Indexed OCR Text

Pages 481-500

الموطأ
التمهيد
أفصَى بن حارثةَ بنِ عمرو بنٍ عامٍ، من خُزاعةً حليفٌ لبنى زُهْرَةَ .
قال أبو عمرَ: فذُو اليدين غيرُ ذى الشمالين المقتولِ بيدرٍ ؛ بدليلٍ ما فى
حديثٍ أبى هريرةَ، ومن ذكَرْنا معه؛ من مُضورِهم تلك الصلاةَ ، وأنَّ المتكلمَ
بذلك الكلامِ إلى النبيِّ وَّهرجلٌ من بنى سُليم، كذلك قال يحتِی بنُ أبى كثيرٍ،
عن أبى سلمةً، عن أبى هريرةَ، وقد تقدَّمَ ذكرنا لذلك .
وقال عمرانُ بنُ حُصينٍ : رجلٌ طويلٌ اليدين يُقالُ له : الخِرْبَاقُ . وممكنٌ أن
يكونَ رجلان أو ثلاثةٌ يُقالُ لكلِّ واحدٍ منهم: ذو اليدين، وذو الشمالين. ولكنَّ
المقتولَ يومَ بدرٍ غيرُ الذى تكلّم فى حديث أبى هريرةَ إلى النبيِّ وَلِّ حِينَ سَها
فسلّم من اثنتين، وهذا قولُ أهلِ الحِذْقِ والفهمِ من أهلِ الحديثِ والفقْهِ.
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ الورَّاقُ، قال:
حدَّثنا الخضرُ بنُ داودَ ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ الأثرمُ، قال: سمِعتُ مُسدّدًا يقولُ :
الذى قُتِلَ يومَ بدرٍ إِنما هو ذُو الشمالين بنُ عبدِ عمرٍو حليفٌ لبنی زُهرةَ ، وهذا ذو
اليدين رجلٌ من العربِ كان يكونُ بالباديةِ، فَيَجِىءُ فيُصلِّى مع النبيِّ وَلِهِ.
وقال أبو بكرٍ الأثرمُ: حدَّثنى سُليمانُ بنُ حربٍ، قال: حدَّثنى حمادُ بنُ
زيدٍ، قال: ذُكِرَ لأيوبَ البناءُ بعدَ الكلام، فقال: أليسَ قد تكلّم النبى عليه
السلامُ یوم ذی الیدین؟
قال أبو عمرَ : فإن قال قائلٌ : إنَّ حديثَ ذى اليدين مُضطربٌ؛ لأنَّ ابنَ
عمرَ وأبا هريرةَ يقولانٍ: سلَّم من اثنتين. وعمرانَ بنَ حُصينٍ يقولُ : من ثلاثٍ
القبس
٤٨١
( موسوعة شروح الموطأ ٣١/٤)

الموطأ
التمهید
ركعاتٍ . ومعاويةَ بنَ حُديج يقولُ: إنَّ المتكَلِّمَ طلحةُ بنُ عُبيدِ اللهِ . قیلَ له : ليس
اختلافُهم فى موضع السلام من الصلاةِ عند أحدٍ من أهلِ العلم بخلافٍ يقدمځ فى
حديثهم ؛ لأنَّ المعنَى المرادَ من الحديثِ هو البناءُ بعدَ الكلامِ ، ولا فرقَ عندَ أهلِ
العلمِ بينَ المسلّم من ثلاثٍ أو من اثنتين ؛ لأنَّ كُلَّ واحدٍ منهما لم يُكمِلْ صلاتَه.
وأمَّا ما ذُكرَ فى حديثٍ مُعاويةَ بنِ محدَيْجٍ من ذكرٍ طلحةً بنِ عُبيدِ اللهِ ،
فممكنٌّ أن يكونَ أيضًا طلحةُ كلَّمه وغیرُه ، وليس فى أن يُكلِّمه طلحةُ وغيرُه ما
يَدفعُ أنَّ ذا اليدين كلَّمَه أيضًا، فأدَّى كُلِّ ما سمِع على حسَبٍ ما سمِع، وكلُّهم
أنَّقُوا فى أنَّ(١) المعنى المرادَ من الحديثِ هو البناءُ بعدَ الكلامِ، لمن ظنَّ أَنَّه قد أتمّ.
وأمَّا قولُ الزهرىِّ فى هذا الحديثِ: إِنَّهَ ذُو الشمالين. فلم يُتَابَعْ عليه ، وحمله
الزهریُّ علی أنَّه المقتول یوم بدٍ، وقد اضطرب علی الزهرىِّ فی حدیثٍ ذی
اليدين اضطرابًا أوجَب عندَ أهلِ العلمِ بالنقلِ تركَه من روايته خاصَّةً؛ لأنَّه مرةً
يرويه عن أبى بكرِ بنِ سُليمانَ بنِ أبِى حَثْمَةَ، قال: بلغنى أنَّ رسولَ اللهِ أَێ ركَع
ركعتينٍ. هكذا حدَّثَ به عنه مالكٌ(٢) ، وحدَّثَ به مالكٌ أيضًا عنه ، عن سعيد
ابنِ المسيبِ وأبى سلمةَ بمثلٍ حديثه عن أبى بكرِ بنِ سُليمانَ بنِ أبِى حَثْمَةً(٣).
وروَاه صالحُ بنُ كَيْسَانَ عنه؛ أنَّ أبا بكرٍ بنَ سليمانَ بنِ أبى حثمةً أخبره أنَّه
بلغَه أنَّ رسولَ اللهِ بِّهِصلَّى ركعتين ثم سلَّم. وذكر الحديثَ، وقال فيه : فأتمَّما
القبس
(١) سقط من: ق .
(٢) سيأتى فى الموطأ (٢٠٩).
(٣) سيأتى فى الموطأ (٢١٠).
٤٨٢

الموطأ
بَقِىَ من صلاتِه ، ولم يَسُدِ السجدتين اللَّتين تُسجَدان إِذا شكّ الرجلُ فى صلاتِه التمهيد
حينَ لَقَّتَه الرجلُ. قال صالحٌ: قال ابنُ شهابٍ : فأخبرنى هذا الخبرَ سعيدُ بنُ
المسئَّبِ عن أبى هريرةَ . قال: وأخبرنى به أبو سلمةً بنُ عبدِ الرحمنِ ، وأبو بكرٍ
ابنُ عبدِ الرحمنِ، وعبيدُ اللهِ بنُ عبدِ اللهِ(١) .
ورواه ابنُ إسحاقَ ، عن ابنٍ شهابٍ ، عن سعيد بن المسيَّبِ، وعروةً بنِ
الزییرِ ، وأبی بکرِ بنِ سُلیمانَ بنِ أبی حثْمَةً قال : كُلِّ قد حدَّثنی بذلك ، قالوا :
صلَّى رسولُ اللهِ بالناسِ الظهرَ، فسلَّم من ركعتين(٢). وذكر الحديثَ . وقال فيه
الزهرِىُّ: ولم يُخبرنى رجلٌ منهم أنَّ رسولَ اللهِ وَلِّ سجَد سجدتي السهوِ.
فكان ابنُ شهابٍ يقولُ : إذا عرَف الرجلُ ما نَسِى(٣) من صلاتِه، فأتّها ، فليس
عليه سجدتا السهو لهذا الحديثِ .
وقال ابنُّ مجريجٍ: حدَّثنى ابنُّ شهابٍ، عن أبى بكرِ بنِ سُليمانَ بنِ أبى حَثْمَةً
وأبى سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ ، عمن يَقتَعانِ بحديثه، أنَّ النبيَّ عليه السلامُ صلَّى
ر کعتین فی صلاة الظهر ، أو العصر، فقال له ذو الشمالین بنُ عبدِ عمرو : یا
رسولَ اللهِ ، أَقَصُرَتِ الصلاةُ أمْ نِيتَ(١)؟ وذكَر الحديثَ.
ورواه معمر ، عن ابن شهاب ، عن أبى سلمةً بنِ عبد الرحمنِ ، وأُبی بکرِ بنِ
سُليمانَ بنِ أبى حثمةً، عن أبى هريرةَ(٤) .
القبس
(١) سيأتى تخريجه ص ٤٩٦.
(٢) سيأتى ص٤٩٦ .
(٣) فى م : (يبنى)).
(٤) سيأتى تخريجه ص ٤٩٧.
٤٨٣

الموطأ
التمهید
وهذا اضطراب عظیم من ابن شهاب فی حدیث ذی الیدین(١) ؛ قال مُسلمُ
ابنُ الحجّاجِ فى كتابٍ ((التمييزِ)) له: قولُ ابنٍ شهابٍ: إِنَّ رسولَ اللهِ وَلَّه لم
يسجُدْ يومَ ذى اليدين سجدتي السهوِ . خطأً وغلطّ .
وقد ثبت عن النبيّ عليه السلامُ أنَّه سجَد سجدتي السهوِ ذلك اليومَ من
أحاديث الثقاتِ؛ ابنِ سیرینَ وغيرِه .
قال أبو عمرَ : لا أعلمُ أحدًا من أهلِ العلم والحديثِ المُصِفِين فيه عوَّل على
حديثِ ابنِ شهابٍ فى قصةٍ ذى اليدين ؛ لاضطرابِهِ فيه ، وأنَّه لم يُتِمَّ له إسنادًا ولا
مثْنًا، وإن كان إمامًا عظيمًا فى هذا الشأنِ ، فالغلطُ لا يَسلمُ منه أحدٌ ، والكمالُ
ليس لمخلوقٍ، وكلُّ أحدٍ يُؤخذُ من قولِه ويتركُ إِلَّ النبيَّ ◌ِّهِ، فليس قولُ ابنٍ
شهابٍ أنَّه المقتولُ يومَ بدرٍ بحجةٍ ؛ لأَنَّه قد تَبَيَّ غلطُه فى ذلك ..
وذكّر عبدُ الرزاقِ(٢)، عن ابنِ بجريجٍ، قال: أخبرنى (٣عبدُ اللهِ بنُ
عبيدِ الله٣ِ) بنِ أبي مليكةً، أَنَّه سمِع ◌ُبيدَ بنَ عُميرٍ يذكُوُ(٤) خبرَ ذى اليدين، قال:
فأدر که ذو الیدین أخو بنی سُليمٍ .
قال أبو عمرَ : ذُو الشمالين المقتولُ يومَ بدرٍ خُزاعىٌّ ، وذُو اليدين الذى شهِد
سهوَ النبيِّ عليه السلامُ سُلَمِىٌّ، ومَمَّا يَدُلُّ على أنَّ ذا اليدين ليس هو ذا الشمالين
القبس
(١) بعده فى ق، م: ((و)).
(٢) عبد الرزاق (٣٤٤٤).
(٣ - ٣) فى م: ((عبيد الله بن عبد الله)).
(٤) فى الأصل، م: ((فذکر)).
٤٨٤

الموطأ
التمهيد
المقتولَ بیدرِ ما أخبرناه عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال : أخبرنا عبدُ الحمیدِ بنُ أحمدَ ،
قال : حدَّثنا الخضرُ بنُ داودَ ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ هانئٌّ الأثرمُ،
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُّ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ
ابنُ زُهيرٍ ، قالا: حدَّثنا علىُّ بنُ بَحْرٍ، قال: حدَّثنا معدِىُّ بنُ سُليمانَ السعدِىُّ
البصرِىُّ، قال: حدَّثَنِى شُعيثُ(١) بنُ مُطَيْرٍ، ومُطَيْرٌ حاضرٌ يُصَدِّقُه بمقالتِه ، قال:
يا أبتَاه، أخبرتنى أنَّ ذا اليدين لَقِيَكَ بذى خُشُبٍ(٢)، فأخبَرِكَ أنَّ رسولَ اللهِ وَله
صلَّى بهم إحدَى صلاتي العَشِىِّ، وهى العصرُ، فصلَّى ركعتين، ثم سلَّم، فقامَ
رسولُ اللهِ وَهِ، وتبعه أبو بكرٍ وعمرُ، وخرَجِ سَرَعَانُ الناسِ ، فَلَحِقَه ذو الیدینِ،
وأبو بكرٍ وعمرُ مُبتدَّيْه(٣)، فقال: يا رسولَ اللهِ ، أَقَصُرَتِ الصلاةُ أم نسِيتَ؟
فقال: ((مَا قَصُرَتِ الصلاةُ وما نسيتُ)). ثم أقبَل رسولُ اللهِ وَلَّهِ (٤ على أبى
بكرٍ وعمرَ فقال: ((ما يقولُ ذو اليدين؟)) قالا: صدَق يا رسولَ اللهِ. فرجع
رسولُ الله٤ِ) ، وثابَ الناسُ، فصلَّى ركعتين، ثم سلِّم، ثم سجَد سجدتي
السهو(٥) .
القبس
(١) فى النسخ، ومصدر التخريج: (شعيب)). والمثبت من الجرح والتعديل ٣٨٦/٤، وأطراف
المسند ٣٢٥/٢، والمؤتلف والمختلف ١٣٥٥/٣.
(٢) ذو خشب: واد على مسيرة ليلة من المدينة. معجم البلدان ٢/ ٤٤٤، ٤٤٥.
(٣) ابتدَّاه: أتياه من جانبيه. اللسان (ب د د). ونصب مبتدَّيه على الحال، والخبر مقدر، أى: هما
يتبعانه - أو يمشيان معه - مبتدَّیه .
(٤ - ٤) سقط من: م.
(٥) أخرجه البيهقى ٢/ ٣٦٦، ٣٦٧ من طريق على بن بحر به .
٤٨٥

الموطأ
التمهيد
وأخبرنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ محمدِ بنِ علىٍّ، قال: حدَّثنى أبى ، قال:
أخبرنا أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا أبو الحسن أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ(١)، قال:
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: حدَّثنا مَعْدِىُّ بنُ سُليمانَ، قال: حدَّثنا
شُعِيثُ(٢) بنُ مُطيرٍ، ومُطيرٌ حاضرٌ يُصَدِّقُه بمقالتِهِ. فذكرَ مثلَ ما تقدَّم سواءً إلى
آخرِه(٣).
وأخبرنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ أَنَّ أباه أخبره، قال : حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدٍ ،
قال: حدَّثنا أبو الحسن أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشّارٍ ، قال :
حدَّثنا أبو سُليمانَ معدِىٌّ بنُ سُليمانَ صاحبُ الطعامِ ، قال : كنا بوادِى القُرَى،
فقيلَ: إِنَّ هَهُنا شيخًا قديمًا، قد بلَغ بضعًا ومائةً سنةٍ ، فأتينَاه فإذا رجلٌ يُقالُ له :
مُطيرٌ. وإذا ابنٌّ له يقالُ له: شُعيثٌ(٢). ابنُ ثمانينَ سنةً، فقلْنا لابنه: قُلْ له
يُحدِّثُ بحديثٍ ذى اليدين، فتَقُلَ على الشيخ، فقال ابنُه: أليس حدَّثتنا أنَّ ذا
اليدينِ تَلَقَّكَ بذِى خُشُبٍ؟ فقال: صلَّى رسولُ اللهِ وَلَّهِ إحدَى صلاتي
العشىِّ، وهى العصرُ. ثم ذكّر معنَى حديثٍ علىٍّ بنِ بَخْرٍ(٤) .
أخبرنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ ، قال : أخبرنا أبى ، قال : أخبرنا أحمدُ بنُ خالدٍ ،
القبس
(١) بعده فى الأصل، م: ((قال حدثنا أحمد بن عبد الله)).
(٢) فى النسخ: ((شعيب)). وتقدم فى الصفحة السابقة.
(٣) أخرجه عبد الله بن أحمد فى زوائد المسند ٢٧/ ٢٦١، ٢٦٢ (١٦٧٠٧)، وابن أبى عاصم فى
الآحاد والمثانى (٢٦٥٥) من طريق ابن المثنى به.
(٤) أخرجه البيهقى ٣٦٧/٢ من طريق ابن بشار به.
٤٨٦
:

الموطأ
التمهيد
قال : حدّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ ، قال : سمِعتُ العباسَ بنَ یزید یقولُ : حدَّثنی
مَعدىُّ بنُ سُليمانَ الحَّطُ ، وكانوا يرون أنَّه من الأبدالِ .
فهذا يُبَيِّنُ لكَ أنَّ ذا اليدين عُمِّرَ عُمرًا طويلًا، وأنَّه غيرُ المقتولِ ببدرٍ ، وفيما
قدَّمْنا من الآثارِ الصحاح كفايةٌ لمنْ عُصِمَ من العصبيَّةِ ، وقد قيلَ : إِنَّ ذا اليدين
عُمِّرَ إلى خلافةِ مُعاويةً ، وإنَّه تُؤُفِّى بذِى خُشُبٍ . فاللهُ أعلمُ .
ولو صحَّ للمخالفين ما ادَّعَوه ؛ من نسخ حديث أبى هريرةً بتحريم الكلامِ فى
الصلاةِ لم يكنْ لهم فى ذلك حُبّةٌ؛ لأنَّ النهى عن الكلام فى الصلاةِ إنما توجّهَ
إلى العامدِ القاصدِ، لا إلى الناسِى؛ لأنَّ النسيانَ مُتجاوزٌ عنه، والناسِى والساهِى
ليسَا ممّن دخَل تحتَ النهي لاستحالةِ ذلك فى النظرِ. فإنْ قيلَ: فإنكم تُجِيزون
الكلامَ فى الصلاةِ عامدًا إذا كان فى شأنٍ إصلاحِها . قيلَ لقائلٍ ذلك : أجزْنَاه من
بابٍ آخرَ قياسًا على ما نُهىَ عنه من التسبيحِ فى غيرِ موضعِه من الصلاةِ ، وإباحتُه
للتنبيهِ على ما أغفَله المصلِّى من صلاِه ليستدرِكَه(١)، واستدلالًا بقصةٍ ذى
اليدين أيضًا فى ذلك . واللهُ أعلمُ .
وهذا المعنَى قد نزَع به أبو الفرج وغيرُه من أصحابِنا ، وفيما قدَّمْنا كفايةٌ إِن
شاء الله .
وقد تَدْخُلُ على أبى حنيفةَ وأصحابِهِ مُناقضةٌ فى هذا البابِ ؛ لقولِهم : إِنَّ
المشىَ فى الصلاةِ لإصلاحِها عامدًا جائزٌ، كالراعِفِ - ومَن يجرِى مجرَّاه
القبس
(١) فى م: ((لمستدركه)).
٤٨٧

الموطأ
التمهيد
عندهم - للضرورةإلی څروچه، وغسلِ الدم عنه ، ووضوئه عندهم ، وغير جائزٍ
فعلُ مثلٍ ذلك فى غيرِ إصلاحِ الصلاةِ وشأنِها . فكذلك الكلامُ يجوزُ منه
لإصلاح الصلاةِ وشأنِها ما لا يجوزُ لغيرِ ذلك؛ إذ الفعلان منهىٌّ عنهما. واللهُ
أعلمُ .
وثمَّن قال من السلفِ بمعنَى حديثٍ ذى اليدين، ورأى البناءَ جائزًا لمن تكلّم
فى صلاتِه ساهيًا؛ عبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ ، وابنُ عباسٍ، وعُروةُ ، وعطاءٌ، والحسنُ،
وقتادةُ ، والشعبِىُّ. ورُوِىَ أيضًا عن الزبيرِ بنِ العوامِ ، وأبى الدرداءِ مثلُ ذلك(١)،
وقال بقولٍ أبى حنيفةً فى هذا البابِ إبراهيمُ النخعِىُّ، وحمَّادُ بنُّ أبى سُليمانَ،
ورُويَ عن قتادةَ أيضًا مثلُه(٢)، والحجةُ عندَنا فى سنةِ رسولِ اللهِ نَّهِ، فهى
القاضيةُ فيما اختُلِف فيه . وبالله التوفيقُ .
وفى هذا الحديثِ أيضًا إثباتُ حُبّةٍ مالكٍ وأصحابِه فى قولهم : إذا نَسِى
الحاكمُ محُكمَه فشهِد عليه شاهدان نفَّذه وأمضَاه، وإنْ لم يذكره . لأنَّ النبيَّ عليه
السلامُ رجع إلى قولٍ ذی الیدین، ومَن شهِد معه، إلی شیءٍ لم يذكُرْه.
وقال الشافعِئُ وأبو حنيفةً: لا يُنفِّذُه حتی یذ کرَ حُكمَّه به على وجهِه .
وفيه إثباتُ سجودِ السهوِ على من سَهَا فى صلاتِه .
القبس
(١) ينظر مصنف عبد الرزاق (٣٤٩٢، ٣٤٩٤، ٣٥٦٧)، ومصنف ابن أبى شيبة ٣٦/٢، ٣٨،
٣٩، والأوسط لابن المنذر ٢٣٧/٣.
(٢) ينظر مصنف عبد الرزاق (٣٥٧٠، ٣٥٧١، ٣٥٧٣)، ومصنف ابن أبى شيبة ٢/ ٤٤٢.
٤٨٨

الموطأ
وفيه أنَّ السجود یکونُ بعدَ السلام إذا زادَ الإنسانُ فی صلاته شيئًا سهوًا ،
وبه استدلَّ أصحابُنا على أنَّ السجودَ بعدَ السلام فيما كان زيادةً من السهوِ فى
الصلاةِ .
التمهيد
وفيه أنَّ سجدتي السهوٍ يُسلَّمُ منهما ويكبّرُ فى كُلِّ خفضٍ ورفعٍ
فيهما، وهذا موجودٌ فى حديثٍ أبى هريرةَ، وعمرانَ بنِ محصينٍ، فى
قصةٍ ذى اليدين من وُجُوهِ ثابتةٍ، وسنذكُرُ اختلافَ الفقهاءِ فى سُجودٍ
السهو وموضعِه من الصلاةِ فى بابٍ زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ (١).
ويأتى منه ذكرٌ فى بابٍ ابنٍ شهابٍ، عن الأعرجِ، عن ابنِ بُحَيْنَةً(٢) إن
شاء اللهُ .
واختلَف المتأخرون من الفقهاءِ فى رُجوع المسَلُّم ساهيًا فى صلاته إلى تمام ما
بقِىَ عليه منها ؛ هل يحتاجُ فى ذلك إلى إحرامٍ أم لا؟ فقال بعضُهم: لا بُدَّ أن
يُحدِثَ إِحرامًا، يُجددُه لرجوعِه إلى تمامٍ صلاتِه، وإنْ لم يَفعلْ لم يُجْزِئْه . وقال
بعضُهم: ليس ذلك عليه ، وإنما عليه أن يَنوىَ الرجوعَ إلى تمامٍ صلاتِه ، فإِنْ كَبَّرَ
الرجوعِه فحسنٌ؛ لأنَّ التكبيرَ شعارُ حركاتِ المصلِى، وإنْ لم يُكبِّرْ فلا شىءَ
عليه ؛ لأنَّ أصلَ التكبيرِ فى غيرِ الإحرامِ إنما كان لإمامِ الجماعةِ ، ثم صارَ سُنَّةً ،
بمواظة رسولِ اللهِ آل﴾ حتی لقی الله. وسنذ گُ هذا المعنى مُمهدًا فى بابِ ابنِ
القبس
(١) سيأتى ص٥١٥ - ٥١٩.
(٢) سيأتى ص٥٣٩ - ٥٤٤.
٤٨٩

الموطأ
٢٠٨ - وحدَّثنى يحيى، عن مالك، عن داودَ بنِ الحُصَيْنِ، عن
أبى سفيانَ مولى ابن أبى أحمدَ ، أنه قال: سمِعتُ أبا هريرةَ يقولُ: صلَّى
رسولُ اللهِ وَّ صلاةَ العصرِ، فسلم فى رَكَعَتَين، فقام ذو اليَدَين
فقال: أَقْصُرَتِ الصلاةُ يا رسولَ اللهِ أُم نَسِيتَ؟ فقال رسولُ اللهِ وَهِ:
(( كلُّ ذلك لم يكُنْ)) . فقال: قد كان بعضُ ذلك يا رسولَ اللهِ . فأقْبَل
رسولُ اللهِ وَ لِّ على الناسِ فقال: ((أَصَدَق ذو اليَدَين؟)). فقالوا:
شهاب، عن أبى سلمةً(١)، وعن علىٍّ بنِ محُسين(٢) إن شاء اللهُ.
التمهید
وإنما قُلْنا : إنَّه إذا نوى الرجوعَ إلى صلاتِه ليتمّها فلا شىءً علیه، وإنْ لم
يُكبّر. لأنَّ سلامَه ساهيًا لا يُخرجُه عن صلاتِه، ولا يُفسِدُها عليه عندَ الجميعِ،
وإذا كان فى صلاةٍ يبنى عليها، فلا معنَى للإحرامِ هَهُنا؛ لأَنَّه غيرُ مُستأنِفٍ
الصلاتِه، بل هو مُتِمّ لها بانٍ فيها، وإنما يُؤْمرُ بتكبيرة الإحرامِ المبتدئُّ وحدَه .
وباللهِ التوفيقُ .
مالكٌ، عن داودَ بنِ الحصَينِ(٣)، عن أبى سفيانَ مولَى ابنٍ أبى أحمدَ ، أَنَّه
قال: سمعتُ أبا هريرةَ يقولُ: صلَّى رسولُ اللهِ وَّهِ صلاةَ العَصرِ، فسلَّمَ فى
ركعَتَينِ ، فقامَ ذو اليَدَينِ ، فقال: أَقَصُرَتِ الصلاةُ يا رسولَ اللهِ أُم نَسِيتَ ؟ فقال
القبس
(١) تقدم ص ١٩٠ - ١٩٨.
(٢) تقدم ص ١٧٢ - ١٧٩.
(٣) قال أبو عمر: ((داود بن الحصين أبو سليمان مولى عبد الله بن عمرو بن عثمان كذا قال مصعب
الزبيرى. وقال ابن إسحاق : داود بن الحصين مولى عمرو بن عثمان مدنى جائز الحديث. وقال =
٤٩٠

نعم. [٣٥و] فقام رسولُ اللهِ وَ له، فأتم ما بَقِى من الصلاةِ، ثم سجَد الموطأ
سجدَتَين بعدَ التسليم وهو جالسٌ .
رسولُ اللهِهِ: ((كلُّ ذلك لم يكنْ)). فقال: قد كان بعضُ ذلك يا رسولَ اللهِ. ١
فأقبلَ رسولُ اللهِ وَّله على الناسِ فقال: ((أصدَق ذو الْيَدَين؟)) فقالوا: نعم . فقام
رسولُ اللهِ وَلِّ فَأَتَمَّ ما بَقِى من الصلاةِ، ثم سجد سجدَتَين بعدَ التسليمِ وهو
جالس(١).
التمهید
هكذا فى ((كتابٍ يحيى)) عن مالكٍ فى هذا الحديثِ: صلَّى رسولُ اللهِ وَّهِ.
ولم يَقُلْ: لنا . وقال ابنُّ القاسم وغيرُه فى هذا الحديثِ بهذا الإسنادٍ عن أبى
هُريرةَ: صلَّى لنا رسولُ اللهِ وَ الِهِ صَلاةَ العَصرِ(٢).
القبس
= يحيى بن معين: داود بن الحصين ثقة. قال مالك: كان لأن يخر من السماء أحب إليه من أن
يكذب فى الحديث. قال ذلك فيه وفى ثور بن زيد وكانا جميعا ينسبان إلى القدر وإلى مذهب
الخوارج، ولم ينسب إلى واحد منهما كذب، وقد احتملا فى الحديث وروى عنهما الثقات الأئمة،
قال مصعب: كان داود بنُ الحصين يؤدب بنى داود بن على مقدم داود بن على المدينة، وكان
فصیحا عاما و کان یتهم برأی الخوارج قال : ومات عكرمة عند داود بن الحصین و کان مختفيا عنده ،
و کان عكرمة یتهم برأى الخوارج وتوفى داود بن الحصين بالمدينة سنة خمس وثلاثين ومائة وهو ابن
اثنتين وسبعين سنة. لمالك عن داود بن الحصين من مرفوع حديث الموطأ أربعة أحاديث منها ثلاثة
متصلة وواحد مرسل)). تهذيب الكمال ٣٧٩/٨.
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (١٣٧)، وبرواية أبى مصعب (٤٧١). وأخرجه عبد الرزاق
(٣٤٤٨)، وأحمد ٤٨٣/١٥، ١٩/١٦، ٥١٦ (٩٧٧٧، ٩٩٢٥، ١٠٨٨٧) من طريق مالك به.
(٢) المدونة ١٣٥/١.
٤٩١

الموطأ
التمهيد
قرَأْتُ على عبد الرحمن بن يحيى، أنَّ الحسنَ بنَ الخضرِ حدَّثَهم،
قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعَيبٍ، قال: أخبرنا قُتَيةُ بنُ سعيدٍ، عن
مالكِ، عن داودَ بنِ الحُصَينِ، عن أبى سفيانَ مَولَى ابنٍ أبى أحمدَ،
سمِعتُ أبا هريرةَ يقولُ: صلَّى لنا رسولُ اللهِ نَّهِ صلاةَ العَصرِ. وذَكَر
الحديثَ(١).
وكذلك رواه أكثرُ الرواةِ لـ ((الموَطَّأُ))، ومنهم من يقولُ: صلَّى بنا.
وقد تَقدَّم القولُ فى معنَى حديث أبي هُريرةً فى قصةِ ذِى الْيَدَينِ بما فيه كفايةٌ
فى بابٍ أيوبَ مِن كتابنا هذا(٢)، فأغنَى ذلك عن إعادَتِه هلهنا .
وأمّا قولُه هلهنا(٣) فى هذا الحديثِ: ((كلُّ ذلك لم يكنْ)). يعنى أنَّ القَصْرَ
والسَّهوَ لم يجتَمِعا؛ لأَنَّه عليه السلامُ قد كان مُتيقِّنًا أنَّ الصلاةَ لم تَقْصُرْ، وإنما
الذی شَكَّ فیه السھؤُ لا غیرُ، ويَدُلُّ علی ذلك قولُهم له : قد كان بعضُ ذلك یا
رسولَ اللهِ . ويجوزُ أن يكونَ قولُه: ((كلُّ ذلك لم يَكنْ)): فى عِلْمِى. أىْ: لم
أَسْهُ فى عِلمِى ، ولا قَصُرتِ الصلاةُ . ولا يجوزُ أن يُقالَ: (٤ولا٤) قَصُرَتِ الصلاةُ
فى عِلْمِى؛ لأَنَّه كان يعلَمُ أنَّ الصلاةَ لم تَقْصُرْ.
القبس
(١) النسائى (١٢٢٥)، وفى الكبرى (٥٧٥، ١١٤٩). وأخرجه مسلم (٩٩/٥٧٣)، والبيهقى ٣٣٥/٢
من طريق قتيبة به .
(٢) تقدم ص ٤٥٤ - ٤٩٠.
(٣) سقط من: س، م.
(٤ - ٤) سقط من: م.
٤٩٢

الموطأ
٢٠٩ - وحدّثنی یحیی ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن أُبی بکر
ابنِ سليمانَ بنِ أبِى حَثْمَةَ، قال: بلغنى أن رسولَ اللهِ نَّورِكَعِ ركَعَتَين
من إِحدَى صلاتَى النهارِ ؛ الظهرِ أَو العصرِ ، فسَلَّم مِن اثنتين ، فقال له ذو
الشِّمالَين - رجلٌ مِن بنى زُهْرةَ بنِ كِلابٍ -: أَقَصُرَتِ الصلاةُ يا
رسولَ اللهِ أَم نَسِيتَ؟ فقال له رسولُ اللهِ وَةِ: ((ما قصُرتِ الصلاةُ ،
وما نسِيتُ )). فقال له ذو الشِّمَالَيْن: قد كان بعضُ ذلك يا رسولَ اللهِ .
فَأقبَل رسولُ اللهِ وَّةِ على الناسِ فقال: ((أَصَدَق ذو الْيَدَين؟)). فقالوا:
نعم يا رسولَ اللهِ. فَأَتَّمَّ رسولُ اللهِ وَلِّ مَا بَقِى مِن الصلاةِ، ثم سلَّم .
التمهید
مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن أبى بكرِ بنِ سُليمانَ بنِ أبی حَثْمً(١) ،
قال: بلَغْنِى أنَّ رسولَ اللهِ وَ لّهِ ركَع ركعتينٍ مِن إحدَى صلاتَى النهارِ ؛
الظهر أو العصرِ. فسلَّم منَ اثنتين، فقال له ذُو الشِّمالين(٢) - رجلٌ مِن
بنى زُهرةَ بنِ كلابٍ: أَقَصُرتِ الصلاةُ يا رسولَ اللهِ أَمْ نَسِيتَ؟ فقال
رسولُ اللهِ وَلِّ: ((مَا قَصُرَتْ ومَا نَسِيتُ)). فقال له ذو اليدين: قد كان
بعضُ ذلك يا رسولَ اللهِ. فأقبَل رسولُ فَ لِّ على الناسِ، فقال: ((أصدَق
ذو اليدينٍ؟)). فقالوا: نعم. فَأَتَمَّ رسولُ اللهِ فَ لَهِ ما بَقِىَ مِن الصلاةِ
القبس
(١) قال أبو عمر: ((ولا يوقف على اسم أبى بكر هذا، وهو قرشى عدوى، يقال فى نسبه: أبو بكر
ابن سلیمان بن أبی حثمة بن غانم بن عبد الله بن عوف بن عبید بن عویج بن عدی بن کعب ، وهو من
ثقات التابعين بالمدينة، ممن له قدر وعلم بالأنساب وأيام الناس)). تهذيب الكمال ٩٣/٣٣.
(٢) تقدم بلقب ذى اليدين، وتقدم القول فى هل هما واحد أم اثنان فى ص ٤٨٠ - ٤٨٧ . وينظر
الاستيعاب ٤٧٥/٢، ٤٧٦.
٤٩٣

الموطأ
التمهيد
ثم سلم(١).
مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيّبِ، وأبى سلمةَ بنِ
عبدِ الرحْمنِ، مثلَ ذلك(٢).
هكذا الحدیثُ فى ((الموطَّاً)) عندَ جمیع الرواةِ، وبهذا الإسنادِ ، عن ابنِ
شهاب خاصَّةً مُنقطٌ، وهو فى ((الموطَّا))مُسندٌمُتصلٌ من طريق قد ذكرناها فيما
سلَف مِن كتابنا هذا (٣).
وأمَّا حديثُ ابنٍ شهابٍ فقد وصَله الأوزاعىُّ، ومعمرٌ، وابنُ جريجٍ،
وغيرهم من أصحاب ابن شهاب .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال : حدَّثنا أبو
الأحوصِ محمدُ بنُ الهيثم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ كثيرٍ، عن الأوزاعىِّ ، عن
الزهرىِّ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ وأبى سلمةً وعبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ، عن
أبي هُريرةَ، قال: سلَّم رسولُ اللهِ وَ لِّ فِى ركعتينٍ، فقامَ ابنُ عبدِ عمرو بنِ
فضيلةَ، مِن خزاعةَ - حليفٌ لبنى زُهرةَ - فقال: أَقَصُرَتِ الصلاةُ يا رسولَ اللهِ أمْ
نسِيتَ؟ فقال: ((كلَّ ذلك لم يكنْ)). ثم أقبَل رسولُ اللهِ وَ ل﴾ على الناسِ،
القبس
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (٤٧٢). وأخرجه ابن خزيمة (١٠٤٧)، والبيهقى فى المعرفة
(١١٥٩)، من طريق مالك به .
(٢) سيأتى فى الموطأ (٢١٠).
(٣) تقدم فى الموطأ (٢٠٧، ٢٠٨).
٤٩٤

الموطأ
فقال: ((أصدَق ذُو اليدين؟)). قالوا: نعم. فأتمّ ما بَقِىَ مِن صلاتِه، ثم سجَد التمهيد
سجدتی السهو(١) .
ورواه عبدُ الحمیدِ بنُ حبیبٍ، عن الأوزاعىّ، عن ابن شهاب، قال:
حدَّثنى ابنُّ المسيَّبِ، وأبو سلمةَ وعبيدُ(٢) اللهِ بنُ عبدِ اللهِ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَله ،
لم يذكرْ أبا هُريرةَ ، وقال فيه: فأتمَّ ما يَقِىَ من الصلاةِ، ولم يَسُدِ السجدتينِ
اللَّيْنِ يُسجدانِ فى وَهْمِ الصلاةِ حينَ ثَبَّتَه الناسُ(٣) .
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةً، قال: حدَّثنا
إسحاقُ بنُ أبى حسانَ ، قال: حدَّثنا هشام بن عمارٍ، قال : حدَّثنا عبدُ الحميدِ .
فذكره .
وروَاه صالحُ بنُ كيسانَ، عن ابنِ شهابٍ، أنَّ أبا بكرِ بنَ سُليمانَ بنِ
أبی حَثْمَةً ، أخبره أنَّه بلغه أنَّ رسولَ اللهِ ێ صلَّی ر کعتين ثم سلَّم. وذكر
الحديثَ، وفيه: فأتمَّ ما بقى مِن صلاِه ولم يَسْجُدِ السجدتينِ اللَّتينِ
يُسجدانِ إذا شكَّ الرجلُ فى صلاتِه حين لَقَّنَه الناسُ. قال صالحٌ : قال ابنُ
شهابٍ : وأخبرنى هذا الخبرَ سعيدُ بنُ المسيَّبِ، عن أبي هُريرةَ، وأخبرنيه
القبس
(١) أخرجه أبو داود (١٠١٢)، وابن خزيمة (١٠٤٠ - مكرر) من طريق محمد بن كثير به،
وأخرجه أبو يعلى (٥٨٦٠)، وابن خزيمة (١٠٤٤) من طريق الأوزاعى به.
(٢) فى م: (عبد).
(٣) أخرجه ابن خزيمة (١٠٤١) من طريق الأوزاعى به. وينظر علل الدارقطنى ٣٧٥/٩، ٣٧٦.
٤٩٥

الموطأ
التمهید
أبو سلمةَ بنُ عبد الرحمنِ، وأبو بكرِ بنُ عبدِ الرحمنِ، وعبيدُ اللهِ بنُ
عبدِ اللهِ(١) .
ورواه ابنُ إسحاق ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيّبِ وعروةَ بنِ الزییرِ
وأبى بكرِ بنِ سُليمانَ بنِ أبِى حَثْمَةً، قال: كلِّ حدَّثنى بذلك، قال: صلَّى
رسولُ اللهِ وَّه بالناسِ الظهرَ، فسلَّم من اثنتينٍ. وذكر الحديثَ. وقال فيه:
قال الزهرىُّ: ولم يُخبِرْنِى رجلٌ منهم أنَّ رسولَ اللهِ وَلێ سجد سجدتي
السهوِ. فكان ابنُ شهابٍ يقولُ: إذا عرَف الرجلُ ما نَسِى مِن صلاتِهِ فأنّها
فليس عليه شُجودُ سھوٍ .
وذكر عبد الرزاق(٢)، عن ابن جريجٍ، قال: حدّثنی ابن شهاب، عن
أبى بكرِ بنِ سُليمانَ بنِ أبي حَثْمةً، وأبى سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ ، عمَّن يقتنعانِ
بحديثِه، أنَّ النبيَّ وَّهِ صلَّى ركعتينِ فى صلاةِ العصرِ، أو صلاةِ الظهرِ، ثم
سلَّم، فقال له ذُو الشمالينِ بنُ عبدِ عمرو: يا نبيَّ اللهِ ، أَقَصُرَتِ الصلاةُ أمْ
نسِيتَ؟ فقال النبيُّ بَله: ((لم تَقْصُرْ ولَم أنسَ)). فقال ذُو الشِّمالين: بَلَى يا نبيّ
اللهِ، قد كان بعضُ ذلك. فالتَفَت النبيُّ نَّه إلى الناسِ، فقال: ((أصدَق ذُو
اليدين؟)) قالوا: نعمْ يا نبيَّ اللهِ. فقامَ النبيُّ وَله فأتمَّ الصلاةَ حينَ استيقَنَ.
القبس
(١) أخرجه أبو داود (١٠١٣)، والنسائى (١٢٣٠)، وابن خزيمة (١٠٥١) من طريق صالح بن
کیسان به .
(٢) عبد الرزاق (٣٤٤٢).
٤٩٦

الموطأ
التمهيد
قال عبدُ الرزاقِ(١): قال معمرٌ(٢)، عنِ الزهرىِّ، عن أبى سلمةَ بنِ عبدِ
الرحمنِ، وأبى بكرِ بنِ سُليمانَ بنِ أبى حَثْمَةَ، عن أبي هُريرةَ، قال: صلَّى
النبىُ وَلِّ الظهر أو العصرَ فسَها فى ركعتينِ فانصرَف، فقال له ذُو الشِّمالينِ بنُ
عبدِ عمرٍو، وكان حليفًا لبنى زُهرةَ: أَخُفِّفتِ الصلاةُ أم نسِيتَ؟ فقال النبىُّ
وَه: ((ما يقولُ ذُو اليدين؟)). فقالوا: صدَق يا نبيَّ اللهِ. فأتمَّ بهم الركعتينِ
اللَّتينِ نقَص. قال الزهرىُّ: وكان ذلك قبلَ بدرٍ، ثم استَحْكَمَتِ الأمورُ بعدُ(٢).
هكذا يقولُ ابنُ شهابٍ ؛ أنَّ ذلك قبلَ بدرٍ . وأنَّه ذُو الشمالينِ .
وقد ثبت عن أبى هريرةً من رواية مالك وغيره، مِن ◌ُجوهٍ كثيرةٍ ، غیرُ ما
ذُکِر فی ذلك كلّه، وقد أوضحنا ذلك كلّه وشرحناه وبسطناه فى بابٍ أيوبَ
مِن كتابنا هذا فأغنى عن إعادتِه ههُنا (٣)، ولم نذكر فى بابٍ أيوبَ اختلافَ
العلماءِ فى كيفيةِ السلامِ من الصلاةِ، ونذكرُه هنا؛ لقولِه فى هذا الحديثِ :
فسلّم من اثنتَينِ. ولقولِه فى آخرِه: فأتُمَّ رسولُ اللهِ فَلَه ما بقِى من الصلاةِ ثم
سلَّم .
اختلف العلماءُ قديمًا وحديثًا فى كيفيةِ السلامِ من الصلاةِ، واختلفَتٍ
الآثارُ فى ذلك أيضًا، واختلفَ أئمةُ الفتوَى بالأمصارِ فى وُجُوهِ السلامِ مِن
الصلاةِ ، وهل هو مِن فُروضِها أم لا ؛ فقال مالكٌ وأصحابُه ، والليثُ بنُ سعدٍ :
القبس
(١) عبد الرزاق (٣٤٤١).
(٢) سقط من: ى.
(٣) تقدم ص٤٥٢ - ٤٩٠.
٤٩٧
( موسوعة شروح الموطأ ٣٢/٤)

الموطأ
التمهید
يُسلِّمُ المصلِّى منَ الصلاةِ نافلةً كانَتْ أو فريضةً تسليمةً واحدةً: السلامُ
عليكم. ولا يَقُلْ: ورحمةُ اللهِ. وقال سائرُ أهلِ العلمِ: يُسلِّم تسليمتين؛
الأولَى عن يمينه يقولُ فيها : السلامُ عليكمْ ورحمةُ اللهِ. وثمَّن قال بهذا كلِّه
سفيانُ الثورىُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُه، والشافعىُّ وأصحابُه، والحسنُ بنُ
حىٍّ، وأحمدُ بنُّ حنبلٍ، وأبو ثورٍ ، وأبو عُبيدٍ، وداودُ بنُّ علىٍّ ، وأبو جعفرٍ
الطبرئُّ .
وقالَ ابنُ وهبٍ عن مالكِ: يُسلِّمُ تلقاءَ وجهِه: السلامُ عليكم ، بتسليمةٍ
واحدةٍ . وقالَ أشهبُ ، عن مالك، أنَّه سُئلَ عن تسليم المصلِى وحدَه، فقال:
يُسلِّمُ واحدةً عن يمينه. فقيلَ له: وعن يساره؟ فقال: ما كانوا يُسَلِّمونَ إِلَّ
واحدةً ، وإنَّ من الناسِ مَن يَفعلُه . وقال مرةً أُخرَى: إنما حدثَتِ التسليمتانِ مِن
زمنٍ بنى هاشم . فقال مالكٌ: والمأمومُ يُسلِّمُ تسليمةً عن يمينِه وأُخرَى عن يساره،
ثم يَؤُدُّ على الإمامِ . ورُوِى عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ مثلُه(١) . وقال عنه ابنُّ القاسِم:
مَن صلَّى لنفسِه يُسلِّمُ عن يمينِه ويسارِهِ . وقال: وأما الإمامُ فيُسَلِّمُ تسليمةً واحدةً
تلقاءَ وجهِهِ يَامَنُ بها قليلًا. واختَلَف قولُه فى موضِع ردِّ المأمومِ على الإمامِ،
فمرةً قال: يُسَلِّمُ عن يمينِه ويسارِه ، ثم يَرُدُّ على الإمامِ . ومرةً قال: يَؤُدُّ على الإمامِ
بعدَ أنْ يُسلِّمَ عن يمينه .
قال أبو عمرَ: الذى تَحَصَّلَ مِن مذهبٍ مالكِ رحِمهُ اللهُ، أنَّ الإمامَ يُسلِّمُ
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٠٨/١.
٤٩٨

الموطأ
التمهيد
واحدةً تلقاءَ وجهِه ويَتَيَامَنُ بها قليلًا، والمصلِّىَ لنفسِه يُسلِّمُ اثنتينٍ، والمأمومَ يُسلِّمُ
ثلاثًا إن كان عن يساره أحدٌ . وقال الليثُ بنُ سعدٍ: أدركْتُ الأئمةَ والناسُ
يُسلِّمونَ تسليمةً واحدةً تلقاءً وُجوهِهم؛ السلامُ عليكم . و كان الليثُ يبدأُ بالردِّ
على الإمامِ ، ثمَّ يُسلِّمُ عن يمينِه وعن يساره .
قال أبو عمر : روی الدّراوردِئُ، عن مُصعب بن ثابتٍ ، عن إسماعيلَ بنِ
محمدٍ، عن عامرِ بنِ سعدٍ، عن سعدٍ، أنَّ رسولَ اللهِ وَلَ كان يُسلِّمُ فى
الصلاةِ تسليمةً واحدةً؛ ((السلامُ عليكم))(١) . وقد وَهِمَ فيه الدراوردىُّ، وإنما
الحدیثُ لمصعبِ بنِ ثابت ، عن إسماعيل بن محمدٍ ، عن عامٍ بنِ سعدٍ ، عن
أبِيِه، أنَّ رسولَ اللهِ وَلِّ، كان يُسلِّمُ عن يمينِه ويسارِهِ، حتى يُرَى بياضُ
خديْهِ مِن هُنا وهُنا. هكذا روَاه ابنُّ المباركِ وغيرُه، عن مُصعبٍ بنِ ثابِتٍ
بإسناده(٢) .
وأمَّا حديثُ عائشةَ عن النبيِّ وَِّ، أَنَّه كان يُسلِّمُ تسليمةً واحدةً، فلا
يَصِحُ مرفوعًا؛ لأَنَّه لم يَرفَعْه إلَّ زهيرُ(٣) بنُ محمدٍ، عن هشامِ بنِ عُروةَ(٤) . وهو
ضعيفٌ ؛ ضغَّفَه ابنُ معينٍ وغیرُه .
وفی التّسلیمتینِ حدیثُ ابن مسعودٍ ثابتٌ صحيحٌ ، رواه عبدُ الرحمنِ بنُ
القبس
(١) تقدم تخريجه ص٤٣٦ .
(٢) تقدم تخريجه ص٤٣٧ .
(٣) فى النسخ: ((وهب)). والمثبت من مصادر التخريج. وينظر تهذيب الكمال ٩/ ٤١٤.
(٤) تقدم تخريجه ص٤٣٨ .
٤٩٩

الموطأ
التمهید
الأسودِ، عن أبيه وعلقمةَ(١)، عن عبدِ اللهِ، قال: كان رسولُ اللهِ عَه
وأبو بكرٍ، يُسَلِّمونَ عن أيمانِهم وعن شمائلِهم فى الصلاةِ؛ السلامُ عليكم
ورحمةُ اللهِ ، السلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ(٢). وروَاها ابنُ عُمرَ(٣)، وأبو محُميدٍ
مَكالله (٤)
الساعدىُّ، عنِ النبىِّ وَلَ(٤).
قالَ أبو عمرَ: اختلَفَ القائلونَ بالتسليمتينِ فى وُجوبِهما فرضًا؛ فقالَتْ
طائفةٌ منهم: كِلا التسليمتين سُنةٌ، ومَن لم يأْتِ بالسلامِ بعدَ أنْ يقعدَ مقدارَ
التشهدِ فقد تمّت صلاتُه. قالوا: وإنما السلامُ إعلامٌ بانقضاءِ الصلاةِ وتمامِها .
واحتُوا بأنَّ السلام إذا وُضعَ فی غیرٍ موضعه کالكلام، فكذلك هو فی آخِرِ
الصلاةِ . ومَمَّن قال ذلك أبو حنيفةً وأصحابُه، والأوزاعىُّ، وأكثرُ أهل الكوفةِ إلَّا
الحسنَ بنَ حىٍّ، فإنَّه أوجب التسليمتين جميعًا. بقولِه عليه السلام: ((تحليلُها
التسليم »(٥) . ثم یئنَ بفعله کیفَ التسلیم .
وقال آخرونَ منهم الشافعىُّ : التسليمةُ الأُولى يخرجُ بها مِن صلاتِه واجبٌ ،
والأخرَى سُنَّةٌ .
ومِن حُجِهِ قولُهُ وَلَّهِ: ((تحليلُهَا التسليمُ)). والتسليمةُ الواحدةُ يَقَعُ عليها
القبس
(١) فى م: ((علقة)).
(٢) تقدم تخريجه ص ٤٤٢ .
(٣) تقدم تخريجه ص٤٤٣ .
(٤) تقدم تخريجه ص ٤١٢ - ٤١٤.
(٥) تقدم تخريجه ص ١٧٧.
٥٠٠