتناوِلَةٌ لكلٌ أحدٍ ، ومِن حديثِ حفصةً الثابتِ عن رسولِ اللهِ وَلتر، أنه
(١) فى م: ((تعلم)).
(٢) سقط من : ج، م.
(٣ - ٣) سقط من: ج.
(٤) فى ج: ((تمام)).
(٥) بعده فى ج، م: ((حين)).
(٦) فى ج، م: ((انقضاء)).
٥٩١
الموطأ
٢٢٤ - حدّثنی یحیی ، عن مالك، عن شمئِّ مولی اُبی بکرِ بنِ
عبد الرحمنِ، عن أبى صالح الشَّمَّانِ ، عن أبى هريرةَ ، أن رسولَ اللهِ
وَاللّه قال: ((مَن اغتَسَل يومَ الجُمُعةِ غُسْلَ الجنابةِ، ثم راح فى الساعةِ
التمهید
مالكٌ، عن سُمَىِّ مولَى أبى بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبى صالحِ السمَّانِ ،
عن أبى هريرةَ، أن رسولَ اللهِ وَّله قال: «مَن اغتسَل يومَ الجُمعةِ غُسْلَ الجنابةِ ،
ثم راح فى الساعةِ الأُولَى ، فكأنما قرَّب بَدَنةً ، ومَن راح فى الساعةِ الثانيةِ ، فكأنما
القبس
قال: ((الرَّوَاحُ إلى الجُمُعةِ واجبٌ على كلِّ مسلم)) (١). وظاهرُ القرآنِ يَقْتضى
ألا يأتىَ إليها إلا مَن سمِع النداءَ دونَ مَن لم يَسْمَعْه؛ ولذلك قال علماؤنا
البَغْداديُّون: إن الحَدَّ الذى يجِبُ القَصْدُ إليها منه فرسٌ. لأنه إذا كان المؤذِّنُ
صَيًِّا(٢)، والموضعُ مرتفعًا، والأصواتُ هادئةً؛ فإنه يُسْمَعُ مِن فرسخٍ. وفى
الحديثِ الصحيح أن أهلَ العَوالى كانوا يأْتُّون الجُمُعةَ(٣)، وهو نحوّ(٤) مِن الحَدِّ
الذى قدَّمْناه. ورُوِى عن النبيِّ بَّهِ أنه أُمَر أهلَ قُبَّاءٍ بإتيانِ الجُمُعةِ(٥)، وهو
نحوّ(٦) مِن هذا(٧) التقديرِ أيضًا، ولم يأمُرْ سِواهم، فصار ذلك كلّه أصلًا فى
الحَدِّ المذكورِ، يُعَوَّلُ عليه ويُنْتَهَى إليه .
(١) أبو داود (٣٤٢)، والنسائى (١٣٧٠).
(٢) فى ج: ((صبيا)).
(٣) البخارى (٩٠٢)، ومسلم (٨٤٧).
(٤) فى ج، م: ((نوع)).
(٥) الترمذى (٥٠١).
(٦) فى م: ((نوع)).
(٧) سقط من: ج، م.
٥٩٢
الأولى، فكأنما قَّب بَدَنةً، ومَن راح فى الساعةِ الثانيةِ ، فكأنما قَرَّب الموطأ
١
بقرةً ، ومَن راح فى الساعةِ الثالثةِ ، فكأنما قَّب كبشًا أقْرَنَ ، ومَن راح فى
الساعة الرابعةِ ، فكأنما قَرَّب دجاجةً، ومَن راح فى الساعةِ الخامسةِ ،
فكأنما قرَّب ◌َيْضةً، فإذا خَرَج الإمامُ، حَضَرتِ الملائكةُ يَسْتَمِعون
الذكر)) .
قڑّب بقرةً ، ومَن راح فى الساعة الثالثة ، فكأنما قّب کبشًا أقرن ، ومَن راح فى
الساعةِ الرابعةِ ، فكأنما قرَّب دجاجةً ، ومَن راحَ فى الساعةِ الخامسةِ ، فكأنما قّب
بيضةً، فإذا خرَج الإمامُ طُويتِ الصُّحُفُ وحضَرتِ الملائكةُ يَستمِعون
الذكرَ))(١) .
التمهید
قال أبو عمرَ : الذكرُ هلهنا الخطبةُ وما فيها من ذكرِ اللهِ وتلاوةِ القرآنِ .
واختلف العلماءُ فى تأويلِ هذا الحديثِ ؛ فقالت طائفةٌ : أراد ساعاتِ النهارِ مِن
أولِه . واحتجُوا بظاهرِ هذا الحديثِ ، وقالوا: لا بأسَ بالمسيرِ إلى الجمعةِ مع طلوعٍ
الشمسِ. وهو أفضلُ عندَهم على هذا الحديثِ، وكان مالك يكرهُ البُکورَ إلى
الجمعةِ غُدوةً وضُحَّى ، ويستحِبُّ التهجيرَ على قَدْرٍ ، إلا مَن كان منزلُه بعيدًا عن
المسجدِ ، فَلْيخرُجْ قدْرَ ما يأتى المسجدَ فيُذْرُكُ الصلاةَ والخطبةَ.
وقال الشافعىُّ، وأبو حنيفةً، وداودُ: يُستحَبُّ البُكورُ إلى الجمعةِ. قال
القبس
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (٤٣٢). وأخرجه أحمد ٢٠/١٦ (٩٩٢٦)، والبخارى (٨٨١)،
ومسلم (٨٥٠)، وأبو داود (٣٥١)، والترمذى (٤٩٩)، والنسائى (١٣٨٧) من طريق مالك
به .
٥٩٣
( موسوعة شروح الموطأ ٣٨/٤)
الموطأ
التمهيد
الشافعىُّ: البُكورُ بعدَ الفجرِ إلى الزوالِ. وذكّر الأثرمُ قال : قيل لأبي عبدِ اللهِ -
يعنى أحمدَ بنَ حنبلٍ - : كان مالكُ بنُّ أنسٍ يقولُ : لا ينبغِى التهجيرُ يومَ الجمعةِ
باكرًا. فقال: هذا خلافُ حديث النبيِّ وَاليِ. وأنگره وقال: سبحانَ اللهِ ! إلى
أىِّ شيءٍ ذهَب فى هذا والنبىُّ وَ لَه يقولُ: ((كالمُهْدِى جَزورًا، وكالمُهدِى
كذا))(١) . وكان ابنُ حبيبٍ يَميلُ إلى هذا القولِ ويُنكِرُ قولَ مالكِ، وقال: هو
تحريفٌ فى تأويلِ الحديثِ، ومُحالٌ من وجوهٍ . قال : وذلك أنه لا تكونُ ساعاتٌ
فى ساعةٍ واحدةٍ . قال : والشمسُ إنما تزولُ فى الساعةِ السادسةِ مِن النهارِ ، وهو
وقتُ الأذانِ وخروج الإمام إلى الخطبةِ ، فدلُّ ذلك على أن الساعاتِ المذكورةَ(٢)
فى هذا الحديثِ هى ساعاتُ النهارِ المعروفاتُ ، فبدَأَ بأوَّلِ ساعاتِ اليوم(٣) فقال:
((مَن راحَ فى الساعةِ الأولَى، فكأنما قَرَّب بَدَنةً)). ثم قال فى الخامسةِ:
((بيضةً)). ثم انقطع التهجيرُ، وحان وقتُ الأذان. قال : فشرح الحديثِ بَيِّنٌ فى
لفظِه، ولكنه حُرِّف عن وجهِه، وشُرِح بالخُلْفِ (٤) من القولِ وبما لا يتكوَّنُ،
وزهَّد شارحُه الناسَ فيما رغَّبهم فيه رسولُ اللهِ وَّه من التهجيرِ فى أولِ النهارِ ،
وزعَم أن ذلك كلَّه إنما يجتمِعُ فى ساعةٍ واحدةٍ عندَ زوالِ الشمسِ. قال : وقد
جاءت الآثارُ بالتهجيرِ إلى الجمعةِ فى أولِ النَّهارِ ، وقد سُقْنا من ذلك فى موضعِه
القبس
(١) سيأتى تخريجه ص ٦٠٠ .
(٢) فى ص ١٧، ص ٢٧: ((المذكورات)).
(٣) فى ص ١٧: ((النهار)).
(٤) الخلف: الردئ الفاسد . ينظر اللسان (خ ل ف).
٥٩٤
الموطأ
من كتابٍ ((واضح السننِ)) ما فيه بيانٌ وكفايةٌ. وهذا كلُّه قولُ ابنِ حبيبٍ.
التمهید
:
قال أبو عمرَ : هذا منه تحاملٌ على مالكِ رضِى اللهُ عنه، فهو الذى قال القولَ
الذى أنكره ابنُ حَبيبٍ ، وجعله خُلفًا مِن القولِ وتحريفًا من التأويلِ، والذى قاله
مالكٌ هو الذى تشهدُ له الآثارُ الصِّحائحُ الثابتةُ من روايةِ الفقهاءِ الأئمةِ ، مع ما
صحبه عندَه من عملِ العلماءِ ببلدِه ؛ لأن مثلَ هذا يَصِحُ فيه الاحتجاجُ بالعملِ ،
لأن مالكًا كان مُجالسًا لعلماءِ المدينةِ ومُشاهدًا لوقتٍ حركتهم وخروجهم إلى
الجمعةِ، وكان أشدَّ الفقهاءِ اتّباعًا لسلفِه، ولو رآهم يُكَّرون إلى الجمعةِ
ويخرجون إليها مع طلوع الشمس ما أُنگر ذلك معَ حرصه على اتباعهم ، قال
أحمدُ بنُّ حنبل: مالكٌ عندى أتبعُ من سفيانَ . يُريدُ أشدَّ اتِباعًا (١ من سفيان١َ)
لسلفِه . واللهُ أعلمُ .
قال يحيى بنُ عمرَ، عن حرملةَ، أنه سأل ابنَ وهبٍ عن تفسيرِ هذه
الساعاتٍ : أهو الغُدُوُّ من أولِ ساعاتِ النهارِ، أو إنما أرادَ بهذه الساعاتِ ساعةً
الرواحِ؟ فقال ابنُ وهبٍ : سألتُ مالكًا عن هذا فقال: أمّا الذى يقَتُ فى قلبى فإنه
إنما أرادَ ساعةً واحدةً تكونُ فيها هذه الساعاتُ ، مَن راح فى أولِ تلك الساعةِ أو
الثانية أو الثالثةِ أو الرابعة أو الخامسةِ ، ولو لم تكنْ(٢) كذلك ما صُلِّيتِ الجمعةُ
حتى يكونَ النهارُ تسعَ ساعاتٍ فى وقتِ العصرِ أو قريبٍ من ذلك .
القبس
(١ - ١) ليس فى: الأصل، ص ١٧، م.
(٢) فى ص ١٧: ((يكن ذلك)).
٥٩٥
:
الموطأ
التمهيد
قال أبو عمرَ: فهذا قولُ مالكِ الذى أنكره ابنُ حبيبٍ، وأما الآثارُ التى
تشهَدُ لصحةٍ ما ذهَب إليه مالكٌ فى ذلك؛ فأخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ
المؤمن، قال : حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى بنِ عمرَ أبو جعفرٍ، قال: حدَّثنا علىُّ بنُ
حربٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن الزهرىِّ، عن سعيد بن المسيبِ، عن أبى
هريرةَ، يبلُغُ به النبىَّ وَّ قال: ((إذا كان يومُ الجمعةِ قام(١) على كلِّ بابٍ مِن
أبواب المسجدِ ملائكةٌ يكتبون الناسَ، الأُولَ فالأولَ؛ المهجّرُ إلى الجمعةِ
كالمهدِى بدَنَةً، ثم الذى تَلِيه كالمُهدِى بقرةً، ثم الذى يليه کالمهدِی کبشًا ».
حتى ذكَر الدَّجاجةَ والبيضةَ، ((فإذا جلس الإمامُ طُويتِ الصُّحفُ واستمَعوا
الخُطبةَ))(٢) .
ألا تَرَى إلى ما فى هذا الحديثِ أنه قال: ((يكثُبون الناسَ الأُولَ فالأولَ؛
المُهِّرُ إلى الجمعةِ كالمُهدِى بدَنَةً، ثم الذى يَلِيه)) الحديث. فجعل الأولَ
مُهجّرًا، وهذه اللفظةُ إنما هى مأخوذةٌ مِن الهاجرةِ والهجيرِ، وذلك وقتُ
النهوضِ إلى الجمعةِ، وليس ذلك عندَ طُلوعِ الشمسِ؛ لأنَّ ذلك الوقت ليس
بهاجرةٍ ولا هجيرٍ. واللهُ أعلمُ .
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثْنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال: حدَّثنا
القبس
(١) فى م: (( كان)).
(٢) أخرجه الدارقطنى فى العلل ٦٥/٨ من طريق على بن حرب به، وأخرجه أحمد ٢٠٠/١٢،
٢٠١ (٧٢٥٨، ٧٢٥٩)، ومسلم (٢٤/٨٥٠)، وابن ماجه (١٠٩٢)، والنسائى (١٣٨٥) من
طريق ابن عيينة به .
٥٩٦
الموطأ
التمهيد
ابنُ وضَّاحِ، قال : حدَّثنا حامدُ بنُ یحیی ، قال : حدثنا سفيان ، عن الزهرىِّ ،
وحفظتُه منه عن سعيدِ بنِ المسيبِ ، أنه أخبره عن أبى هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ
وَالَ : ((إذا كان يوم الجمعةِ كان على كلِّ بابٍ مِن المسجدِ ملائكةٌ يكتُبون الناسَ
على منازلهم؛ الأُولَ فالأولَ؛ فإذا خرج الإمامُ طُويت الصُّحفُ واستمَعوا
الخُطبةَ: فالمهجّرُ إلى الصلاةِ كالمُهدِى بدَنَةً، ثم الذى يَلِيه كالمهدِى بقرةً ، ثم
الذى يَلِيه كالمهدِى كبشًا)». حتى ذكر الدَّجاجةَ والبيضةً ، قيل لسفيان : يقولون
هذا عن الأعرج، عن أبى هريرةَ. قال: ما سمِعتُ الزُّهرىَّ ذكَر الأعرجَ قطُّ ، ما
سمِعتُه يقولُ إلا عن سعيدٍ، أنه أخبرَه عن أبى هريرةَ(١).
قال أبو عمر: ففى هذا الحديث: ((المُهجز)) - کما تری - ثم الذى يليه ،
ثم الذى يليه، لم يذكُرِ الساعاتِ . ورواه ابنُّ أبى ذئبٍ ، عن الزهرىِّ، عن
الأعرجِ، عن أبى هريرةً بنحوهِ .
حدَّثناه سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُّ سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ
أصبغَ ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُّ رَوْحِ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارونَ ، قال : أخبرنا
محمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ أبى ذئبٍ ، عن الزهرىِّ، عن الأعرج ، عن أبى هريرةَ،
عن النبيِّ وَِّ قال: ((المتعجّلُ إلى الجمعةِ كالمهدِى بَدَنةً، ثم كالمُهدِى بقرةً ، ثم
كالمهدِى شاةً، ثم كالمُهدِی طائرًا»(٢). هكذا قال ابنُ أبي ذئبٍ: المتعجّلُ. ولم
القبس
(١) أخرجه الحميدى (٩٣٤) عن ابن عيينة، ووقع فيه: ((الأغر)). بدلًا من: ((الأعرج)). وينظر
علل الدارقطنى ٦٣/٨ - ٦٦.
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٢/ ١٥٢، وأحمد ١٨٦/١٣ (٧٧٦٨)، والبيهقى ٢٢٦/٣ من طريق =
٥٩٧
الموطأ
يقُل: المُهجّوُ(١). ولا ذكَر الساعاتِ المذكورةَ فى حديثٍ سُمَىٍّ .
التمهيد
وروی هذا الحدیثَ سلیمانُ بنُ بلالٍ، عن یحیی بنِ سعیدٍ ، عن ابنٍ
شهابٍ، عن أبى سلمةً وسعيدِ بنِ المسيبِ وأبى عبدِ اللهِ الأُغرِّ، عن أبى هريرةَ،
عن النبيِّ وَ أنه قال: ((الُهجرُ إلى الصلاةِ (٢ كالذى يُهدِى ٢) بدَنَةً، ثم كالذى
يُهدِى بقرةً، ثم كالذى يُهدِى كبشًا، ثم كالذى يُهدِى دجاجةً)). قال:
وحسبتُ أنه قال: كالذى يُهدِی بيضةٌ.
حدَّثناه سعيدُ بنُّ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قالا: حدَّثنا قاسمٌ، قال :
حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أبى أويسٍ، قال: حدَّثنی
أخى، عن سليمانَ بنِ بلالٍ(٣).
وروی إبراهیمُ بنُ سعد ، عن ابن شهاب ، عن الأغرّ ابی عبدِ اللهِ ، عن أبی
هريرةَ نحوَ هذا الحديثِ مختصرًا(٤).
القبس
= يزيد بن هارون، عن ابن أبى ذئب، عن الزهرى، عن أبى عبد الله الأغر، عن أبى هريرة،
وأخرجه الطيالسى (٢٥٠٦)، والبخارى (٩٢٩) من طريق ابن أبى ذئب به. وينظر علل الدارقطنى
٠٦٣/٨
(١) ورد بلفظ: ((المهجر)). فى رواية الطيالسى وأحمد والبخارى والبيهقى.
(٢ - ٢) فى ص ٢٧: ((كالمهدى)).
(٣) أخرجه الدارقطنى فى العلل ٦٦/٨، ٦٧ من طريق إسماعيل بن إسحاق به، وأخرجه الطبرانى
فى الأوسط (٤٢٣٦)، والدارقطنى فى العلل ٨/ ٦٦، ٦٧ من طريق إسماعيل بن أبى أويس به .
(٤) أخرجه أحمد ٢٦/١٣ (٧٥٨٢) من طريق إبراهيم بن سعد به .
٥٩٨
الموطأ
التمهید
وقد روى ابنُ عجلان حدیثَ شُمیٍ فلم یذکر فیه الساعاتِ التی ذکر
مالكٌ، وجاء بلفظٍ هو نحوُ حديثٍ ابنٍ شهابٍ .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُّ أصبغَ ، قال: حدَّثنا أبو
إسماعيلَ الترمذىُّ، قال: حدَّثنا أبو صالحِ، قال: حدَّثنى اللَّيثُ: قال : حدَّثنى
محمدُ بنُ العجلان ، عن شُمیٍّ مولَی ابی بکرٍ ، عن أبى صالح السمانِ ، عن أبى
هريرةَ، عن رسولِ اللهِ وَ لَ أنه قال: ((تقعُدُ ملائكةٌ يومَ الجمعةِ على أبوابٍ
المسجدِ يكتبون الناسَ على منازلهم، فالناسُ فيها کرجلٍ قدَّم بدنةً ، (١ و کرجل
قَدَّم بدَنةً ، وكرجلٍ قدَّمَ بقرةً، وكرجلٍ قدَّم بقرةً ، وكرجلٍ قدَّم شاةً، و کرجلٍ
قدَّم شاةً ، وكرجلٍ قدَّم دجاجةٌ ، وكرجلٍ قدَّم دجاجةً ، وكرجلٍ قدَّم ◌ُصفورًا،
وكرجلٍ قدَّم ◌ُصفورًا، وكرجلٍ قدَّم بيضةً، وكرجلٍ قدَّم بيضةً))(١). قال:
وحدَّثنى العَجلانُ(٢) مثلًا بمثلٍ، إلا أنه لم يُضعِّفْ.
ورواه يحيى بنُّ أبى كثيرٍ، عن أبى سلمةَ ، عن أبى هريرةَ، مثل حديث ابنٍ
شهابٍ ، إلا أنه قال: المتعجّلُ. ولم يقُل: المهجّرُ.
القبس
(١ - ١) التكرار ليس فى: الأصل، ص ٢٧، م. والمثبت موافق لما فى مصدرى التخريج، وقال
السندى: التكرار فى الجمع للإشارة إلى أن الأجر المذكور موزع على ساعات، فالآتى فى أول كل
ساعة وآخرها يشتركان فى نوع ذلك الأجر كالتصدق بالبدنة مثلا وإن تفاوتا من حيث الصفات
فالآتى فى أول تلك الساعة كالمعطى للبدنة السمينة ومن بعده كالمتصدق بما دون ذلك، والله تعالى
أعلم.
:
والحديث أخرجه النسائى (١٣٨٦)، وفى الكبرى (١٦٩٥) من طريق الليث به .
(٢) فى ص ٢٧: ((العجلانى)).
٥٩٩
الموطأ
التمھید
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ حكم ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةً ، قال :
حدَّثْنَا إِسحاقُ بنُ أبى حسانَ ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عمارٍ ، قال: حدَّثنا عبدُ
الحميدِ بنُ حبيبٍ ، قال: حدَّثنا الأوزاعىُ، قال: حدَّثنى يحيى بنُ أبى كثيرٍ،
قال: حدَّثنى أبو سلمةً، قال: حدَّثنى أبو هريرةَ، عن رسولِ اللهِ وَالل أنه قال:
((المتعجّلُ إلى الجمعةِ كالمهدِى جَزُورًا، والذى يَلِيه كالمُهدِى بقرةً ، والذى يليه
كالمُهدِى شاةً، والذى يليه كالمهدى الطيرَ، فإذا جلس الإمامُ على المنبرِ خُتِمتٍ
الصحفُ))(١) .
فهكذا أحاديثُ الأئمةِ الفقهاءِ مثلُ حديثٍ(٢) سعيد بن المسيب، وأُبی
سلمةً ، إنما فيها الُهجز والمتعجّلُ ، والذی یلیه، والذی یلیه ، والذى يليه ، لیس
فيها ساعاتٌ، وهذه الآثارُ كلُّها تدُلُّ على ما ذهَب إليه مالكٌ، واللهُ أعلمُ .
ورواه العلاءُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن أبيه، عن أبى هريرةَ، فلم يذكُرْ فيه
الساعاتِ أيضًا .
حدَّثناه يونسُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةً، قال: حدّثنا
جعفرُ بنُّ محمد الفریابیُ، قال: حدَّثنا أبو كُريبٍ محمدُ بنُ العلاءِ، قال حدَّثنا
خالدُ بنُ مَخْلدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثنا العلاءُ بنُ
عبد الرحمنِ، عن أبيهِ، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَهِ: (( لا تطلُعُ
القبس
(١) أخرجه الدارمى (١٥٨٤)، وأبو يعلى (٥٩٩٤)، وابن خزيمة (١٧٦٨) من طريق الأوزاعى به،
وينظر علل ابن أبى حاتم ٢٠٨/١، وعلل الدارقطنى ٤٨/٨.
(٢) ليس فى: الأصل، ص ٢٧.
٦٠٠