Indexed OCR Text

Pages 521-540

الموطأ
التمهید
وإن كان فى جلدِه أعاد وإن ذهَب الوقتُ .
قال حمَّادٌ: وقال هشام: إذا رأى دمًا أو جنابةٌ أو نجاسةً(١) أعاد وإن ذهب
الوقتُ . وقاله أبو قِلابةً(١) . وهو قولُ أبى حنيفةَ، والشافعيِّ، وأحمدَ ، وأبى
ثورٍ ، والطبرىِّ؛ لأَنَّ الإعادةَ إِذا وجَبتْ لم يُسقِطْها خروج الوقتِ .
ولا فرقَ فی القیاسِ بینَ البدنِ والثوبٍ ، وقد تقدَّمت الحجّةُ فى هذا البابِ
لِكِلَا القولَين. وأمَّا قولُ مَن راعَى(٢) فى النجاساتِ قدرَ الدِّرهم، فقولٌ لا أصلَ
له ولا معنى يَصِحُ؛ لأَنَّ التحدِيدَ لا يثبتُ إلا من جهةِ التوقيفِ لا من جهةٍ
الرأيِ . والذى يَصِحُ عندى فى مذهبٍ مالكِ بما أقطَعُ على صحَّتِه عنه فيما دلَّ
عليه عُظْمُ مذهبِه فى أجويتِه ، أنه مَن صلَّى بثوبٍ نجِسٍ فيه نجاسةٌ ظاهرةٌ لا
تَخْفَى، فإنه يُعيدُ أبدًا، كمَن صلَّى بماءٍ قد ظهرت فيه النجاسةُ فغيّرتْه، أو
تيمَّم على موضع النجاسةُ فيه ظاهرةٌ غالبةٌ، ومَن صلَّى بثوبٍ قد استيقَنَ فيه
نجاسةً ، إلا أنها غيرُ ظاهرةٍ فيه، أعاد فى الوقتِ، وعليه أن يَغْسِلَه كلَّه لما
يستقبَلُ، كمَن توضَّأ بماءٍ لم تُغيّرّه النجاسةُ ، أو كمَنُ ) تيمَّم على موضعٍ لم
تَظْهَرْ فيه نجاسةٌ. هذا عندى أصحُ ما يَجىءُ على مذهبٍ مالكِ، وما
أستوحِشُ ممن خالَفنِى عنه فى ذلك ، وباللهِ العصمةُ والتوفيقُ لا شريكَ له .
القبس
(١) فى م: ((نجسا)).
(٢) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٣٩٢/١، ٣٩٣.
(٣) فى الأصل: ((رأى)).
(٤) سقط من: م.
٥٢١
.

الموطأ
التمهید
(١ وأمّا قولُ مَن راعَى فى النجاساتِ قدرَ الدرهم، فقولْ لا أَصلَ له، ولا
معنى يَصِحُ؛ لأَن التحديدَ لا يَثْبُتُ إلا من جهةِ التوقيفِ لا من جهةِ الرأي١) ،
وقياسُهم ذلك على حَلْقِ الدُّبُرِ فى الاستنجاءِ، مع إقرارِهم أن ذلك موضعً
مخصوصٌ بالأحجارِ ؛ لأنها لا تُزيلُ النجاسةَ إزالةً صحيحةً كالماءِ ، وأنَّ ما
عدا المخرجَ لا يُطهِّرُه إلا الماءُ، أو ما يَعمَلُ عملَ الماءِ عندَهم فى إزالةٍ عينٍ
النجاسةِ. قياسًا على غيرِ نظيرٍ ولا علَّةٍ معلولةٍ. وباللهِ التوفيقُ.
وأما قولُه: ((ثم لتَنْضَخْه بالماءِ، ثم لتُصَلِّ فيه)). فيَحتمِلُ أن يكونَ
التَّضُ هلهنا الغَسْلَ، على ما يَّ فى غيرِ موضعٍ من كتابِنا هذا. ويَحتمِلُ أن
يكونَ النَّصْحُ الرَّشَّ لما شُكَّ فيه ولا يُرَى، فيقطَعُ بذلك الوسوسةَ ، إذ الأصلُ
فى الثوبِ الطهارةُ حتى تُستيقَنَ النجاسةُ، فإذا استوقِنتْ لزِم الغسلُ
والتطهيرُ. وأما الرَّشَّ، فلا يُزيلُ نجاسةً فى النظرِ، وقد بيّنَّا أيضًا هذا المعنَى
فى مواضعَ من هذا الكتابِ، ولولا أن السلفَ جاء عنهم النَّضْحُ ما قلنا بشيءٍ
منه، ولكن قد جاء عن عمرَ حينَ أجنَبَ فى ثوبِه : أغسِلُ ما رأيتُ، وأَنضَحُ
ما لم أره . وعن أبى هريرةَ وغيرِهِ مثلُ ذلك(٢) . وذلك عندى، واللهُ أعلمُ،
قطعٌ لحَزازَاتِ النفوسِ ووساوس الشيطانِ .
روَى الأوزاعىُّ، عن عبد الرحمنِ بنِ القاسمِ، عن أبيه ، عن عائشةَ قالت :
القبس
(١ - ١) سقط من: م، وقد جاء فى النسختين كليهما قبل ذلك بقليل، ثم جاء فى الأصل هنا فى
هذا الموضع هكذا، وموضعه هنا أنسب للسياق .
(٢) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٨٢/١، ٨٣، ٣٩٣.
٥٢٢

الموطأ
المستحاضةُ
١٣٣ - حدَّثنى يحيى، عن مالكِ، عن هشام بن عروةً ، عن أبيهِ ،
عن عائشةً زوج النبيّ ◌َلآل أنها قالت : قالت فاطمةُ بنتُ أبی ◌ُبیش : یا
رسولَ اللهِ ، إنى لا أَطْهُرُ، أُفَأَدَعُ الصلاةَ؟ فقال لها رسولُ اللهِ وَلِّهِ:
((إنما ذلك عِرْقٌ، وليست بالحيضةِ، فإِذا أقبلت الحيضةُ فاتْرُكى
إذا حاضت المرأةُ فى الثوبِ ثم طهُرت ، فلتَتْبَعْ ما أصاب ثوبَها من الدَّمِ فلتغسِلْه
وتنضَخْ باقيَه ثم تصلّى فيه (١) .
التمهید
وفى هذا الحديثِ وحديثٍ أسماءَ المذكورِ فى هذا البابٍ، دليلٌ
على أن قليلَ الماءِ يُطهِّرُ النجاسةَ إذا غَلَب عليها واستهلكها، ومعلوم أن
دمَ الحيضِ فى ذلك الثوبٍ قد طهَّره ما دونَ القُلَتينِ، وقد بيَّنَّ الصحيح
عندَنا فى الماءِ من مذاهبٍ العلماءِ فى بابٍ إسحاقَ بنِ أبي طلحةَ(١)،
والحمدُ للهِ .
مالكٌ ، عن هشام بن عروةَ، عن أبيه ، عن عائشةً ، أنها قالت : قالت فاطمةٌ
ابنةُ أَبِى حُبَيشٍ: يا رسولَ اللهِ، إنى لا أطْهُرُ، أَفْدَعُ الصلاةَ؟ فقال لها رسولُ اللهِ
وَلَه : ((إنما ذلكِ عِرْقٌ وليسَ بالحَيْضةِ، فإذا أقبَلتِ الخَيضةُ، فاتركى الصلاةَ،
القبس
(١) أخرجه الدارمى (١٠٤٨)، وابن المنذر (٧٠٦) من طريق الأوزاعى به.
(٢) تقدم فى ٥٠٤/٢ وما بعدها .
٥٢٣

الموطأ الصلاةَ، فإذا ذهَب قَدْرُها، فاغسلى الدمَ عنك وصَلَّى)).
التمهيد فإذا ذهَب قدْرُها فاغسلى عنك الدمَ وصلِّى))(١).
هكذا روَى هذا الحديثَ عن مالكِ جماعةُ رواةِ ((الموطأً)) فيما علِمْتُ ، لم
يختلفوا فى إسنادِه ولفظِهِ، وكذلك لم يختلِفِ الرواةُ عن هشامٍ فى إسنادِه،
واختلفوا عنه فى بعض ألفاظه ؛ وممن رواه عن هشام بهذا الإسنادِ حمَّادُ بنُ زیدٍ ،
وأبو حنيفةً، وأبو معاويةً، وابنُ عُيِينةً، وحمَّادُ بنُ سلمةَ، ومحمدُ بن كُنَاسَةَ ،
وبعضُهم يذكُرُ فيه ألفاظًا لا يذكُرُها غيرُه منهم، وربما أوجَبت تلك الألفاظُ
أحكامًا .
فروايةُ حمَّادِ بنِ زيدٍ ، عن هشام بن عروةً، عن أبيه، عن عائشةَ، أن فاطمةً
بنتَ أبى مُبيشٍ استفتتِ النبىَّ وَلِّ، فقالت: يا رسولَ اللهِ ، إنى أَستحاضُ فلا
أطهُرُ، أفادَعُ الصلاةَ؟ فقال: ((إنما ذلكِ عِرْقٌ وليست بالحَيْضةِ، فإذا أقبَلتِ
الخَيضةُ، فدَعى الصلاةَ، فإِذا أدبَرت فاغسلى عنك أثرَ الدم وتوضَّئى ، فإنما
ذلك عِرْقٌ وليست بالخَيضةِ)). فقيل لحمَّادٍ: فالغُسلُ؟ فقال: ومَن يشُكُ فى
ذلك! غُسلًا واحدًا بعدَ الخَيضةِ(١) .
وأما روايةُ أبى حنيفةَ، فحدَّثنا خلَفُ بنُ قاسم بنِ سهلِ الحافظُ ، قال :
القبس
(١) الموطأ برواية أبى مصعب الزهرى (١٧١)، وأخرجه البخارى (٣٠٦)، وأبو داود (٢٨٣)،
والنسائى (٢١٨، ٣٦٤)، وابن حبان (١٣٥٠) من طريق مالك به .
(٢) بعده فى ص ٢٧: ((وقال حماد: قال أيوب: أرأيت لو خرج من جنبها دم أتغتسل؟)).
والحديث أخرجه مسلم (٣٣٣)، وابن ماجه (٦٢١)، والنسائى (٢١٧، ٣٦٢) من طريق حماد بن
زيد به .
٥٢٤

الموطأ
التمهيد
وحدَّثنا محمدُ بنُ الحسینِ بنِ صالح السَّبیعیُّ ، قال : حدثنا محمدُ بنُ الحسن()
ابنِ سمَاعةً ، قال: حدَّثنا أبو نُعيمِ الفضلُ بنُ دُكَينٍ، واسم دُكينٍ عمرو ، قال :
حدَّثنا أبو حنيفةً، عن هشام بن عروةً، عن أبيه، عن عائشةً ، أن فاطمةً بنت أبى
مُحُبَيْشٍ قالت: يا رسولَ اللهِ، إنى أُحِيضُ فى الشهرِ والشهرين. فقال النبيُ وَّ:
«هذا عِزْقٌ من دمك ، فإذا أقبلت حَیضتُكِ فدعى الصلاةَ ، وإذا أدبرت فاغتسلی
(٢)
لطُهْرِكِ))(٢).
وأما روايةُ أبى معاويةً، فحدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم بنٍ عيسى، قال: حدّثنا
عمرُ ابنُّ إبراهيمَ، قال: حدَّثنى الحسينُ(٢) بنُ إسماعيلَ المَحاملىُّ، قال:
حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ الدَّوْرَقِيُّ، قال: حدَّثنا أبو معاويةَ، قال: حدّثنا
هشامُ بنُ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: جاءت فاطمةُ بنتُ أبى
مُحُبَيْشٍٍ إلى النبيِّ وَّهِ، فقالت: يا رسولَ اللهِ، إنى امرأةٌ أَستحاضُ فلا
أطهُرُ، أَفأدَمعُ الصلاةَ؟ قال: ((لا، إنما ذلكِ عِرْقٌ وليس بالحَيْضةِ، فإذا
أقبَلت حَيضتُك، فدَعى الصلاةَ، فإذا أدبَرت فاغسلى عنك الدمَ، ثم
اغتسلى)). قال هشام: "قال أبى": ثم توضَّئى لكلِّ صلاةٍ حتى يجىءَ
القبس
(١) فى النسخ: ((الحسين)). وينظر السير ٥٦٨/١٣.
(٢) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ١٠٢/١، وفى المشكل (٢٧٣٢)، والطبرانى ٣٦٠/٢٤
(٨٩٥) من طريق أبی نعيم به .
(٣) فى م: ((الحسن)). وينظر تهذيب الكمال ٣١٣/٣٢.
(٤ - ٤) فى م: ((أى)).
٥٢٥

الموطأ
ذلك الوقتُ(١) .
التمهيد
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُّ سفيانَ وسعيدُ بنُّ نصرٍ ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصْبَغَ،
قال : حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحُمَيدىُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ ،
قال : حدَّثنا هشامُ بنُ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةً، أن فاطمةً ابنةً أبى ◌ُبَيشٍ
الأسديةَ كانت تُستحاضُ، فسألت رسولَ اللهِ وَلَه، فقال لها: ((إنما ذلكِ عِزْقٌ
وليسَ بالحَيْضةِ ، فإذا أقبَلتِ الخَيضةُ ، فاتركى الصلاةَ، وإذا أدبرت فاغتسلی
وصلِّى)). أو قال: ((اغسلى عنك الدمَ وصلَّى)). قالت عائشةٌ: وهى إحدى
(٢)
نسائنا(٢).
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُّ سفيانَ ، قال : حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال : حدّثنا
جعفرُ بنُ محمد الصائغُ، قال: حدَّثنا عفَّانُ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ سلمةَ،
قال: أخبرَنا هشامُ بنُ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، أن فاطمةَ قالت: يا رسولَ
اللهِ، إنى مُستحاضةٌ ، أفأتركُ الصلاةَ؟ قال: ((إنما ذلكِ عِرْقٌ وليسَ بالخَيْضةِ،
فإذا أقبَلتِ الخَيضةُ ، فاترُ کی الصلاةَ ، وإذا ذهَب وقتُها فاغسلى عنك الدمَ ثم
تَطَهَّرِى وصلَّى)). قال هشام: كان عروةُ يقولُ: الغسلُ الأولُ ثم الطُّهرُ بعدُ(٣).
القبس
(١) أخرجه الدارقطنى ٢٠٦/١ من طريق الحسين بن إسماعيل به، وأخرجه البخاری (٢٢٨)،
ومسلم (٣٣٣)، والترمذى (١٢٥)، والنسائى (٢١٢) من طريق أبى معاوية به.
(٢) الحميدى (١٩٣) - ومن طريقه الطبرانى ٣٥٨/٢٤ (٨٨٩)، والبيهقى ٣٢٧/١ - وأخرجه
البخارى (٣٢٠)، والبيهقى ٣٢٧/١، وغيرهما من طريق سفيان به.
(٣) أخرجه الدارمى (٨٠٦)، وأبو يعلى (٤٤٨٦)، والطحاوى ١٠٣/١، وفى المشكل (٢٧٣٤)
من طريق حماد بن سلمة به .
٥٢٦

الموطأ
وحدَّثنا أحمدُ بنُّ قاسم وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ التمهيد
أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامةَ وأحمدُ بنُ سعيدِ الجَمَّالُ ، قالا:
حدَّثنا محمدُ بنُ كُنَاسَةَ ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ،
قالت: أتَتْ فاطمةُ بنتُ أبى ◌ُبَيشِ النبىَّ بَّهِ، فقالت: إنى أَستحاضُ فلا
أطهُرُ، أَفأدَعُ الصلاةَ؟ قال: ((إنما ذلكِ ليس بحيضٍ ، ولكنه عِرْقٌ ، فإذا أقبَلتِ
الخَيضةُ، فَدَعى الصلاةَ، وإذا أدبَرت فاغسلى عنك الدمَ وصلِّى))(١).
ورواه یحیی بن هاشم ، عن هشام بن عروةَ ، یإسنادِه مثله، وقال فيه: ((إذا
أُدبرَت فاغسلى عنك الدمَ وتوضَّئى عندَ كلِّ صلاةٍ وصلِّی))(٢) .
ورواه الزهرىُّ، عن عروةَ، فاختلف فيه عليه اختلافًا كثيرًا، قال فيه
الأوزاعىُّ : عن الزهرىِّ، عن عروةَ وعَمرةً، أن عائشةَ قالت: استُحيضَت أمّ
حبيبةً بنت جحشٍ ، وهی تحتَ عبد الرحمن بن عوفٍ سبعَ سنينَ ، فأمرها النبىُّ
وَله: (إذا أقبَلتِ الخَيضةُ فدعى الصلاةَ، وإذا أدبَرت فاغتسلى وصلِّى))(٣).
قال أبو داودَ(٤) : ولم يذكُوْ هذا الكلامَ أحدٌ مِن أصحابِ الزهرىٌّ غيرَ
الأوزاعىِّ ، رواه عن الزهرىِّ عمرُو بنُّ الحارثِ ، ويونسُ بنُّ يزيدَ ، والليثُ ، وابنُ
أبي ذئبٍ، ومعمرٌ، وإبراهيمُ بنُ سعدٍ، وسليمانُ بنُ كثيرٍ ، وابنُ إسحاقَ ،
القبس
(١) أخرجه ابن المنذر فى الأوسط (٨٠٥)، والبيهقى ٣٢٤/١ من طريق ابن كناسة به.
(٢) سیأتی تخريجه ص ٥٨١ .
(٣) أخرجه ابن ماجه (٦٢٦)، والدارمى (٧٩٥)، والنسائى (٢٠٣، ٢٠٤) من طريق الأوزاعى به.
(٤) أبو داود عقب الأثر (٢٨٥).
(٥ - ٥) سقط من : ص٢٧ .
٥٢٧

الموطأ
التمهيد
وابنُ عُبينةً(١) لم يذكُروا هذا الكلامَ ، وإنما هذا لفظُ حديث هشام بن عروةَ ، عن
أبيه، عن عائشةَ. قال أبو داودَ : وزاد ابنُ عُيينةَ فيه: أمَرها أن تدَعَ الصلاةَ أيامَ
أقرائِها. وهو وهْم من ابنٍ عُيينةً، قال : وحديثُ محمدٍ بن عمرو ، عن الزهرىِّ
فيه شئ يقرُبُ من الذى روَى الأوزاعىُّ فى حديثه. حدَّثنا محمدُ بنُ المُثنَّى،
قال : حدثنا ابنُ أبی عدی ، عن محمد بن عمرو ، قال : حدّثنی ابنُ شهاب ،عن
عروةَ بنِ الزبيرِ ، عن فاطمةَ بنتِ أبى محبيشٍ، أنها كانت تُستحاضُ ، فقال لها
النبىُّ ◌َّهِ: ((إذا كان دمَ الحيضِ فإنه دمٌ أسودُ يُعرَفُ ، فإذا كان ذلك فأمسكى
عن الصلاة، فإذا كان الآخرَ فتوضَّئی وصلِی فإنما ذلك عِزْقٌ)»(٢).
قال أبو داود : قال ابنُ المثنّی : هکذا حدثنا به ابنُ ابی عدی من کتابه ، ثم
حدَّثْنا بعدُ حفظًا فقال: حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، عن الزهرىِّ، عن عروةَ ، عن
عائشةً ، أن فاطمةً كانت تُستحاضُ، فذكره .
قال أبو عمر : روی هذا الحدیثَ شُھیلُ بنُ أیی صالح، عن الزهرئِّ ، عن
عروةَ بنِ الزبيرِ ، قال : حدثثنى فاطمةُ بنتُ أبى محُبَيشٍ، أو أسماءُ، حدثتنى أن
فاطمةً . فلم يُقم الحديث(١) . وقال فيه إبراهیمُ بنُ سعدٍ : عن ابن شهاب ، عن
عَمرةً بنتِ عبدِ الرحمنِ، أنها سمِعتْ عائشةَ تقولُ : جاءت أمّ حبيبةً بنتُ
القبس
(١) بعده فى م: (( و).
(٢) أبو داود (٢٨٦، ٣٠٤) - ومن طريقه البيهقى ٣٢٥/١، وفى الخلافيات (١٠٠٩) - وأخرجه
النسائى (٣٦٠، ٣٦١)، والطحاوى فى المشكل (٢٧٢٩)، وابن حبان (١٣٤٨) من طريق
محمد بن المثنی به .
(٣) أخرجه أبو داود (٢٩٦)، والطحاوى فى شرح المعانى ١٠٠/١، ١٠١ من طريق سهيل به.
٥٢٨

الموطأ
التمهيد
جَخْشٍ إلى رسولِ اللهِ وَّه، وكانت قد استُحيضَت سبعَ سنينَ، فاشتكت
ذلك إليه واستفتته، فقال لها: ((إن هذا ليس بالحيضة ، وإنما هو عِرْقٌ فاغتسلی
ثم صلِّى)). قالت عائشةُ: فكانت أمُّ حبيبةَ تغتسِلُ لكلِّ صلاةٍ وتصلِّى(١).
وقال فيه عمرُو بنُ الحارثِ: عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ وعَمرةً ، عن
عائشةً، أن أمّ حبيبةَ بنتَ جحشٍ خَتَنَةَ رسولِ اللهِ وَ ل﴿ وتحتَ عبدِ الرحمنِ بنِ
عوفٍ استُحيضَت سبعَ سنينَ، فقال لها رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إن هذه ليست
بالحيضةِ ، ولكن هذا عِرْقٌّ فاغتسلى وصلِى))(٢) . وقد ذكرنا الآثارَ وما لعلماءٍ
الأمصارِ من المذاهبِ فى هذا البابِ مُمَهَّدًا فى بابِ نافع من هذا الكتابِ ،
والحمدُ للهِ(٣) .
وأمَّا حديثُ مالكِ عن هشامٍ ، ففيه من الفقهِ أنَّ الحيضَ يمنَعُ المرأةَ الحائضَ
من الصلاةِ، وأنَّ من الدمِ الخارجِ(٤) من الرحمِ دمّا لا تمتنعُ معه المرأةُ من
الصلاةِ، وهو العِزْقُ الذى قال رسولُ اللهِ وَلّهِ، ° ومعنى قوله: ((إنما ذلك
عِْقٌ)). يريدُ : عرقّ انفجَر أو انقطَع، وهى الاستحاضةُ؛ ولهذا سألتْه فاطمةُ إذ
أَشْكَل عليها ذلك، فأجابها بجوابٍ يدُلُّ على أنها كانت تُميُّ انفصالَ دم
القبس
(١) أخرجه أحمد ٣٥١/٤٢ (٢٥٥٤٤)، ومسلم (٣٣٤) من طريق إبراهيم بن سعد به .
(٢) أخرجه مسلم (٦٤/٣٣٤)، وأبو داود (٢٨٥، ٢٨٨) من طريق عمرو بن الحارث به.
(٣) سيأتى ص ٥٣٧ وما بعدها .
(٤) فى الأصل، ص ٢٧: (الطاهر)).
(٥ - ٥) سقط من: ص ٢٧.
٥٢٩
( موسوعة شروح الموطأ ٣٤/٣)

الموطأ
التمهيد
حيضِهاً من دم استحاضتِها؛ فلهذا قال لها : ((إذا أَقبَلتِ الحيضةُ فاتركى
الصلاةَ، فإذا ذهَب قدْرُها ، فاغتسلى وصلِّى)) هذا نصّ صحيح فى أن الحائضَ
تترُكُ الصلاةَ، ليس عن النبيِّ وَلِّ فى هذا البابِ أثبتُ منه من جهةٍ نقلِ الآحادِ
العُدولِ ، والأمّةُ مُجمِعةٌ على ذلك وعلى أن الحائضَ بعدَ طُهرِها لا تقضى صلاةً
أيامٍ خَيضيِها؛ لا خلافَ فى ذلك بين علماءِ المسلمين، فلزِمَتِ حُجَّتُه وارتفَع
القول فيه .
وقد روى أبو قلابةً وقتادةُ جميعًا، عن معاذةَ العدويةِ، عن عائشةً ، أن امرأةً
سألتها : أتقضِى الحائضُ الصلاةَ؟ فقالت لها عائشةُ: أَحرورِيَّةٌ أنت ؟ قد كنا
نَحيضُ على عهدٍ رسولِ اللهِ وَله ثم نَطُرُ فلا تُؤْمَرُ بقضاءِ الصلاةِ. وزاد
بعضُهم: وتُؤْمَرُ بقضاءِ الصومِ (١). وهذا١٢ إجماع أن الحائضَ لا تصومُ فى أيامٍ
خَيضتِها، وتقضِى الصومَ ولا تقضِى الصلاةَ، لا خلافَ فى شىءٍ من ذلك ،
والحمدُ للهِ .
وما أجمعَ المسلمون عليه فهو الحقُّ والخبرُ القاطعُ للعذرِ ، وقال اللهُ عزَّ
وجلّ: ﴿ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِ، مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ، جَهَتَّمٌ وَسَآءَتْ
مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]. والمؤمنون هلهنا الإجماع؛ لأن الخلافَ لا يكونُ معَه
القبس
(١) فى ص ٢٧: ((حيضتها)).
(٢) أخرجه مسلم (٣٣٥)، وأبو داود (٢٦٢) من طريق أبي قلابة به، وأخرجه أحمد ١٧٩/٤١
(٢٥١٠٩)، والبخارى (٣٢١)، وابن ماجه (٦٣١) من طريق قتادة به .
(٣) بعده فى ص ٢٧: ((أيضا)).
٥٣٠

الموطأ
التمهيد
اتباعُ غيرِ سبيلِ المؤمنينَ، لأن بعضَ المؤمنين مؤمنون، وقد اتَّبَع المتّخُ
سبيلَهم، وهذا واضحٌ يُغنِى عن القولِ فيه. وأمَّا قولُه: ((فإذا أدبَرت الحيضةُ
فاغسلی عنك الدم وصلّى» . فى رواية مالك ، فقد فسره غيره ممن ذكّرنا روايته
هلهنا؛ وهو أن تغتسِلَ عندَ إدبارٍ حيضيتها (١) وإقبالٍ دم استحاضتِها، كما
تغتِلُ الحائضُ عندَ رؤيةٍ طُهْرِها سواءً؛ لأن المستحاضةَ طاهرٌ، ودمَها دمُ
عِزْقٍ كدمٍ لجرحٍ سواءً، فيلزَمُها عندَ انقطاع دم حيضتِها الاغتسالُ، كما
يلزَمُ الطاهرَ التى لاُ ترَى دمًا.
وفى هذا الحديثِ دليلٌ على أن المستحاضةَ لا يلزَمُها غيرُ ذلك الغسلِ ؛
لأن رسولَ اللهِ نَّه لم يأمُرْها بغيرِهِ، وفيه ردِّ لقولٍ مَن رأى عليها الغسلَ
لكلِّ صلاةٍ، وردّ لقولٍ مَن رأى عليها الجمعَ بينَ الظهرِ والعصرِ بغسلٍ
واحدٍ، والمغربِ والعشاءِ بغسلٍ واحدٍ )، وتغتسِلُ للصبح؛ لأن رسولَ اللهِ
ێ﴾ لم یأمرها بشىء من ذلك فی هذا الحديث، وهو أصح حدیث ژُوِی فی
هذا البابِ، وهو (٤) ردِّ لقولٍ من قال بالاستظهارِ يومين أو ثلاثًا أو أقلَّ أو
أكثرَ، وقد استدلَّ بعضُ مَن يَرَى الاستظهارَ من أصحابِنا بقوله عليه السلامُ
فى هذا الحديثِ : ((فإذا ذهَب قَدْرُها)). قال: لأن قدْرَ الحيضِ قد يَزِيدُ مرَّةً
وينقُصُ أُخرى؛ فلهذا رأى مالكٌ الاستظهارَ بثلاثة أيامٍ ليستيِينَ فيها
القبس
(١) فى الأصل: ((حيضها)).
(٢) سقط من: م.
٠
(٣) فى ص ٢٧: ((آخر)).
(٤) فى ص ٢٧: ((فيه)).
٥٣١

الموطأ
التمهيد انفصالُ(١) دم الحيضِ من دمِ الاستحاضةِ، واقتصر على "الثلاثةِ الأيام"
استدلالًا بحديثٍ المُصرَّاةِ()، إذ حَدَّ فيه رسولُ اللهِ وَ لِّ ثلاثةَ أيامٍ فِى
انفصالِ اللّنِ" .
وقال غيره ممن يُخالِفُه فى الاستظهارِ: معنى قوله: ((فإذا ذهَب قَدْرُها)).
تقولُ : إذا ذهبتْ وأدبرت وخرج وقتُها ، ولم یکن فی تقدیرك أنه بقی شئ منه ،
فاغتسلى حينئذٍ ولا تمكُثى وأنت غيرُ حائضٍ دون غسلٍ ودونَ صلاةٍ . قال :
ومُحالٌ أن يأمُّرَها رسولُ اللهِ بِّهِ - وهى قد ذهَبت حَيضتُها - أن تترُكَ الصلاةَ
ثلاثةَ أيامٍ لانتظارٍ حيضٍ يجِىءُ أو لا يجىءُ.
ومعنى قوله : ((فإذا ذهَب قدْرُها)). لا يخلُو من أن يكونَ أراد انقضاءَ أيامٍ
حيضتِها، أو انفصالَ دمٍ حيضتِها من دمٍ استحاضتِها، وأىُّ ذلك كان ، فقد
أمرها(٥) أن تغتسِلَ وتصلِّىَ، ولم يأمُرْها باستظهارٍ، ولو كان واجبًا عليها لأمرها
به ، قالوا : والسُّنةُ تنفِى الاستظهارَ؛ لأن دمَ أيامِه(١) جائزٌ أن يكونَ استحاضةً،
وجائزٌ أن يكونَ حيضًا ، والصلاةُ فرضٌ بيقينٍ ، فلا يجوزُ لامرأةٍ أن تدَعَ الصلاةَ
القبس
(١) سقط من: ص ٢٧، وفى م: ((انقضاء)).
(٢ - ٢) فى ص ٢٧: ((الثلاثة أيام))، وفى م: ((القضاء ثلاثة أيام)).
(٣) سيأتى فى الموطأ (١٤٢١).
(٤) فى الأصل، ص ٢٧: ((اللبس)). والمقصود انفصال لبن التصرية من اللبن الطارئ، ينظر
ص٦٦٧.
(٥) بعده فى ص ٢٧: ((عند ذهابه)).
(٦) فى ص ٢٧: ((الاستطهار))، وفى م: ((نجاسة)).
٥٣٢

الموطأ
التمهيد
حتى تستيقِنَ أنها حائضٌ . وذكروا أن مالكًا وغيره من العلماء قد جاءَ عنهم أنهم
قالوا : لأَنْ تصلِّىَ المستحاضةُ وليس عليها ذلك خيرٌ من أن تدَعَ الصلاةَ وهى
واجبةٌ عليها .
وفى هذا الحديثِ أيضًا ردِّ على مَن أوجَب الوضوءَ على المستحاضةِ لكلِّ
صلاةٍ؛ لأن رسولَ اللهِ وَله قال لها: ((إذا ذَهَبتِ الخَيضةُ فاغتسلى وصلِّى)).
ولم يقُلْ توضَّئى لكلِّ صلاةٍ .
وقد ذكرنا القائلين پإيجاب(١) الوضوء عليها لكلِّ صلاةٍ ، والقائلین یإیجاب
الغسلِ ، ووجه قولٍ كلِّ واحدٍ منهم مبسوطًا مُمَهَّدًا فى بابٍ نافعٍ عن سليمانَ بنِ
:
يسارٍ ، والحمدُ للهِ .
قال أبو عمرَ: إذا أُحدَثتِ المستحاضةُ حدَثًا معروفًا معتادًا لَزِمَها له
الوضوءُ، وأمَّا دم استحاضتِها فلا يُوجبُ وضوءًا؛ لأنه كدم المُجرحِ السائلِ،
وكيف يجبُ من أجلِه وضوءٌ وهو لا ينقطعُ؟ ومَن كانت هذه حاله من
سَلَسِ البولِ، والمَذْي، والاستحاضةِ لا يرفَعُ(٢) بوضوئِه حدَثًا؛ لأنه لا يُتِمُه
إلا وقد حصل ذلك الحدَثُ فى الأغلبِ، وإلى هذا المذهبِ ذهَب مالكٌ
وأصحابُه، وهو ظاهرُ حديثٍ هشامٍ بنِ عروةَ هذا فى قصةٍ فاطمةً بنتٍ أبى
مُبَيْشٍ، إلا أن عروةَ كان يُفتِى بأن المستحاضةَ تتوضَّأُ لكلِّ صلاةٍ، وذلك
القبس
(١) فى م: ((بها فى باب)).
(٢) سيأتى ص ٥٧٣ - ٥٨٦ .
(٣) فى ص ٢٧: ((يدفع).
٥٣٣

الموطأ
التمهيد عند مالك علی الاستحباب لا علی الإیجاب، وقد ذكرنا ما فى هذا الباب
مِن الآثارِ المرفوعةِ وغيرِها على اختلافِها، وذكرنا مَن تعلَّق بها وذهَب إليها
من علماءِ الصحابة والتابعين وفقهاءِ المسلمين، وذكّرنا اختلافَهم فى ذلك ،
وأصلَ كلِّ واحدٍ منهم فى الحيضِ والطهرِ والاستحاضةِ مُمَهَّدًا مبسوطًا فى
بابٍ نافعٍ عن سليمانَ(١) من هذا الكتابِ، فلا وجهَ لإعادةِ ذلك هلهنا،
والحمدُ للهِ .
روَى مالكٌ فى ((موطئِه)) (٢) عن هشام بن عروة، عن أبيه، أنه قال : ليس
على المستحاضةِ إلا أن تغتسِلَ غسلًا واحدًا، ثم تتوضَّأَ بعدَ ذلك لكلِّ صلاةٍ .
قال مالك: الأمرُ عندَنا علی حدیثِ هشام بن عروةً، عن أبيه، وهو أحبُ ما
سمِعتُ إلىَّ. ومن معانى هذا الحديث وجة آخر أُّوْنا القول فيه فی ذلك الباب
إلى هذا الموضع، وهذا قولُ العلماءِ فى المرأة التى لم تحِضْ قطُّ ، فحاضت يومًا
وطهُرت يومًا ، أو حاضَت يومين وطهرت يومًا أو يومين، ونحو هذا ؛ فأما مالكٌ
وأصحابُه، فقالوا: تجمَعُ أيامَ الدمِ بعضها إلى بعضٍ وتطرَحُ أيامَ الطُّهْرِ ، وتغتسِلُ
عندَ كلِّ يومٍ تَرَى فيه الطُّهرَ أولَ ما تراه، وتصلِّى ما دامت طاهرًا، وتكُفُّ عن
الصلاة فی أیام الدم الیوم والیومین ، وتُحصِی ذلك، فإذا كان ما اجتمع لها من
أیامِ الدم خمسةً عشَرَ یومًا اغتسلتْ وصلَّتْ ، وإن زاد على خمسة عشر يومًا فھی
مستحاضةٌ ، وإن كانت خمسةَ عشرَ يومًا أو أقلَّ، فهى خَيضةٌ تقطّعتْ . هذه
القبس
(١) سيأتى ص ٥٣٧ ، وما بعدها .
(٢) سيأتى فى الموطأ (١٣٧).
٥٣٤

الموطأ
روایةُ المدنیین عن مالكٍ .
التمهيد
وروَى ابنُ القاسمِ وغيرُه عنه أنها تضُمُ أيامَ الدمِ بعضها إلى بعضٍ ، فإن دام
بها ذلك أيامَ عادتِها ، استظهَرتْ بثلاثةٍ أيام على أيام حيضيتها ، فإن رأتْ فى
خلال أيامِ الاستظهارِ أيضًا طُهرًا ألغَتْه (١) حتى تُحصِّلَ(٢) ثلاثةَ أيامٍ للاستظهارِ
وأيامِ الظُّهرِ ، وتصلِّى وتصومُ، ويأتيها زوجها ، ويكونُ ما جمعت من أيامِ الدمِ
بعضَه إلى بعض حيضةً واحدةً ، ولا " تعتدُّ بأيام " الطَّهرِ فى عِدَّةٍ من طلاقٍ ، فإذا
استظهرتْ بثلاثة أيام بعد أيام حیضتها توضّأت لكلِّ صلاةٍ ، وتغتسِلُ كلَّ يوم من
أيامِ الطُّهرِ عندَ انقطاعِ الدمِ، وإنما أُمِرت بالغسلِ؛ لأنها لا تدرِى لعلَّ الدمَ لا
يَرجِعُ إليها، وروايةُ الربيع عن الشافعيّ مثلُ روايةِ المدنيين عن مالكٍ فى هذه
المسألةِ، اعتبارُ الخمسةَ عشرَ يومًا بلا استظهارٍ، وكذلك قال محمدُ بنُ
مَسلَمَةَ ، ولم يختلِفْ مالكٌ والشافعىُّ إذا كان تقطّعُ خَيضتِها يومًا كاملًا أو يومًا
وليلةً ، أنها فى يوم الحيضِ حائضٌ لا مستحاضةٌ، وفى يوم الطَّهرِ طاهرٌ، أو(٤)
هى خَيضةٌ متقطِّعةٌ. وقال محمدُ بنُ مسلمةً : إذا كان طُهرُها يومًا وحَيضُها
يومًا ، فطُهرُها أقلُّ الطُّهرِ، وحَيضُها أكثرُ الحيضِ، فكأنها قد حاضَت خمسةً
عشرَ يومًا متواليةً، وطهُرت خمسةَ عشرَ؛ فخَبالُ() حيضتِها لا يضُرُّها،
القبس
(١) فى ص ٢٧: ((ألقته)).
(٢) فى م: ((تجعل)).
(٣ - ٣) فى م: «تعد أيام)).
(٤) فى ص ٢٧: ((و)).
(٥) فى م: ((فحال)).
٥٣٥

الموطأ
واجتماعُ الأيامِ وافتراقُها سواءٌ، ولا تكونُ مستحاضةً .
التمهيد
وأمَّا أبو حنيفةً وأصحابُه فمذهبُهم فى هذه المسألةِ اعتبارُ أقلِ الظُّهرِ وأقلّ
الحيضِ؛ فأما أبو يوسف فاعتَبَر أقلَّ الطَّهرِ خمسةَ عشرَ يومًا، وجعَله كدمٍ
متَّصلِ ، وأما محمدُ بنُ الحسنِ فاعتيَر مقدارَ الدمِ والطُّهرِ؛ فإذا كان بينَ الدَّمَينِ
من الطُّهرِ أقلُّ من ثلاثةِ أيامٍ ، فإن ذلك كلَّه كدمٍ متَّصلٍ، سواءً كان الحيضُ أكثرَ
أو الطُّهرُ أكثرَ؛ نحو أن تَرى يومًا حيضًا أو يومين، ويومين طُهرًا ، وساعةً دمًا ،
فيكونُ جميعُ ذلك حيضًا. وقال أبو جعفر الطحاوىُّ: قد اتفقوا أنه لو انقطَع
ساعةً أو نحوها أنه کدم متصل، فكذلك الیوم والیومین ؛ لأنه لا يُعتدُّ به من
طلاقٍ . وقد قال أبو الفرج: ليس بنكيرٍ أن تَحيضَ يومًا وتطهُرَ يومًا فنتقطّعَ
الحیضةُ علیھا ، کما لا يُنگ ان یتأخّرَ حیضُها عن وقته ؛ لأن تأخيرَ بعضِه عن
اتصالِهِ كتأخيرِه كلِّه، فمن أجلِ ذلك كانت بالقليلِ حائضًا )، ثم لم یکنِ
القليلُ حيضةٌ ؛ لأن الحيضةَ لا تكونُ إلا بأن يمضِىَ (١) لها وقتٌ تامّ وطُهرُ تامّ،
أقلُّه فيما روَى عبدُ الملكِ خمسةُ أيامٍ ، قال: ولو أن قِلَّةَ الدمِ يُخرِجُه من أن يكونَ
حیضًا ، لأخرجته من أن تكون استحاضةً ؛ لأن دم العزقِ هو الکثیرُ الزائدُ على ما
يُعرَّفُ .
قال أبو عمرَ: راعَى عبدُ الملكِ وأحمدُ بنُ المعذَّلِ فى هذه المسألةِ ما
أصَّلاه فى أقلُ الطَّهرِ خمسةَ أيامٍ ، وراعى محمدُ بنُّ مسلمةَ خمسةَ عشرَ طُهرًا ،
القبس
(١) فى م: ((أيضا).
(٢) فى م: (يقضى).
٥٣٦

الموطأ
١٣٤ - وحدّثنی یحیی عن مالك، عن نافع، عن سلیمانَ بنِ
يسار، عن أمّ سلمةَ زوج النبيِّ وَ لِّ، أن امرأةً كانت تُهَرَاقُ الدماءَ فى
عهدِ رسولِ اللهِ وَه، فَاسْتَفْتت لها أم سلمةَ رسولَ اللهِ وَله، فقال:
التمهید
وجعَل كلَّ ما يأتى من الدم قبلَ تمام الطُّهرِ عِرقًا لا تُترَكُ فيه الصلاةُ، وكذلك
يلزَمُ كلَّ مَن أصَّل فى أقلِّ الطُّهرِ أصلًا بعِدَّةٍ معلومةٍ، أن يعتبرَها فى هذه
المسألةِ ، وقد ناقَض الكوفيون ؛ لأنهم قالوا فى هذه المسألةِ بمراعاةٍ ثلاثةِ أيامٍ
طُهرًا، وقولهم فى أقلِّ الُهرِ: إنه خمسة عشر يومًا، وقد ذكرنا فى بابٍ
نافعٍ من أصولِ العلماءِ (١ وفروعِ أقوالهم فى الحيضةِ والطَّهرِ والاستحاضةِ
ما تَقِفُ به على صحةٍ هذه المسألةِ وغيرِها فى مذاهبِهم إن شاء اللهُ) .
قال أبو عمر : إنما أجرینا هذه المسألةَ هلهنا وإن کانت قد مرّت فی بابٍ
نافع(١)؛ لأنها داخلةٌ فى معنى قولٍ رسولِ اللهِ - رَّهِ - : ((إذا أقبَلتِ الخَيضةُ
فاتژ کی الصلاةَ ، فإذا ذهب قدرُها وأدبرت فاغتسلی وصلِی» . وقد ذكرنا حكم
أقلِّ الحيضِ والطُّهرِ وأكثرِهما ، واختلافَ العلماءِ فى ذلك فى بابِ نافعٍ من هذا
الکتاب ، والحمدُ للهِ .
مالكٌ، عن نافعٍ، عن سُليمانَ بنِ يَسارٍ ، عن أُمّ سلمةَ زوجِ النّبِىِّ وَِّ، أنَّ
وأحاديثُ الحيضِ أربعةٌ :
القبس
الأولُ: قولُهُ وَّهِ: «تَمْكُّثُ إِحْداكُنَّ اللياليَ والأيامَ "لا تصومُ)) ولا تُصَلِّ)).
الثانى: قولُهُ وَله: ((لتَنْظُرْ عدد الليالي والأيامِ التى كانت تَحِيضُهنَّ مِن الشهرِ
(١ - ١) فى م: ((وأكثرهما واختلاف العلماء فى ذلك فى باب نافع من هذا الكتاب والحمد لله)).
(٢) ينظر شرح الحديث التالى .
(٣ - ٣) سقط من : ج .
٥٣٧

الموطأ ((لتَنْظُرْ إِلى عَددِ الليالي والأيام التى كانت تَحِيضُهن من الشهرِ، قبلَ أن
يُصِيبَها الذى أصابها، فلْتَتْرُكِ الصلاةَ قَدْرَ ذلك من الشهرِ، [٢٣و] فإذا
خَلَّفَتْ ذلك فلْتَغْتَسِلْ، ثم لْتَسْتَثْفِرْ بثوبٍ، ثم لْتُصَلِّى)).
التمهيد امرأةً كانت تُهَرَاقُ الدِّماءَ على عهدِ رسولِ اللهِ وَ لَه، فاستفتَتْ لها أُمُّ سلمةً
رسولَ اللهِ وَله، فقال: ((لتنظُرْ إِلى عددِ اللَّيالى والأيام التى كانت تَحيضُهنَّ من
الشهرِ قبلَ أنْ يُصيبَها الذى أصابَها ، فلتَتْرُكِ الصلاةَ قدرَ ذلك من الشهرِ، فإذا
خلَّفَتْ ذلك فلْتغْتَسِلْ، ثم لتَشَثْفِرْ بثوبٍ(١)، ثم لتُصلِّى))(٢).
قال أبو عمرَ: هكذا روَاه مالكٌ، عن نافع، عن سُليمانَ، عن أمّ سلمةً .
قبلَ أن يُصِيبَها الذى أصابَها، فلْتَتْوُكِ الصلاةَ فيها)).
القبس
الثالثُ: قولُهُ وَلِّ وقد سُئل عن الاستحاضةِ: ((إنما ذلك عِرْقٌّ وليست
بالحَيْضةِ ، فإذا أقبَلَت الحَيْضةُ، فاتْرُ كى الصلاةَ، فإِذا ذهَب قَدْرُها ، فاغْسِلى عنكِ
الدمَ" وصَلِّی)).
الرابعُ: قولُهُ نَّهِ: ((إن دمَ الخَيْضِ أسودُ يُعْرَفُ، فإذا أقبَلَتِ الخَيْضَةُ فَدَعِى
الصلاةَ، وإذا أُدْبَرَت فَاغْسِلى عنك الدَّمَ)) الحديث. ورُوِى: ((فَتَوَضَّئى لكلِّ
صلاةٍ)) .
(١) أى تشد فرجها بخرقة بعد أن تحتشى قطنا وتوثق طرفى الخرقة فى شىء تشده على وسطها فيمنع
بذلك سيل الدم، عون المعبود ١/ ١١١.
(٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٨٢)، وبرواية أبى مصعب (١٧٢)، وأخرجه أحمد ٣٠٧/٤٤
(٢٦٧١٦)، وأبو داود (٢٧٤)، والنسائى (٢٠٨، ٣٥٣) من طريق مالك به.
(٣ - ٣) فى م: ((الدم عنك)).
٥٣٨
:

الموطأ
التمھید
و کذلك رواه أیوبُ الشّخْتِیانئُ، عن سلیمانَ بنِ یَسارٍ، کما رواه مالكٌ، عن
نافعٍ سواءً. ورواه اللَّيثُ بنُ سعدٍ ، وصخرُ بنُّ جويريةَ ، وعبيدُ اللهِ بنُ عمرَ، على
اختلافٍ عنهم، عن نافعٍ، عن سُليمانَ بنِ يَسارٍ ، أَنَّ رجلًا أخبره عن أُمّ سلمةً .
فأدخَلُوا بينَ سُليمانَ بنِ يَسارٍ وبِينَ أُمّ سلمةَ رجلًا .
وذكَر حمادُ بنُّ زيدٍ ، عن أيوبَ فى هذا الحديثِ أنَّ المرأةَ المذكورةَ فى هذا
الحديثِ التى كانت تُهَراقُ الدِّماءَ فاستفتَتْ لها أُمُّ سلمةَ رسولَ اللهِ پێ عن ذلك،
هى فاطمةُ بنتُ أبى محبيشٍ. وكذلك ذكّر ابنُ عيينةَ أيضًا عن أيوبَ فى هذا
الحديث .
وحديثُ فاطمةَ ابنةٍ أبى ◌ُبيشِ رواه هشامُ بنُ عُروةَ ، عن أبيه ، عن عائشةً ،
بخلافٍ هذا اللفظِ، وسنذكُرُه ههُنا، وفى بابٍ هشامِ بنِ عُروةَ من كتابِنا هذا(١)
إن شاءَ اللهُ .
وأمَّا حدیثُ سُلیمانَ بنِ یَسارِ هذا فحدّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ محمدِ بنِ
علىّ، قال: حدَّثنا أبى، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُّ
أحمد ، قال: حدثنا محمدُ بنُ مُبیدٍ ، قال: حدّثنا حمَّادُ بنُ زیدٍ ، قال: حدّثنا
أيوبُ ، عن سُليمانَ بنِ يَسارٍ ، أنَّ فاطمةَ ابنةً أیی حُبیشِ استُحِيضَتْ حتى كان
المِرْكَنُ(٢) يُنقَلُ من تحتِّها وعاليَه(٣) الدَّمُ، فأمَرَتْ أُمَّ سلمةً أَنْ تسألَ لها النبىّ
القبس
(١) تقدم فى الموطأ (١٣٣).
(٢) المركز: الإجانة التى يغسل فيها الثياب، والميم زائدة، وهى التى تخص الآلات. النهاية ٢/ ٢٦٠.
(٣) فى ق، ن: ((أعاليه)).
٥٣٩

.
الموطأ
التمهید
وَلَه فقال: ((تَدَعُ أَيَّامَ أَقرائِها، وتغتسلُ وتَسَْثْفِرُ وتصلِّى)). قال أيوبُ: فقلتُ
لسليمانَ بنِ يَسارٍ : أيغشَاها زوجُها؟ قال: إِنَّما نُحَدِّثُ بما سمِعْنا . أو: لا
نُحدِّثُ إِلَّ بما سمِعْنا(١).
وحدَّثنا سعيدُ بنُ نَصرِ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسم بنُ أصبَغَ،
قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الترمذىُّ، قال: حدَّثنا الحميدىُّ، قال: حدَّثنا
سفيانُ ، قال : حدَّثنا أيوبُ السَّخِيانىُ، عن سُليمانَ بنِ یَسارٍ ، أنَّه سمِعه ◌ُحدِّثُ عن
أُمّ سلمةَ ، أَنَّها قالت: كانت فاطمةُ ابنةُ أبى حُبيشٍ تُستحاضُ، فسألْتُ رسولَ اللهِ
إنَّه فقال: ((إِنَّهُ ليس بالحيضةِ، ولكنَّهُ عِرْقٌ)). وأمرها أن تَدَعَ الصلاةَ قدرَ أَقرائِها ،
أو قدرَ حيضتِها، ثم تغتسلَ، فإن غلَبها الدَّمُ استثفرَتْ بثوبٍ وصلَّتْ(٢).
وكذلك رواه وُهيبٌ ، عن أيوب ، عن سُليمانَ بنِ يَسارٍ مثلَه .
أُخبرناه أبو محمد عبدُ الله بن محمد بن عبد المؤمن، قال : أخبرنا
أحمدُ بنُّ جعفرٍ بنٍ حَمدانَ(٢) بنِ مالكٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنِ
حنبل ، قال : حدّثنی ابی ، قال : حدثنا عفان ، قال : حدثنا وهيبٌ ، قال: حدَّثنا
أيوبُ، عن سُليمانَ بنِ يَسارٍ ، عن أُمّ سلمةَ ، أنَّ فاطمةَ استُحِيضَتْ ، وكانت
تَغتسلُ فى مِرْكَنٍ لها ، فتَخرجُ وهى (٤) عاليةُ الصَّفْرَةِ والكُدْرَةِ، فاستفتَتْ لها أُ
القبس
(١) أخرجه الدارقطنى ٢٠٨/١ من طريق حماد به.
(٢) الحميدى (٣٠٢)، وأخرجه الطحاوى فى شرح المشكل (٢٧٢٣)، والطبرانى ٣٨٥/٢٣
(٩١٩)، والدارقطنى ٢٠٧/١ من طريق سفيان به.
(٣) فى ق: ((حمران)). وينظر سير أعلام النبلاء ١٦/ ٢١٠.
(٤) فى الأصل، م: ((هو).
٥٤٠