Indexed OCR Text

Pages 421-440

التشهدُ فى الصلاةِ
الموطأ
٢٠١ - حدَّثنى يحيى، عن مالك، عن ابن شهاب، عن ◌ُروةَ بنِ
يَذْهبُ فى الجِلسةِ الآخرةِ إلى حديثِ أبى محُميدِ الساعدىِّ (١). ومالكٌ يذهبُ الاستذكار
إلى ما رواه فى ((موطئِهِ)) ، وكلُّ ذلك حسنٌ.
وأما جلوسُ المرأةِ فقد ذكَرْنا عن مالكِ أن المرأةَ والرجلَ فى الجلوسِ فى
الصلاةِ سواءٌ لا تُخالفُهُ ) فيما بعدَ الإحرامِ إلا فى اللباسِ والجهرِ، " وهو قَولُ
٣)
الشافعىّ".
وقال الثورىُّ: تُسدِلُ المرأةُ رجليها من جانبٍ واحدٍ. ورواه عن إبراهيم
النخعىّ .
وقال الشعبىُّ: تَقعُدُ كيف تيسّرلها. وقال الشافعىُّ : تَجلسُ المرأةُ بأسترِ ما
يكونُ لها . وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه : تَجلِسُ المرأةُ كأيسرِ ما يكونُ لها .
بابُ التشهدِ فى الصلاةِ
ذكَر مالكٌ فيه التشهدَ عن عمرَ وعن ابنِ عمرَ وعن عائشةً ، وليس عنده منها
بابُ التشهدِ فى الصلاةِ
القبس
ذَكَّر مالكٌ رضِىّ اللَّهُ عنه فى هذا البابِ تشهُّدَ عمرَ بنِ الخطابِ رضِىَ اللَّهُ عنه،
ورجّحَه على تشهُّدِ ابنِ عباسٍ، وعلى تشهُّدِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ؛ لأن عمرَ بنَ
(١) تقدم تخريجه ص ٤١٢ - ٤١٤.
(٢) فى ص، م: ((يخالفها)).
(٣ - ٣) سقط من: ص، م.
٤٢١

الزبيرِ، عن عبد الرحمنِ بنِ عبدِ القارىِّ ، أنه سمِع عمرَ بنَ الخطابِ ،
الموطأ
وهو على المِنبَرِ، يُعَلِّمُ الناسَ التشهُّدَ، يقولُ: قولُوا: التحيَّاتُ للهِ،
الزاكِياتُ للهِ ، الطَّيِّباتُ الصلواتُ للهِ ، السلامُ عليك أيُّها النبىُّ ورحمةٌ
اللهِ وبر كاتُه، السلامُ علينا وعلى عبادِ اللهِ الصالحين، أَشهَدُ أن لا إِلهَ إِلا
اللهُ، وأَشهَدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُهُ(١).
٢٠٢ - مالكٌ، عن نافع، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان يتشَهَّدُ فيقولُ:
الاستذكار شيءٌ مرفوعٌ إلى النبيِِّ نَّ، وإن كان غيرُه قد رفَعُ(١) ذلك. ومعلومٌ أنه لا يقالُ
بالرأيِ، ولو كان رأيًا لم يكن ذلك القولُ مِن الذِّكرِ أولَى مِن غيرِهِ مِن سائرٍ
الذكرِ . واللهُ أعلمُ .
ولمَّا علِيم مالك رحمه اللهُ أن التشهدَ "لم يَكنْ؟ توقيفًا مِن(٤) النبيِّ وَّل،
اختار تشهدَ عمرَ ؛ لأنه كان يعلِّمُه للنّاسِ وهو على المنبرِ من غيرِ نكيرٍ عليه مِن
أحدٍ مِن الصحابةِ رَضِی اللهُ عنهم، و کانوا مُتوافرین فی زمانِه ، وإنما (®) كان
القبس
الخطابِ رضِيَ اللَّهُ عنه كان يعلِّمُه الناسَ على المنبرِ، ويعلِّمُه بينَ ظَهْرَانَي المسلمين،
وهم الصحابةُ الذين منهم ابنُ عباسٍ وعبدُ اللَّهِ الراويان للتشهُّدَين الأخيرَيْن، ولم
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (١٤٦)، وبرواية أبى مصعب (٤٩٩). وأخرجه ابن وهب فى
موطئه (٤٠٩)، والطحاوى فى شرح المعانى ٢٦١/١، والحاكم ٢٦٥/١، ٢٦٦، والبيهقى ١٤٤/٢
من طريق مالك به .
(٢) فى م: ((دفع)).
(٣ - ٣) فى ص، م: ((لا يكون إلا)).
(٤) فى ص، م: ((عن)).
(٥) فى ص، م: ((أنه)).
٤٢٢

بسم اللهِ، التَّحِيَّاتُ للهِ ، الصلواتُ للهِ ، الزاكِياتُ للهِ، السلامُ على الموطأ
النبيّ ورحمةُ اللهِ وبركاتُه، السلامُ علينا وعلى عبادِ اللهِ الصالحین،
شهِدتُ أن لا إِلهَ إِلا اللهُ، شهِدتُ أن محمدًا رسولُ اللهِ . يقولُ ھذافی
الركعتين الأُولَيَين، ويدعُو إذا قضى تشهدَه بما بدَا له، فإِذا جلس فى
آخِرٍ صلاتِه، تشَهَّدَ كذلك أيضًا ، إِلا أنه يُقدِّمُ التشهُّدَ ، ثم يدعُو بما بدَا
له، فإذا قضى تشَهُّدَه وأراد أن يُسَلَّمَ ، قال: السلامُ على (٣٣ظ] النبىّ
ورحمةُ اللهِ وبر كاتُه، السلامُ علينا وعلى عبادِ اللهِ الصالحين ، السلامُ
عليكم . عن يمينه ، ثم يُرُدُّ على الإمامِ ، فإِنْ سَلَّم عليه أحدٌ عن يَسارِهِ،
(١)
رَدَّ عليه(١) .
٢٠٣ - وحدَّثنى يحيى، عن مالكِ، عن عبد الرحمنِ بنِ القاسِمِ،
عن أبيه، عن عائشةَ زوج النبيِّ بَّهِ، أنها كانت تقولُ إِذا تشهَّدتُ:
التَّحِيَّاتُ، الطَّيِّاتُ، الصلَوَاتُ، الزاكياتُ للهِ، أَشْهَدُ أن لا إله إلا اللهُ
يُعلِّمُ ذلك من لم يَعْلَمْه مِن التابعين وسائرٍ مَن حضَره مِن الداخلين فى الدينِ، ولم الاستذكار
يأتِ عن أحدٍ حضرَه مِن الصحابةِ أنه قال له : ليس كما وصفتَ . وفى تسليمهم
له ذلك - مع اختلاف روايتهم عن النبيِّ وَّ فى ذلك - دليلٌ على الإباحة
والتوسعةٍ فيما جاء عنه مِن ذلك وَِّهِ، مع أنه متقاربُ كلَّه، قريبُ المعنى بعضُه
يُسمَعْ من أحدٍ نكيرٌ ، فصار ذلك إجماعًا على الترجيحِ.
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (١٤٧)، برواية أبى مصعب (٥٠٠)، وأخرجه الشافعى ٢٤٩/٧،
والبيهقى ١٤٢/٢ من طريق مالك به .
(٢) فى م: ((نكيرا)).
٤٢٣

الموطأ وحدَه لا شريكَ له، وأن محمدًا عبدُه ورسولُه، السلامُ عليك أيُّها النبيُّ
ورحمةُ اللهِ وبركاتُه، السلامُ علينا وعلى عبادِ اللهِ الصالحين، السلامُ
علیگم(١).
٢٠٤ - وحدَّثنى يحيى، عن مالك، عن يحيى بن سعيد
الأنصارىِّ، عن القاسِم بنِ محمدٍ ، أنه أخبره ، أن عائشةَ زوجَ النَّبِىِّ
وَالِ ه كانت تقولُ إِذا تشهَّدَتْ: التَّحيَّاتُ، الطيِّباتُ، الصَّلوَاتُ
الزَّاكِياتُ للهِ، أَشهَدُ أن لا إِلهَ إلا الله وحده لا شريكَ له، وأشهدُ أن
محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُه ، السلامُ عليك أيُّها النبىُ ورحمةُ اللهِ وبر كاتُه ،
السلامُ علينا وعلى عبادِ [٣٤و] اللهِ الصالحينَ، السلامُ عليكم(٢).
الاستذكار مِن بعضٍ ، إنما فيه كلمةٌ زائدةٌ فى ذلك المعنى أو ناقصةٌ . فتشهُّدُ عمرَ كما حكاه
مالكٌ ، عن ابنِ شهابٍ ، عن عروةَ بنِ الزبيرِ ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ عبدِ القارئِّ ، أنه سمِع
عمرَ بنَ الخطابٍ وهو على المنبرِ يعلِّمُ الناسَ التشهدَ ، يقولُ: قولوا : التحيَّاتُ للهِ،
الزَّكياتُ للهِ ، الطيباتُ الصلواتُ للهِ ، السلامُ عليك أيُّها النبىُ ورحمةُ اللهِ وبر كاتُه،
السلامُ علينا وعلى عبادِ اللهِ الصالحين، أشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ(١)، وأشهدُ أن محمدًا
عبدُه (٤) ورسولُه . وبتشهُّدِ عمرَ هذا قال مالكٌ وأصحابُه.
القبس
ء
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (١٤٥)، وبرواية أبى مصعب (٥٠١). وأخرجه أبو بكر
الشافعى فى الغيلانيات (١٠١٦)، والبيهقى ١٤٤/٢ من طريق مالك به .
(٢) الموطأ برواية أبى مصعب (٥٠٢). وأخرجه أبو بكر الشافعى فى الغيلانيات (١٠١٣)،
والبيهقى ١٤٤/٢ من طريق مالك به .
(٣) بعده فى ص: ((وحده لا شريك له)).
(٤) فى ص: ((عبد الله)).
٤٢٤

الموطأ
ومعنى التحيةِ المُلْكُ. وقيل: التحيةُ العظمةُ. والصلواتُ هى الخمسُ، الاستذكار
والطيباتُ الأعمالُ الزّاكِيَةُ(١).
وتشهُّدُ ابن مسعودٍ ثابتٌ أيضًا مِن جهةِ النقلِ عندَ جميعِ أهلِ الحديثِ ،
مرفوعٌ إلى النبيِّ وَله، وهو: التحياتُ للهِ، والصلواتُ والطيباتُ، السلامُ
عليك أيُّها النبيُّ ورحمةُ اللهِ وبر كاتُه، السلامُ علينا وعلى عبادِ اللهِ الصالحين،
أشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُهُ(١). وبه قال الثوریُّ،
(٣)
القبس
تفسير(٣) :
قولُه: ((التَّحِيَّاتُ للَّهِ)). هى(٤) المُلكُ، "وهى السلامْ)، وهى البقاءُ، والكلُّ
للَّهِ؛ أما البقاء فهو له (٢) صفةٌ واجبةٌ، وأما المُلْكُ فهو بيدِه يصرِّفُه كيف يشاءُ، وأما
السلامُ فهو له شَرعْ ودينٌ، فإن مجعِل لغيرِه فذلك خلافٌ للشّرع، وما كان من قَبِيلِ(١)
المشروعاتِ فهو للَّهِ سبحانَه أمرٌّ ورِضًا)، وما وَقَع على غيرٍ(٢) طريقِ الشرعِ فهو للَّهِ
تعالى تقديرٌ وقضاءٌ، فلا يخرجُ شىءٌ عنه، بلِ الكلَّ له وإليه . والمرادُ بالتحية
(١) فى م: ((الزكية)).
(٢) أخرجه البخارى (٨٣١)، ومسلم (٤٠٢)، وأبو داود (٩٦٨)، والترمذى (٢٨٩)، والنسائى
(١١٦١)، وابن ماجه (٨٩٩).
(٣) سقط من : م .
(٤) فى م: ((تفسير يعنى)).
(٥ - ٥) فى د: ((لله)).
(٦) فى د: ((قبل)).
(٧ - ٧) فى ج، م: ((أمره ورضاه)).
(٨) فى م: ((تقديرا)).
٤٢٥

الموطأ
الاستذكار والكوفيون، وأكثرُ أهل الحديث، وكان أحمدُ بنُ خالدٍ ) بالأندلسِ يختارُه
ویمیلُ إلیه ويتشهّدُ به .
وقال "أبو حنيفةً، و"أبو يوسفَ، ومحمدٌ، وأبو ثورٍ: أحبُّ التشهدِ إلینا
تشهدُ ابنِ مسعودٍ الذى رواه عن النبيِّ وَلِّ. وهو قولُ أحمد وإسحاقَ وداودَ.
وأما الشافعىُّ وأصحابُه والليثُ بنُّ سعدٍ ، فذهبوا إلى تشهدِ ابنِ عباسٍ الذى رواه
عن النبيِّ ◌َهِ.
قال الشافعىُّ: هو أحبُّ التشهدِ إِلىَّ.
هلهنا ، من جملة أقسامها ، السلامُ؛ لأنه موضعُه وسبئه ، على ما تقدَّم فى حديثٍ
القبس
عبدِ الله بن مسعودٍ .
وأما ((الزَّاكِيَاتُ))، فالمرادُ به كلُّ عملِ نامٍ ( ٢) يضاعَفُ عليه الأجرُ وينمَّى فيه
الثوابُ، وكلُّ عملِ أيضًا مَنحوقٌ فهو للَّهِ تعالَى تقديرُ(٥) وخلقٌ ، إلا أنه تعالى إذا
أضاف الشىء إلیه أو ربطه به علی طریقِ الاختصاصِ، کان ذلك تشريفًا له على ما
(١) أحمد بن خالد بن يزيد، محدث الأندلس، أبو عمر القرطبى، ويعرف بابن الجَبّاب وهى نسبة
إلى بيع الچِباب، كان حافظا متقنًا وراوية للحديث مکثرًا، صنف ((مسند مالك بن أنس))، وكتاب
((الصلاة))، وكتاب ((الإيمان))، وكتاب ((قصص الأنبياء))، توفى سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة.
بغية الملتمس ص ١٧٥، وسير أعلام النبلاء ١٥/ ٢٤٠.
(٢ - ٢) سقط من: ص.
(٣) فى د، ج: ((نامى)).
(٤) فى ج: (( يثنا)).
(٥) فى م: ((بتقدير)).
٤٢٦

الموطأ
رواه الليثُ بنُ سعدٍ ، عن أبى الزبيرِ ، عن سعيد بن جبيرٍ، وطاوسٌ ، عن ابنٍ الاستذكار
عباسٍ، قال: كان رسولُ اللهِ بِّهِ يعلِّمُنا التشهدَ كما يعلِّمُنا القرآنَ؛ فكان
يقولُ: ((التحياتُ المباركاتُ الصلواتُ الطيباتُ للهِ، سلام عليك أيُّها النبىُّ
ورحمةُ اللهِ وبر كاتُه، سلامٌ(١) علينا وعلى عبادِ اللهِ الصالحين، أشهدُ أن لا إلهَ إلا
اللهُ وأن محمدًا رسولُ اللهِ))(٢).
القبس
سواه؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ﴾ [الأعراف: ١٢٨]. يعنى ملكًا،
وقال: ﴿وَأَنَّ الْمَسَجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: ١٨]. يعنى تشريفًا، ثم قال: ﴿ وَطَهِّرْ بَيْتِىَ﴾
[الحج : ٢٦]. فزاده اختصاصًا .
وأما قولُه: ((الصَّلوَاتُ للَّهِ)). فهو بَيِّنّ؛ لأن العباداتِ كلَّها إنما تقعُ للَّهِ بالنيةِ
والقُربةِ، والمعاصى من اللَّهِ بالتقديرِ والحكمة، حتى إن قولَ الكافرِ فى البارئِّ (١)
تعالى : ثالثُ ثلاثةٍ. تسبيحٌ للَّهِ وتقديسٌ له على الوجهِ الذى يَنَّاه فى قولِه تعالى:
﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بِهْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]. فقوله: ((التحيَّاتُ)). يعنى:
السلام، كما قَدَّمناه .
وقولُهُ): ((الزَّاكِيَاتُ)). يعنى: الأعمالُ الناميةُ. وقولُه: ((الصَّلوَاتُ)). يعنى:
(١) فى الأصل: ((السلام)).
(٢) أخرجه أحمد ٤٠٧/٤ (٢٦٦٥)، ومسلم (٦٠/٤٠٣)، وأبو داود (٩٧٤)، والترمذى
(٢٩٠)، والنسائى (١١٧٣)، وابن ماجه (٩٠٠) من طريق الليث به.
(٣) فى ج، م: ((الله )).
(٤) فى د: ((كذلك)).
٤٢٧

الموطأ
ورُوى عن أبى موسى الأشعرىِّ مرفوعًا وموقوفًا نحوُ تشهدِ ابن مسعودٍ.
الاستذكار
ورُوى عن علىِّ بن أبى طالبٍ رضِىَ اللهُ عنه أكملُ مِن هذه الرواياتِ كلِّها (٢).
وفى ((الموطأً)) عن ابن عمرَ، وعائشةً ما قد علمتَ، واختيارُ العلماءِ مِن
ذلك ما ذكرتُ لك، وكلّ حسنٌ إن شاء اللهُ تعالى .
العبادةُ التى هو فيها من جملةِ الزَّاكياتِ .
القبس
تنبيةٌ على وهم: ثبَتَتِ الرّوايةُ عن النبيِّ وَِّ فِى التشهُّدِ، كما قَدَّمناه،
واستقرَّتْ ألفاظُ التشهُدِ عندَ جميع الأمةِ، إلى أن جاء فيها(١) أبو محمدِ بنُ أبى زيدٍ ()
بوهمٍ قبيحٍ، فقال فى ذِكرِه للتشهُّدِ: وأنَّ مُحمَّدًا عَبدُه ورَسُولُهُ ، أرسله پالهُدَى ودِينِ
الحَقِّ لِيُظهِرَه عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ(٥) . إلى قولِه: وأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِى القُبُورِ. وإنما أوقَعَه
فى ذلك أنه رأَى الأثرَ فى تشهُّدِ الوصيةِ بهذه الصفةِ ، فَرَأَى من قِبَلِ نفسِه أن يُلحِقَه
بتشهُّدِ الصلاةِ، وهذا لا يَحِلُّ؛ لأن النبيَّ وَِّإِذا عَلَّمَ(١) شيئًا وَجَب الوقوفُ عندَ
تعليمِه، وإذا بيَّنَ ذِكرَيْن فى قِصَّتَيْن لم يجُزْ أن يُدَّلا فيُوضَعَ أحدُهما فى موضعٍ
الآخرِ، ولا أن يُجمَعَ بينَهما، فإن ذلك تبديلٌ للشريعةِ واستقصَارٌ لما كمَّلَه النبيُّ وَله
فى التعليم، هذا عهدُ نبيّنا إلينا وعهدُنا إليكم .
(١) أخرجه مسلم (٦٢/٤٠٤)، وأبو داود (٩٧٢)، والنسائى (١١٧١)، وابن ماجه (٩٠١) مرفوعًا.
(٢) ينظر المعجم الأوسط (٢٩١٧)، والتلخيص الحبير ٢٦٧/١.
(٣) سقط من : م .
(٤) عبد الله بن أبى زيد، واسم أبى زيد عبد الرحمن ، جامع مذهب مالك ، وشارح أقواله ، كان
واسع العلم كثير الرواية، له كتاب ((النوادر والزيادات)) على المدونة، وكتاب ((مختصر المدونة))،
وعلى كتابيه هذين المعول فى التفقه بالمغرب، وكتاب ((الذب عن مذهب مالك))، توفى سنة ست
وثمانين وثلاثمائة . ترتيب المدارك ٢١٥/٦ - ٢٢٢.
(٥) بعده فى د: (( ولو كره المشركون)).
(٦) فى م: ((أعلم)).
٤٢٨

الموطأ
" والذى أقولُ به، وبالله التوفيقُ، أَنّ الاختلافَ فى التشهدِ وفى الأذانِ الاستذكار
والإقامة وعددِ التكبير على الجنائز وما يُقرأ ويُدعى به فيها، وعددِ التكبير فى
العيدينِ، ورفعِ الأيدى فى ركوعِ الصلواتِ وفى التكبيرِ على الجنائزِ، وفى
السلامِ مِن الصلاةِ واحدةً أو اثنتينٍ ، وفى وضعٍ اليمنى على اليسرى فى الصلاةِ،
وسدلِ اليدينِ ، وفى القنوتِ وتركِه، وما كان مثلَ هذا ، كلَّه اختلافٌ فى مُباحٍ،
كالوضوءِ واحدةً واثنتينٍ وثلاثًا ، إلا أن فقهاءَ الحجازِ والعراقِ الذين تَدورُ عليهم
وعلى أتباعهم الفتوى يتشددون فى الزيادة على أربع تكبيراتٍ على الجنائزِ،
ويأبُونَ مِن ذلك. وهذا لا وجه له؛ لأن السلفَ كبَّر سبعًا، وثمانيًا، وستًّا،
وخمسًا، وأربعًا، وثلاثًا. وقال ابنُ مسعودٍ: كبّرْ ما كبّر إمامُكُ". وبه قال
أحمدُ بنُ حنبلٍ. وهم أيضًا يقولون : إن الثلاثَ فى الوضوءِ أفضلُ مِن الواحدةِ
السابغةِ . وكلَّ ما وصفتُ لك قد نقَلَتْه الكافةُ مِن الخَلفِ عن السلفِ، ونقلَه
التابعون بإحسانٍ عن السابقين نقلًا لا يَدخلُه غَلَطَّ ولا نسيانٌ؛ لأنها أشياءُ ظَاهِرَةٌ
معمولٌ بها فى بلدانِ الإسلامِ زمنًا بعدَ زمنٍ لا يَختلِفُ فى ذلك علماؤهم
وعوامّهم مِن عهدِ نبيِّهِمِ نَّهِ وَهَلُمَّ جَرًّا، فدلَّ على أن ذلك مباح كلُّه إباحةً
توسعةٍ ورحمةٍ " وتَخْيِيرٍ ". والحمدُ للهِ ).
القبس
(١ - ١) سقط من: ص.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٦٤٠٣)، وابن أبى شيبة ٣٠٣/٣.
(٣ - ٣) سقط من: م.
٤٢٩

الموطأ
الاستذكار
واختلف الفقهاءُ فى وجوبِ التشهدِ، وفى حكم صلاةٍ مَن لم يَتشهدْ ؛
فقال مالك : مَن نَسِی التشهد رجع إليه فعمله، إن كان قريبًا ولم يتباعد ولم
يَنْتَقِضْ وُضوءُه، ثم يَسجدُ لسهوِهِ بعدَ السلامِ، وإن تباعَد أو انتقَض وُضوءُه،
فأرجو أن تجزيَه صلاتُه . قال: وليس كلُّ أحدٍ يَعرِفُ التشهدَ، فإذا ذكَر الله أجزا
عنه . رواه ابنُ وهبٍ وغيرُه عن مالكٍ. وقال الأوزاعىُ: مَن نسِى التشهدَينِ
يَسجُد١ُ) للسهوِ أربعَ سَجداتٍ. لأن مذهَبَه أن لكلِّ سهوٍ سجدتَين. وقال
الثورىُّ: لا يسجدُ إلا سجدتين فى السهوِ عن " التشهدِ الواحدِ" (٣وعن٣
التشهدَين، وكذلك مَن سَها مِرارًا "لا يَسجدُ إلا سجدتَين". وهو قولُ مالكٍ،
والشافعىِّ، وأبى حنيفةً، فى سجدتَى السهوِ أنهما للسهوِ كلِّه. وقال أبو حنيفةً
وأصحابُه : إن قعَد مقدارَ التشهدِ ولم يتشهدْ فقد تمَّت صلاتُه، وإن لم يَقعُدْ
مقدار التشهد ) فسدت صلاتُه.
وقال الشافعىُّ: مَن ترَك التشهدَ الآخِرَ ساهيًا أو عامدًا فعليه إعادةُ الصلاةِ ،
إلا أن يكونَ الساهى قريبًا ، فيعودُ إلى تمامٍ صلاتِه، ويتشهدُ ويصلّى على النبىِ
نَّهِ" قال: ويُغنى التشهدُ والصلاةُ على النبيِّ وَ﴿ه فى آخرِ الصلاةِ عن
التشهدِ قبلَه ، ولا يُغنى عنه ما كان قبلَه مِن التشهدِ .
القبس
(١ - ١) فى ص، م: ((التشهد سجد)).
(٢ - ٢) سقط من: ص، م.
(٣ - ٣) سقط من: ص، م. وتآكل فى الأصل. والمثبت ما يقتضيه السياق.
(٤ - ٤) سقط من : ص .
(٥ - ٥) فى الأصل: ((قال و[ .... ] النبى (َ ل﴾)). والمثبت من الأم ١١٨/١.
٤٣٠

الموطأ
قال أبو عمرَ: لا أعلمُ أحدًا أو حجب الصلاةَ على النبيِّ ◌َّهِفرضًا فى التشهدِ الاستذكار
الآخرِ إلا الشافعىَّ ومَن سلَك سبيلَه، وسنذكرُ ذلك فى موضعِه مِن هذا
الكتابِ ، إن شاء اللهُ تعالى. وقال أبو ثورٍ: مَن لم يتشهدْ فى الركعةِ الثانيةِ
والرابعةِ فلا صلاةَ له إن كان ترك ذلك عامدًا، وإن كان ساهيًا فترَك تشهدَ الركعةِ
الثانيةِ سجَد سجدتَى السهوِ قبلَ السلامِ، وإن كان فى الرابعةِ استقبلَ القبلةَ
وتَشهَّد وسلَّم وسجَّد سجدتَى السهوِ بعدَ التسليم . وقال أبو مصعبٍ الزهرىُّ :
مَن ترَك التشهدَ بطَلَت صلاتُه . ورَوَى ذلك أبو مصعبٍ عن أهلِ المدينةِ ؛ منهم
مالكٌ وغیرُه .
ورُوى عن جماعةٍ مِن السلفِ المتقدِّمين ؛ منهم علىِّ رَضِى اللهُ عنه وطائفةٌ
مِن التابعين: مَن رفَع رأسَه مِن آخِرِ سجدةٍ فى الركعةِ الرابعةِ ، فقد تمّت
صلاتُهُ(١) . وقال أحمدُ بنُ حنيل: إن ترَك الجلوسَ والتشهدَ فى الرابعةِ بطَّلت
صلاتُه . وقال الزهرىُّ، وقتادةُ، وحمادٌ : صلاتُه تامةٌ .
والحجةُ لمالكِ ومَن رأى أن سجود السهوِ يَتوبُ عن التشهدِ لمَن سَها عنه
حديثُ ابْنِ بُحَينةَ (١) فى القيامِ مِن اثنتين والسجودِ فى ذلك ، فإذا نابَ له السجودُ
عن الجلسة الوسطى والتشهد، فأحرّی أن ینوبَ له عن التشهدِ إذا جلس ولم
يتشهدْ ساهيًا عنه . ومعلومٌ أن الفرضَ فى الصلاةِ لا ينوبُ عنه سجودُ السهوِ دونَ
الإتيانِ به . وقد أجمعوا أن مَن ترَك الجِلسةَ الوسطى عامدًا أن صلاتَه فاسدةٌ
القبس
(١) ينظر عبد الرزاق (٣٦٧٥ - ٣٦٧٨)، وابن أبى شيبة ٤٨٩/٢.
(٢) سيأتى فى الموطأ (٢١٥).
٤٣١

الموطأ
وعليه الإعادةُ. ومَن أفسَد الصلاةَ بتركِ التشهدِ الآخرِ، فإنه جعَله مِن البيانِ
الاستذ کار
لمجملاتِ الصلاةِ التى هى فروضٌ كلّها فى عملِ البدنِ ، إلا الجلسةَ الوسطى
فإنها مخصوصةٌ بالسنةِ لحديثِ ابنِ بُحينةَ، والمغيرةِ بنِ شعبةً(١) .
وللكلام فى هذه المسألة لکل فرقةٍ موضعً غیرُ هذا، وقد أتينا منه فى
(التمهيدِ)) بما فيه كفايةٌ. والحمدُ للهِ .
وقد ورُوى عن عمرَ بنِ الخطابِ أنه قال : مَن لم يَتشهدْ فلا صلاة له(٤).
وقال نافعّ مولى ابنِ عمرَ: مَن لم يتكلمْ بالتحيةِ فلا صلاة له(٥) .
ومِن حجةٍ الشافعىِّ أيضًا ومَن وافَقه، ما رَواه سفيانُ بنُ عُيينةً، عن
الأعمشِ، ومنصورٌ، عن أبى وائلٍ، عن ابنٍ مسعودٍ، قال: كنا نقولُ قبلَ أن
يفرضَ التشهدُ: "السلامُ على اللهِ، السلامُ على جبريلَ. فذكَر حديثَ
(٧)
التشهدٍ (٧).
قال أبو عمر : لم يقلْ أحدٌ فی حدیثِ ابنِ مسعودٍ هذا بهذا الإسنادٍ ولا
بغيرِه: قبلَ أن يُفرضَ التشهدُ . إلا ابنُ عيينةَ. واللهُ أعلمُ .
القبس
(١ - ١) فى ص: ((بالتشهد)).
(٢) سيأتى تخريجه ص ٥٣٠، ٥٣٦، ٥٣٧.
(٣) سیأتی ص٥٢٨ - ٥٤١ .
(٤) أخرجه عبد الرزاق (٣٠٨٠)، وابن أبى شيبة ٥١٨/٢.
(٥) ينظر المحلى ٣/ ٣٥١.
(٦ - ٦) سقط من: ص.
(٧) أخرجه الدارقطنى ١/ ٣٥٠، والبيهقى ٣٧٨/٢ من طريق سفيان بن عيينة به.
٤٣٢

٢٠٥ - وحدَّثنى يحيى، عن مالك، أنه سأل ابنَ شهابٍ، ونافعًا الموطأ
مولَى ابنِ عمرَ، عن رجلٍ دخّل مع الإمامِ فى الصلاةِ ، وقد سبقه الإمامُ
بركعةٍ: أَيْتَشَهَّدُ معه فى الركعَتَين والأربَعِ وإن كان ذلك له وترًا؟
فقالا : نعم، لِيَتشَهَّدْ معه .
قال يحيى : قال مالكٌ: وهو الأمر عندَنا.
حدَّثَنَا عبدُ اللَّهِ، قال: حدَّثَنَا حمزةُ، قال: حدَّثَنا أحمدُ بنُ شعيبٍ ، قال: الاستذكار
حدَّثَنا سعيدُ بنُ عبدِ الرحمنِ ( أبو عبيدِ اللَّهِ المخزوميُ، قال: حدَّثَنا سفيانُ.
(٢)
فذكره(٢) .
وحجةُ أبى حنيفةً أيضًا، أن الذكرَ كلَّه فى الصلاةِ فيما عدا القراءةَ فى
الأُولبين سنةٌ واستحبابٌ عندَه، وعملَ البدنِ فيها فرضٌ ، فإذا قعَد مقدارَ التشهدِ
فيها فقد أتَى بالفرضِ فيها، وسجد للسهوِ لسقوطِ التشهدِ. وإخفاءُ التشهد
سنةٌ عندَ جميعِهم، والإعلانُ به جهلٌ وبدعةٌ .
وأما ما حكاه عن ابنٍ شهابٍ ونافعٍ فيمَن دخَل مع الإمامِ وقد سبقه بركعةٍ،
أنّهُ یتشهدُ معه فی الر کعتین والأربع، وإن كان ذلك له وِترًا" .
قال مالكٌ: وهو الأمرُ عندَنا، فلا أعلمُ فى ذلك خلافًا ، وكلُّ مَن حِفِظتُ
القبس
(١ - ١) فى ص، م: ((بن عبد)). وينظر تهذيب الكمال ٥٢٦/١٠.
(٢) النسائى (١٢٧٦).
(٣ - ٣) سقط من: ص. وبعده فى ص، م: ((الفريضة فيها وسجد للسهو لسقوط)).
(٤) الموطأ برواية أبى مصعب (٥٠٣). وأخرجه ابن أبى شيبة ٥٠٩/٢ من طريق مالك به.
٤٣٣
( موسوعة شروح الموطأ ٢٨/٤ )

الموطأ
الاستذكار قولَه لا يوجِبون عليه التشهدَ فى الوترِ خلفَ إِمامِه، وإن كانوا يَستحبونَ ذلك له ،
ويُوجبُ الجميعُ عليه التشهدَ فى آخِرِ صلاتِه فى الركعةِ التى يقضِيها أو فيما
يقضِى، على حَسَبٍ ما ذكّرنا مِن أصولهم فى إيجابٍ ذلك فرضًا وإمّا إيجابِه
سُنَّةً .
قال أبو عمرَ: هذا موضعُ ذكرِ السلامِ؛ لأنه لا بابَ له فى ((الموطأً))، ولا
أورَد فيه مالكٌ أثرًا مرفوعًا. وقد اختلف العلماءُ قديمًا وحديثًا فى كيفيةِ السلامِ
مِن الصلاةِ، هل هو واحدةٌ أو اثنتان ؟ واختلفت الآثارُ فى ذلك أيضًا ، واختلف
الفقهاءُ أئمةُ الفتوى ، هل السلامُ مِن فروض الصلاةِ أو مِن سننها ؟ ونحن نذ کرُ
هلهنا ما بلَغنا عنه فى ذلك مختصرًا مُوعَبًا بفضلِ اللَّهِ وعونِه لا شريكَ له .
قال مالكٌ وأصحابُه، والليثُ بنُ سعدٍ: يُسلمُ المصلِّى مِن صلاتِهِ نافلةً
كانت أو فريضةً تسليمةً واحدةً : السلامُ عليكم . ولا يقولُ: ورحمةُ اللهِ . قال
ابنُّ وهبٍ، عن مالكِ: يُسلمُ تلقاءَ وجهِه: السلامُ عليكم .
قال أشهبُ ، عن مالكٍ ، أنه سُئل عن تسليم المصلِّى وحدَه ، فقال: يسلمُ
واحدةً عن يمينه. فقيل: وعن يساره؟ فقال: ما كانوا يسلِّمون إلا
واحدةً. " قال: وإنما حدثت التسليمتانٍ فى ١) زمنٍ بنى هاشم. (٢ قال: وإن
مِن الناسِ مَن يَفعلُه١ُ). قال مالك: والمأمومُ يسلمُ تسليمةٌ واحدةٌ() عن يمينه
القبس
(١ - ١) فى ص: ((قالوا وأما حديث التسليمتين من)).
(٢ - ٢) سقط من: م. وتآكل فى الأصل .
(٣) سقط من: ص، م.
٤٣٤

الموطأ
الاستذكار
وأخرى عن يسارِهِ، ثم يردُّ على الإمامِ . وقال ابنُ القاسم، عن مالكٍ: مَن صلَّى
لنفسِه يُسلمُ عن يمينِه ويسارِهِ. قال: وأما الإمامُ فيسلمُ تسليمةً واحدةً تلقاءَ
وجهه ویتیامنُ بها قليلاً .
قال أبو عمرَ : تحصيلُ رواية ابن القاسم هذه عن مالك فى ذلك ، أن الإمامَ
يسلمُ واحدةً تلقاءَ وجهِه ويتيامنُ بها قليلًا، وأن المصلىَ لنفسِه يسلم اثنتين .
وفى غيرِ روايةِ ابنِ القاسم"، أن المأمومَ يسلمُ ثلاثًا إن كان عن يسارِه أحدٌ.
واختلف قولُه فى موضعٍ ردِّ المأمومِ على الإمامِ؛ فمرةً قال: ( يسلمُ عن
يمينه وعن يساره، ثم يردُّ على الإمامِ . ومرةً قال: يَردُّ على الإمامِ بعدَ أن يُسلمَ
عن يمينه، ثم يُسلمُ عن يسارِهِ. وقد روَى " أهلُ المدينةِ عن مالكِ وبعضٍ
المصريين، أن الإمامَ والمنفردَ سواءٌ؛ يُسلمُ كلُّ واحدٍ منهما تسليمةً واحدةً
تلقاءَ وجهِه ويتيامنُ بها قليلًا. ولم يختلفْ قولُ مالكِ أن المسبوقَ لا يقومُ إلى
القضاءِ حتى يَفرُعَ الإمامُ مِن التسليمتَين، إذا كان يُسلمُ تسليمتين . وأما الليثُ
ابنُّ سعدٍ فقال: أدركتُ الأئمةَ والناسُ يُسلِّمون تسليمةً واحدةً : السلامُ
عليكم. وكان الليثُ يبدأ بالردِّ على الإمامِ، ثم يسلمُ عن يمينه وعن يساره.
وقال الليثُ فى المسبوقِ ببعضِ الصلاةِ : لا أرى بأسًا أن يقومَ بعدَ التسليمةِ
الأولى .
قال أبو عمرَ: رُوى عن النبيِّ وَ لِّ أنه كان يُسلمُ تسليمةً واحدةً؛ مِن
القبس
(١ - ١) سقط من: ص.
٤٣٥

الموطأ
الاستذكار حديثٍ سعدِ بنِ أبى وقاصٍ، ومِن حديثٍ عائشةَ، ومِن حديث أنسٍ (١) ، إلا أنها
معلولةٌ لا يُصحِّحُها أهلُ العلم بالحديثِ؛ لأن حديثَ سعدٍ أخطَأُ فيه
الدراوردىُّ ؛ فرواه على غيرِ ما رواه الناسُ ؛ تسليمةٌ واحدةٌ . وغيرُه تَروِى فيه
تسليمتين . وهو حديثٌ رواه الدراوردىُّ عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ ، عن مصعبِ بنِ
ثابتٍ ، عن إسماعيلَ بنِ محمدِ بنِ سعدٍ ، عن عامٍ بن سعد بن أبى وقاصٍ، عن
أبيه٢)، أن رسولَ اللّهِ وَلّهِ كان يسلمُ فى الصلاةِ تسليمةٌ واحدةٌ ) . وهذا وهم
عندَهم وغلطٌ ، وإنما الحديثُ كما رواه ابنُ المباركِ وغيرُه، عن مصعبِ بنِ
ثابتٍ ، عن إسماعيلَ بنِ محمدِ بنِ سعدٍ، عن عامرِ بنِ سعدٍ، عن أبيه ، أن رسولَ
اللَّهِ ێ( كان يسلمُ عن يمينه وعن يساره" .
وقد ژُوی هذا الحديثُ عن سعدٍ مِن غیرٍ طريقِ مصعبِ بنِ ثابتٍ ، حدَّثَنا
عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، حدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثَنا جعفرُ بنُ محمدٍ
الصائغُ، قال(٥) : حدَّثَنا سليمانُ بنُ داودَ الهاشمىُّ، قال: حدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ
سعدٍ، قال: حدَّثَنَا عبدُ اللَّهِ بنُ جعفرِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ المِسْورِ بنِ مَخْرمةً
الزهرىُّ ، عن إسماعيلَ بنِ محمدِ بنِ سعد بن أبى وقاصٍ ، عن عامٍ بنِ سعدِ بنِ
أبى وقاصٍ، عن أبيه، أن رسولَ اللَّهِ وَلِ كان يسلمُ عن يمينِه وعن يساره :
القبس
(١) ينظر ما سيأتى ص٤٣٨، ٤٩٩، وما سيأتى فى شرح الحديث (٣٩٩) من الموطأ .
(٢ - ٢) سقط من: ص.
(٣) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٢٦٦/١ من طريق الدراوردى به .
(٤) سيأتي تخريجه الصفحة القادمة .
(٥) فى الأصل: ((و)).
٤٣٦

الموطأ
الاستذكار
(السلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ))(١) .
وحدَّثَنَا سعيدُ بنُّ نصرٍ، قال: حدَّثَنَا قاسمٌ ، قال: حدَّثَنا ابنُ وضَّاحِ، قال :
حدَّثَنا أبو بكرِ بنُ أبى شيبةَ، قال: حدَّثَنَا محمدُ بنُ بشْرٍ(١) العبدىُّ، قالَ: حدَّثَنَا
محمدُ بنُ عمرو ، عن مصعب بن ثابت ، عن إسماعيل بنِ محمدِ بنِ سعدِ بنِ أبی
وقاصٍ، عن عامٍ بنِ سعدِ بنِ أبى وقاصٍ، عن سعدٍ، قال: كان رسولُ اللَّهِ وَلِه
يسلمُ عن يمينه وعن يساره حتى يُرى بياضُ خدِّه (١) . وكلُّ هؤلاء قد اتَّفقوا على
خلافٍ لفظِ الدراوردىِّ فى هذا الحديثِ .
وذكَر الحسنُ بنُ علىِّ الحُلْوانِئُ، قال: حدَّثَنا يحيى بنُ آدمَ، قال: حدَّثَنَا
ابنُ المباركِ ، عن مصعبٍ بن ثابت ، عنإسماعيل بنِ محمدِ بنِ سعدٍ عن ١٢ عامٍ
ابنِ سعدٍ، عن أبيه، قال: رأيتُ رسولَ اللَّهِ بِ لِهِ يسلمُ عن يمينه وعن شماله،
کأنی أنظرُ إلى صفحة خدِه(٥) . فقال الزهرىُّ : ما سمعنا هذا مِن حديث رسولٍ
اللَّهِ وَِّ. فقال له إسماعيلُ بنُ محمدٍ: أكلَّ حديثٍ رسولِ اللَّهِ قد سمعتَه؟
قال : لا. قال: فنصفَه . قال: لا. قال : فاجعلْ هذا فى النصفِ الذى لم تَسمع .
وأما حديثُ عائشةً عن النبيِّ وَِّ، أنه كان يسلمُ تسليمةً واحدةً . فلم
القبس
(١) أخرجه النسائى (١٣١٥) من طريق سليمان به، وأخرجه أحمد ٨٠/٣ (١٤٨٤)، وعبد بن حميد
(١٤٤)، والدارمى (١٣٨٥)، ومسلم (٥٨٢)، والنسائى (١٣١٦) من طريق عبد الله بن جعفر به .
(٢) فى م: ((بشير)). وینظر تهذيب الكمال ٢٤/ ٥٢٠.
(٣) ابن أبى شيبة ١/ ٢٩٨. وأخرجه أحمد ١٣٣/٣ (١٥٦٤)، والطحاوى فى شرح المعانى ٢٦٧/١
من طريق محمد بن عمرو به .
(٤) فى ص، م: (( بن)).
(٥) أخرجه ابن خزيمة (٧٢٧، ١٧١٢)، والطحاوى فى شرح المعانى ٢٦٧/١، وابن حبان
(١٩٩٢) من طريق ابن المبارك به .
٤٣٧

الموطأ
الاستذكار يرفعه أحدٌ إلا زهيرُ بنُ محمدٍ وحدَه، عن هشام بن عروةً، عن أبيه، عن عائشةً،
عن النبيِّ وَ لِّـ رواه عنه عمرُو بنُ أبى سلمةً وغيرُهُ(١). وزهيرُ بنُ محمدٍ ضعيفٌ
عندَ الجمیعِ، کثیرُ الخطأُ لا يُحتُّ به .
وذكَر يحيى بنُّ معينٍ هذا الحديثَ ، فقال: عمرُو بنُّ أبى سلمةً، وزهيرُ بنُ
محمدٍ ضعيفان لا مَُّةَ فيهما . وأما حديثُ أنسٍ فلم يأتِ إلا مِن طريقٍ أيوبَ
السَّختيانيّ عن أنسٍ، ولم يسمع أيوبُ مِن أنسٍ عندَهم شيئًا(١) .
قال أبو عمرَ: قد رُوى مِن مرسلٍ الحسنِ، أن النبيَّ وَّل، وأبا بكرٍ،
وعمر کانوا یسلِّمون تسلیمةً واحدةً . ذكره و کیٹے ، عن الربيعِ، عن الحسنِ" .
(٤)
ورُوى عن عثمانَ، وعلىٍّ، وابنِ عمرَ، وابنٍ أبى أوفَى، وأنسٍ بنِ مالكِ،
وأبی وائلٍ شَقِيقٍ بن سلمةً ، ويحيى بنٍ وَثَّابٍ ، وعمر بنِ عبدِ العزيزِ ، والحسنِ،
وابنٍ سيرينَ ، وأبى العاليةِ ، وأبى رجاءِ المُطاردىِّ، وسويدِ بنِ غَفَلةً ، وقيسٍ بنِ
أبى حازمٍ، وابن أبى ليلى، وسعيدِ بنِ جبيرٍ، أنهم كانوا يسلِّمون تسليمةً
واحدة . وقد اختلف عن أکثرهم؛ فژوی عنهم التسليمتان، كما زُويت
القبس
(١) أخرجه الترمذى (٢٩٦)، وابن خزيمة (٧٢٩) من طريق عمرو بن أبى سلمة به ، وأخرجه ابن
ماجه (٩١٩) من طريق عبد الملك بن محمد عن زهير به .
(٢) سيأتى فى شرح الحديث (٣٩٩) من الموطأ .
(٣) تآكل فى الأصل، وفى ص، م: (الحسين)). والمثبت من مصدر التخريج.
(٤) تآكل فى الأصل، وفى ص: ((الحسين)).
والأثر أخرجه ابن أبى شيبة ٣٠٠/١ عن وكيع به .
(٥) ينظر عبد الرزاق ٢٢٢/٢، ٢٢٣، وابن أبى شيبة ٣٠١/١، والأوسط ٢٢٢/٣.
(٦) فى ص، م: ((عنهما)).
٤٣٨

الموطأ
الواحدةُ . والعملُ المشهورُ بالمدينةِ التسليمةُ الواحدةُ، وهو عملٌ قد توارَثه أهلُ الاستذكار
المدينةِ كابرًا عن كابرٍ، ومثلُه يصِحُ فيه الاحتجاج بالعمل فى كلِّ بلدٍ ؛ لأنه لا
يخفَى لوقوعِه فى كلّ يومٍ مرارًا. وكذلك العملُ بالكوفةِ وغيرِها مستفيضٌ
عندَهم بالتسليمتين، متوارَثٌ عندَهم أيضًا . وكلُّ ما جرّى هذا المجرى فهو
اختلافٌ فى المباح كالأذانِ ()؛ ولذلك لا يُروى عن عالم بالحجازِ ولا بالعراقِ
ولا بالشام ولا بمصرَ إنكار (٢التسليمة الواحدة ولا إنكار٢) التسلیمتین ، بل ذلك
عندَهم معروفٌ وإن كان اختيارُ بعضِهم فيه التسليمةَ الواحدةَ، وبعضِهم
التسليمتين على حَسَبٍ ما غلَب على البلدِ مِن عملٍ أهلِه ، إلا أن الأعمَّ والأكثرَ
بالمدينةِ التسليمةُ الواحدةُ، والأكثرَ والأشهرَ بالعراقِ التسليمتان : السلامُ
عليكم ورحمةُ اللهِ عن(٢) اليمينِ، السلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ عن(١) اليسارِ .
وقال الثورىُّ : إذا كنتَ إمامًا فسلِّمْ عن يمينك وعن يسارِك : السلامُ عليكم
ورحمةُ اللهِ . وإذا كنتَ غيرَ إمامٍ، فإذا سلَّم الإمامُ فسلِّمْ عن يمينك وعن
يسارِك، تنوِى به الإمامَ والملائكةَ ومَن معك مِن المسلمين. وقال الشافعىُّ :
نأمرُ كلَّ مصلٍ أن يسلمَ عن يمينِه وعن يساره ، إمامًا كان أو منفردًا أو مأمومًا ،
ويقولَ فى كلِّ واحدةٍ منهما: السلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ . وينوِىَ بالأولى مَن
عن يمينه، وبالثانية مَن عن يساره، وينوِىَ المأمومُ الإمامَ بالتسليمية التى إلى
القبس
(١) ليس فى: الأصل. وسيأتى فى شرح الحديث (٣٩٩) من الموطأ .
(٢ - ٢) سقط من: ص.
(٣) فى ص، م: ((على)).
(٤) سقط من: ص، م.
٤٣٩

الموطأ
الاستذكار ناحيته فى اليمين أو فى اليسارِ. قال: ولو لم ينوِ المصلَّى بسلامِه أحدًا ، ونوَّى
الخروج من الصلاةِ أجزأه، ولا شىءَ عليه. قال: ولو اقتصر على التسليميةٍ
الواحدةِ لم تكنْ عليه إعادةٌ .
وقال أبو حنيفةً وأصحابُه: يسلمُ الإمام والمأموم والمنفردُ تسلیمتين عن
يمينه ثم عن يساره ، يقولُ لكلِّ واحدةٍ منهما : السلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ .
وهو قولُ الثورىِّ، والأوزاعيّ، والشافعىِّ، والحسنِ بنِ صالحِ بنِ حىٍّ،
( وأحمدَ بن حنبل، وأبى ثورٍ، وأبى عبيدٍ، وداودَ، والطبرىِّ. إلا أن
أصحابَ الظاهرِ اختلفوا فى وجوبِهما)، هل تجبُ التسليمتانِ جميعًا ، أو
الواحدةُ منهما على ظاهرٍ قولِه: ((تحليلُها التسليم)) (١)؟ وقال الكوفيون؛ أبو
حنيفةً وأصحابُه، والثورىٌّ، وهو قولُ الأوزاعيّ : السلامُ ليس بفرضٍ. قالوا:
ويَخرجُ مِن الصلاةِ بما شاء مِن الكلامِ وغيرِهِ . وهو قولُ النخعىّ . وقال مالكٌ،
والليثُ ، والحسنُ بنُ صالحِ بنِ حىٍّ ، والشافعىُّ: السلامُ فرضٌ، وتركُه يُفسدُ
الصلاةَ. إلا أن الحسنَ بنَ حىٍّ أوجب التسليمتين معًا. وقال أبو جعفرٍ
الطحاوىُّ: لم نَجِدْ عندَ أحدٍ مِن أهلِ العلم الذين ذهبوا إلى التسليمتين أن
الثانیةً مِن فرائضِها غيرَه .
القبس
(١ - ١) سقط من: ص.
(٢) فى ص، م: ((وجوبها)).
(٣) تقدم تخريجه ص ١٧٧.
٤٤٠