Indexed OCR Text

Pages 381-400

واعَجَبًا لك يابنَ العاصِ ! لَئِنْ كنتَ تجِدُ ثيابًا أفْكُلُّ الناسِ يجِدُ ثيابًا؟! الموطأ
واللهِ لو فعلتُها لكانت سُنَّةً، بل أغسِلُ ما رأيتُ، وأنضَحُ ما لم أرَ (١).
قال یحیی : قال مالك فی رجل وجد فى ثوبه أثر احتلام ، ولا يدرى
متى كان ، ولا يذْكُرُ شيئًا رَآه فى منامِه، قال: لِيَعْتَسِلْ مِنْ أَحدَثِ نومٍ
نامَه ، فإن كان قد صلَّى بعدَ ذلك النوم ، فليُعِدْ ما كان صلَّى بعدَ ذلك
النوم ؛ من أجل أن الرجلَ ربما احتلَم ولا يَرَى شيئًا ، ويَرَى ولا يحتلِمُ،
فإذا وجَد فى ثوبِهِ ماءً ، فعليه الغسلُ ؛ وذلك أن عمر بن الخطابِ أعادما
كان صلَّى لآخِرِ نومٍ نامَه، ولم يُعِدْ ما كان قبلَه.
وأما قولُ عمرَ رضى اللهُ عنه: أغسِلُ ما أرى، وأنضَحُ ما لم أرَ. فالنَّضْحُ الاستذكار
هلهنا لا محالةَ الرشُّ؛ بدليل قولِه: أغسِلُ ما رأيتُ . فجعَل النضحَ غيرَ الغَسلِ،
وهو الظاهرُ فى النضحِ، وإن كان قد يُعبَّرُ فى مواضعَ بالنضحِ عن الغَسلِ، على
حسَبٍ ما يفهَمُّه السامعُ . ولا خلافَ بينَ العلماءِ أن النَّصْحَ فى حديثٍ عمرَ هذا
معناه الرشُّ، وهو عندَ أهلِ العلم طهارةُ ما شكَّ فيه، كأنهم جعلوه دفعًا
للوسوسةِ ، ندَب بعضُهم إلى ذلك، وأباه بعضُهم ، وقال: لا يزيدُه النَّضْحُ إلا
شرًّا . وفى روايةٍ أخرى: لا يزيدُه النضحُ إِلا ◌َذَرًا. والأصلُ فى الثوبِ الطهارةُ ،
وكذلك الأرضُ، وجسدُ المؤمن، حتى يصحَّ حلول النجاسةِ فی شیءٍ مِن
القبس
(١) الموطأ برواية أبى مصعب الزهرى (١٣٧). وأخرجه الشافعى فى الأم ٣٨/١، والطحاوى فى
شرح المعانى ٥٢/١ من طريق مالك به .
٣٨١

الموطأ
ذلك . فمَن استيقَن حلولَ المنىِّ فى ثوبِه غسَل موضعَه منه إذا اعتقَد نجاسته ،
الاستذ کار
کغسله سائر النجاسات ، علی ما قد بئّا ، وإن لم يعرفْ موضعه غسله كلَّه، فإن
شكَّ هل أصابَ ثوبَه شىءٌ منه أم لا؟ نضَحه بالماءِ، على ما وصَفنا ، وعلى هذا
مذاهِبُ الفقهاءِ ؛ لِما ذكرنا .
روی معمرٌ، عن الزهرىِّ، عن طلحةً بنِ عبدِ الله بنِ عوف ، عن أبى
هريرةَ ، أنه كان يقولُ فى الجنابةِ تصيبُ الثوبَ : إن رأيتَ أثْرَه فاغسِلْه، وإن
خفِى عليك فاغسِلِ الثوبَ كلَّه، وإن شككتَ فلم تَدْرِ أصابَ الثوبَ أم لا
(٢)
فانضَحْه(٢) .
وُوِی نحۇ ذلك عن ابن عمر، وسعیدِ بنِ المسئَّبِ ، وأنس بن مالك ، وابنِ
سيرينَ، والشعبىِّ، وجماعةٍ مِن التابعين(١).
وقال عيسى بنُ دینارٍ : مَن صلَّى بثوپٍ مشكوكٍ فی نجاسته، أعاد فى
الوقتِ . وقال ابنُ نافع: لا إعادةَ عليه . وهو الصوابُ ؛ لِما قدَّمنا فى كلِّ شيءٍ
طاهرٍ ، أنه على طهارتِه حتى يصِحَّ حلولُ النجاسةِ فيه .
وأما قولُ عمرَ: لقد ابتُليتُ بالاحتلامِ منذُ وُلِّيتُ أمرَ الناسِ. فذلك، واللهُ
أعلمُ ، لاشتغالِه بأمورِ المسلمين ليلًا ونهارًا عن النساءٍ.
وأما قولُه لعمرو بن العاصِ حينَ قال له: دَعْ ثوبَك يُغسَلُ. فقال: لو فعَلتُها
القبس
(١) فى ص، م: ((الرحمن)). وينظر تهذيب الكمال ٤٠٨/١٣.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٤٤١)، وابن أبى شيبة ٨٢/١، ٨٣، وابن المنذر (٧٢٩) من طريق معمر به.
(٣) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٤٤٣، ١٤٤٩)، وابن أبى شيبة ٨٣/١.
٣٨٢

الموطأ
لكانت سُنَّةً . فإنما قال ذلك لِعلمِه بمكانِه مِن قلوبِ المسلمين، ولاشتهارِ قولٍ الاستذكار
رسولِ اللهِ وَ ل﴿ه فيهم: ((عليكم بسُنَّتِى وسُنَّةِ الخلفاءِ الراشدِين مِن بعدى)) ".
وأنَّهم كانوا يَمْتِثِلون أفعالَهم، فخشِى التضييقَ على مَن ليس له إلا ثوبٌ واحدٌ ،
وكان رضِى اللهُ عنه يؤثِرُ التقلُّلَ مِن الدنيا والزهدَ فيها .
وفى إعادةِ عمرَ صلاتَه وحدَه دونَ الذين صلَّوا خلفَه دليلٌ على صحةٍ ما
ذهَب إليه الحجازيُّون؛ أنه لا يُعيدُ مَن صلَّى خلفَ الجُنُبِ وغيرِ المتوضئِّ إذا لم
یعلَموا حاله .
وأما اختلافُ العلماءِ فى القومِ يصلُّون خلفَ إمامٍ ناسٍ لجنابِتِه ؛ فقال مالكٌ
وأصحابُه ، والثورىٌّ، والأوزاعىُّ، والشافعىُّ وأصحابُه: لا إعادة عليهم . ورُوِى
ذلك عن عمرَ بنِ الخطابِ ، وعثمانَ بنِ عفانَ ، وعلىٍّ بنِ أبى طالبٍ ، رضِى اللهُ
عنهم، وعليه أكثرُ العلماءِ .
وحَسْبُك بحديثٍ عمرَ ، فإنه صلّى بجماعةٍ من الصحابةِ صلاة الصبح، ثم غَدا
إلى أرضِه بالجُوْفِ، فوجَد فى ثوبِهِ احتلامًا، فغسَله واغتسَل، وأعاد صلاتَه وحده،
ولم يأمرهم بإعادةِ الصلاةِ. وهذا فى جماعتهم من غيرِ نكيرٍ مِن واحدٍ منهم.
وقد رُوِى عنه أنه أفتى بذلك ، رَوى شعبةُ ، عن الحكم ، عن إبراهيمَ ، قال :
قال عمرُ فى جُنُبٍ صلَّى بقومٍ، قال : يُعيدُ ولا يُعيدون .
قال شعبةُ: وقال حمادٌ : أعجبُ إلىّ أن يُعيدوا(٢) .
القبس
(١) تقدم تخريجه ٢/ ٦٠.
(٢) تقدم تخريجه ص٣٦٦ .
٣٨٣

الموطأ
الاستذ کار
وقال أبو بكرِ بنُ أبى شيبةً(١): حدَّثنا أبو خالدٍ الأحمر، عن حجاجٍ، عن
أبى إسحاقَ، عن الحارثِ، عن علىَّ فى الجُنُّبِ يصلَّى بالقومِ، قال: يُعيدُ ولا
يُعیدون .
ورَوى أحمدُ بنُّ حنبلٍ، قال: حدَّثنا هشيمٌ، عن خالدِ بنِ سلمةً، قال :
أُخبرَنى محمدُ بنُ عمرو بنِ المُصْطَلِقِ، أن عثمانَ بنَ عفانَ صلَّى بالناسِ صلاةَ
الفجرِ، فلما أصبَح وارتفَع النهارُ، فإذا هو بأثَرِ الجنابةِ ، فقال: كَبُرَت واللهِ،
كَبْرَت واللهِ. فأعاد الصلاةَ، ولم يأمُّرْهم أن يُعيدوا(١).
ذكره أبو بكرِ الأُثرمُ، عن أحمدَ بنِ حنبلٍ. قال: وسمِعتُ أحمدَ يقولُ:
يُعيدُ ولا يُعیدون . قال: وسألتُ سليمانَ بنَ حربٍ عن ذلك، فقال: إذا صحّ لنا
عن عمرَ شىءٌ اتبعناه ولم نَعْدُهُ، نعم يُعيدُ ولا يُعيدون .
وذُكر عن الحسنِ، وإبراهيمَ، وسعيدِ بنِ جبيرٍ، مثلُهُ(١). وهو قولُ
إسحاق ، وأبی ثورٍ ، وداودَ .
إلا أن الأثرَ حكَى عن أحمدَ قال: إذا صلَّى إمامٌ بقومٍ وهو على غيرِ وضوءٍ،
ٹم ذكّر قبلَ أن يُتِمَّ ، فإنه يُعيدُ ويُعیدون ، ويبتدئون الصلاةَ ، فإن لم یذ کُز حتى
يَفرَغَ مِن صلاتِه، أعاد وحدَه ولم يُعيدوا. كأنه استعمَلَ حديثَ النبيِّ وَهـ
وحديث عمرَ .
القبس
(١) تقدم تخريجه ص٣٦٧ .
٣٨٤

الموطأ
وقال أبو حنيفةً: عليهم الإعادةُ؛ لأن صلاتَهم مرتبطةٌ بصلاةِ إمامِهم، الاستذكار
فإذا لم تكن له صلاةٌ لم تكنْ لهم. وهو قولُ الشعبىِّ وحمادِ بنِ أبی
سليمانَ .
ورُوِى عن علىّ مثلُه. ذكَرِه عبدُ الرزاقِ(١)، عن إبراهيم بنِ یزیدَ، عن
عمرو بنٍ دینارٍ ، عن أبى جعفرٍ محمدٍ بن على بن حسینٍ بن على ، عن علىٍّ
رضِى اللهُ عنه . وهو غير متصلٍ .
واختلف مالكٌ والشافعىُّ - والمسألةُ بحالِها - فى الإمامِ يتمادَى فى
صلاتِه، ذاكرًا لجنايته، أو ذاكرًا أنه على غيرٍ وضوءٍ، أو مبتدئًا صلاتَه
كذلك، وهو مع ذلك معروفٌ بالإسلامِ؛ فقال مالكٌ وأصحابُه: إذا علِم
الإمامُ بأنه على غيرِ طهارةٍ، وتمادَى فى صلاتِهِ، بطَلت صلاةُ مَن خلفَه؛
لأنه أفسدها عليهم. وقال الشافعىُّ : صلاةُ القومِ جائزةٌ تامةٌ، ولا إِعادةَ
عليهم، إذا لم يعلَموا حالَ إِمامِهم؛ لأنهم لم يُكلَّفوا علمَ ما غابَ عنهم،
وقد صلَّوا خلفَ رجلٍ مسلمٍ فى علمِهم. وهو قولُ أكثرِ القائلين بأن لا
إعادةَ على مَن صلَّى خلفَ إمامٍ جُنُبٍ ناسٍ لجنايته، وإليه ذهَب ابنُ نافعٍ
صاحب مالكِ .
ومِن محُبّتِهم؛ أنه لا فرقَ بينَ عمدٍ الإمامِ ونسيانِه؛ لأنهم لم يُكلَّفوا
القبس
(١) تقدم تخريجه ص٣٦٨.
٣٨٥
(موسوعة شروح الموطأ ٢٥/٣ )

الموطأ
الاستذكار علمَ الغيبِ فى حالِه، وإنما تَفسُدُ صلاتُهم إذا علموا بأن إمامَهم على غيرِ
طهارةٍ، فتمادَوا خلفَه، فيكونون حينئذٍ المفسدين على أنفسِهم، وأما هو
فغيرُ مفسدٍ عليهم (٢) بما لا يظهَرُ مِن حالِه إليهم، لكنَّ حالَه فى نفسِه
تختلِفُ ؛ فيأثمُ فى عمدِه إن تمادَى بهم، ولا إثمَ عليه إن لم يعلَمْ ذلك
وسَها عنه .
وأما قول مالك فیمَن رأی فی ثوپه احتلامًا ولا یدری متی کان ، ولا یذُرُ
شيئًا رآه فى منامِه، أنه يغتسِلُ ويعيدُ ما صلَّى مِن أُحدثٍ نومِ نامَه. قال:
وذلك أنه صلَّى بطهارةٍ مشكوكٍ فيها، ولا يُعِيدُ ما كان قبلَه. فهذا مِن قولٍ
مالكٍ يردُّ قولَ ... (١) يرون على مَن شكَّ فى حدثِه بعدَ أن أيقنَ بالوضوءِ
إعادةَ الوضوءِ. وخالَفه أكثرُ العلماءِ فى ذلك، فلم يرَوا للشكِّ عملًا، ولا
دفَعوا به اليقينَ فى الأصلِ. وكان ابنُ خُوازِبَندادَ يقولُ: قولُ مالكٍ فيمَن
شكَّ فى الحدثِ وهو على طهارةٍ: إن عليه الوضوءَ. استحبابٌ
واستحسانٌ. وكان عبدُ الملكِ بنُ حبيبٍ يقولُ: الوضوءُ عليه واجبٌّ .
ويقولُ فى هذه المسألةِ: يلزمُه أن يُعيدَ ما صلَّى مِن أولٍ نومٍ نامه فى ذلك
الثوبٍ إذا كان عليه، لا يلبسُ معه غيره.
القبس
(١) سقط من: ص، م.
(٢) تآكل فى الأصل، ولعل مكانها: ((من).
٣٨٦

غُسلُ المرأةِ إذا رأت فى المنامِ مثلَ ما يَرَى الرجلُ
الموطأ
١١٤ - حدّثنی یحیی ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن عروةَ بنِ
الزبيرِ، أَن أَمَّ سُلَيم قالت لرسولِ اللهِ وَلِّ: المرأةُ تَرَى فى المنامِ مثلَ ما
يَرَى الرجلُ، أتغتسلُ؟ فقال لها رسولُ اللهِ وَلَّهِ: ((نعم، فلْتغْتسِلْ)).
[١٩و] فقالت لها عائشةُ: أُفِّ لكِ! وهل تَرَى ذلك المرأةُ؟ فقال لها
رسولُ اللهِ وَله: «تَرِبَتْ يمينُكِ، ومن أينَ يكونُ الشَّبَهُ؟)).
مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ ، عن عروةَ بنِ الزبيرِ، أَنَّ أَمَّ سُلَيْم قالت لرسولِ التمهيد
اللهِ وَلِّ : المرأةُ ترَى فى المَنامِ مثلَ ما يَرَى الرجلُ، أَتَغْتَسِلُ؟ فقال لها رسولُ
اللهِ وَهِ: ((نعم، فَلْتَغْتَسِلْ)). فقالت لها عائشةُ: أَفِّ لَكِ، وهل ترَى ذلك
المرأةُ؟ فقال لها رسولُ اللهِ وَِّهِ: ((تَرِبَتْ يَمِينُكِ، ومِن أين يَكُونُ الشَّبَهُ؟))(١).
القبس
حديثٌ: رَوَت عائشةُ أن أَمَّ سُلَيمٍ(٢) قالت لرسولِ اللهِ وَله: هل على المرأةِ مِن
غُسْلٍ إِذا هى اخْتلَمَتْ؟ قال: ((نعم، إذا رأتِ الماءَ فَلْتَغْتَسِلْ)). فقالت لها عائشةُ :
أُفِّ لكِ، وهل ترى ذلك المرأةُ؟ فقال رسولُ اللَّهِ وَهِ: ((تَرِبَتْ يَمِينُك، ومِن أین
يكونُ الشَّبَهُ ».
ويُروَى: ((إن النساءَ شَقَائِقُ الرجالِ)) (١). يعنى أن الخلقةَ فيهم واحدةٌ ، والحُكم
عليهم بالشريعةِ سواءٍ .
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٨١)، وبرواية أبى مصعب الزهرى (١٣٩)، وأخرجه البيهقى
فى المعرفة (٢٦٣) من طريق مالك به .
(٢) فى ج: ((سلمة)).
(٣) سيأتى تخريجه ص٣٩٤، ٣٩٥.
٣٨٧

الموطأ
هكذا هذا الحديثُ فى ((الموطَّأُ)): عن عُروةَ، أَنَّ أُمَّ سليم . وقال فيه ابنُ
التمهيد
أبى أُوَيْسٍ: عن مالكِ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُروةً، عن أُمَّ سُلَيْمٍ. وكلُّ مَن روَى
هذا الحديثَ عن مالكٍ لم يَذْكُوْ فيه عنه (١) عائِشَةَ فيما عَلِمْتُه ، إلّ ابنَ أبی الوزيرِ
وعبدَ اللهِ بنَ نافع أيضًا، فإِنَّهما رَوَياه عن مالكِ، عن ◌ُروةَ، عن عائِشَةً.
القبس
وفى قول النبيِّ وَّه: ((ومِن أينَ يكونُ الشَّبَهُ؟)). دليلٌ على أن الولدَ مُخَلَّقٌ مِن
الماءَين؛ قال النبيُّ بَله: ((إذا سَبَق ماءُ الرجلِ ماءَ المرأةِ أَذْكَرا، وإذا سَبَق ماءُ المرأةِ
ماءَ الرجلِ آنَثَا)). ورُوِى: ((إذا سَبَق ماءُ الرجلِ ماءَ المرأةِ أو عَلا أَشْبَهَ الرجلُ أعمامَه،
وإذا سَبَق ماءُ المرأةِ ماءَ الرجلِ أو عَلا أشْبَهَ الرجلُ أخوالَه)).
وتعارَض(٢) الحديثان فى الظاهرِ، والجمعُ بينَهما بَيِّنٌّ، وذلك أن للماءين أربعةً
أحوالٍ؛ الأولُ: أن يخرجُ() ماءُ الرجلِ أولًا. الثانى: أن يخرجُ(٢) ماءُ المرأةٍ أولًا .
الثالثُ : أن يخرُجَ ماءُ الرجلِ أولًا ويكونَ أكثرَ. الرابعُ: أن يخرُجَ ماءُ المرأةِ أولًا
ويكونَ أكثرَ. وَيَتِمُّ التقسيمُ بأن يخرُجَ ماءُ الرجلِ أولاً، ثم يخرجَ ماءُ المرأةِ بعدَه(٤)
فيكونَ الآخرُ) أكثرَ، أو بالعكسِ مِن ذلك، ويُتركُّبُ على هذا الوجودُ الذى أشار
إليه النبيُّ نَّهِ بقوله: ((ومِنْ أَينَ يكونُ الشَّبَهُ؟)). فإذا خرَج ماءُ الرجلِ أولًا وعَلا
وكان أكثرَ، كان(١) الولدُ ذكرًا بِحُكْمِ السَّبْقِ، وأَشْبَهَ الولدُ أعمامَه بحُكْمِ الغَلَبةِ
(١) فى م: ((عن)).
(٢) فى د، ج: ((تعارضت)).
(٣) فی د: ((یکون)».
(٤) فى م: ((أولا)).
(٥) سقط من : ج، م.
(٦) فى ج، م: ((جاء)).
٣٨٨

الموطأ
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا التمهيد
محمدُ بنُ عُبِيْدٍ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثَنَا المُقَدَّمِىُّ(١)،
قال: حدَّثنا ابنُ أبى الوزيرِ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن الزهرىِّ، عن عروةً، عن
عائشةَ، أنَّ أَمَّ سُليم قالت: يا رسولَ اللهِ، المرأةُ ترَى فى المنامُ ما يَرَى
الرجلُ . وذكر الحديثَ(٢) .
وأخبرنا خَلَفُ بنُ القاسمِ وعلىُّ بنُ إبراهيمَ، قالاً: حدَّثنا الحسنُ بنُ
رشيقٍ، قال: حدَّثنا العباسُ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ صالحٍ، قال :
قرَأْتُ على عبدِ اللهِ بنِ نافعٍ، عن مالكِ، عن ابنِ شِهابٍ ، عن عروةَ بنِ الزبيرِ ،
والكثرةِ ، وإن خرَج ماءُ المرأةِ أولًا وكان أكثرَ مِن ماءِ الرجل وأعلى"، جاء الولدُ القبس
أنثى بحُكْم سَبْقِ ماءِ المرأةِ ، وأَشْبَهَ الولدُ أخوالَه بحُكْم الغَلَبةِ والكثرةِ، وإِن خرَج ماء
الرجلِ أولًا ، لكن لمَّا خرَج ماءُ المرأةِ بعدَه كان أكثرَ وأعلى، كان الولدُ ذكرًا بِحُكْم
السَّبْقِ، وأَشْبَهَ أخوالَه بحُكْم غَبةِ ماءِ المرأةِ وكثرتِه، وإن سبق ماءُ المرأةِ ، لكن لما
خرَج ماءُ الرجلِ كان أعلى مِن ماءِ المرأةِ وأكثرَ كان الولدُ أنثى بحُكْم سَبْقِ ماءِ المرأةِ،
وأشْبَةً أعمامه بحكمٍ غَلَبةِ ماءِ الرجلِ و کثرتِه .
وبانتظامِ هذه الأقسامِ يَسْتَتِبُّ الكلامُ ويرتفعُ التعارضُ عن الأحاديثِ .
(١) فى الأصل: ((المقدسى)). وینظر تهذيب الكمال ٢٤/ ٥٣٤.
(٢) بعده فى الأصل: ((مثل)).
(٣) ذكره أبو داود عقب حديث (٢٣٧)، والدارقطنى فى العلل (٥/ ق ٣٠ - مخطوط)،
والبيهقى ١٦٨/١، وفى المعرفة ٢٦٥/١ عن ابن أبى الوزير به.
(٤ - ٤) فى ج، م: ((أو علا)).
٣٨٩

الموطأ
التمهيد عن عائشةَ، أنَّ أَمَّ سُلَيْم قالت لرسولِ اللهِ وَِّ: المرأةُ تَرَى فى المَنامِ ما يَرَى
الرجلُ، أَتَغْتَسِلُ؟ فقال لها: ((نعم، فلْتَغْتسِلْ)). وذكر الحديثَ(١).
وقال الدَّارَ قُطْفِئُ(١) : تابَع ابنَ أبى الوزيرِ على إسنادِ هذا الحديثِ عن مالك،
محُبابُ بنُّ جَبلَةً ، وعبدُ الملكِ بنُ عبدِ العَزِيزِ الماجِشُونُ، ومَعْنُ بنُ عيسَى ،
فيما ذكره ابنُ رِشْدِينَ فى ((غَرائِبٍ حديثٍ مالكٍ))، عن عبدِ الرحمنِ بنِ يعقوبَ
ابنِ أبِى عِبَادٍ، عن مَعْنٍ. ولم يَذْكُرِ الدّارَقطنىُّ ابنَ نافعِ" .
وروايةُ عبدِ الأَعْلَى الشَّامىٌّ لهذا الحديثِ عن مَعمَّرٍ كروايَةِ یحیی،
وُجُمْهُورُ رُواةِ ((الموطّاً))(١) عن مالك، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُروةَ، لم يَذْكُروا
عائشةً .
ورَواه عبدُ الرزاقِ (١)، عن مَعْمَرٍ، عن الزهرىِّ، عن عائشةَ. ولم يَذْكُرْ
عروةَ .
القبس
(١) ذكره الدارقطنى فى العلل (٥ / ق ٣٠ - مخطوط ) عن عبد الله بن نافع به.
(٢) العلل (٥ / ق ٣٠ - مخطوط ).
(٣) لم يذكر الدارقطنى عبد الملك بن عبد العزيز، وذكر أن رواية معن كرواية أصحاب الموطأ ليس
فيها ذكر عائشة .
(٤) تقدم أن الدارقطنى ذكر رواية ابن نافع فى العلل (٥/ق ٣٠ - مخطوط ).
(٥) فى م: ((الشامى)). وينظر تهذيب الكمال ٣٥٩/١٦.
(٦) بعده فى د، م: ((له)).
(٧) عبد الرزاق (١٠٩٢).
٣٩٠

الموطأ
ورَواه يونسشُ(١)، وعُقَيْلٌ(٢)، وصالحُ بنُ أبى الأخضرِ(٣)، والزَّيَتْدِىُّ(٤) ، التمهيد
وابنُ أخِى الزهرىِّ(٢)، كلُّهم عن ابنِ شِهابٍ، عن عُروةَ، عن عائِشَةَ.
والحديثُ عندَ أهلِ العلمِ بالحديثِ صحيح لابنِ شهابٍ، عن عُروةً، عن
عائشةً .
قال أبو داودَ (١) : وقد تابَع ابنَ شِهابٍ على قولِه: عن عُروةَ، عن عائشةَ -
مُسافِعٌ الحجَبِىُّ، فرَواه أيضًا عن عُروةَ، عن عائِشَةَ (٦).
قال أبو عمرَ: كذلك رواه مُسافِعَ الحجَبِىُّ: عن ◌ُروةَ، عن عائشةً.
إِلَّ أَنَّه خالَف فى لَفْظِه، وقال فيه: إِنَّ رسولَ اللهِ وَه قال: ((إذا علا ماءُ المرأةِ
ماءَ الرجلِ أَشْبَه الولدُ(١) أَخْوالَه، وإذا علا ماءُ الرجلِ أَشْبَهَه ولَدُهِ)). وهذا اللَّفظُ
فى حديثٍ ثَوْبانَ، عن النبيِّ نَِّ فِى: ((علا ماءُ الرَّجُلِ)). و((علا ماءُ المرأةِ)).
إِلَّ أنَّ المعنَى المذكورَ فيما يُوجِبُ الشَّبَهَ مُخالِفٌ لِما فى هذه الأحاديثِ .
القبس
(١) أخرجه أبو داود (٢٣٧)، وأبو عوانة (٨٤٠)، وابن حبان (١١٦٦) من طريق يونس به.
(٢) أخرجه الدارمى (٧٩٠)، ومسلم (٣١٤) من طريق عقيل به.
(٣) ذكره الدارقطنى فى العلل (٥/ق ٣٠ - مخطوط ) .
(٤) أخرجه النسائى (١٩٦)، وأبو عوانة (٨٣٩) من طريق الزبيدى به.
(٥) أبو داود عقب حديث (٢٣٧).
(٦) أخرجه أحمد ١٥٦/٤١ (٢٤٦١٠)، ومسلم (٣٣/٣١٤)، وأبو يعلى (٤٣٩٥)، من طريق
مسافع به .
(٧ - ٧) فى م: ((كذا روى)).
(٨) سقط من: ق، م.
٣٩١

الموطأ
التمهید
وحديثُ ثَوْبانَ رَواه مُعاويةُ بنُ سَلَّامِ، عن أخيه زيدِ بنِ سَلَّامِ، أَنَّه سمِع أبا
:
سَلَّامِ الحَبَشِىَّ يقولُ: حدَّثنى أبو أسماءَ الرَّحَيِىُّ، أَنَّ ثَوبانَ مولَى النبيِّ عليه
السلامُ حدَّثَه، أنَّ حَبْرًا من أخبارٍ يَهُودَ قال لرسولِ اللهِ وَليهِ: أسألُكَ عن الوَلَدِ .
فقال رسولُ اللهِ وَلَهِ: ((ماءُ الرجلِ أَنْيَضُ، وماءُ المرأةِ أصفَرُ، فإذا اجتمعا فعلا
مَنِيُّ الرجلِ مَنِىٌّ المرأةِ أَذْكَرًا بِإِذْنِ اللهِ ، وإذا علا مَنِىُّ المرأةِ مَنِىَّ الرجلِ آنَتا بإذنِ
اللهِ)). فقالُ اليَهُودِىُّ: صدَقْتَ. ثم انْصَرَفَ فذهَب. وذكَر تَمامَ
الحديثِ(٢).
وقد رُوِیَ فى حديثٍ أَمِّ سلَمةَ مراعاةُ سَبْقِ المَنِىِّ لا ◌ُراعاةُ عُلُوه ، فى معنَی
الشَّبَهِ لا الإذكار ولا الإیناثِ .
ذكر ابنُ وهب، قال : أخبرنى ابنُ أبی ذِئبٍ، عن سعيد بن أبى سعيد
المَقْبُرِىِّ، عن عبدِ اللهِ بنِ رافِعٍ مولَى أمّ سَلَمةَ، عن أُمَّ سلَمَةَ، أنَّ أَمَّ سُلَيْمِ امرأةً أبى
طلحةَ قالت: يا رسولَ اللهِ، هل على المرأةِ تَرَى زَوْجَها فى المَنامِ يقَعُ
عليها غُسْلٌ؟ فقال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((نعم(٣) إذا رأَت بَلًا)). فقالت أُمُّ سَلَمةً:
يا رسولَ اللهِ، وَتَفْعَلُ ذلك المرأةُ؟ فقال: «تَرِبَ جَبِینُكِ، وأَنَّی(٤) یکونُ شَبَهُ
القبس
(١) بعده فى الأصل: ((له)).
(٢) أخرجه مسلم (٣١٥)، والنسائى فى الكبرى (٩٠٧٣)، وابن خزيمة (٢٣٢)، وابن حبان
(٧٤٢٢) من طريق معاوية بن سلام به.
(٣) سقط من: ق، م.
(٤) فى الأصل: ((أين)).
٣٩٢

الموطأ
التمهید
الخُئُولةٍ إِلَّ من ذلك؟ أَىُّ النَّطفتَين سبق إلى الرَّحِمِ غَلَب على الشَّبَهِ)) (١).
وكذلك رواه أبو معاويةً، عن هشامِ بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن زينبَ بنتِ أُمّ
سلَمَةَ، عن أُمَّ سَلَمَةَ. فذكَر فيه سَبْقَ النَّطفةِ، إِلَّ أَنَّه قال فيه: (٢ قالت أُمُّ سَلَمَةً،
وغَطَّتْ وجْهَها: أوَ تَحتَلِمُ(٢) المرأةُ؟ فقال لها رسولُ اللهِ وَ(٢): ((تَرِبَتْ
يَدَاكِ، فيِمَ يُشْبِهُها ولَدُها؟))(٤).
قال أبو عمرَ: الإسنادُ فى ذِكْرِ سَبْقِ النُّطْفَةِ أَثْبَتُ، واللهُ أعلمُ بما قال
رسولُ اللهِ وَهِ.
قال أبو عمر : وأمَّا هشامُ بنُ ◌ُروةَ ، فرواه عن أبيه(١) ، عن زينب بنتِ أبی
سلَمةَ، عن أُمّ سلَمَةَ ، أَنَّ أَمَّ سُلَيْم سألَتْ رسولَ اللهِ وَرِـ بمَعْناه من حديثٍ
مالك وغيره، عن هشام(٦) . قالَ محمدُ بنُ یحیی: وهما حدِیثان عندنا .
قال أبو عمر : أكثر ژواة هذا الحديثِ عن ابن شهابٍ يقولون فيه: (( نعم،
إذا وجَدتِ الماءَ)). وكذلك فى حديثٍ أُمَّ سَلَمَةً وأنسٍ فى قصَّةٍ أُمَّ سُلَيْمٍ هذه .
القبس
(١) أخرجه الطحاوى فى شرح المشكل (٢٦٦٢) من طريق ابن وهب به .
(٢ - ٢) سقط من: ق .
(٣) فى م: ((تفعله)) .
(٤) أخرجه البخارى (١٣٠)، ومسلم (٣١٣) من طريق أبى معاوية به.
(٥) فى ق: ((أمه)).
(٦) سيأتى فى الموطأ (١١٥).
٣٩٣

الموطأ
التمهيد وكذلك رَوَته خَوْلَةُ بنتُ حَكِيمٍ عن النبيِّ وَّ(١).
وفى إجماع العلماءِ على أنَّ المُخْتَلِمَ، رجُلًا كان أو امرأةً، إذا لم يُْزِلْ ولم
يَجِدْ بَلَلًا ولا أَثَرًا للإنزالِ، أَنَّه لا غُسْلَ عليه وإن رأَى الوَطْءَ والجِماعَ الصحيحَ
فى نَوْمِه، وأَنَّه إذا أُنْزَلَ فعليه الغُسْلُ ، امرأةً كان أو رجُلًا ، وأنَّ الغُسْلَ لا يجبُ فى
الاحتلامِ إلَّ بالإنزال - ما يُغْنِى عن كلِّ تَأْوِيلٍ وَتَفْسِيرٍ. وبالله التوفيقُ.
وقد رُوِى من أخبارِ الآحادِ ما يُوافِقُ الإجماعَ وَيَرْفَعُ الإِشْكالَ .
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو
داودَ ، قال: حدَّثْنَا قُتِبَةُ بنُّ سعيدٍ، قال: حدَّثنا حمَّادُ بنُّ خالدِ الخَيَاطُ (٢) ، قال:
حدَّثنا عبدُ اللهِ العُمَرِىُّ، عن عُبَيْدِ اللهِ، عن القاسمِ، عن عائشةَ قالت : سُئِلَ
رسولُ اللهِ وَّله عن الرجل يجِدُ الْبَلَلَ ولا يَذْكُرُ اخْتِلامًا، قال: ((يَغْتَسِلُ)). وعنِ
الرجلِ يرَى أنه (١) قد اخْتَلَمَ ولا يَجِدُ الْبَلَلَ، قال: ((لا ("غُسْلَ عليه)). فقالت أَمْ
سُلَيْم: المرأةُ تَرَى ذلك، أعلَيها الفُسْلُ؟ قال: ((نعم، إنَّما النساءُ شَقائِقُ
الرِّجالِ ))(٥).
القبس
(١) أخرجه أحمد ٢٩١/٤٥ (٢٧٣١٢)، والدارمى (٧٨٩)، والنسائى (١٩٨)، وابن ماجه
(٦٠٢) من حديث خولة بنت حكيم.
(٢) فى الأصل ((الحناط)). وينظر تهذيب الكمال ٢٣٣/٧.
(٣) سقط من: م.
(٤ - ٤) فى م: ((يغتسل)).
(٥) أخرجه البيهقى ١٦٨/١ من طريق محمد بن بكر به، وهو فى سنن أبى داود (٢٣٦) ، وأخرجه
أحمد ٢٦٤/٤٣ (٢٦١٩٥)، والترمذى (١١٣)، وابن ماجه (٦١٢) من طريق حماد بن =
٣٩٤

الموطأ
وحدَّثنا سعيدُ بنُ نَصرٍ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُّ التمهيد
وضَّاح، قال: حدّثنا أبو بكرٍ ، قال: حدّثنا یزیدُ بنُ هارونَ، عن سعیدِ بنِ أُبی
مَ سُلَيْم سألت رسولَ اللهِ وَلِّ عن المرأةِ
عَرُوبَةَ، عن قتادةَ، عن أنسٍ ، أَنَّ أُمّ
ترَى فى مَنامِها ما يرَى الرجلُ، فقال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((إذا رأت ذلك
فَأَنْزَلت فعليها الغُسْلُ)). فقالت أُمُّ سَلَمَةَ: كيفَ هذا يا رسولَ اللهِ؟ قال:
((نعم، ماءُ الرجلِ غَلِيظٌ أبيضُ، وماءُ المرأةِ رَقيقٌ أَصْفَرُ، فَأَتَّهُما سبق -
أو(١) علا - أشْبَهَ الوَلَدَ))(٢).
وفى هذا الحديثِ بَيَانُ ما كان عليه نِساءُ ذلك الزَّمانِ من الاهتبالِ(١) بأمرٍ
دينهنَّ(٢)، والسُّؤَالِ عنه، وهذا يَلْزَمُ كلَّ مؤمنٍ ومؤمنةٍ إذا جهِل شيئًا من دِينِه أن
يَسْألَ عنه. قال رسولُ اللهِ وَلّهِ: ((شِفاءُ العِىِّ الشَّؤَالُ))(٥). وقالت عائشةُ:
القبس
= خالد به. وعند الترمذى: ((أم سلمة)) بدلًا من: «أم سليم)).
(١) فى النسخ ((و)). والمثبت من مصادر التخريج.
(٢) ابن أبى شيبة ٨٠/١، وأخرجه أحمد ٢٥٣/١٩ (١٢٢٢٢)، وأبو عوانة (٨٢٩)، والبيهقى ١٦٩/١
من طريق يزيد بن هارون به. وأخرجه أحمد ٢٥٣/١٩ (١٢٢٢٢)، والنسائى (١٩٥)، وابن ماجه
(٦٠١) من طريق سعيد به .
(٣) فى م: ((الاهتمام)). اهتبل الشىء: أى تحينه واغتنمه من الهُبالة: الغنيمة. ينظر النهاية
٢٣٩/٥.
(٤) فى م: ((دينهم)).
(٥) أخرجه أحمد ١٧٣/٥ (٣٠٥٦)، والدارمى (٧٧٩)، وأبو داود (٣٣٧)، وابن ماجه (٥٧٢)
من حديث ابن عباس، وأخرجه أبو داود (٣٣٦) من حديث جابر.
٣٩٥

الموطأ
التمهيد رَحِمَ اللهُ نِساءَ الأَنْصارِ، لم يَمنَعْهنَّ الحياءُ أن يَسألْن عن أمْرِ دِينِهِنَّ(١).
وأمُّ سُلَيْم من فاضِلاتِ نِساءِ الأَنْصارِ، وقد ذكرناها فى كتابنا فى
((الصحابةِ))(٢)، فأغْنَى عن ذِكْرِها هلهنا .
وكلُّ امرأةٍ عليها فْضًا أن تَسْألَ عن حكم خَيضَتِها وغُسْلِها ووُضُوئِها وما لا
غِناءَ بها عنه من أمْرِ دِينِها، وهى والرجلُ فيما يَلْزَمُهما من فرائِضِهما سَواءٌ.
وفيه أيضًا دليلٌ على أن ليس كلُّ النساءِ يَحْتَلِمْنَ؛ ولهذا ما أنكرت عائشةٌ
وأمّ سَلَمَةً(٢) سُؤَالَ أَمَّ سُلَيْمٍ، وقد يوجَدُ عدَمُ الاحتلامِ فى بعضِ الرّجالِ، إِلَّ أنَّ
ذلك فى النساءِ أَوجَدُ وأكثرُ منه فى الرِّجالِ . وقد قيل: إنَّ إنكارَ عائشةً لذلك
إِنَّما كان لصِغَرِ بِنِّها وكونِها مع زَوْجِها (٤) ، فلذلك لم تَعْرِفْ الاحتلامَ ؛ لأنَّ
الاحتلامَ لا تَعْرِفُه النِّساءُ ولا أكثرُ الرِّجالِ إلَّا عندَ عَدَمِ الجماعِ بعدَ المَعْرِفَةِ به،
فإذا فقَد النساءُ أَزْ واجَهنَّ رُبَّما اخْتَلَمْنَ. والوَجْهُ الأوَّلُ عندِى أصحُ؛ لأَنَّ أَمَّ سَلَمَةَ
قد فقَّدَتْ زَوْجَها وكانت كبيرةً عالمةً بذلك ، فأنكرت منه ما أنكرت عائشةُ ،
على ما مَضَى فى حديثٍ قتادةَ، عن أنسٍٍ، فى هذا البابٍ ١ ، وإذا كان فى
القبس
(١) أخرجه أحمد ٧٢/٤٢ (٢٥١٤٥)، ومسلم (٦١/٣٣٢)، وأبو داود (٣١٦)، وابن ماجه
(٦٤٢) .
(٢) ينظر الاستيعاب ٤ / ١٩٤٠.
(٣) فى الأصل: ((سليم).
(٤) فى الأصل: ((النبى ◌َِرَ)).
(٥) تقدم فى الصفحة السابقة .
٣٩٦
,٠

الموطأ
التمهيد
الرِّجالِ من لا يَحْتَلِمُ فالنِّساءُ أُخْرَى بذلك. واللهُ أعلمُ .
وفيه جوازُ الإنكارِ والدُّعاءِ بالسُّوءِ على المُعْتَرِضِ فيما لا عِلْمَ له به . وفيه أنَّ
الشَّبَهَ فى بَنِى آدَمَ إِنَّما يكونُ من غَلَبةِ الماءِ وسَبْقِهِ ونُزُولِه ، واللهُ أعلمُ . ومِن هلهنا
قالوا : إِذا غلَب ماءُ المرأةِ أشْبَهَ الغلامُ(١) أخْوالَه وَأُمَّه، وإِنْ غَلَب ماءُ الرَّجُلِ أَشْبَهَ
الوَلَدُ أباه أو (٢) أعمامَه وأجدادَه.
وأمَّا قولُهُ(٣) فى الحديثِ: أُفِّ لَكِ. فقال أبو عُبَيْدَةَ(٤): تُجُ وتُرفعُ وتُنصبُ
بغيرِ تَنَّوِينٍ، وهو ما غَلُظَ من الكلامِ وقَبَحَ. وقال غيرُه: يجوزُ صَرفُها وتَركُ
صَرْفِها، ومَعْناها أن تقالَ جَوابًا لِما يُستَثقَلُ من الكلام وُضْجَرُ منه. قال: والأَفُّ
والتُّفُّ بمعنَّى واحدٍ. وقال غيرُه: الأُفُّ وسَخُ الأُذُنِ(٥) ، والتّفُ وسَخُ الأظفارِ.
وأمَّا قولُه: ((تَرِبَتْ يَمِينُكِ)). ففيه قَوْلانٍ؛ أحدُهما، أن يكونَ أراد :
اسْتَغْنَتْ يَمِينُكِ. كأنَّه يُعرِّضُ لها بالجَهْلِ بما أَنْكَرَتْ ، وأنَّها كانت تَحتاجُ أن
تَسألَ عن ذلك، وكأنَّه خاطَبَها بالضِّدِّ تَنْبِيهًا، كما تقولُ لمن كَفَّ عن السّؤالِ
عَمَّا لا يَعْلَمُ: أمَّا أنتَ فاسْتَغْنَيَتَ عن أن تَسألَ. أى: لو أنصَفتَ نفسَكَ
ونصَحتَها لسألتَ. وقال غيره: هو كما يقالُ للشاعِرِ إذا أجادَ: قاتَلَه اللهُ
القبس
(١) فى م: ((الرجل)).
(٢) فى الأصل، م: ((و)).
(٣) كذا فى النسخ، وهو فى الحديث من قول عائشة.
(٤) مجاز القرآن ٣٧٤/١.
(٥) فى الأصل: ((الأذنين)).
٣٩٧

الموطأ
التمهيد وأُخْزاه، لقد أجادَ. ومنه قولُه: ((ويِلُ امِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ))(١). فقال: (٢(( وَيْلُ
امّه))). وهو يريدُ مَدْحَه، وهذا كلُّه عندَ من قال هذا القولَ فِرارًا من الدعاءِ على
عائشةَ، وأنَّ(٢) ذلك عندَه غيرُ مُمكنٍ من النبيِّ لها) . وأنكر أكثرُ أهلِ العلم
باللغةِ والمعانِى أن تكونَ هذه اللَّفظةُ بمَعنَى الاستغناءِ، وقالوا: لو كان بمَعْنَى
الاستغناءِ لكان(٥) : أَتْرِبَت يَمِيئُكِ؛ لأنَّ الفعلَ منه رُباعِىٌّ، تقولُ: أَتْرَبَ الرجلُ،
إذا استَغْنَى، وتَرِبَ، إذا اقْتَقَرَ. وقالوا: معنَى هذا: اقْتَقَرَتْ يَمِينُكِ من العِلمِ
(٦)
بما سألَتْ عنه أُمُّ سُلَيْمٍ . ونحوُ هذا .
قال أبو عمرَ: أمَّا: ((تَرِبَتْ یَمِینُكِ )) . فمن دعاءِ العربِ بعضِهم على بعضٍ
مَعْلُومٌ؛ مثلَ: قاتَلَه اللهُ، وهَوَتْ أُمّه، وَتَكِلَتْكَ أُمُّكَ، وعَقْرَى حَلْقَى (١، ونحوَ
(٨)
ذلك(٨).
القبس
(١) ويلُ امَّه، بضم اللام ووصل الهمزة وكسر الميم المشددة: كلمة ذم تقولها العرب فى المدح ولا
يقصدون معنى ما فيها من الذم. ومِشعَرَ حرب بكسر الميم وسكون المهملة وفتح العين وبالنصب على
التمييز: أى يسعرها، كأنه يصفه بالإقدام فى الحرب والتسعير لنارها. ينظر فتح البارى ٥/ ٣٥٠.
وهو جزء من حديث طويل أخرجه عبد الرزاق (٩٧٢٠)، وأحمد ٢٤٣/٣١ (١٨٩٢٨)،
والبخارى (٢٧٣٢،٢٧٣١)، وأبو داود (٢٧٦٥)، من حديث مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة.
(٢ - ٢) سقط من: م.
(٣) فى الأصل: ((كان)).
(٤) سقط من: م.
(٥) فى م: ((لكانت)).
(٦) فى الأصل: ((الفهم)).
(٧) أى : عقرها الله وأصابها بعقر جسدها، وحَلَقَها ، يعنى أصابها وجع فى حلقها خاصة . ينظر
النهاية ٤٢٨/١، ٢٧٢/٣.
٣٩٨

١١٥ - وحدَّثنى يحيى، عن مالكِ، عن هشامِ بنِ عروةَ، الموطأ
عن أبيه، عن زينبَ بنتِ أبى سلمةً، عن أمّ سلمةً زوج النبيِّ
وَلَّهِ، أنها قالت: جاءت أمُّ سُلَيم امرأةُ أبى طلحةَ الأنصارىِّ
إلى رسولِ اللهِ وَ لّ فقالت: يا رسولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ لا يَستخْيِى
من الحقِّ، هل على المرأةِ من غُسلِ إِذا هى احتلّمتْ؟ فقال:
((نعم، إِذا رأتِ الماءَ)).
وأمّا الشبهُ ففيه لُغَتانِ؛ إحداهما(١)، كسرُ الشِّينِ وتَسكينُ الباءِ . والثانيةُ ، التمهيد
فتحُ الشِّينِ والماءِ جميعًا، مثلَ المِثْلِ والمَثّلِ، والقِتْبِ والقَتَبِ .
مالكٌ، عن هشام بن عروةَ، عن أبيه، عن زينبَ بنتِ أبى سلمةً(١) ، عن أمّ
سلمةً ، أنها قالت : جاءت أم سليم امرأةٌ أبى طلحةَ الأنصارىِّ إلى رسولِ اللهِ
{َّ ◌ِ ﴿ فقالت: يا رسولَ اللهِ، إن اللهَ لا يَشْتَخبى من الحقِّ، هل على المرأةِ من
غُسلِ إذا هى احتلَمتْ؟ قال: ((نعم، إذا رأتِ الماءَ))(١).
هكذا رُوى هذا الحديثُ : مالكٌ، عن هشام بن عروةَ، عن أبيه ، عن زينبَ
القبس
(٨) فى الأصل: ((هذا)).
(١) فى ق: ((أحدهما)).
(٢) قال أبو عمر: ((عروة عن زينب بنت أبى سلمة حديثان ذكر الحسن بن على الحلوانى، قال:
حدثنا عارم، قال: حدثنا معتمر عن أبيه، قال: حدثنا بكر، قال: أخبرنى أبو رافع قال: كنت إذا
ذكرت امرأة بالمدينة فقيهة ذكرت زينب بنت أبى سلمة)). وينظر تهذيب الكمال ١٨٥/٣٥.
(٣) الموطأ برواية أبى مصعب الزهرى (١٤٠). وأخرجه الشافعى ٣٧/١، والبخارى (٢٨٢،
٦١٢١)، وابن خزيمة (٢٣٥)، وابن حبان (١١٦٧) من طريق مالك به.
٣٩٩

الموطأ
التمهيد بنتٍ أبى سلمةً، عن أم سلمةَ. عندَ جماعةِ رُواةِ ((الموطأً)) إلا القَعْنَبِيَّ، فإنه
أرسَله عن مالكِ، عن هشام، عن أبيه (١) . وأمّا ابنُ شهابٍ فرواه عن عروةَ، فمرَّةً
أرسله، ومؤّةً جعله عن عروة، عن عائشةً. وقد ذكرنا ذلك كلّه فی باپ ابنِ
شهابٍ ، عن عروةً، من هذا الكتاب(٢).
وفى هذا الحديثِ دليلٌ واضحٌ على أنَّ النساءَ يَحتَلِمِنَ ويُنْزِلِنَ الماءَ، وذلك
عندى فى الأغلبِ لا على العمومِ، وذلك بَيِّنٌ فى إنكارٍ عائشةً لقولٍ أمّ
سُليمٍ، واللهُ أعلمُ. وقد يُوجَدُ فى الرجالِ من لا يَحتلِمُ، فكيف فى النساءِ؟
وقد قيل: إنَّ عائشةَ إنما قالت ذلك لصغر سنِّها وكونها مع زوجِها،
والاحتلامُ إنما يَجِدُه النساءُ عندَ عدمِ الأزواجِ إذا فُقِدوا وبعدوا عنهن . وقيل :
إنه قد يكونُ فى النساءِ من لا يَحتلمُ، فجائزٌ أن تكونَ عائشةُ من أولئك،
فاللهُ أعلمُ. وكيف كان، فإن عائشةً لم تُنكره إلَّا لأنَّها لم تعرفه، وقد جاء
عن أم سلمةً فی ذلك نحۇ ما جاء عن عائشةً فيه، وقد ذكرنا هذا المعنَى وما
جاء فيه وفى سائرٍ هذا الحديث(٢) ممهدًا مبسوطًا() فى بابٍ ابنٍ شهابٍ من
كتابِنا هذا(٥)، والحمدُ للهِ .
القبس
(١) أخرجه ابن حبان (١١٦٥) من طريق القعنبى، عن مالك به موصولًا.
(٢) تقدم ص٣٨٨، وما بعدها .
(٣) فى م: ((الخبر)).
(٤) ليس فى : الأصل.
.
(٥) تقدم ص٣٩٦، ٣٩٧.
٤٠٠