Indexed OCR Text

Pages 301-320

الموطأ
مكاكيكَ(١).
التمهید
وقال الخليلُ : الصَّاعُ طاسٌ يُشربُ به، والمكوكُ مكيالٌ. وقال أبو جعفرٍ
محمدُ بنُ علىٍّ : تَمارَيْنا فى الغُسلِ عندَ جابرٍ ، فقال جابرٌ: يكفِى للغسلِ صاٌ
من ماءٍ. قلنا : ما یکفی صاح ولا صاعان . فقال جابر: قد کان یکفِی مَن كان
خيرًا منكم، وأكثرَ شعَرًا (٣).
وقد رُوِى عن النبىِّ وَلِّ، من وجوهٍ أنه كان يتوضَّأُ بالمُدِّ ويغتسلُ بالصَّاعِ.
وهی آثارٌ مشهورةٌ مستعملةٌ عند قوم من الفقهاءِ، وليست أسانيدها مما يُحتُ
به . والذى اعتمد عليه البخارىُّ وأبو داودَ فى ((بابٍ ما يكفِى الجُنبَ من الماءِ»
حدیثُ الفَرَقِ المذ کورُ فى هذا البابِ .
وهذه الآثارُ كلُّها إنما رُوِيت إنكارًا على الإباضيَّةِ، ومجملتُها تدلُّ على
أن لا توقيفَ(٤) فيما يكفِى من الماءِ، والدليلُ على ذلك أنهم أجمعوا أن الماءَ
لا يُكالُ للوضوءِ ولا للغسلِ ؛ مَن قال منهم بحديثِ المدِّ والصاعِ، ومَن قال
القبس
(١) أخرجه النسائى (٢٢٩) من طريق ابن المبارك به .
(٢) محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب العلوى الفاطمى المدنى أبو جعفر، وَلَدُ زين
العابدين، ولد فى حياة عائشة وأبى هريرة، روى عن جدَّيه، النبيِّمَ ل﴿ وعلىَّ رضى الله عنه
مرسلًا، وشُهر بالباقر لأنه بَقَر العلم أى شقه فعرف أصله وخفيّه ، توفى سنة أربع عشرة ومائة . سير
أعلام النبلاء ٤ / ٤٠١.
(٣) أخرجه أحمد ٩٦/٢٢، (١٤١٨٨)، والبخارى (٢٥٢، ٢٥٥، ٢٥٦)، ومسلم (٣٢٩).
(٤) فى النسخ: ((توقيت).
٣٠١

الموطأ
التمهيد بحديثِ الفَرَقِ ، لا يختلفون أنه لا يُكالُ ( للوضوءِ ولا للغُسلِ)، لا أعلمُ فى
ذلك خلافًا، ولو كانت الآثارُ فى ذلك على التحديدِ الذى لا يُجاوَزُ
استحبابًا أو وجوبًا ما كَرِهوا الكيلَ، بل كانوا يستحُونه، اقتداءً وتأسيًا
برسولِ اللهِ وَّهِ، ولا يَكْرَهونه. روَى عبدُ الرزاقِ، عن ابن جريجٍ، قال:
سمِعتُ عبدَ اللهِ بنَ عُبيدٍ بن عميرٍ يقولُ: صاعُ للغسلِ من غيرِ أن يُكالَ . قال :
وأخبرنى ابنُّ بجريج، قال : قلتُ لعطاءٍ: كم بلَغك أنه يكفِى الجُنبَ ؟ قال: صاعٌ
من ماءٍ، من غيرٍ أَن يُكالَ .
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ ، حدَّثنا الخَضِرُ بنُ
داود ، حدّثنا أبو بكر الأثرمُ ، حدّثنا القعنبئُ ، قال : حدثنا سليمانُ بنُ بلال ، عن
عبد الرحمنِ بنِ عطاءٍ، أنه سمع سعيدَ بنَ المسيبِ ، ورجلاً(١) من أهلِ العراقِ
يسألُه عما يكفى الإنسانَ فى غسلِ الجَنابةِ ، فقال سعيدٌ: إن لی تَورًا یسَمُ مُدَّین
من ماءٍ - أو نحوهما - وأغتسلُ به فيكفِينى ، ويفضُلُ منه فضلٌ . فقال الرجلُ :
واللهِ إنى لأُستنثِرُ بمُدَّين من ماءٍ. فقال سعيدُ بنُ المسيبِ : فما تأمرُنى إن كان
الشیطان یلعبُ بك؟ فقال له الرجلُ : فإن لم یکفنى، فإنی رجلٌ كما ترَى
عظيمٌ . فقال له سعيدٌ: ثلاثةُ أمدادٍ . فقال: إن ثلاثةَ أمدادٍ قليلٌ. فقال له سعيدٌ:
فصاعٌ. قال عبدُ الرحمنِ: وقال لى سعيدٌ: إن لى لِكْوَةً(١) - أوقدحًا - ما یسَعُ
القبس
(١ - ١) فى ق، م: ((الماء لوضوء ولا لغسل)).
(٢) فى الأصل: ((رجل)).
(٣) الركوة : إناء صغير من جلد يشرب فيه الماء . النهاية ٢٦١/٢.
٣٠٢

٩٩ - وحدَّثنى يحيى، عن مالكِ، عن نافع، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ الموطأ
إلا نصفَ المُدِّ ونحوَه، وإنى لأتوضأُ به (١)، وربما فضَل منه فضلٌ. قال التمهيد
عبدُ الرحمنِ: فذكّرتُ هذا الحديثَ الذى سمِعتُ من سعيدِ بنِ المسیبِ
لسليمانَ بنِ يسارٍ، فقال سليمانُ بنُ يسارٍ: وأنا يكفِینی مثلُ ذلك. قال
عبدُ الرحمن : فذكرتُ ذلك لأبى ◌ُبیدةَ بنِ محمدِ بنِ عمار بن ياسرٍ . فقال أبو
عُبيدةَ: هكذا سمِعنا عن أصحابِ رسولِ اللهِ وَلَه(١).
قال الأثرمُ: وحدَّثنا أبو حذيفةً، قال : حدثنا عكرمةُ بنُ عمارٍ ، قال: كنتُ
مع القاسم بن محمدٍ ، فدعًا بوَضوءٍ، فأَتِى بقَدرِ نصفٍ مُدِّ وزيادةٍ قليلٍ، فتوضَّأ
به . قال : وسألتُ أبا عبدِ اللهِ - يعنى أحمدَ بنَ حنبلٍ -: أيُجزِئُ فى الوضوءِ
مُدِّ؟ قال : نعم ، إذا أحسَن أن يتوضأً به . قلتُ : فإن الناسَ فى الأسفارِ ربما ضاق
عليهم الماءُ، أفيُجزىُ الرجلَ أن يتوضأ بأقلَّ من المدِّ؟ قال: إذا أحسن أن يتوضأ
به فإنه يُجزتُه. ثم قال أبو عبدِ اللهِ: لا يمسَحُ، إنما هو الغَسلُ، كما(٣) قال اللهُ
تعالى: ﴿فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيَدِيَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. فإنما هو الغَسلُ ، ليس
هو المسحَ، فإذا أمكنه أن يغسِلَ به غسلًا، ()وإن كان٤) مُدًّا أو أقلَّ أجزأه .
قال أبو عمرَ: على هذا جماعةُ العلماءِ من أهلِ الفقهِ والأثرِ بالحجازِ
والعراقٍ ، ولا يُخالِفُ فى هذا إلا مُبتدِعْ ضالٌ، وباللهِ التوفيقُ.
وأما فِعْلُ ابنِ عمرَ فى نَضحِه الماءَ فى عينيه إذ كان يغتسِلُ مِن الجنابةِ ، الاستذكار
القبس
(١) فى م: ((منه)).
(٢) أخرجه أبو عبيد فى كتاب الطهور (١٠٥) من طريق سليمان بن بلال به .
(٣) سقط من : م .
(٤ - ٤) فى م: ((فإن)).
٣٠٣

الموطأ كان إذا اغتسل من الجنابةِ، بدَأ فأَفرَغ على [١٦ ] يَدِه الیمنی فغسَلها ،
ثم غسَل فرَجَه، ثم مضْمَض واستَنْثَر، ثم غسَل وجهَه، ونضَح فى
عَينَيه ، ثم غسَل يدَه اليمنى ، ثم غسَل يدَه اليسرى ، ثم غسَل رأْسَه ، ثم
اغتسَل، وأفاض عليه الماءَ(١).
١٠٠ - وحدَّثنى عن مالكِ، أنه بلغه أن عائشةَ أمَّ المؤمنين سُئِلت
عن غُسلِ المرأةِ من الجنابةِ ، فقالت : لِتَحْفِنْ على رأسِها ثلاثَ حَفَناتٍ
مِن الماءِ، ولتَضْغَثْ رأسَها بيدِها(٢).
التمهيد فشىءٌ لم يُتَابَعْ عليه؛ لأن الذى عليه غسلُ ما ظهَر لا ما بطَن، وله رحِمه اللَّهُ
شدائدُ(١) شذَّ فيها، حمَله الوَرَعُ عليها .
وفى أكثرِ ((الموطَّتِ)): سُئل مالكٌ عن نَضْحِ ابنِ عمرَ الماءَ فى عينيه،
فقال : لیس على ذلك العملُ(٤) عندنا . وليس هذا عندَ یحبى.
وأما قولُ عائشةَ إذ سُئلت عن غُسلِ المرأةِ مِن الجنابةِ ، فقالت : لِتَحْفِنْ
على رأسِها ثلاثَ حَفَناتٍ مِن الماءِ ، ولتضْغَتْ رأسها بیدیها . فذلك إنكارٌ منها
قولَ مَن رأَى أن تنقُضَ المرأةُ ضفائرَ رأسِها عندَ غُسلِها؛ لأن الذى عليها بَلُ
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٥٤)، وأبى مصعب الزهرى (١٢٢) . وأخرجه الشافعى فى
الأم ٢٤٧/٧ - ومن طريقه البيهقى ١٧٧/١ - عن مالك به.
(٢) الموطأ برواية أبى مصعب الزهرى (١٢٣) .
(٣) فى ص، م: ((أشياء)).
(٤) فى ص، م: ((الأمر)).
٣٠٤

واجبُ الغُسلِ إذا التقَى الختانان
الموطأ
١٠١ - وحدَّثنی يحيى ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن سعيدِ بنِ
المسيَّبِ ، أن عمرَ بنَ الخطابِ، وعثمانَ بنَ عفانَ ، وعائشةَ زوج النبيِّ
شعرِها ، وإيصالُ الماءِ إلى أصولِه، وإسباُ ذلك وعمومُه. وقد أنكرت على الاستذكار
عبدِ اللهِ بنِ عمرو بنِ العاصى أمرَه النساءَ أن ينقُضنَ رءوسَهن عندَ الغُسلِ،
وقالت: ما كنتُ أزيدُ أن أُفرِغَ (١) على رأسى ثلاثَ غَرَفاتٍ مع رسولِ اللهِ وَلِيٍ(٢).
رواه أيوبُ، عن أبى الزبيرِ، عن عُبيدٍ(٢) بن عميرٍ، عن عائشةَ، أنه بلَغها عن
عبدِ الله بن عمرو .
وفى حديثٍ أمّ سلمةً قالت: يا رسولَ اللهِ : أَنقُضُ رأسى عندَ الغُسلِ ؟
فقال: ((يَكْفيكِ أن تصُبِّى على رأسِك ثلاثَ مراتٍ))(١) .
وقال سعيدُ بنُّ المسيَّبِ: لكلِّ صَبَّةٍ عَضرةٌ . وقال مالكٌ: اغتسالُ المرأةِ مِن
الحيض " كاغتسالِها مِن الجنابةِ)، ولا تَنْقُضُ رأسَها .
بابُ واجبِ الغُسلِ إذا التقَى الختانانِ
مالكٌ، عن ابن شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيّبِ ، أن عمرَ بنَ الخطابِ ،
القبس
(١) فى ص، م: ((أغرف)).
(٢) تقدم تخريجه ص ٢٨٩.
(٣) فى م: (محمد)). وینظر تهذيب الكمال ٢٢٥/١٩.
(٤ - ٤) فى ص، م: ((والجنابة سواء)).
٣٠٥
( موسوعة شروح الموطأ ٢٠/٣ )

وَلَّهِ، كانوا يقولون: إِذا مسَّ الخِتانُ الخِتانَ فقد وجَب الغُسْلُ.
الموطأ
الاستذكار وعثمانَ بنَ عفانَ، وعائشةَ زوجَ النبيِّ وَّرَ، كانوا يقولون: إذا مسَّ الخِتانُ
الخِتانَ فقد وجَب الغُسلُ(١).
هذا حديثٌ صحيحٌ عن عثمانَ، بأن الغسلَ يوجِبُه التقاءُ الختانَين، وهو
يدفعُ حديثَ يحيى بن أبى كثيرٍ، عن أبى سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، أن عطاءَ بنَ
يسارٍ أُخبرَه، أن زيدَ بنَ خالدِ الجُهَنَّ أُخبرَه، أنه سأل عثمانَ بنَ عفانَ قال:
قلتُ : أرأيتَ إذا جامَع الرجلُ امرأته ولم يُغْنِ؟ قال عثمانُ: يتوضأُ كما يتوضأُ
للصلاةِ، ويغسِلُ ذكرَه، سمعتُه مِن رسولِ اللهِ وَ(١).
قال: وسأل عن ذلك عليًّا ، والزبيرَ، وطلحةً، وأبىّ بنَ كعبٍ، فأمَروه بذلك.
وهذا حديثٌّ منكرٌ، لا يُعرَفُ مِن مذهَبٍ عثمانَ، ولا مِن مذهَبٍ علىٍّ ،
ولا مِن مذهَبِ المهاجرین ، انفرد به یحیی بنُ أبی کثیرٍ ، ولم يُتابع عليه ، وهو
ثقةٌ ، إلا أنه جاء بما شذَّ فيه وأُنكِر عليه، ونَكارتُه أنه محالٌ أن يكونَ عثمانُ سمِع
مِن رسولِ اللهِ وَ لّ ما يُسقِطُ الغُسلَ من التقاءِ الختانَين، ثم يُفتى بإيجابِ الغُسلِ
منه . ولا أعلمُ أحدًا قال بأن الغُسلَ مِن التقاءِ الختانَين منسوخٌ ، بل قال الجمهورُ
أن الوضوءَ منه منسوخٌ بالغُسلِ ، ومَن قال بالوضوءِ منه أجازه وأجاز الغُسلَ ، ولم
◌ُنکزہ .
٠٠٠
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٧٦)، ورواية أبى مصعب الزهرى (١٢٥). وأخرجه الطحاوى
٥٧/١، والبيهقى ١٦٦/١ من طريق مالك به .
(٢) سيأتى تخريجه ص٣٣٢ .
٣٠٦

الموطأ
ذكر عبدُ الرزاقِ (١) ، عن مَعمَرٍ، عن الزهرىِّ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، الاستذكار
قال: كان عمرُ، وعثمانُ، وعائشةُ، والمهاجرون الأولون يقولون: إذا مسَّ
الختانُ الختانَ فقد وجَب الغسلُ.
وقد تدبّرتُ حدیثَ عثمانَ الذی انفرد به یحیی بنُ أبی کثیرٍ، فليس فيه
تصريح بمجاوزةِ الختانِ الختانَ ، وإنما فيه: جامَع ولم يُمْنِ ، وقد تكونُ مُجامعةٌ
ولا يَمسُّ فيها الختانُ الختانَ؛ لأنه لفظُ مأخوذٌ مِن الاجتماع، يُكنَی به عن
الوطءِ، وإذا كان كذلك ، فلا خلافَ حينئذٍ فیما قال عثمانُ أنه يتوضأُ ، وجائزٌ
أن يسمَعَ ذلك مِن رسولِ اللهِ وَ له ولا يكونُ معارِضًا لإيجابِ الغسلِ بشرطِ
التقاءِ الختانَين .
قال أبو بكر الأثرم: قلتُ لأحمدَ بنِ حنبلٍ : حديثُ حسينٍ المعلِّمِ، عن
يحيى بن أبى كثيرٍ، عن أبى سلمةَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ ، عن زيدِ بنِ خالدٍ ، قال :
سألتُ عنه خمسةً مِن أصحابٍ رسولِ اللهِ وَلّ؛ عثمانُ بنُّ عفانَ، وعلىٌّ،
وطلحةُ ، والزبيرُ، وأبىُ بنُ كعبٍ ، فقالوا: الماءُ مِن الماءِ. فيه عِلَّةٌ تدفَعُه بها ؟
قال : نعم، ما يُروى مِن خلافِه عنهم. قلتُ: عن علىّ، وعثمانَ، وأبىّ بنِ
کعب؟ قال : نعم .
وقال أحمدُ بنُ حنبلٍ: الذى أرى إذا جاوزَ الختانُ الختانَ ، فقد وجب
الغُسلُ. قيل له: قد كنتَ تقولُ غيرَ هذا؟ قال: ما أعلَمُنى قلتُ غيرَ هذا قطُّ .
قيل له : قد بلَغنا ذلك عنك. قال : اللهُ المستعانُ .
القبس
(١) عبد الرزاق (٩٣٦).
٣٠٧

الموطأ
فى مسِّ الختانِ الختانَ وفى مجاوزةِ الختانِ
(١ قال.
الاستذكار
الختانَ(١) .
وقال يعقوبُ بنُّ شیبةً : سمِعتُ علىَّ بنَ المدینی ، وذكر هذا الحدیثَ ،
فقال : إِسناد حسنٌ، ولکنه حدیثٌ شادٌّ غير معروف . قال على : وقد ژُوِی عن
عثمانَ ، وعلىٍّ ، وأبىّ بنِ كعبٍ ، بأسانيدَ جيادٍ أنهم أفتَوا بخلافِه . قال يعقوبُ بنُّ
شيبةَ : هو حديثٌ منسوخٌ، كانت هذه الفَتْوى فى أولِ الإسلامِ، ثم جاءت السُنَّةُ
بعدَ ذلك مِنُ(١) رسولِ اللهِ وَّهِ: ((إذا مسَّ الختانُ الختانَ فقد وجَب الغُسلُ)).
قال أبو عمرَ: قولُ يعقوب بن شيبةَ هذا مأخوذٌ مما حدَّثَنَا عبدُ اللهِ بنُ
محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، حدَّثَنا أبو داودَ ، حدَّثَنا أحمدُ بنُ صالحٍ،
حدَّثنا ابنُ وهبٍ، أخبرنى عَمرُو بنُّ الحارثِ، عن ابن شهابٍ قال: حدَّثنی
بعضُ مَن أَرضَى أنَّ سهلَ بنَ سعدٍ أُخبرَه ، أن أبىَّ بنَ كعبٍ أُخبرَه، أن رسولَ اللهِ
ونَ﴿ إنما جعَل ذلك رخصةً فى أولِ الإسلامِ ، ثم أمر بالغُسلِ ، ونهى عن ذلك .
قال أبو داودَ: يعنى: ((الماءُ مِن الماءِ)) (١).
قال موسى بن هارون : وقد روى أبو حازم هذا الحديث عن سهلٍ بنِ سعدٍ ،
وأظنُّ ابنَ شهابٍ منه سمِعه؛ لأنه لم يسمَعْه مِن سهلِ بنِ سعدٍ ، وقد سمِع مِن
سهلٍ أحاديثَ ، فإن كان ابنُ شهابٍ سمِعه مِن أبى حازمٍ ، فإنه ثقةٌ رِضًا .
القبس
(١ - ١) سقط من: ص، م ، ومكان النقط تآكل بالأصل .
(٢) فى ص: ((فى زمن)).
(٣) سيأتى تخريجه ص ٣٣٠.
٣٠٨

الموطأ
قال أبو عمرَ: حديثُ أبى حازم فى ذلك ذكّره أبو داودَ أيضًا ، قال: حدَّثَنا الاستذكار
محمدُ بنُّ مِهْرانَ الرازىُّ، قال: حدَّثَنَا مُبشِّرُ الحَلَىُّ، عن محمدِ بنِ مُطرّف أبی
غشَانَ، عن أبى حازمٍ، عن سهلٍ بنِ سعدٍ ، قال: حدَّثَنَى أَبِىُّ بن كعب ، أن
الفُنْيا التى كانوا يُفْتون الناسَ: ((الماءُ مِن الماءِ)) إنما كانت رخصةً رخّصها
رسولُ اللهِ وَّهِ فى أولِ الإسلامِ، ثم أَمَر بالاغتسالِ بعدُ(١).
وذكر ابنُّ أبى شيبةً(٢)، قال: حدَّثنا سهلُ بنُ يوسفَ: قال حدَّثنا شعبةُ،
عن سيفِ بنِ وهب، عن أبى حربٍ بن أبى الأسودِ ، عن عُمَيرةَ بنِ يَثْرِئٍّ ، عن
أُبىّ بنِ كعبٍ ، قال: إذا التقَى مُلْتقاهما فقد وجب الغسلُ.
وذكَر البخارىُّ فى ((تاريخِه))(٢) قال: حدَّثَنا محمدُ بنُّ بشارٍ، قال: حدَّثَنَا
سھلُ بنُ یوسف ، پاسناده مثله ، فى باب ◌ُمیرةً بنِ يثْرِئٍ ، وفی حدیث سیفِ بنِ
وهب .
وأما حدیثُ الأعمش ، عن ذْوانَ ابی صالح، عن أبى سعيد الخدرىِّ،
عن النبيِّ وَّهِ أنه قال: ((إذا أُعجِل أحدُكم أو أَقْحَط (٤) فلا يَغْتسِلْ))(٥) . فليس
ورَوَى أبو سعيد الخدرىُّ وغيرُه عن النبيِّ وَِّ أنه قال: ((إذا القبس
(١) سيأتى تخريجه ص ٣٣٠.
(٢) ابن أبى شيبة ٨٨/١.
(٣) التاريخ الكبير ٦٩/٧.
(٤) أقحط: فتر ولم يُنزِل. النهاية ٤/ ١٧.
(٥) سيأتى تخريجه ص ٣٣١، ٣٣٢.
٣٠٩

الموطأ
الاستذكار فيه حُجّةٌ؛ لأنه يحتمِلُ أن يكونَ جوابًا لمَن أُعجِل أو أَقحطَ عن بلوغ
التقاءِ الختانَين .
وكذلك حديثُ ابن شهابٍ، عن أبى سلمةً ، عن أبى سعيد الخدرىِّ ، أن
رسولَ اللهِ وَ الَ قال: ((الماءُ مِن الماءِ))(١) . رواه ابنُ وهبٍ، عن عمرو بنِ
الحارث، عن ابن شهاب، ورواه جماعةٌ مِن أصحاب ابنٍ شهابٍ كذلك،
قال: وكان أبو سلمةَ يفعَلُ ذلك. ولا محجّةَ فى ذلك أيضًا؛ لأن قوله: ((الماءُ
مِن الماءِ)). لا يدفَعُ أن يكونَ الماءُ مِن التقاءِ الختانَين، ولا خلافَ أن الماءَ وهو
الاغتسالُ يكونُ مِن الماءِ الذى هو الإنزالُ؛ لأن مَن أوجب الغُسلَ مِن التقاءِ
الختانَين يوجِبُ: ((الماءُ مِن الماءِ))، والتقاء الختانین زيادةُ حكم . وقد قيل :
القبس
أُعْجِلْتَ أَوْ أَفْحَطْتَ، فإنما عليك الؤُضُوءُ ولا غُسْلَ عليك، وإنما الماءُ من
الماءِ)) .
ولكن تبيَّن بعدَ ذلك أن التقاءَ الخِتانين مُوجِبٌ للغسلِ قرآنًا وسُنَّةً؛ أما القرآنُ
فقوله تعالى: ﴿أَوْ لَمَسْهُمُ النِّسَآءَ﴾ [المائدة: ٦]. فإن كان اللَّمْسُ فى أحدِ التأويلاتِ
يرادُ به الجمائعُ، فهو مُتناوِلٌ لوجوبِ الغُسْلِ .
وأما الشِنَّةُ فقولُ عائشةَ رضِى اللَّهُ عنها : إذا التَّقَى الخِتانانِ فقد وَجَب الغُسْلُ،
فَعَلْتُه أنا ورسولُ اللَّهِ بِهِ فَاغْتَسَلْنَا. فبِئْتَتِ رضِى اللَّهُ عنها أن النبيَّ ◌َهِ كان يغتسلُ
بالتقاءِ الخِتانَينِ دونَ إراقةِ الماءِ ، ثم تأكّد البيانُ بما رَوَت عائشةُ رضِى اللَّهُ عنها ، أن
(١) سيأتى تخريجه ص ٣٣٠ .
٣١٠

الموطأ
معنى: ((الماءُ مِن الماءِ)) فى الاحتلام لا فى اليقظةِ؛ لأنه لا يجِبُ الماءُ فى الاستذكار
الاحتلامِ إلا مع إنزالِ الماءِ. وهذا مُجتمَعٌ عليه، فيمَن رأى أنه يُجامِعُ ولا يُنزِلُ،
أنه لا غُسلَ عليه، وإنما الغسلُ فى الاحتلامِ على مَن أنزل الماءَ، وهذا ما لم
يختلِفْ فيه العلماءُ .
وقد روَی شریٹٌ ، عن أبى الجگّافِ - واسمُه داودُ بنُ أبی عوفٍ - عن
عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إنما الماءُ مِن الماءِ فى الاحتلامُ) . وإنما الروايةُ
فى التقاءِ الختانَين عن المهاجرين مِن الصحابةِ .
فذكَر ابنُ أبى شيبةً(١) ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةً، عن شعبةً، عن أبى عونٍ،
رجلاً سألَ رسولَ اللَّهِ وَالهِ وعائشةُ جالسةٌ: هل يجبُ على الرجل ◌ُسْلٌ إذا التقَى القبس
الخِتانانِ وإِن لم يُنْزِلْ؟ فقال ◌َ: (( (إنى لأَفْعَلُ أنا وهذه ذلك" ثم نَخْتَسِلُ)).
فأحالَه وَّهِ فى البيانِ على فعلِه، ثم تأكَّد البيانُ ثالثًا بما روَى أبو هريرةَ رضِى اللَّهُ عنه،
أن النبىَّ وَّه قال: ((إذا جَلّس(٤) بينَ شُعَيِها الأَزْيَع، ثم أَجْهَدها، فقد وَجَب الغُسْلُ
وإن لم يُنْزِلْ)». فَأَرسَلَت الصحابةُ مِن المهاجرين والأنصارِ حِينَ اختَلَفوا فى ذلك إلى
عائشةَ رضِى اللَّهُ عنها، فأعلَمَته بالأمرِ على نصّه، فأعلَمهم به ، فوقَع الاتفاقُ ، وارتفَع
(١) أخرجه عبد الله بن أحمد فى زوائد فضائل الصحابة (١٧٣) - ومن طريقه الطبرانى
(١١٨١٢) - والترمذى (١١٢)، والطحاوى ٥٦/١، من طريق شريك به.
(٢) ابن أبى شيبة ٨٩/١.
(٣ - ٣) بعده فى الأصل: ((إن لأفعل هذا أنا وهذه)).
والحديث عند مسلم (٣٤٨).
(٤) بعده فى الأصل: ((الرجل)).
٣١١

الموطأ
الاستذكار عن عبد الرحمنِ بنِ أبي ليلى، أنه سمِع مِن عمرَ - أو: عن أخيه سمِعه مِن عمرَ -
قال : إذا جاوَز الختانُ الختانَ فقد وجب الغسلُ.
قال : وحدّثنا ابنُ مُبينةً ، عن ابنِ طاوس ، عن أبيه، قال : سمِعتُ ابنَ عباسٍ
يقولُ: أمَّا أنا فإذا خالطتُ أهلى اغتسلتُ (١).
قال(٢): وحدَّثنا ("أبو أسامةَ عن٣) مُبيدِ اللهِ بنِ عمرَ، عن نافعٍ، عن ابنِ
عمرَ، قال : إذا جاوَز الختانُ الختانَ فقد وجَب الغُسلُ.
القبس الخلافُ، واستقرَّ الحكم فى الدينِ.
ولا أعلَمُ فى ذلك خلافًا بينَ أحدٍ مِن المسلمين، إلا أنه وقَعت للبخاریِّ فی
((جامعِه)) كلمةٌ مُنكرَةٌ؛ فإنه ذكر اختلافَ الأحاديثِ، ثم قال: والغُسْلُ أَخْوَطُ (٤)،
وإنما بينَّ ذلك لاخْتِلافِهم. وهذا خطأ فاحشّ؛ كيف ينقُلُ(٥) الغُسْلَ مِن الوجوبِ إلى
الاحتياطِ بعدَما ثبَت ما قدَّمناه وصحَّ مِن الأحاديثِ ما أورَدْناه؟ فإن قيل : اختلَفَت
الأحاديثُ فى ذلك كما قدَّمتُم، وجُهِل المُتَأَّخِّرُ فلم يُعلَم الناسخُ ، وبقِى الإشكالُ
فتعَيَّن الاحتياطُ . فالجوابُ عنه مِن وجهَين ؛ أحدُهما : أنَّا نقولُ: ما مجهِل التاريخُ ؛
لأن الصحابةَ قد صرَّحَت بأن المُتقدِّمَ كان: ((الماءُ مِن الماءِ)). والمُتأخّر وجوبُ
الغُسْلِ مِن التقاءِ الخِتانَين. الثانى: أن ((الماءُ مِن الماءِ))، وعدمَ الغُسْلِ مِن التقاءِ
١
(١) ابن أبى شيبة ٨٨/١.
(٢) ابن أبى شيبة ٨٨/١، ٨٩.
(٣ - ٣) فى ص، م: ((أسامة بن)). وهو أبو أسامة حماد بن أسامة بن زيد القرشى. وينظر تهذيب
الكمال ٢١٧/٧ - ٢٢٤.
(٤) البخارى (٢٩٣).
(٥) فى م: ((ينتقل)).
٣١٢

الموطأ
وذكَر عبدُ الرزاقِ (١) ، عن الثورىِّ، عن جابرٍ، عن الشعبىٌّ، قال: حدَّثنى الاستذكار
الحارثُ عن علىٍّ، وعلقمةُ عن عبدِ اللهِ ، ومسروقٌ عن عائشةَ ، قالوا : إذا جاوَز
الختانُ الختانَ وجَب الغُسلُ .
وعن معمر ، عن عبدِ اللهِ بنِ محمدِ بنِ عَقِیل ، أن عليًّا قال : کما یجِبُ منه
الحدُّ كذلك يجِبُ منه الغُسلُ(٣) .
وعن محمدٍ بنٍ مسلم ، عن عمرو بن دينارٍ ، عن أبى جعفرٍ محمدٍ بنٍ علىٍّ
الخِتانَين ليس فيه (٢) فائدةٌ مُجدَّدةٌ(٤)؛ لأن الأصلَ براءةُ الذِّمَّةِ، وفَراُ الساحةِ، وعدمُ القبس
تَعلَّقِ الحكم بالأسبابِ ، ثم جاء بعدَ ذلك وجوبُ الغُسْلِ مِن التقاءِ الخِتانَين، فكانت
فائدةً مُجدَّدةً(٢) وحالةً ثانيةً، فقُضِى بها على ما قبلَها.
فإن قيل: فکیف خَفِی علی عثمانَ رضِی اللّهُ عنه حتی کان یُفْتِی بأن الماءَ مِن
الماءِ بعدَ النبيِّ وَّ؟ قلنا: الآنَ حانَ لكم أن تعلموا تنزيلَ الأحكام فى الشريعةِ ؛ فقد
خفِى ذلك على كثيرٍ ممن يُعَدُّ فى(٥) العلماءِ، وهو أن اللَّه تبارك وتعالى كان إذا أَنزَل
على رسولِهِ مَ﴿ الحكمَ وبيَّن له بالوحي، لا يبعَثُ النبيُّ وَلِّ مُناديًا يقولُ: أيُّها
الناسُ، قد جاء مِن الشرع كذا وكذا. وإنما كان رَّ﴿ يخبِرُ مَن حضره، ثم يَتّرامَی
(١) عبد الرزاق (٩٣٨).
(٢) عبد الرزاق (٩٣٧).
(٣) فى د: (له)).
(٤) فى م: ((محددة)).
(٥) فى ج، م: ((من)).
(٦) فى م: ((ييين)).
٣١٣

الموطأ
الاستذكار ابن حسينٍ، أن عليًّا وأبا بكر وعمرَ قالوا: ما أوجَب الحدَّين؛ الجلدَ والرجمَ،
- (١)
أوجب الغُسلَ(١).
وعن ابن جريجٍ وعبدِ اللهِ بنِ عمرَ، عن نافعٍ ، عن ابنِ عمرَ قال : إذا جاوَز
الختانُ الختانَ وجَب الغُسلُ(٣) .
وهو عندَ مالك، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرٌ ) .
وعن الثورىِّ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ ، عن علقمةً، عن ابن مسعودٍ ،
القبس البلاغُ شيئًا فشيئًا، وتَتناقَلُه الألسنةُ وقتًا بعدَ وقتٍ.
نعم، وربما أرجأ بيانَ الحكمِ إلى حالةٍ الوقوعِ، ولم يُسْلِمْه ابتداءً فى النازلةِ
قبلَ أن تقعَ، وكلُّ مَن عمِل بالحكم السابقِ قبلَ بیانِ هذا الثانى أو قبلَ ثُلُوغِه إليه،
فعملُه صحيحٌ وأجرُه قائمٌ، وعلى هذه السبيلِ تكونُ الحنيفيةُ السَّمْحَةُ() ، ويكونُ
الدينُ عاريًا عن الخَرَجِ.
وقد رَوَى الدارقطنىُ عن النبيِّ بَّهِ أنه قال: ((إذا الْتَقَتِ المَوَاسِى فقد وَجَب
الغُسْلُ)) (٨). فَبَيِّنَ بقولِهِ وَّهِ: ((إذا الْتَّقَى الخِتانانِ)). أَوَّلَ الفعلِ، وبينَ بقولِه: ((إذا
(١) عبد الرزاق (٩٤٢).
(٢) فى النسخ: ((عبيد)). والمثبت من مصدر التخريج، وسيأتى ص ٣٣٥ على الصواب.
(٣) عبد الرزاق (٩٤٦، ٩٤٨).
(٤) أخرجه الطحاوى ٦٠/١ من طريق مالك به .
(٥) فى ج، م: ((الخطاب)).
(٦) فى ج، م: ((سمحة)).
(٧) فى ج، م: ((غالبا)).
(٨) الدارقطنى ١٨٩/٢.
٣١٤

الموطأ
سُئل عن ذلك ، فقال : إذا بلغتَ ذلك اغتسلتَ . قال سفيانُ: والجماعةُ على الاستذكار
(١)
الغُسلِ(١).
ذكَر أبو بكرِ بنُ أبى شيبةَ(١) ، حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ عياشٍ، عن عاصم، عن
زِرِّ، عن علىِّ، قال: إذا التقَى الخِتانان فقد وجَب الغُسلُ.
قال(٢): وحدَّثنا وكيٌ، عن حنظلةَ الجُمَحىِّ ، عن سالمٍ، عن ابنِ عمرَ،
قال: قال عمرُ: إذا خالَط الرجلُ أهلَه فقد وجب الغسلُ.
الْتَّقَتِ المَوَاسِى)). آخرَ الفعلِ، وأوضح أن الحكمَ فيهما واحدٌ .
القبس
قال لنا الشيخُ الإمامُ فَخْرُ الإسلامِ أبو بكرٍ محمدُ بنُ أحمدَ بنِ الحسينِ، فقيهُ
الوقتِ وإمامُه : الفَرْجُ أشبهُ شىءٍ بخمسةٍ وثلاثينَ . وأُخرَج يَدَه فى الدرسِ وعقَدَها،
قال : فمَسْلَكُ البولِ ما تحتَ الثلاثينَ، ومَسْلَكُ الذَّكَرِ والحيضِ ما اشْتَمَلت عليه
الخمسةُ .
تقسيمٌ : إذا ثَبَت أن الفُسْلَ يجبُ بالتقاءِ الخِتانَين تارةً ، وبخُرُوجِ الماءِ أُخرَى،
فإن الماءَ قد يخرُجُ بلذةٍ، وقد يخرج بغيرِ لذةٍ"، وقد يخرجُ عندَ الضَّوْبِ والحَكِّ
واللَّشْعِ(٤)، وقد اختلف علماؤنا فيه اختلافًا كثيرًا تضَمَّنَته كتبُ المسائلِ، ولكن
يختصّ مجالُ الكلامِ بموضعَين(٥)؛ أحدُهما: إذا خرج الماءُ لغيرٍ لَذَّةٍ، ولا إشكالَ
عندى فى وجوبٍ الغُسْلِ فيه؛ لإجماع الأمةِ على أن مَن استيقظَ ووجَد المَنِىَّ ولم يَرَ
(١) أخرجه عبد الرزاق (٩٤٧) عن الثورى به .
(٢) ابن أبى شيبة ٨٦/١.
(٣ - ٣) سقط من: م.
(٤) فی م: «اللمس)).
(٥) فى ج: ((فى موضعين))، وفى م: ((فى موقعين)).
٣١٥

الموطأ
الاستذكار
قال(١): وحدَّثنا و کیت، عن مِشْعَرٍ، عن مَعْبَدِ بنِ خالدٍ ، عن علىٍّ . وعن
غالبٍ بنِ الهُذيلِ، عن إبراهيمَ، عن عليٍّ، قال: إذا جاوَز الختانُ الختانَ فقد
وجَب الغُسلُ .
فکیف یصِمُ عن علىٍّ حدیثُ عطاء بن يسار ، عن زيد بن خالدٍ ، مع تواتٍ
الطرقِ بخلافٍ ذلك ؟
وأما أبو بكرٍ وعمرُ فلم يُختلَفْ عنهما فى ذلك .
قال أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةً(١): حدَّثنا ابنُ إدريسَ، عن الشيبانى، عن بُکیرِ بنِ
الأخنسِ ، عن سعيدِ بنِ المسيّبِ ، قال: قال عمرُ: لا أُوتَی برجلٍ فعَله - یعنی
جامَع ولم يغتسِلْ وهو لم يُنزِلْ - إلا نَهِكَتُه عقوبةً .
القبس احتلامًا ، فعليه الغسلُ؛ لأنَّا قد تَحَقِّقْنا خُرُوجَ الماءِ، فلم يُمَالِ أحدٌ عن وجودِ اللَّذَّةِ .
الموضعُ الثانى: إذا أُولَجَه فيها ولم يُنْزِلْ ، فقلنا : عليه الغسلُ بإجماعٍ.
فلما اغتَسَل أنزل ؟ وقد اختلف العلماءُ فى هذا الفرع، وهو موضعُ إِشكالٍ ، بَيْدَ
أن النظرَ إذا حُقِّق ، فإنه يَقْتَضِى وجوب الغسلِ ثانيًا ؛ لأنهما سببان مختلفان ، فأوجب
كلُّ واحدٍ منهما محُكْمَه وإن كانا مُتعاقِتَين؛ كمَن بالَ فتوضَّأ ، ثم خرج منه الوَدْئُ فإنه
يتوضَّأُ ثانيةً .
فإن قيل : فهلهنا نازلةٌ غريبةٌ، وهى إذا أولَج فاغتَسَل فصلَّى، ثم أَنزَل ، هل يُعِيدُ
الصلاةَ؟ قلنا: فيه احتمالٌ بعيدٌ، والصحيحُ أنه لا يُعِيدُها؛ لأنها قد وقَعَت موقعَها بعدَ
وجودٍ شَرْطِها؛ وهو الغُسْلُ، وتُزُولُ الماءِ بعدَ ذلك أمرٌ ثانٍ، كما لو جامَع ثانيًا، أو
(١) ابن أبى شيبة ٨٦/١.
٣١٦

الموطأ
قال(١): وحدَّثنا حفصٌ، عن حجاج، عن أبى جعفرٍ، قال: أجمَع الاستذكار
المهاجرون؛ أبو بكرٍ ، وعمرُ، وعثمانُ، وعلىٌّ، أن ما أوجَبَ الحدَّين؛ الجلْدَ
والرَّجْمَ، أوجب الغُسلَ .
وذكَر عبدُ الرزاقِ (١) ، قال: أخبرنا ابنُ(١) مجاهدٍ، عن أبيه، قال : اختلف
المهاجرون والأنصارُ فيما يوجِبُ الغسلَ؛ فقالت الأنصارُ: الماءُ مِن الماءِ.
وقال المهاجرون : إذا مسَّ الختانُ الختانَ فقد وجب الغُسلُ . فحگّموا بينهم
علىَّ بنَ أبى طالبٍ، واختَصموا إليه، فقال عليٍّ: أرأيتُم لو أبصرتُم رجلًا يُدخِلُ
ويُخرِجُ أَيجِبُ عليه الحدُّ؟ قالوا: نعم. قال: فيوجِبُ الحدَّ ولا يوجِبُ صاعًا
مِن ماءٍ ؟! فقضَى للمهاجرين، فبلغ ذلك عائشةً، فقالت: ربَّما فعَلنا ذلك أنا
تَذكَّر فأنزل .
القبس
تتميمٌ: قال اللَّهُ تعالى: ﴿يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَأَغْسِلُواْ
وُجُوهَكُمْ﴾. إلى قوله: ﴿اُلْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]. وذكّر أعضاءَ الوضوءِ الأربعةَ
مُعَدَّدةً معقَّةً، ثانيًا بعدَ أولَ ، وثالثًا بعدَ ثانٍ، ورابعًا بعدَ ثالثٍ، وقال فى غُسْلٍ
الجنابةِ: ﴿وَإِن كُنْتُمْ جُنُبًا فَأَطَّهَّرُواْ﴾. مطلقًا. وقال فى الآيةِ الأخرى: ﴿حَتَّى
تَفْتَسِلُواْ﴾ [النساء: ٤٣]. مطلقًا. فتبيَّن مِن ذلك أن الترتيبَ فى الوضوءِ مشروعٌ، وأنه
لا ترتيبَ فى غسل الجنابةِ، فإن قيل: فقد وصَفَت الصحابةُ غُسْلَ النبيِّ وَلِّ مِن
الجنابةِ ؛ تارةً مِن فعلِه لمن رآه ، وتارةً مِن قولِه لمن أَفْتَاه، فذكروه مُرَّتَّبًا بتَقْديمِ الوضوءِ
(١) ابن أبى شيبة ٨٦/١ .
(٢) عبد الرزاق (٩٥٥) عن معمر، قال: أخبرنى من سمع أبا جعفر يقول. فذكره. وقد عزاه المتقى
الهندى فى كنز العمال (٢٧٣٤٤) إلى عبد الرزاق عن مجاهد كما هنا وسيأتى ص٣٣٦، ٣٣٧ .
(٣) سقط من: ص، م.
٣١٧

الموطأ
ورسولُ اللهِ وَلِّ، فَقُمْنا واغتسَلْنا.
الاستذكار
وهذا أيضًا يعارضُ حديثَ عطاءِ بنِ يسارٍ ، عن زيدِ بنِ خالدٍ .
قال (١): وحدَّثنا ابنُ عُلَيَّةً، عن أيوب، عن عكرمةً، قال: يوجِبُ الحدّ
والرجمَ ولا يوجِبُ إناءً مِن ماءٍ ؟!
القبس عليه، وصَبِّ الماءِ على الرأسِ وإفاضتِه على الجسم، فلْيَكُنْ ذلك بيانًا للترتيبٍ .
الجوابُ، وهى٢) فائدةٌ بديعةٌ من أصول الفقهِ؛ وذلك أن النبىّ وَّ متى فعَل
فعلًا بيَّن فيه مُجْمَلًا كان بيانُه واجبًا ، ومتى كان فعلُه تَتْمِيمًا لحكم معلومٍ ، وتفصيلاً
لأمرٍ مشروع، كان فعلُه محمولًا على الفضلِ؛ كقوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَقِيمُواْ
الصَّلَوَةَ﴾ [البقرة: ٤٣، ١١٠]. لما كان هذا قولًا مجملًاً أو عامًّا، فبيَّنْه النبىُ وَ لِّ بفعلِه
أو خصَّصه، فوقَع ذلك الفعلُ(٢) بيانًا لمُشْكِلٍ، فوجب امتثالُه.
أما قوله: ﴿فاطھَرُواْ﴾ . أو ﴿حَتّى تَغْتَسِلُواْ﴾ . فهو أمر بيِّنٌ فی ذاته، واضحٌ
فى نفسِه، فما وقَع مِن الزيادةِ عليه (١) أجرٌ وفضلٌ، يُبيِّنُ ذلك ويُوضِّحُه أن النبىَّ وَيه-
لما أفتی فی غُسْلِ الجنابةِ مَن سأله عن بعض مُختملاتِه فقال: ((إنما يَكْفِيكِ أن تَعْثِی
على رأسِك ثلاثَ حَثَيَاتٍ مِن ماءٍ، ثم تُضَغِّئيه ) يَدَيْك، ثم تُفِيضِى الماءَ على
(١) ابن أبى شيبة ٨٦/١.
(٢) فى ج، م: ((هو)).
(٣) فى م: ((الفصل)).
(٤) بعده فى ج، م: ((فهو بذلك)).
(٥) فى د، ج: ((تضغئه)). وضغَّث رأسه: صب عليه الماء ثم نفشه فجعله أضغائًا ليصل الماء إلى
بشرته . التاج (ض غ ث).
(٦) فى د، ج: ((تفيض)).
٣١٨ .

١٠٢ - وحدَّثنى عن مالِكِ، عن أبى النَّضْرِ مولى عمرَ بنِ الموطأ
عبيدِ اللهِ ، عن أبى سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ ، أنه قال: سألتُ
عائشةَ زوجَ النبيِّي ◌ِّ: ما يُوجِبُ الغُسْلَ؟ فقالت: هل تدرِى ما مَثَلُك
يا أبا سلَمَةَ؟ مَثَلُ الفَرُوجِ؛ يسمَعُ الدِّيَكَةَ تصرُُّ فيصْرُُ معها ، إِذا جاوز
الخِتانُ الخِتانَ فقد وجَب الغُسْلُ.
وهو قولُ شُريح، وأبى هريرةَ، وإليه انصرَف أبىّ، وزيدُ بنُّ ثابتٍ، والنعمانُ الاستذكار
ابنُّ بَشيرٍ، وسهلُ بنُ سعدٍ، وابنُ عباسٍٍ، وعليه عامةُ الصحابة والتابعين
وجمهورُ فقهاءِ الأمصارِ (١).
وأما : مالكٌ ، عن أبى النضرِ ، عن أبى سلمةً ، أنه سأل عائشةً : ما یوچِبُ
الغُسلَ ؟ فقالت : هل تدرِى ما مَثَلُك يا أبا سلمةَ؟ مَثَلُ الفَرُوج، يسمَعُ الدِّيَكةَ
سائرٍ جَسَدِك، فإذا أنت قد طَهُوْتٍ ))(١). ولم يَذْكُرِ الوضوءَ، فدلَّ على أنه أجرٌ القبس
وفضلٌ، وليس بواجبٍ ولا فرضٍ .
وأما ذكرُ اللَّهِ عزَّ وجلَّ لأعضاءِ الوضوءِ معدَّدةً مُعَقَّبةً ، فإنه أصلٌ عظيمٌ ، وقد قال
الجوينىُ: إِن النَّقَلَةَ لوضوءِ رسولِ اللَّهِ وَلِ لم يَنْقُلْ قطُ أحدٌ منهم أنه نَكَس وضوءَه،
فاطُرد القرآن والسنةُ ، و كذلك رَوَی بعضُ المدنیین عن مالك أن الترتيب واجبٌ فی
الوضوءِ. فيقالُ للجوينيّ : ما أقوى هذا الدليلَ، وما أبدَعَ هذا الميثاقَ لولا أنكم قلتُم :
إن مَن قدَّم اليسارَ على اليمينِ فى الوضوءِ جازً. ولم يُؤْوَ قطّ عن النبيِّ وَِّ أنه
نَكَسهما. فكلُّ عُذْرٍ لكم عن ذلك فهو عُذْرُنا عن أصلِ الترتيبِ فى الوضوءِ، وقد
حقّقْنا ذلك فى ((مسائلِ الخلافِ)) فلْيُنْظَرْ هنالك تمامُه فيه ، واللَّهُ أعلمُ .
(١) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٨٥/١ - ٨٩، والأوسط ٧٩/٢ - ٨١.
(٢) أخرجه مسلم (٣٣٠) .
٣١٩

الموطأ
١٠٣ - وحدَّثنى يحيى، عن مالك، عن يحيى [١٧ و] بنِ سعيدٍ ،
عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، أن أبا موسى الأشعَرِىَّ أتَى عائشةَ زوجَ النبىِّ
وَ لِّ، فقال لها: لقد شقَّ علىَّ اختلافُ أصحابِ النبيِّ وَلِّ فِى أُمْرٍ إنى
لأَعْظِمُ أن أَستقبِلَكِ به . فقالت: ما هو؟ ما كنتَ سائلًا عنه أمَّكَ
فسَلْنِى عنه. فقال: الرجلُ يُصِيبُ أهلَه ثم يُكسِلُ ولا يُنْزِلُ؟ فقالت :
إذا جاوز الختانُ الختانَ فقد وجَب الفُسْلُ. فقال أبو موسى الأشعرىُّ :
الاستذكار تصرُُّ فيصرُخُ معها! إذا جاوَزِ الختانُ الختانَ فقد وجَب الغُسلُ(١).
ففيه دليلٌ على أن أباسلمةً كان عندها ممن لا(٢) يقولُ بذلك ، وأنهقلَّد فيهمن لا
علمَ له به ، فعاتبته عائشةُ بذلك؛ ("لأنها كانت٢) أعلم الناس بذلك المعنى ؛ لمكانها
مِن رسولِ اللهِ وَ له. وقد تقدَّم عن أبى سلمةً روايته عن عطاءٍ، وعن أبى سعيد
الخدرىِّ أنه كان يفعَلُ ذلك؛ ولذلك قرَّعته بما ذكّرَ مالكٌ فى حديثه . واللهُ أعلمُ.
التمهيد
مالكٌ ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيّب ، أن أبا موسى الأشعرىّ
أتَى عائشةَ زوجَ النبيِّ وَلَّفقال لها: لقد شَقَّ علىَّ اختلافُ أصحابِ رسولِ اللهِ
وَلِّ فِى أمرٍ إنى لأُعْظِمُ أن أَسْتَقْبِلَكِ به. فقالت: ما هو؟ ما كنتَ سائلًا عنه
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٧٧)، ورواية أبى مصعب الزهرى (١٢٦). وأخرجه
عبد الرزاق (٩٤١)، والطحاوى ١/ ٦٠، والبيهقى ١٦٦/١ من طريق مالك به.
(٢) سقط من: ص، م.
(٣ - ٣) فى ص، م: ((لأنه كان)).
٣٢٠