Indexed OCR Text

Pages 481-500

الموطأ
الاستذكار
أن اليهودَ كانت إذا حاضَت منهن امرأةٌ أخرَجوها عن البيتِ"، ولم
يُؤاكِلوها، ولم يُشارِبوها، ولم يُجامِعوها فى البيتِ، فَسُئل رسولُ اللهِ مَلآ عن
ذلك، فَأَنزَل اللهُ: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذَى﴾ [البقرة: ٢٢٢]. فقال
رسولُ اللهِ وَّهِ: ((جامِعوهنَّ فى البيوتِ، واصنَعوا كلّ شىءٍ إِلا النكاحَ)) (١).
فبانَ فى هذا الحديثِ المعنى الذى فيه نزلَت الآيةُ ، ومرادُ اللهِ تعالى منها
على لسانِ رسولِه وَله.
وأما أقوالُ الفقهاءِ فى مباشرةِ الحائضِ وما يُستبائحُ منها؛ فقال مالكٌ ،
والأوزاعىُّ، والشافعىُّ، وأبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ: له منها ما فوقَ الإزارِ. وهو
قولُ سالمٍ بنِ عبدِ اللهِ، والقاسم بن محمدٍ ().
وحُجَّتُهم ظواهِرُ الآثارِ عن عائشةَ، وميمونةَ، وأمّ سلمةً، عن النبيِّ وَّهه
أنه كان يأمرُ إحداهنَّ "إذا كانت حائضًا)، أن تَشُدَّ إزارَها عليها ثم يباشِرُها".
وقال سفيانُ الثورىُّ، ومحمدُ بنُ الحسنِ، وبعضُ أصحابٍ الشافعىِّ:
يجتنبُ موضِعَ الدمِ .
وممن رُوِى عنه هذا المعنى ابنُ عباسٍ، ومسروقُ بنُ الأجدَعِ، وإبراهيم
(١) فى ص، م: ((منهم)).
(٢ - ٢) سقط من: ص، م.
(٣) تقدم تخريجه ص ٤٦١، ٤٦٢، ٤٦٥.
(٤) تقدم تخريجه ص ٤٧١ .
(٥) ينظر ما تقدم فى ص ٤٦٢، وما بعدها .
القبس
٤٨١
(موسوعة شروح الموطأ ٣١/٣)

الموطأ
الاستذكار النخعىُ، وعكرمةُ () . وهو قولُ داود بن على ، ومِن ◌ُّتِھم حدیثُ ثابت ، عن
أنسٍ، عن النبيِّ وَ لَه قولُه: ((اصنَعوا كلَّ شىءٍ ما خلا النكاح)). وفى رواية
بعضٍ رواتِه: ((ما خلا الجماعَ)) .
وحديثُ الأعمشِ، عن ثابتٍ بنِ عُبيدٍ، عن القاسمِ بنِ محمدٍ ، عن
عائشةَ، قالت: قال رسولُ اللهِ وَلَّهِ: ((ناوِلِينى الخُمْرةَ مِن المسجدِ)). قلتُ:
إنی حائض. قال: ((إن حیضتك ليست فى يدك))(٢).
ورواه أبو إسحاقَ الشّپیعیُّ، عن التھئ، عن عائشةَ. وقد ذكرنا هذه
الأحاديث بأسانيدِها فى (( التمهيدِ))".
وفيها دليلٌ على أن كلَّ عضوٍ منها ليست فيه الحيضةُ ، فهو فى الطهارةِ
بمعنى (١) ما كان ذلك العضوُ عليه قبلَ الحيضةِ ، ودلّ على أن الحيضَ لا محُكمَ له
فی غیرٍ موضعه الذى أُمِرنا بالاجتنابِ له مِن أجلِه .
ورَوى أيوبُ عن أبى معشرٍ، عن إبراهيمَ، عن مسروقٍ ، قال: سألتُ
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٤٧١ .
(٢) تقدم تخريجه ص ٤٧٢.
(٣) فى ص، م: ((البهزى)). وهو عبد الله البهى مولى مصعب بن الزبير. ينظر تهذيب الكمال
٣٤١/١٦.
(٤) تقدم تخريجه ص ٤٧٣ .
(٥) ليس فى : الأصل، ص. وينظر ما تقدم فى ص ٤٧٣ .
(٦) بعده فى م: ((أنه يبقى على)).
٤٨٢

الموطأ
الاستذكار
عائشةَ: ما يحِلُّ لى مِن امرأتى وهى حائضٌ؟ قالت: كلُّ شيءٍ إلا الفَرْجَ(١).
ورَوى الليثُ بنُ سعدٍ، عن بكيرٍ (٢) بنِ الأُشجّ، عن أبى مُؤَةً مولی عَقیلٍ،
عن تحكيمٍ بنِ عِقالٍ ، قال: سألتُ عائشةَ: ما يحرُمُ علىَّ مِن امرأتى إذا حاضت؟
قالت : فرجها(١).
وإذا ترتّبت هذه الآثار مع حدیث زيد بن أسلم فى هذا الباب، وحديثٍ
ربيعةً، والأحاديثِ عن أزواج النبيِّ وَّهِ، أن النبيَّ وَالتَّ كان يأمُرُ هِنَّ أَن تَشُدَّ
كلُّ واحدةٍ منهن عليها إزارَها إذا حاضت ثم بياشِرُها - لم تتدافع ، و كان بعضُها
يعضُدُ بعضًا، على ما تأوَّلْنا مِن قطع الذريعةِ فى شدِّ الإزارِ ؛ لئلا يتطرّقَ إلى
الموضعِ المحظورِ، واللهُ أعلمُ .
وقد ذكر أبو داودَ فى ((السننٍ))(٤) حديثًا مسندًا عن عائشةَ، أن رسولَ اللهِ
بَِّّ قال لها وهى حائضٌ: ((اكشِفى عن فَخِذِك(٥))). فكشَفتُ، فوضَع خدَّه
وصدره علی فخذی ، وحنیتُ علیه حتی دفئ، وكان قد أوجَعه البردُ .
وهذا يبينُ لك ما قلنا ، وباللهِ توفيقُنا .
واختلف الفقهاءُ فى الذى يأتى امرأتَه وهى حائضّ؛ فقال مالكٌ،.
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٤٧٣ .
(٢) فی ص، م: ((حکیم)). وينظر تهذيب الكمال ٢٤٢/٤.
(٣) تقدم تخريجه ص ٤٧٤ .
(٤) تقدم تخريجه ص ٤٧٥ .
(٥) فى ص، م: ((فخذيك)).
٤٨٣

الموطأ
الاستذكار والشافعىُّ، ( وأبو حنيفةً)، وأصحابُهم: يستغفِرُ اللهَ ولا يعودُ، ولا شىءَ
عليه "مِن ◌ُزْمٍ) .
وهو قولُ رییعةً، ویحیی بن سعیدٍ . وبه قال داودُ .
وژُوی عن محمد بن الحسن ، أنه قال : يتصدقُ بنصفٍ دینارٍ ؛ لحديثِ
خُصيفٍ، عن مِقْسم، عن ابن عباسٍ، عن النبيِّ بَّهِ: ((فإذا وقَع على أهلِه وهی
حائضّ ، فليتصدَّقْ بنصفٍ دينارٍ))(٢).
وقال أحمدُ بنُّ حنبلٍ : يتصدَّقُ بدينارٍ ، أو بنصفٍ دينارٍ . وقال أحمدُ : ما
أحسن حدیثَ عبد الحميد بن عبد الرحمن ، عن مقسم ، عن ابنِ عباسٍ، عن
النبيِّ وَ﴿، فى الذى يأتى امرأَتَه وهى حائضٌ، يتصدَّقُ بدينارٍ أو بنصفٍ
(٣)
دینار
رواه الثورىُّ وشعبةُ وغيرهما، عن الحكم بن عتيبةً ، عن عبد الحميدِ بنِ
عبدِ الرحمنِ بنِ زيدِ بنِ الخطابٍ(٢) .
قال أبو داودَ : هى الروايةُ الصحيحةُ . وربَّما لم يرفعه شعبةٌ . وقال الطبرىُّ:
القبس
(١ - ١) سقط من: ص. وفى الأصل: ((أبو)). وبعده تآكل.
(٢ - ٢) سقط من: ص.
(٣) تقدم تخريجه ص ٤٧٧ .
(٤) فى ص، م: ((عتبة)). وينظر تهذيب الكمال ١١٤/٧.
٤٨٤

الموطأ
أستحِبُّ له أن يتصدقَ بدينارٍ ، أو بنصفٍ دينارٍ، فإن لم يفعَلْ فلا شيء عليه. الاستذكار
وهو قولُ الشافعىِّ ببغدادَ، ثم رجَع عنه بمصرَ . وقالت فرقةٌ مِن أهلِ الحديثِ :
إن وطِئ فى الدمٍ فعليه دينارٌ، وإن وطِئ فى انقطاع الدمٍ فعليه نصفُ دينارٍ ؛
لحديثٍ علىٍّ بنِ الحكم الثنائىٌّ، عن أبى الحسنِ الجزرىِّ، عن مِقْسم ، عن ابنِ
عباسٍ، عن النبيِّ ◌ٌَّ بذلك. وكذلك رواه ابنُ جريجٍ، عن علىٍّ بنِ
الحكم "وعبدِ الكريمِ)، عن مِقْسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ(٢). " وقال أبو داود : رواه
علىُّ بِنُ بَذِيمةً، عن مِقْسَمٍ، عن النبيِّ ◌َلِّرَ".
وقال الأوزاعىُّ: مَن وطِئ امرأتَه وهى حائضٌ، يتصدَّقُ بخُمْسَی دینارٍ .
ورواه عن يزيد بن أبى مالكِ، عن عبد الحميدِ، عن عبد الرحمنِ، عن النبيِّ
. (٤)
قال أبو عمرَ: حُجّةُ مَن لم يوجِبْ عليه كفارةً إلا الاستغفار والتوبةً
اضطرابُ هذا الحديثِ عن ابنِ عباسٍ ، والذّمَمُ على البراءةِ لا يجِبُ أن يَثبُتَ فيها
شىءٌ لمسكينٍ ولا لغيرِه إلا بدليلٍ لا مدفَعَ فيه، وذلك معدومٌ فى هذه المسألةِ .
القبس
(١ - ١) سقط من: ص، م.
(٢) تقدم تخريجه ص ٤٧٦ .
(٣ - ٣) سقط من: ص، م، وجاءت هذه العبارة فى الأصل بعد قوله: ((اضطراب هذا الحديث
عن ابن عباس)). ولعله انتقال نظر من الناسخ. والمثبت موافق لما فى ص٥٧٦. وتآكل قوله: ((وقال
أبو داود)» من الأصل.
(٤) تقدم تخريجه ص ٤٧٧ .
(٥) سقط من: ص، م.
٤٨٥

١٢٦ - وحدَّثنى عن مالكِ، أنه بلغه أن سالم بنَ عبدِ اللهِ وسليمانَ
الموطأ
ابنّ يسارٍ ، سُئِلا عن الحائضِ ؛ هل يُصِيبُها زوجُها إذا رأت الطَّهرَ قبلَ أن
تغتسلَ ؟ فقالا : لا ، حتى تغتسِلَ .
الاستذكار
واختلف الفقهاءُ أيضًا فى وطءِ الحائضِ بعدَ ( ١) الطَّهْرِ مِن الحيضِ وقبلَ
الاغتسالِ)؛ فقال مالكٌ وأكثرُ أهلِ المدينةِ: إذا انقطَع عنها الدمُ لم يَجُزْ وطُها
حتى تغتسِلَ . وبه قال الشافعىُّ، والطبرىُّ، ومحمدُ بنُ مسلمةً .
وقال أبو حنيفةً، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ: إن انقطَع دمُها بعدَ مُضِىِّ عشَرةِ
أيام، كان له أن يطأها قبلَ الغسل، وإن كان انقطاعُه قبلَ العشرة لم يَجُزْ حتى
تغتسِلَ، أو يدخُلَ عليها وقتُ صلاةٍ .
قال أبو عمرَ: هذا تَحَكُّمْ(٣) لا وجه له، وقد حكموا للحائضِ بعدَ انْقطاع
دمِها بحكم الحائضِ فى العدةِ ، وقالوا: لزوجِها عليها الرجعةُ ما لم تغتسلْ .
فعلى قياسٍ قولهم هذا ، لا يجبُ أن تُوطأُ حتى تغتسلَ، وهو الصوابُ إن شاء الله
تعالى ، مع موافقةِ أهلِ الحجازِ فى ذلك .
ذكَر مالكٌ، أنه بلغه أن سالمَ بنَ عبدِ اللهِ ، وسليمانَ بنَ يسارٍ سُئلا عن
الحائض، هل يُصيبُها زوجها إذا رأت الطُّهْرَ قبلَ أن تغتسِلَ ؟ فقالا : لا ، حتى
.(٤)
تغتسل
القبس
(١) فى ص: ((قبل)).
(٢ - ٢) سقط من : ص، م .
(٣) فى م: ((الحكم)).
(٤) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٧٤)، ورواية أبى مصعب الزهرى (١٦٢) . وأخرجه =
٤٨٦
م

الموطأ
فإن قيل: إن فى قولِه عزَّ وجلّ: ﴿وَلَّا نَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. الاستذكار
دليلاً على أنهن إذا طَهُرن مِن الحيضِ ، حلَّ ما حَرُم منهن مِن أجلِ المحيضِ ؛
لأن ((حتى)) غايةٌ، فما بعدَها بخلافِها .
فالجوابُ أن فى قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ . دليلًا على تحريم
الوطءِ بعدَ الطُّهْرِ حتى يَطُرن(١) بالماءِ؛ لأن ((تطهّرنَ)) تَفعَّلن، مِن قولِ اللهِ
عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطَّهَّرُواْ﴾ [المائدة: ٦]. يريدُ الاغتسالَ بالماءِ،
وقد يقَعُ التحريمُ بالشىءٍ ، ولا يزولُ بزوالِه لعلَّةٍ أُخرى .
دليلُ ذلك قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ فى المبتوتةِ: ﴿فَلَا تَعِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ
جد
زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]. وليس بنكاح الزوج تحلّ له حتى يطلقَها الزوجُ،
وتعتدَّ منه .
ومن ذلك قولُ رسولِ اللهِ وَهِ: (( لا تُوطأُ حاملٌ حتى تضعَ، ولا حائلٌ
حتی تحیضَ خْضةً)»(٢). ومعلوم أنها لا توطأُ نُفساءُ ولا حائضً حتى تَطھُرًا ،
ولم تكنْ ((حتى)) هنا بمُبيحةٍ لِما قام الدليلُ على حظرِهِ، وفى المسألةِ
اعتراضاتٌ يطولُ ذکرُها .
القبس
= البيهقى ٣١٠/١ من طريق مالك به، وفى رواية محمد بن الحسن: قال مالك: أخبرنى الثقة
عندى. ووصله عبد الرزاق فى المصنف (١٢٧٤) فأخرجه عن مالك، عن عبد الله بن أبى بكر أن
سالمً وسليمان سئلا .... إلخ.
(١) فى ص، م: ((يتطهرن)).
(٢) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٢٩٣) من الموطأ .
٤٨٧

الموطأ
طُهر الحائضِ
١٢٧ - حدَّثنى يحيى، عن مالك، عن عَلقمةَ بنِ أَبِى عَلقمةً، عن
أمِّه مولاةٍ عائشةً أمّ المؤمنين ، أنها قالت: كان النساءُ يَتْعَثْن إلى عائشةً
أمّ المؤمنين بالدِّرَجةِ فيها الكُرْسُفُ، فيه الصَّفْرَةُ من دمِ الحيضةِ؛
يسألْنها عن [٢٢و] الصلاةِ، فتقولُ لهن: لا تَعْجَلْن حتى تَرَيْنَ القَصَّةَ
البيضاءَ. تريدُ بذلك الطُّهرَ من الحيضةِ.
١٢٨ - وحدَّثنى عن مالك، عن عبدِ اللهِ بنِ أبى بكرٍ، عن عمَّتِه،
عن ابنة زيدٍ بنِ ثابتٍ، أنه بلَغها أن نساءً كن يَدْعُون بالمصابيحِ من
الاستذکار
بابُ طهرِ الحائضِ
مالكٌ، عن علقمةَ بنِ أبى علقمةَ، عن أمُّه مولاةٍ عائشةً ، أنها قالت : كان
النساءُ يَتْعَثنَ إلى عائشةَ بالدِّرَجةِ فيها الكُرْسُفُ، فيه الصَّفْرَةُ مِن دمِ الحَيْضَةِ،
يَسْأَلْتَها عن الصلاةِ، فتقولُ: لا تَعْجِلْنَ حتى تَرَيْنَ القَصَّةَ البيضاءَ. تريدُ بذلك
الطُّهْرَ مِن الحيضةِ(١).
مالك ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبی بکرٍ ، عن عمته، عن ابنةِ زیدِ بنِ ثابتٍ ، أنه
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٨٥)، ورواية أبى مصعب الزهرى (١٦٣). وأخرجه ابن المنذر
(٨١٤)، والبيهقى ٣٣٥/١، ٣٣٦، والبغوى فى شرح السنة (٣٢٩) من طريق مالك به.
٤٨٨

جوفٍ الليلِ، يَنْظُرن إلى الطُّهْرِ، فكانت تَعِيبُ ذلك عليهن، وتقولُ: الموطأ
ما كان النساء يَصْنَعن هذا .
قال يحيى : سُئل مالكٌ عن الحائض تَظْهرُ فلا تجدُ ماءً، هل تَتَيمَّمُ ؟
قال: نعم، لِتَتَيمَّمْ، فإنَّ مثلَها مثلُ الجُنُبِ، إذا لم يجدْ ماءً يَتَيمُّمُ .
بلَغها، أن نساءً كنَّ يدعونَ بالمصابيح مِن جوفِ الليلِ يَنظُرْنَ إلى الطّهْرِ، الاستذكار
فكانت تَعيبُ ذلك عليهن، وتقولُ: ما كان النساءُ يَصنَعْنَ هذا (١).
فى حديثٍ عائشةً ما كان نساءُ السلفِ عليه مِن الاهتبال بأمرِ الدينِ،
وسؤالٍ مَن يَطْمَعْنَ بوجودٍ علم ما أَشكّل عليهن عندَه، قالت عائشةُ : رحِم اللهُ
نساءَ الأنصارِ، لم يمنعهُنَّ الحياءُ أن يسألْنَ عن أمرٍ دينهن (١).
قال أبو عمر: وهکذا المؤمنُ مُهتپِلٌ بأمرٍ دينه ، ( فهو رأس ماله، كما قال
الحسنُ: رأسُ مالِ المؤمنِ دينُه٢، لا يُخلِّفُه فى الرّحالِ، ولا يأتمنُ عليه
(٤)
الرجالَ(٤) .
وأما قولُه: الدُّرْجةِ. فمَن رواه هكذا فهو على تأنيثِ الدُّرْج، وكان الأخفشُ
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسين (٨٦)، ورواية أبى مصعب الزهرى (١٦٤). وأخرجه ابن أبى
شيبة ٩٤/١، والبيهقى ٣٣٦/١ من طريق مالك به .
(٢) تقدم تخريجه ص ٣٩٦ .
(٣ - ٣) سقط من: ص.
(٤) ذكره الآجرى فى الغرباء ص ٢٨ عن الحسن، وأخرجه أبو نعيم فى الحلية ١٢٨/٣ من قول
شميط ، وليس من قول الحسن.
٤٨٩

الموطأ
الاستذكار يَرْويه الدِّرَجةَ، ويقولُ: هى جمعُ دُرْجِ، مثلُ خِرَجةٍ وخُرْجٍ ، وتِرَسةٍ وتُّزْسٍ .
وأما الكُرْسُفُ فالقطنُ، والصفرةُ بقيةٌ من دَمِ الحيضِ .
واختلف قولُ مالكٍ فى الصفرةِ والكُدرةِ؛ ففى ((المدوَّنةِ)) لابنِ القاسم
عنه، أنه قال فى المرأة ترَى الصفرةَ أو الكُدرةَ فى أيامِ حيضتِها وفى غير أيامٍ
حيضيتِها، قال مالكٌ: ذلك حيضٌ، وإن لم ترَ مع ذلك دمًا .
وذكر ابنُ عبدوس فی « المجموعة» لعلی بن زیادٍ ، عن مالك ، قال: ما
رأَتِّ المرأةُ من الصفرةِ أو الكُدرةِ فى أيامِ الحيضِ ، أو فى أيامِ الاستظهارِ() فهو
كالدمٍ ، وما رأَتَه بعدَ ذلك فهو استحاضةٌ .
وهذا قولٌ صحيحٌ ، إلا أن الأولَ أشهرُ عنه ، وقد اختلف علماءُ المدينةِ على
هذين القولين . وأما قولُ الشافعىِّ ، والليثِ بنِ سعدٍ ، وعبيدِ اللهِ بنِ الحَسنِ،
فهو أن الصفرةَ والكُدرةَ حيضٌ فى أيامِ الحيضِ . وهو قولُ أبى حنيفةً ومحمدٍ .
وقال أبو يوسفَ: لا تكونُ الكُدرةُ حيضًا إلا بأثرِ الدم. وهو قولُ داودَ ؛ أن
الصفرةَ والكُدرةَ لا تُعدُّ حيضًا إلا بعدَ الحيضِ لا قبلَه؛ لأن الأمَّةَ قد اختلَفت
فيهما(١) قبلَ الحيضِ وبعدَه، فما اختلفوا فيه من ذلك قبلُ لم يَتْبُتْ؛ إذ لا دليلَ
عليه . وأما اختلافُهم فيهما(٢) بعدُ فلن يزولَ ما أجمَعوا عليه إلا بالإجماع، وهو
النقاءُ بالجُفوفِ أو القَصةِ البيضاءِ. واحتجّ بحديثٍ أمّ عطيةَ: كنا لا نَعُدُّ الصفرةَ
القبس
(١) فى ص، م: ((الاستطهار)). والاستظهار: الاحتياط والاستيثاق. اللسان (ظ هـ ر).
(٢) فى الأصل: ((فيها)).
٤٩٠

الموطأ
ولا الكُدرةَ بعدَ الغُسلِ شيئًاً) . قال: تريدُ بعدَ الطهرِ، وأما ما اتصلَ منها الاستذكار
بالحیض، فهو من الحيض .
" قال أبو عمرَ : القياسُ أن الصفرةَ والكُدرةَ قبلَ الحيضِ وبعدَه سواءٌ، كما
أن الحيضَ فى كلِّ زمانٍ سواءٌ، وما احتجّ به داودُ لا معنَى له) .
واختلَف أصحابُ الشافعيّ وأصحابُ أبى حنيفةً فى ذلك أيضًا؛ فمرةً
قالوا : الصفرةُ والكُدرةُ حيضٌ فى أيامِها المعهودةِ . ومرةً قالوا: ليس ذلك
بحيضٍ على جميع الأحوالِ . ولم يختلفْ قولُ مالكٍ وأصحابِه أنها حيضٌ فى
أیامِ الحیضِ .
وأما قولُ عائشةَ: لا تعجلْنَ حتى تَرَيْنَ القَصَّةَ البيضاءَ. فإنها تريدُ : لا
تعجلْنَ بالاغتسالِ إذا رأيتنَّ الصفرةَ؛ لأنها بقيةٌ من الحيضةِ ، حتى تَرَينَ القَصَّةَ
البيضاءَ. وهو الماءُ الأبيضُ الذى يَدفعُه الرحمُ عندَ انقطاع الحيضِ، يشبّهُ
لبياضِه بالقَصِّ وهو الحِصُّ. ومنه الحديثُ: نهَى رسولُ اللهِ بَّلآ عن تقصیصٍ
القبورِ . ويُروَى : عن تخصيصٍ القبورِ . يريدُ تلبيسَها بالحِصِّ(٢).
واختلف أصحابُ مالكِ عنه فى علامةِ الطهرِ؛ ففى ((المدوَّنةِ)): قال
القبس
(١) أخرجه الدارمى (٩٠٠)، وابن المنذر (٨١٩)، والطبرانى ٦٣/٢٥ (١٥١) بلفظه.
(٢ - ٢) ليس فى: الأصل.
(٣) أخرجه أحمد ٥٣/٢٢، ٥٥ (١٤١٤٨، ١٤١٤٩)، ومسلم (٩٤/٩٧٠، ٩٥)، وأبو داود
(٣٢٢٥، ٣٢٢٦)، والنسائى (٢٠٢٧) من حديث جابر.
٤٩١

الموطأ
الاستذكار
مالكٌ : إذا كانت المرأةُ ممن ترَى القَصةَ البيضاءَ، فلا تَطهرُ حتى تراها، وإن
كانت ممن لا ترَى القَصةَ البيضاءَ، فحين ترَى الجُفوفَ فتغتسلُ وتصلّى.
قال ابنُ القاسم . والجُفوفُ عندى أن تُدخلَ) الخرقةَ نتُخرجُها جافةً . وبه قال
........ (٢) إذا رأَت المرأةُ الجُفوفَ وهى
عيسى بنُ دينارٍ ، قال : القَصةُ إِذا .
ممن ترَى القَصةَ البيضاءَ، فلا تصلِّى حتى تراها، إلا أن يَطولَ ذلك بها .
وقال ابنُّ حبيبٍ: تطهُرُ بالجُفوفِ وإن كانت ممن ترَى القَصَّةَ
البيضاءَ. قال ابنُ حبيبٍ: والجفوفُ أبراً للرحم مِن القَصةِ البيضاءِ. قال):
فمن كان طهرُها القَصةَ ورأت الجُفوفَ ، فقد طهُرت .
قال : ولا تطهر، التى طهرها الجفوفُ، برؤيتها القصةَ البيضاء حتى ترَى
الجفوفَ .
قال: وذلك أن أولَ الحيضِ دٌ، ثم صفرةٌ، (٤ثم تَرِيَّة٤ٌ)، ثم كُذرةً، ثم
يكونُ نقاءٌ كالقَصةِ ، ثم ينقطعُ، فإذا انقطع قبلَ هذه المنازل ، فقد برئتِ الرحم
من الحيضِ . قال: والمجفوفُ أبراً وأوعبُ ، وليس بعدَ المُفوفِ انتظارُ شيءٍ.
وأما قولُ ابنةِ زيدِ بنِ ثابتٍ فإنما أنكرت على النساءِ افتقادهن أحوالهن فى
القبس
(١ - ١) سقط من: ص، م.
(٢ - ٢) هذا الجزء متآكل من الأصل، وأثبتناه من المدونة .
(٣) تآكل فى الأصل، ولم نقف على ما يقابله فى المدونة.
(٤ - ٤) سقط من: ص، م. والتّرِيّة فى بقية حيض المرأة: أقلُّ من الصفرة والكدرة وأخفى، تراها
المرأة عند طهرها فتعلم أنها قد طهرت من حيضها. اللسان (ت رى، رأى).
٤٩٢

الموطأ
جامعُ الحيضةِ
١٢٩ - حدَّثنى يحيى، عن مالكِ، أنه بلغه أن عائشةً زوج
غيرِ أوقاتِ الصلواتِ وما قارَبها؛ لأن جوفَ الليل ليس بوقتٍ للصلاةِ، وإنما الاستذكار
على النساءِ افتقادُ أحوالِهن للصلاةِ() ، فإن كن قد طهُوْن تأمَّبْن بالغُسلِ لما
عليهن من الصلاة .
وفى هذا البابِ : سُئِل مالكٌ عن الحائضِ تطهُرُ فلا تجدُ ماءً، أتتيممُ؟
فقال: نعم ، فإن مثلَها مثلُ الجُنُبِ ، إذا لم يجدِ الماءَ تيمَّم . وهذا إجماعٌ، كما
قال مالكٌ، لا اختلافَ فيه ، والحمدُ للهِ .
بابُ جامعِ الحيضةِ
مالكٌ ، أنه بلَغه عن عائشةَ أنها قالت فى المرأةِ الحاملِ ترى الدمَ ، أنها
بابُ الحَيْضِ
القبس
هو آفةٌ كَتَبه اللَّهُ تعالى على بناتِ آدمَ، وهو على ضربين ؛ عادةٌ وعِلَّةٌ ، فإذا كان
عِلَّةً فهى الاستحاضةُ، وكان(١) المُسْتحاضَاتُ على عهدِ النبىِّ وَِّيًّا؛ فاطمةُ بنتُ
أبى محُبَيشٍ، وحَمْنةُ بنتُ جَخْشٍ زوجُ طلحةً بنِ عبيدِ اللَّهِ، وأم حبيبةً بنت جحشٍ
زوج عبد الرحمنِ بنِ عوفٍ، وزينبُ بنتُ جَخْشٍ زوجُ النبيِّ بَّهِ، وَسَوْدَةُ بنتُ
زَمْعةً(١) إحدى أمهات المؤمنين، وسَهْلَةُ بنتُ سهيل .
(١) فى ص: ((فى أوقات الصلوات))، وفى م: ((للصلاة فى أوقات الصلوات)).
(٢) فى ج، م: ((كانت)).
(٣) بعده فى ج: ((م).
٤٩٣
٤

الموطأ النبيِّ وَّهِ قالت فى المرأةِ الحاملِ تَرى الدمَ، أنها تَدَعُ الصلاةَ.
١٣٠ - وحدَّثنى عن مالك ، أنه سأَل ابنَ شهابٍ عن المرأةِ الحاملِ
تَرى الدمَ ، قال: تَكْفُّ عن الصلاةِ .
قال مالكٌ: وذلك الأمرُ عندَنا.
تَدَعُ الصلاةَ() .
الاستذكار
وهذه مسألةٌ اختلف العلماءُ فيها قديمًا وحديثًا بالمدينةِ وغيرِها ، واختُلف
فيها عن عائشةَ أيضًا، وعن سعيدِ بنِ المسيَّبِ ، وعن ابنٍ شهابٍ .
ذكّر مالكٌ أنه سألَ ابنَ شهابٍ عن الحاملِ ترَى الدمَ، قال: تَكْفُّ عن
الصلاةٍ(١) . قال مالكٌ: وذلك الأمرُ عندَنا .
الصحيحُ منهن فاطمةُ، وحَمْنةٌ ، وأمّ حبيبةَ، وإحدى أمهاتِ المؤمنين غيرَ مُعَيَّةٍ .
القبس
وكتابُ الحيضِ مُعْضِلٌ فى الفقهِ، ما رأيتُ فى رحلتى مَنِ يُخْسِنُه إلا(١) رجلَين؛
أبا(١) إسحاق إبراهيمَ بنَ الآمِديَّةِ بالمسجدِ الأقصى ، وأبا ) منصورٍ محمدً( بنَ
الصَّبَّغِ بمدينةِ السلامِ. والحيضُ على خمسةٍ أقسام؛ مُبْتَدَأَةٌ، يائِسةٌ، مُعتادَةً ،
مُخْتِطَةٌ ، مُتَحيّةٌ، وأَشْدُّها بلاءً المُتَحيّرةُ.
(١) فى ص: ((فى أوقات الصلوات))، وفى م: ((للصلاة فى أوقات الصلوات)).
والأثر فى الموطأ برواية أبى مصعب الزهرى (١٦٧) .
(٢) أخرجه الدرامى (٩٦١) من طريق مالك به.
(٣) فى ج، م: ((سوى)).
(٤) فى ج: ((أبو))، وفى م: ((أبى)).
(٥) بعده فى ج، م: ((طهره الله تعالى)).
(٦) كذا بالنسخ ، وهو أحمد بن محمد بن عبد الواحد ، أبو منصور بن الصباغ البغدادى ، كان
فقيهًا حافظًا ثقة، تفقه على القاضى أبى الطيب ، وسمع الحديث منه ومن غيره ، توفى سنة أربع
وتسعين وأربعمائة . ينظر طبقات الشافعية للسبكى ٨٥/٤، وطبقات الإسنوى ١٣٢/٢.
٤٩٤

الموطأ
ولم يُختلَفْ عن يحيى بنِ سعيدٍ وربيعةَ، أن الحاملَ إذا رأت دمًا فهو حيضٌ الاستذكار
تكفُّ مِن أجلِه عن الصلاةِ. وهو قولُ مالكِ وأصحابِهِ، والليثِ بنِ سعدٍ ،
والشافعيّ فى أحدٍ قولَيه، وهو قولُ قتادةَ، وبه قال عبدُ الرحمنِ بنُّ مهدئٍّ،
وإسحاقُ بنُ راهُويه، وأبو جعفر الطبرئُّ .
وذگر حمادُ بنُ زیدٍ ، عن یحیی بن سعیدٍ، قال : لا یختلفُ عندَنا عن
عائشةَ أنها كانت تقولُ فى الحاملِ ترَى الدمَ ، أنها تُمسكُ عن الصلاةِ حتى
تطهر ) . وقد ژُوِی عن ابن عباس أن الحاملَ تحیضُ . واختلف عن مالك ، هل
تستظهرُ أم لا؟ فروَى عنه ابنُ القاسمِ، وعلىُ بنُ زيادٍ ، أنها لا تستظهرُ، وإليه
ذهَب المغيرةُ، وعبدُ الملكِ، وأبو مصعبٍ، وهو قولُ الزهرىِّ (" والليثِ».
وروَى عنه أشهبُ ، ومطرّفٌ ، وابنُ عبدِ الحكم ، أنها تستظهرُ بثلاثة أيامٍ،
وهو قولُ أشهبَ ، ومحمدِ بنِ عبدِ الحكمِ ، وأصبغَ . وقال سفيان الثورىُّ، وأبو
حنيفةً وأصحابُه، والأوزاعيُ، وعبيدُ اللهِ بنُ الحسنِ العَنْبرىُّ، والحسنُ بنُ
صالحٍ بنٍ حَىٍّ : ليس ما تراه الحاملُ على حملِها مِن الدم والصُّفْرةِ والكُدْرةِ
حيضًا، وإنما هو استحاضةٌ لا يمنعُها مِن الصلاةِ . وبه قال داودُ بنُ علىٍّ ، وهو
قولُ مكحول الدمشقىّ، والحسنِ البصرىِّ، وروايةٌ عنِ ابنِ شهابٍ الزهرىِّ،
ومحمدِ بنِ المنكدرِ ، وجابرِ بنِ زيدٍ، وعكرمةَ، وعطاءِ بنِ أبى رباحٍ، والشعبىِّ،
وإبراهيم النخعىِّ ، وحمادٍ، وبه قال أحمدُ بنُ حنبل، وأبو عبيدٍ ، وأبو ثورٍ .
القبس
(١) أخرجه الدارمى (٩٦٤) من طريق حماد به .
(٢ - ٢) سقط من: ص، م.
٤٩٥

الموطأ
ذكَر دُحَيمٌ ، قال: حدَّثَنا الوليدُ بنُ مسلم، عن سعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ، أنه
الاستذكار
سمِع الزهرىَّ يقولُ: الحاملُ لا تحيضُ، فَلْتغْتَسِلْ ولْتصلِّ. قال: ولا يكونُ
حيضٌ على حملٍ).
وحدَّثنا الوليدُ، قال: حدَّثنا أبو عمرٍو الأوزاعىُّ ، عن الزهرىِّ مثلَ ذلك.
وقد رُوى عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ ، وسليمانَ بنِ يسارٍ ، أن الحاملَ تحيضُ.
ذكَر دُحَيمٌ، قال: حدَّثنا الليثُ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ
المسيبٍ، قال: الحاملُ إذا رأت الدمَ لم تُصَلِّ .
"قال: وحدَّثنا الوليدُ، قال: حدَّثنا الليثُ، عن ربيعةً، قال: الحاملُ إذا
رأت الدمَ لم تصل١ّ ، لا قبلَ خروج الولدِ ولا بعده .
والحجةُ لكلا القولَين مِن جهةِ النظرِ تكادُ تتوازَى . وكلُّهم يمنعُ الحاملَ مِن
الصلاةِ إذا كانت فى الطَّلْقِ وضرَبها المخاضُ؛ لأنه عندَهم دمُ نفاسٍ .
ولأصحابٍ مالكٍ فى الحاملِ ترَى الدمَ اضطرابٌ مِن أقوالهم، ورواياتُهم عن
مالك قد ذكرناها فی کتابٍ (اختلافٍ قول مالك وأصحابه)»(٢) . واصڅ ما فى
مذهبٍ مالكِ عندَ أُولى الفهم مِن أصحابِنا روايةُ أشهبَ ؛ أن الحاملَ والحائلَ إذا
رأتا الدمَ سواءٌ فى الاستظهارِ وسائرِ أحكامِ الحيضِ . وإليه ذهَب عبدُ الملكِ بنُ
حبيبٍ، قال: وأولُ الحملِ وآخرُه فى ذلك سواءً. وهو الصحيحُ مِن مذهبٍ
القبس
(١ - ١) سقط من: ص.
(٢ - ٢) ليس فى: الأصل.
(*) إلى هنا ينتهى الخرم المشار إليه فى ص ١٩٧ .
٤٩٦

الموطأ
الاستذ کار
مالكِ والشافعىِّ . واللهُ أعلمُ .
وروَى أبو زيدٍ ، عن عبدِ الملكِ بنِ الماجشون فى الحاملِ ترى الدمَ : تقعدُ
أيامَ حيضتِها(١)، ثم تغتسلُ وتصلِّى ولا تستظهرُ. قال: ولقد قال أكثرُ الناسِ:
إن الحاملَ إذا رأت الدمَ لم تُمسكْ عن الصلاةِ ؛ لأن الحاملَ عندَهم لا تحيضُ .
ورُوى عن المغيرةِ المخزوميّ أنه قال : الحاملُ وغيرها سواءٌ. وهو قولُ
أصبغَ. رواه أبو زيدٍ عنه. وذكر ابنُ عبدوسٍ، عن سُحنونٍ، أنه أنكَر روايةً
مُطرّفٍ، عن مالكِ فى الحاملِ تَثنى (١) أيامَها فى الشهورِ. وقال: ليس هذا
مذهبَ مالكٍ ولا غيرِه، وهو خطأً، ولا تكونُ امرأةٌ نُفساءً إلا بعدَ الولادةِ.
قال أبو عمرَ : روايةٌ مُطرّفٍ هذه وقولُه بها قولٌ ضعيفٌ تَزْدِيه أهلُ العلم .
واختلف أهلُ العلم بتأويلِ القرآنِ فى معنى قولِ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿وَمَا تَغِيضُ
ج'
اَلْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادٌ﴾ [الرعد: ٨]؛ فقال جماعةٌ منهم: ﴿وَمَا تَفِيضُ
اُلْأَرْحَامُ﴾: ما تنقصُ مِن التسعةِ الأشهرِ، ﴿وَمَا تَزْدَادٌ﴾: ( ما تزيدُ على
التسعةِ الأشهرِ ) .
وممن رُوِى عنه ذلك ؛ ابنُ عباسٍ ، والحسنُ بنُ أبى الحسنِ، ومجاهدٌ ،
وسعيدُ بنُّ جبيرٍ، والضحاكُ بنُ مُزاحِم، وعطيةُ العَوْفُ، فهؤلاء ومَن تابعَهم
القبس
(١) فى الأصل، م: ((حيضها)).
(٢) فى ص، م: ((التى)).
(٣ - ٣) فى ص، م: ((عليها)).
٤٩٧
( موسوعة شروح الموطأ ٣٢/٣)

١٣١ - وحدَّثنى عن مالكِ، عن هشام بن عروةً، عن أبيه، عن
الموطأ
عائشةَ زوج النبيِّ وَّةِ، أنها قالت: كنتُ أَرَجُلُ رأسَ رسولِ اللهِ وَال
وأنا حائضٌ .
الاستذكار قالوا : معنى الآيةِ نُقْصانُ الحمل عن التسعةِ الأشهرِ، وزيادته على التسعةِ
١)(٢)
الأشهر ١)(٢).
وقال آخرون : بل هو خروج الدمٍ وظهورُه مِن الحاملِ () واستمساكُه.
وقد رُوِى ذلك أيضًا عن جماعةٍ ؛ منهم عكرمةُ، ومجاهدٌ، وسعيدُ بنُّ
جبير، والشعبىُّ (١) . وسنذكرُ اختلافَ الفقهاءِ فى مدَّةِ الحملِ - لأنهم اختلفوا
فى أكثرِها، ولم يختلفوا فى أقلِّها أنه ستةُ أشهرٍ - فى موضعِه مِن هذا الديوانِ()
إن شاء اللهُ(٥) .
مالكٌ، عن هشام بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ قالت : كنتُ أَرَجُلُ رأسَ
رسولِ اللهِ وَلّ وأنا حائضٌ(*).
التمهید
هكذا روى هذا الحديثَ أكثرُ الرواةِ ، ومنهم من يقولُ فيه: وهو معتكفٌ
القبس
(١ - ١) سقط من: ص.
(٢) ينظر تفسير الطبرى ٤٤٤/١٣ - ٤٥١.
(٣) فى م: ((الحائل)).
(٤) فى ص، م: ((الكتاب)).
(*) من هنا خرم فى المخطوطة (ط) ينتهى فى ص ٥٨٦ .
(٥) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٨٨)، ورواية أبى مصعب الزهرى (١٦٨)، وأخرجه الدارمى
(١٠٩٩)، والبخارى (٢٩٥، ٥٩٢٥)، والترمذى فى الشمائل (٣١)، والنسائى (٢٧٦، ٣٨٧)
من طريق مالك به .
٤٩٨

الموطأ
التمهيد
وأنا فى حُجْرَتى .
حدَّثْنا خلفُ بنُ قاسم ، حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بن إسحاقَ السراج ،
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسنِ، حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ مسلَمَةَ، حدَّثنا مالكٌ، عن
هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ قالت: كان رسولُ اللهِ وَالّ ◌ُخرِجُ إِلىَّ
رأسَه من المسجدِ وهو مجاورٌ وأنا فى حُجْرَتِى، فَأَرَجُلُ رأسَه وأنا
(١)
حائضّ(١).
وقد مضى القولُ فى معنَى العمل فى الاعتكافِ وما يجتنبه المعتكفُ ، وما
لا بأسَ عليه فى عملِه - مجوَّدًا فى بابِ ابنِ شهابٍ ، وفى هذا
الحديثِ تفسيرٌ لقولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَا تُبَشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَلَكِفُونَ
فِ الْمَسَجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وفيه بيانُ أنَّ مباشرةَ المرأةِ للرجلِ ليست
كمباشرةٍ الرجلِ لها، وأن المعنى المراد بالمباشرةِ ههنا الجماعُ وما كان فى
معناه، وقد تقدَّم القولُ فى ذلك كلِّه، والحمدُ للَّهِ .
وفى هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ الحائضَ ليست بنجَسٍ، وهو أمرٌ مجتمَغْ
عليه، وقد قال وَ لِّ لعائشةَ: ((ناولينى الخُمْرَةَ)). فقالت: إنى حائضٌ. فقال:
((إن حيضتَكِ ليست فى يدِك))(٢). وقد مضَى القولُ فى معنى هذا الحديثِ فى .
بابٍ ربيعةً. وفى ترجيلٍ عائشةً شعَرَ رسولِ اللهِ وَلِّ وهى حائضٌ تفسيرٌ لقولٍ
القبس
(١) أخرجه البيهقى ١٨٦/١ من طريق عبد الله بن مسلمة به.
(٢) سيأتى فى شرح الحديث (٦٩٩) من الموطأ .
(٣) تقدم تخريجه ص ٤٧٢، ٤٧٣ .
٤٩٩

الموطأ
التمهيد
اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿فَاعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ فِى الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. لأنَّ اعتزالَهن
كان يَحتملُ ألا يُقْرَبْن فى البيوتِ ، ولا يُجتمعَ معهن فى مؤاكلةٍ ولا مشاربةٍ ،
ويَحتمِلُ أن يكونَ اعتزالَ الوطءِ لا غيرُ، ويحتمل أن یکون مباشرتھنّ مؤتزراتٍ ؛
فِيئَّن رسولُ اللهِ وَ﴿ مرادَ اللهِ من ذلك على ما قد أوضحناه وذكَوْنا اختلافَ
العلماءِ فيه وما جاء فى ذلك من الآثارِ عن النبيِّ عليه السلامُ فى بابٍ ربيعةً (١)، وقد
ذكرنا کثیًا من حکم طهارة الحائضِ فی باب ابن شهاب عن عروةً فی حدیثٍ
الاعتكافٍ()، وذكَوْنا فى بابٍ نافعِ الحكمَ فى الوضوءِ بشؤْرِ المرأةِ وفضلٍ
وُضوئِها والاغتسالِ معها فى إناءٍ واحدٍ، وهو أمرّ صحَّت به الآثارُ واتفَقَ عليه
فقهاءُ الأمصارٍ (١) .
وفيه دليلٌ على أنَّ رسولَ اللهِ پێ کان ذا شعَرٍ ، وقد مضی فی بابِ زیادٍ()
ابنِ سعدٍ من هذا الكتابِ أنه كان يَسْدُلُ ناصيتَه ثم فرَق بعدُ ، ومضَى القولُ هناك
فى شعَرِهِ وَلَّه)، وفى هذا الحديثِ دليلٌ على إباحةٍ ترجيلِ الشعَرِ، وقد کړِه
رسولُ اللهِ وَلَه لرجلٍ رآه ثائرَ شعَرِ الرأسِ، "ما رأى من ذلك"، وأمره بتسكينٍ
شعَرِه وترجيلِه (١)، إلا أنه قد رُوِى عنه عليه السلام أنه نهَى عن الترجلِ إِلا غِبًا.
القبس
(١) تقدم ص ٤٦٣ وما بعدها .
(٢) سيأتى فى شرح الحديث (٦٩٩) من الموطأ .
(٣) تقدم فى ٥٢٦/٢ وما بعدها .
(٤) فى م: (( زيد)).
(٥) سيأتى فى شرح الحديث (١٨٣٣) من الموطأ .
(٦ - ٦) سقط من: م.
(٧) أخرجه أحمد ١٤٢/٢٣ (١٤٨٥٠)، وأبو داود (٤٠٦٢)، والنسائی (٥٢٥١) من حديث
جابر بن عبد الله الأنصارى .
٥٠٠