Indexed OCR Text

Pages 281-300

الموطأ
أمّ المؤمنين، أن رسولَ اللهِ له كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه ثم
توضَّأ كما يتوضَّأُ للصلاةِ، ثم يُدخِلُ أصابعَه فى الماءِ فِيُخَلِّلُ بها أصولَ شعَرِهِ ، ثم
أن رسولَ اللهِ وَلِهِ كان إذا اغتسَل مِن الجنابةِ بدَأْ فغسَل يدَيه، ثم توضَّأ كما التمهيد
يَتَوضَّأُ للصلاةِ، ثم يُدْخِلُ أصابعَه فى الماءِ، فيُخَلِّلُ بها أَصُولَ شَعَرِهِ ، ثم يَصُبُ
القبس
= وقيل : مات بالكوفة سنة ثمان وأربعين ومائة ، وقيل : توفى هشام بن عروة سنة ست أو خمس
وأربعين ومائة ، وهو ابن ست وتسعين سنة ، وولد سنة خمسين ، كل هذا قد قيل فى مولده ووفاته -
رحمه الله . وقال يحيى بن معين : قال هشام بن عروة : رأيت سهل بن سعد ، وابن عمر ، وجابر بن
عبد الله، وأنس بن مالك . قال هشام: ومسح ابن عمر على رأسى ، ودعا لى وقبلنى ، قال :
ورأيت عبد الله بن عمر ، وله جمة ، أو قال وفرة . وذكر الزبير ، قال : أخبرنى عثمان بن
عبد الرحمن ، قال : قال أمير المؤمنين المنصور لهشام بن عروة حين دخل عليه هشام ، يا أبا المنذر ،
تذكر يوم دخلت عليك أنا وإخوتى مع أبى الخلائف - وأنت تشرب سويقا بقصبة يراع ، فلما
خرجنا من عندك ، قال لنا أبونا : اعرفوا لهذا الشيخ حقه ، فإنه لا يزال فى قومكم بقية ما بقى . فقال
هشام : لا أذكر يا أمير المؤمنين . فلما خرج: قيل له : يذكرك أمير المؤمنين ما تمت به إليه . فتقول لا
أذكره ! فقال: لم أُکن أذكر ، ولم يعودنی الله فی الصدق ، إلا خیرا . قال ، وحدثنى عمی مصعب
ابن عبد الله ، عن جدى عبد الله بن مصعب ، عن هشام بن عروة ، قال : وضع عندى محمد بن
على بن عبد الله بن العباس وصيته ، قال الزبير : توفى هشام بن عروة فى مدينة السلام عند أمير
المؤمنين أبى جعفر المنصور فى صحابته سنة ست وأربعين ، وصلى عليه المنصور ، وكبر عليه أربعا ،
وكبر على مولى له خمسا ، وذلك فى وقت واحد. لمالك عن هشام بن عروة من مرفوعات ((الموطأ))
ستة وخمسون حديثا ، منها ستة وثلاثون مسندة متصلة ، وسائرها مراسيل ، تستند من وجوه
صحاح، أحاديث عروة عن عائشة)). تهذيب الكمال ٢٣٢/٣٠، وسير أعلام النبلاء ٣٤/٦.
٢٨١

الموطأ يَصُبُّ على رأسِه ثلاثَ غَرَفاتٍ بِيَدَيه، ثم يُفِيضُ الماءَ على جِلدِهِ كلِّه.
التمهيد على رأسِه ثلاثَ غَرَفاتٍ بيدَيه، ثم يُفِيضُ الماءَ على جلدِهِ كلِّه(١).
فى هذا الحديثِ كيفيةُ غُسْلِ المغتسل من الجنابةِ ، وهو مِن أحسنٍ حديثٍ
رُوِى فى ذلك، وفيه فرضٌ وسنةً؛ فأما السنةُ فالوضوءُ قبلَ الاغتسالِ مِن الجَنَابةِ ،
ثبت ذلك عن رسولِ اللهِ وَ﴿، أنه كذلك كان يفعلُ، إلا أن المُغْتسِلَ من
الجنابةِ ، إذا لم يَتوضَّأْ، وعَمَّ جميعَ جسدِه ورأْسَه ويدَيه ورِجْلَيه وسائرَ بَدَنِه
بالماءِ، وأسبَغَ ذلك وأكمَلَه بالغُسْلِ ومُؤُورٍ يدَيه، فقد أدَّى ما عليه إذا قصَد
الغُسْلَ ونَواه وتَمَّ غُسلُه؛ لأن الله عزَّ وجلَّ إنما افترَض على الجُنُبِ الغُسْلَ دونَ
الوضوءِ بقوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِى سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُواْ﴾ [النساء:
٤٣]. وقوله: ﴿وَإِن كُنْتُمْ جُنُبًا فَأَطَّهَّرُواْ﴾ [المائدة: ٦]. وهذا إجماعٌ لا
خلافَ فيه بينَ العلماءِ، إلا أنهم مُجْمِعون أيضًا على اسْتِحبابِ الوُضُوءِ قبلَ الغُسْلِ
للمُجُنُّبِ ؛ تأسِّيًّا بِرسولِ اللهِ وَِّ، ولأنه أَعْوَنُ على الغُسلِ وأَهذَبُ فيه، وأما بعدَ الغُسلِ
فلا .
ورَوی أیوبُ السّخْتیانئ هذا الحدیثَ ، عن هشام بن عروةً ، عن أبيه ، عن
عائشةَ، مثلَ روايةٍ مالكٍ، إلا أن فى روايته : فيُخَلِّلُ أَصُولَ شَعَرِه، مؤَتَين أو
ثلاثًا ، ثم يُفْرِعُ الماءَ على سائرٍ جسدِه ، فإن بقى فى الإناءِ شىءٌ صَبُّه عليه . فقال
أيوبُ : فقلتُ لهشامٍ : فغسَل رِجْلَيه؟ فقال: وضوءه للصلاةٍ، وضوءَه للصلاةِ.
القبس
(١) الموطأ برواية أبى مصعب الزهرى (١٢٠). وأخرجه البخارى (٢٤٨)، والنسائى (٢٤٧)، وابن
حبان (١١٩٦) من طريق مالك به .
٢٨٢

الموطأ
يعنى كَفاه مِن ذلك. وهذا الوضوءُ قبلَ الغُسلِ لا بعده .
التمهيد
حدَّثنا سعيدُ بنُ نَصَرٍ وعبدُ الوارثِ بنُّ سفيانَ ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ،
قال: حدَّثنا ابنُ وَضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةَ، قال: حدَّثنا شَرِيكُ،
عن أبى إسحاقَ، عن الأسودِ، عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ اللهِ وَلِ لا
يتوضَّأُ بعدَ الغُسْلِ مِن الجنابةِ(١) .
وروَى لجُمَّيعُ بنُ عُمَيرٍ ، والقاسمُ بنُ محمدٍ، والأسودُ بنُ يزيدَ ، عن عائشةً
وَصْفَها غُسْلَ رسولِ اللهِ بَطِّ مِن الجَنابةِ نحوَ حديث هشام بن عروةً ، عن أبيه ،
عن عائشةَ، بمعنَّى واحدٍ مُتقارِبٍ . وفى حديثٍ لجمَيعِ بنِ عُمَيرٍ : كان رسولُ
اللهِ وَله يتوضَّأَ وضوءه للصلاةِ، ثم يُفِيضُ على رأسِه ثلاثَ مِرارٍ، ونحن نُفِيضُ
على رُءُوسِنا خمسًا مِن أجلِ الضَّفْرِ (١).
وأما حديثُ ميمونةَ فى صفةٍ غُسْلِ رسولِ اللهِ وَّرَ؛ فحدَّثناه عبدُ اللهِ بنُ
محمدٍ ، حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، حدَّثنا أبو داودَ ، حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدّثنا
عبدُ اللهِ بنُ داودَ ، عن الأعمشِ، عن سالم بن أبى الجَعْدِ، عن كُرَيبٍ ، قال:
القبس
(١) ابن أبى شيبة ٦٨/١ - ومن طريقه ابن ماجه (٥٧٩) - وأخرجه أحمد ٤٥٤/٤٠ (٢٤٣٨٩)،
والترمذى (١٠٧)، والنسائى (٢٥٢، ٤٢٨)، وابن ماجه (٥٧٩) من طريق شريك به .
(٢) أخرجه أحمد ٣٥٧/٤٢ (٢٥٥٥٢)، والدارمى (١١٨٨)، وأبو داود (٢٤١)، وابن ماجه
(٥٧٤) من طريق جميع به، وأخرجه البخارى (٢٥٨)، ومسلم (٣١٨)، وأبو داود (٢٤٠)،
والنسائى (٤٢٢) من طريق القاسم به، وأخرجه أحمد ٢٣٣/٤٢ (٢٥٣٧٩)، وأبو داود (٢٤٣)
من طریق الأسود به .
٢٨٣

الموطأ
التمهيد حدَّثنا ابنُ عباس، عن خالتِه ميمونةَ، قالت: وضَعتُ للنبىِّ وَلِّ غُسْلًا يغتسلُ به
مِن الجَنَابةِ ، فأكفَأ الإناءَ على يدِه اليُسرى، فغسلها مرتين أو ثلاثًا، ثم صَبَّ
على فَرْجِه، فغسَل فرجَه بشِمالِه، ثم ضرب بيدِه الأرضَ فغسَلها ، ثم مضْمَض
واستنشَق، وغسَل وجهَه ويدَيه، ثم صَبَّ على رأسِه وجسدِه، ثم تَنَخَّى ناحيةً
فغسَل رجلَيه، فناوَلْتُه المِنْديلَ فلم يأْخُذْه، وجعَل يَنْفِضُ الماءَ عن جسدِه . قال
الأعمشُ : فذكرتُ ذلك لإبراهيمَ ، فقال: كانوا لا يَرَون بالمِنْدیلِ بأسًا ، ولكن
كانوا يكرهون العادةَ(١).
هذا الحدیثُ لصحته ترُدُّ ما رواه شعبةُ مولی ابنِ عباسٍ ، عن ابنِ عباسٍ ، أنه
کان إذا اغتسل من الجنابةِ غسل یدیه سبعًا، وفرجَه سبعًا . وشعبةُ هذا ليس
بالقوىِّ، وقد رُوِى عن ابنِ عمرَ قال: كانت الصلاةُ خمسينَ، والغُسْلُ مِن
الجنابةِ سبعَ مرارٍ()، وغَسْلُ الثوبِ مِن البولِ سبعَ مرارٍ(٢)، فلم تَزِّلْ رسولُ اللهِ
وَلِّ يسألُ حتى مجُعِلتِ الصلاةُ خمسًا، والغسلُ مِن الجنابةِ مرةً .
وغَسْلُ الثوبٍ مِن البولِ مرةً. وإسنادُ هذا الحديثِ أيضًا عن ابنِ عمرَ
فيه ضَعْفٌ ولينٌ، وإن كان أبو داودَ قد خرّجه، وخرّج الذى قبلَه عن
القبس
(١) أبو داود (٢٤٥). وأخرجه ابن خزيمة (٢٤١)، والطبرانى ٤٢٣/٢٣ (١٠٢٥) من طريق
عبد الله بن داود به. وأخرجه أحمد ٣٨٢/٤٤ (٢٦٧٩٨)، والبخارى (٢٤٩)، ومسلم (٣٧/٣١٧،
٣٨) من طريق الأعمش به .
(٢) فى م: ((مرات)).
٢٨٤

الموطأ
التمهيد
شعبةَ مولى ابنِ عباسٍ (١).
وأما قولُه فى حديثِ عائشةَ: يتوضَّأُ وُضوءَه للصلاةِ . فيحتملُ أنها أرادت :
بدَأ بمواضع الوضوءِ. والدليلُ على ذلك أنه ليس فى شىءٍ مِن الآثارِ الواردةِ عنه
وَلَّه فى غُسْلِ الجنابةِ، أنه أعادَ غَسْلَ تلك الأعضاءِ، ولا أعاد(١) المَضْمضةَ،
ولا الاستنشاقَ. وأجمع العلماءُ على أن ذلك كلَّه لا يُعادُ؛ مَن أُوجَب منهم
المضمضة والاستنشاقَ ، ومَن لم يُوجِئهما(٢) . وقد مضى القولُ فى ذلك فى
بابِ زيدِ بنِ أسلمَ(٤) ، والحمدُ للهِ .
واختلف قولُ مالكٍ فى تَخْليلِ الجُنُبِ لحيته فى غُسْلِه مِن الجنابةِ ؛ فرَوى
ابنُّ القاسم عنه أنه قال: ليس ذلك عليه . ورَوى أشهَبُ عنه أن عليه تَخْليلَ لحيته
مِن الجنابةِ .
قال ابنُ عبدِ الحكم: وهو أحَبُّ إلينا؛ لأن رسولَ اللهِ وَهِ كان يُخَلِّلُ شَعَرَه
فى غُسْلِ الجنابةِ . واختلافُ الفقهاءِ فى ذلك على هذين القولين ، وفى حديثٍ
عائشةً هذا ما يَشْهَدُ لصحةٍ قولٍ مَن رَأَى التَّخْلِيلَ؛ لأن قولَها فيه: فيُدْخِلُ أصابعَه
فى الماءِ ، فيُخَلِّلُ بها أصُولَ شَعَرِه . يقتضِى عمومُه شَعَرَ لحيته ورأسِه ، وإن كان
القبس
(١) أخرجه الطيالسى (٢٨٥١)، وأحمد ١٦/٥ (٢٨٠٠)، وأبو داود (٢٤٦) من طريق شعبة به،
وأخرجه أحمد ١٢٤،١٢٣/١٠ (٥٨٨٤)، وأبو داود (٢٤٧)، والبيهقى ١٧٩/١ من حديث ابن عمر.
(٢) فى الأصل، ص ١٧، م: (إعادة)).
(٣) فى م: ((يوجبها)).
(٤) تقدم فى ص٦٦ - ٧٤ .
٢٨٥

الموطأ
التمهيد الأَظهَرُ فِيه شَعَرَ رأسِه، واللهُ أعلمُ .
واختلف العلماءُ فى الجُنُبِ يغتسلُ فى الماءِ، ويَعُمُّ جسدَه ورأسَه كلَّه
بالغَسْلِ، أو ينغمِسُ فى الماءِ ويَعُمُّ بذلك جميعَ جسدِهِ دونَ أن يَتَدَلَّكَ ،
فالمشهورُ مِن مذهبٍ مالكٍ أنه لا يُجْزُه حتى يَتَدَلَّكَ؛ لأن اللهَ أمَر الجُنُبَ
بالاغتسالٍ ، كما أمَرِ المُتَوضِّئَ بغَسْلٍ وجهِه ويديه إلى المرفقين، ولم يَكُنْ بُدّ
للمُتَوضِّئُّ مِن إِمْرارِ يدَيه مع الماءِ على وَجْهِه وعلى يديه ، فكذلك جمیعُ جسدٍ
الجُنُبِ، ورأسُه فى حكمٍ وجهِ المُتوضّىُّ وحكمٍ يدَيه. وهذا قولُ المُزَنىّ
واختيارُه، وفى بعضٍ رواياتٍ حديثٍ ميمونةً، أن رسولَ اللهِ وَلِّ غسل جسده
مِن الجَنَابةِ. وقال أبو الفرج: وهذا هو المعقولُ مِن لفظِ الغُسْلِ؛ لأن الاغتسالَ
فى اللغةِ هو الافتعالُ، ومتى لم يُمِرَّ يدَيه فلم يفعَلْ غيرَ صَبِّ الماءِ، ولا يسميه
أهلُ اللسانِ غاسِلًا بل يُسُّونَه صابًّا للماءِ ومُنْغَمِسًا فيه . قال: وعلى نحوِ ذلك
جاءت الآثارُ عن النبيِّ وَّهِ، أنه قال: ((تحتَ كلِّ شَعَرةٍ جَنابةٌ، فبُلُّوا - أو(١)
اغسِلوا - الشَّعَرَ، وأَنْقُوا البَشَرةَ))(٢). قال: وإنقاؤُه - واللهُ أعلمُ - لا يكونُ إلا
بَيْعِه(٢) ، على حَدِّ ما ذكرناه .
قال أبو الفرج: وتَخْرِيجُ هذا عندى، واللهُ أعلمُ، أنه لمَّا كان المُعْتادُ مِن
المغتمِسِ فى الماءِ وصَابَّه عليه، أنهما لا يَكادان يَسْلَمانِ مِن تَنَكُّبِ الماءِ
القبس
(١) فى ص ٢٧، م: ((و).
(٢) سيأتى تخريجه ص٢٩١.
(٣) فى م: المتبعه)).
٢٨٦

الموطأ
مواضعَ المبالغةِ المأمورِ بها ، وجَب لذلك عليهما أن يُمِرًّا أيديهما. قال: فأمَّا إن التمهيد
طال مُكْثُ الإنسانِ فى ماءٍ، أو والَى بينَ صَبّه عليه مِن غيرِ أن يُمِرَّ یدیه علی
بَدَنِهِ، فإنه ينوبُ له عن إِمْرارٍ يديه . قال: وإلى هذا المعنى، واللهُ أعلمُ، ذهَب
مالكٌ رحِمه اللهُ .
هذا كلُّه قولُ أبى الفرج، وقد عاد إلى جَوازِ الغُسْلِ للمُنْغَمِسِ فى الماءِ، إذا
أَسْبَغِ وعَمَّ ؛ وعلى ذلك جماعةُ الفقهاءِ وجمهورُ العلماءِ. وقد رُوِى ذلك عن
مالكِ أيضًا نصًّا :
أخبرنا أحمدُ بنُ سعيدِ بنِ بشرٍ، قال: حدَّثنا مسلمةُ بنُ القاسم ، قال :
حدَّثنا محمدُ بنُ زَبَّانَ، قال: حدَّثنا سَلَمَةُ بنُ شَبِيبٍ ، قال: حدَّثنا مروانُ بنُ
محمدٍ ، قال : سألتُ مالك بن أنسٍ عن رجلٍ اغتَمَس فی ماءِ وهو مُنُبٌ ، ولم
يتوضَّأْ وصلَّى. قال: مَضَت صلاتُه. فهذه الروايةُ فيها أنه لم يَتدَلَّكْ ولا تَوضَّأ ،
وقد أجزَأَه عندَ مالكِ، لكن المعروفَ مِن مذهبِهِ ما وصَفْنا مِنِ التَّذَلُكِ. وقد
رُوِى عن الحسنِ وعطاءٍ مثلُ ذلك، ورُوِى عنهما خلافُهُ(٢).
ذگر دُخیم، عن کثیرِ بنِ هشام، عن جعفرِ بنِ بُؤْقَانَ، عن ميمون بنِ
مِهْرانَ، قال: إذا اغتسَلتَ مِن الجنابةِ فاذْلُكْ جلدَك وكلَّ شيءٍ نالَتْه
يَدُك .
قال : وحدَّثنا الوليدُ، حدَّثنا الأوزاعىُ، عن الزهرىِّ فى الجنُبِ يَنْغمِسُ فى
القبس
(١) فى ص ٢٧، م: ((المنغمس)).
(٢) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٧٤/١، ٧٥.
٢٨٧

الموطأ
التمهيد نھرٍ. قال: يُجْزِئُه .
قال : وحدثنا أبو حفص ، أنه سألَ الأوزاعي عن جنبٍ طرح نفسه فی نھرٍ
وهو مُجُنُبٌ ، لم يَزِدْ على أن انغمَسَ مكانَه. قال: يُجْزِتُه .
وعن الشعبىِّ ومحمدِ بنِ علىٍّ وعطاءٍ والحسنِ البصرىِّ قالوا : إذا اغتمَس
الجُنُبُ فى نهرِ اغْتِماسةً أجزأه (١).
وقال أبو حنيفةً، والشافعىُ، وأصحابُهما، والثورىٌّ، والأوزاعىُّ: يُجزِئُ
الُنُبَ إذا انغمسَ فی الماءِ وإِن لم يَتَدَلَّكْ . وبه قال أحمدُ بنُ حنبل ، وأبو ثورٍ ،
وإسحاقُ، وداودُ، والطبرىُّ، ومحمدُ بنُ عبدِ الحكم، وهو قولُ الحسنِ
البصرىِّ، وإبراهيمَ النخَعيِّ، وعامرٍ الشعبىِّ، وحمادِ بنِ أبي سليمانَ، وعطاءٍ؛
كلُّ هؤلاء يقولُ: إذا انغمس فى الماءِ، وقد وجَب عليه الوضوءُ، فَعَمَّ الماءُ
أعضاءَ الوضوءِ، ونَوى بذلك الطَّهارةَ، أْزَأه، وحُجّتُهم أن كلَّ مَن صَبَّ عليه
الماءَ فقد اغتسَلَ، والعربُ تقولُ: غسَلَتْنى السماءُ.
وقد حكَت عائشةُ وميمونةُ صفةً غُسْلِ رسولِ اللهِ وَلِّ، ولم تذكُّرا فيه
الثَّدَلَّكَ، ولو كان واجبًا ما ترَكِه رسولُ اللهِ وَّهِ؛ لأنه المُبيِّنُ عن اللهِ مُرادَه،
ولو فعَله لنُقِل عنه كما نُقِل تَخْليلُ أَصُولِ الشعَرِ بالماءِ ، وغَرْفُه على رأسِه ، وغيرُ
ذلك مِن صفةٍ غُسْلِه ووضوئِه وَله .
القبس
(١) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٧٤/١، ٧٥، والأوسط لابن المنذر ١١٠/٢، ١١١، والمغنى
٢٩٠/١.
٢٨٨

الموطأ
ذكَر عبدُ الرزاقِ (١) ، عن معمَرٍ، عن أبى إسحاقَ، عن رجلٍ يقالُ له: التمهيد
عاصمٌ . أن رَهْطًا أتَوا عمرَ بنَ الخطابِ ، فسألوه عن الغُسْلِ مِن الجنابةِ فقال: أما
الغُسْلُ، فتَوضَّأُ وضوءَك للصلاةِ، ثم اغسِلْ رأْسَك ثلاثَ مراتٍ ، واذْلُكْه، ثم
أَفِضِ الماءَ على جلدِك .
وأما غَسْلُ المرأةِ رأسَها فى الجَنَابةِ ، وصفةُ غُسلِها من ذلك، فقد جاء عن
عائشةَ ما ذكرنا مِن قولِها : وأما نحن فنُفِيضُ على رُءوسِنا خمسًا مِن أجلٍ
الضَّفْرِ . وقد أنكرتْ على عبدِ اللهِ بنِ عمرٍ و أمْرَه النساءَ أن يَنْقُضْنَ رُءُوسَهن عندَ
الغُسْلِ ، وقالت : ما كنتُ أَزِيدُ على أن أَفْرِعَ على رأسِى ثلاثَ غَرَفَاتٍ مع رسولِ
اللهِ وَلّهِ- رَواه أيوبُ، عن أبى الزبيرِ، عن عبيدِ بنِ عُمَيرٍ، عن عائشةَ، أنه بلَغها
عن عبد الله بن عمرو () .
وفى حديثٍ أمِّ سَلَمَةَ ، أنها قالت: يا رسولَ اللهِ ، أَنقُضُ رأسِى عندَ الغُسْلِ؟
فقال: ((يَكْفِيكِ أن تَصُبِّى على رأسِكِ ثلاثَ مراتٍ))(٢).
وقال سعيدُ بنُ المسيبِ : لكلِّ صَبَّةٍ عَضْرَةٌ . وقال مالكٌ : اغتسالُ المرأةِ مِن
الحيضِ كاغتسالِها من الجَنَابةِ ، ولا تَنْقُضْ رَأْسَها.
القبس
(١) عبد الرزاق (٩٨٧).
(٢) أخرجه أحمد ١٩٠/٤٠ (٢٤١٦٠)، ومسلم (٣٣١)، وابن ماجه (٦٠٤) من طريق أيوب
به .
(٣) أخرجه أحمد ٧٩/٤٤، ٢٧٦ (٢٦٤٧٧، ٢٦٦٧٧)، ومسلم (٣٣٠)، وأبو داود (٢٥١)،
والترمذى (١٠٥) .
٢٨٩
( موسوعة شروح الموطأ ١٩/٣ )

الموطأ
التمهید
قال أبو عمرَ: قد ثبت عن النبيِّ وَلِّ أنه كان يُخَلِّلُ أَصُولَ شَعَرِهِ فى غُسْلِه،
ويُتْبِعُ ذلك بِصَبِّ الماءِ عليه ؛ فالواجبُ على كلٌّ ذى شَعَرٍ مِن رجلٍ أو امرأةٍ ، أن
يَعْتَقِدَ ذلك حتى يُوصِلَ الماءَ إلى البَشَرَةِ، فإن لم يصِلْ إِلا بالنَّقْضِ، نقَض
حتى يصلَ الماءُ إِلَى البَشَرَةِ وَيَجْرِىَ عليها؛ لقولِهِ وَلّهِ: ((تحتَ كلِّ شَعَرةٍ
جَنابةٌ، فاغسِلوا الشَّعَرَ)). ويُؤْوَى: ((فَأَرْوُوا الشَّعَرَ، وأَتْقُوا الْبَشَرةَ)) . فإن وصَل
الماءُ إلى جلدِ الرأسِ، فلا وجهَ لنَّقْضِ الشَّعَرِ حينئذٍ .
حدّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، حدّثنا محمدُ بنُ بکرٍ ، حدّثنا أبو داودَ ، حدَّثنا
موسى بن إسماعيلَ، حدَّثنا حمادُ بنُ سَلَمَةَ، أُخبرَنا عطاءُ بنُ السائبِ ، عن
زاذانَ، عن علىٍّ، أن رسولَ اللهِ وَلِّ قال: ((مَن تَرَك موضِعَ شَعَرةٍ مِن جنابةٍ لم
يَغْسِلْها، فُعِل به كذا وكذا (٢) مِن النارِ)). قال عليٍّ: فمِن ثَمَّ عادَيْتُ رأسِى .
ثلاثًا، وكان يَجُزُّ شَعَرَه (١) .
وكان ابنُ عُيَينةَ يقولُ فى تأويلِ الحديثِ: ((وأَتْقُوا البَشَرَ)). أنه أرادَ
غَسْلَ الفَرْجِ وتَنظيفَهُ(٤)، وأنه كَنَى بالبَشَرةِ عن الفَرْج، وما رأيتُ هذا
التفسيرَ لغيرِ ابنِ عُتَينةً .
القبس
(١ - ١) سقط من: م.
(٢) بعده فى الأصل، ص ٢٧: ((ولم يكن)).
(٣) أبو داود (٢٤٩)، وأخرجه الطيالسى (١٧٠)، وأحمد ١٣٠/٢، ١٧٨ (٧٢٧، ٧٩٤)، وابن
ماجه (٥٩٩) من طريق حماد به .
(٤) فى م: ((تضاعيفه)).
٢٩٠

الموطأ
التمهيد
وقال ابنُ وهب : ما رأيتُ أعلمَ بتَفْسيرِ الأحاديثِ مِن ابنٍ عُنَينةَ.
وحديثُ: ((بُّوا(١) الشَّعَرَ، وأَنْقُوا البَشَرَ(٢)). إنَّما" يدورُ على الحارثِ بنِ
وجيهٍ . وهو ضعيفٌ .
حدَّثناه عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو
داودَ، قال: حدَّثنا نصرُ بنُ علىٍّ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ وجيهٍ(٤) ، قال:
حدَّثنا مالكُ بنُ دينارٍ ، عن محمدِ بنِ سيرينَ ، عن أبى هريرةَ ، قال : قال رسولُ
اللهِ وَلَهُ: ((إن تحتَ كلِّ شَعَرةٍ جَنابةً، فاغسِلوا الشَّعَرَ، وأَنْقُوا الْبَشَرَ)). قال
أبو داودَ : هذا حديثٌ ضعيفٌ (٥).
وحدَّثنا خلفُ بنُ قاسم ، قال : حدثنا أبو حُذَیفةً أحمدُ بنُ محمدِ بنِ علىِّ
الدِّينَوَرِىُّ، قال : حدَّثنا أبو بكرٍ عبدُ اللهِ بنُ سليمانَ ، قال: حدّثنا نصرُ بنُ علىِّ
الجَهْضَمِئُ ، قال : حدّثنا الحارثُ بنُ وجیهِ ، عن مالكِ بنِ دینارٍ ، عن محمدِ بنِ
القبس
(١) فى م: ((فأبلو)).
(٢) فى ص ٢٧، م: ((البشرة)).
(٣) سقط من: م.
(٤) فى ص ٢٧: ((وَجْبَة)). قال الترمذى: يقال: الحارث بن وجيه. ويقال: الحارث بن وجبة. سنن
الترمذى ١٧٨/١. وينظر التلخيص الحبير ١/ ١٤٢.
(٥) أخرجه البيهقى فى المعرفة (٢٧٦) من طريق محمد بن بكر به ، وهو فى سنن أبى داود
(٢٤٨)، وأخرجه ابن ماجه (٥٩٧)، والترمذى (١٠٦) عن نصر بن علی به، وأخرجه ابن جرير
فى تهذيب الآثار (٤٢٨ - مسند على)، وأبو نعيم ٣٨٧/٢، والبيهقى ١٧٥/١ من طريق الحارث
ابن وجیه به .
٢٩١

الموطأ
التمهيد سيرينَ، عن أبى هريرةَ، قال: قال النبىُّ وَّهِ: ((تحتَ كلِّ شَعَرةٍ جَنابَةٌ، فيُلُّوا(١)
الشَّعَرَ، وأَنْقُوا الْبَشَرَ)) .
وذكَّر عبدُ الرزاقٍ(١) ، أخبرنا معمرٌ، عن زيدِ بنِ أسلمَ ، قال: سمِعتُ علىَّ
ابنَ حسينٍ يقولُ: ما مَسَّ الماءُ منك وأنتَ جُنُبٌ ، فقد طَهُر ذلك المكانُ .
واختلف الفقهاءُ فى الغُسْلِ للجَنَّابةِ ، وفى الوضوءِ مِن غيرِ نِيَّةٍ ؛ فقال مالكٌ،
وربيعةٌ ، والشافعىُّ، والليثُ ، وداودُ، والطبرىُّ، وأحمدُ ، وأبو ثَوْرٍ ، وإسحاقُ ،
وأبو عبيدٍ : لا يُجْزِئُ الطهارةُ للصلاةِ، والغُسْلُ مِن الجَنَابةِ ، ولا التيممُ إلا ينِيَّةٍ .
وحُجَّتُهم قولُهُ وِّهِ: ((إنما الأعمالُ بالنَِّاتِ، وإنما لامرئٍّ(٣) ما نَوى))(٤). وقال
اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَآ أُمِرُوَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ أُلِينَ﴾ [البينة: ٥].
والإخلاصُ : النِّيَّةُ فى التَّقُرُّبِ إليه، والقَصْدُ بأداءِ ما افتُرِضَ على المؤمنِ . وقال
أبو حنيفةً ، وأصحابُه، والثورىُّ: تُجْزِئُ كلُّ طَهارةٍ بماءٍ بغيرِ نِيَّةٍ ، ولا يُجْزِئُ
التَّيممُ إِلا ينِيَّةٍ . وقال الأوزاعىُّ، والحسنُ بنُ حَىٍّ: يُجْزِئُّ الوضوءُ والتَّيَّهُمُ بغيرِ
نِيَّةٍ .
ورَوَى أبو المغيرةِ عبدُ القدوسِ، عن الأوزاعىِّ، وسُئِل عن رجلٍ يُعَلِّمُ أحدًا
التَّيَّهُمَ ولا يَنْوِى التيممَ لنفسِه، فحضَرَت الصلاةُ . قال: يُصَلِّى بِتَهُمِه، كما لو
القبس
(١) فى م: «فأبلوا)) .
(٢) عبد الرزاق (١٠١٤).
(٣) فى م: ((لكل امرئ)).
(٤) أخرجه أحمد ٣٠٣/١، ٣٩٣ (١٦٨، ٣٠٠)، والبخارى (١)، ومسلم (١٩٠٧).
٢٩٢

الموطأ
التمهيد
توضَّأ وهو لا يَنْوِى الصلاةَ كان طاهِرًا .
وروَى عبدُ اللهِ بنُّ المباركِ، والفِزْيابِىُّ، وعبدُ الرزاقِ (١) ، عن الثورىِّ، قال:
إذا عَلَّمْتَ الرجلَ التيممَ لم يُجزتْكَ إلا أن يكونَ نَوَيْتَه، وإن عَلَّمْتَه الوضوءَ أَجْزَأَك
وإن لم تَنْوِهِ . وهو قولُ أبى حنيفةَ وأصحابِه .
واختلف عن زُفَرَ فی التيمم بغيرِ نِيَّةٍ؛ فژوى عنه مثلُ قولِ الحسنِ بنِ خَئٍّ
والأوزاعىّ . ورُوِى عنه مثلُ قولِ أبى حنيفةَ والثورىِّ فى الفَرْقِ بينَ الوضوءِ والتَُّهُمِ.
وحُجَّةُ مَن أسقَط النِّيَّةَ ولم يُراعِها فى الوضوءِ بالماءِ ، أن الوضوءَ ليس فيه
فَرْضٌ ونافلةٌ فِيَحتاجَ المُتَوضِّئُ فيه إلى نِيَّةٍ . قالوا: وإنما يُحتاجُ إلى النيةِ فيما فيه
مِن الأعمالِ فَوْضٌ ونَفْلٌ؛ ليُفَرَّقَ بالنِّيةِ بينَ ذلك . وأمَّا الوضوءُ، فهو فَرْضٌ للنافلةِ
والفريضةِ ، ولا يصنعُه أحدٌ إلا لذلك، فاسْتُغْنِىَ عن النِّيةِ. قالوا: وأمَّا التَّيَّهُمُ فهو
بَدَلٌ مِن الوضوءِ ، فلا بُدَّ فيه مِن النِّيّةِ . ومَن جمّع فى ذلك بينَ التَّهُمِ والوضوءِ،
فحُجَّتُه فى ذلك واحدةٌ . ومِن ◌ُجَّتِّهم أيضًا الإجماع على إزالةِ النَّجاساتِ مِن
الأبدانِ والثيابِ بغيرِ نِيَّةٍ، وهى طهارةٌ واجبةٌ فَرْضًا عندَهم، قالوا: فكذلك
الوضوءُ .
قال أبو عمرَ: القولُ الصحيحُ قولُ مَن قال: لا تُجْزِئُ طهارةٌ إلا بِنِيَّةٍ
وقَصْدٍ ؛ لأن المفتَرَضاتِ (٢) لا تُؤدَّى إِلا بَقْصدٍ إِلى(١) أدائِها، ولا يُسمَّى الفاعلُ
القبس
(١) عبد الرزاق (٨٩٥).
(٢) فى م: ((المفروضات)).
(٣) سقط من: ص٢٧، م.
٢٩٣

الموطأ
التمهيد على الحقيقةِ فاعلاً إلا بقَصْدٍ منه إلى الفعلِ، ومحالٌ أن يتأدَّى عن المرءِ ما لم
يقصِدْ إلى أدائِه ويَنْوِيه بفعلِهِ، وأىُّ تَقَوْبٍ يكونُ مِن غيرٍ مُتَقَّبٍ ولا قاصدٍ،
والأمرُ فى هذا واضحٌ لمَن أُلهِم رُشْدَه، ولم تَمِلْ به عَصَبُِّه .
واختلف الفقهاءُ فيمَن اغتسل للجُمُعةِ وهو جُنُبٌ ولم يَذْكُرْ جَنابتَه ؛ فقالت
طائفةٌ : يجُزُه؛ لأنه اغتَسَل للصلاةِ واسْتِباحتِها، وليس عليه مُراعاةُ الحَدَثِ
ونوعِه، كما ليس عليه أن يُراعِىَ حَدَثَ البولِ مِن الغائطِ مِن الريحِ، وغيرَ ذلك
مِن الأحداثِ، وإنما عليه أن يتوضَّأَ للصلاةِ ، فكذلك الغُسْلُ للصلاةِ يومَ الجُمُعةِ
يُجزُه مِن الجنابةِ . وإلى هذا ذهَب المُزَنِىُّ صاحبُ الشافعىِّ، وهو قولُ جماعةٍ
مِن أصحابٍ مالكِ؛ منهم أُشهَبُ ، وابنُ وَهْبٍ، وابنُ كِنانةً(١)، ومُطَرِّفٌ، وعبدُ
الملكِ، ومحمدُ بنُّ مَسْلَمَةَ. وقال آخرون: لا يُجْزِئُ الجُنُبَ الغُسْلُ للجُمُعةِ إِذا
لم يَذْكُرْ جَنابتَه ، ولا يُجزُه عن الجَنَابةِ إلا الغُسْلُ الذى يُعتَدُّ به لها بقَصْدٍ منه إلى
ذلك، ونيّةٍ ورَفْع لجَنايتِه بإرادةِ ذلك وذِكْرِه لها؛ لأن الفرائضَ لا تُؤَدَّى إلا
بذلك، ولأن الغُسْلَ للجمعةِ سُنَّةٌ واسْتِحبابٌ ، ومحالٌ أن تُجْزِئَ سُنَّةٌ عن فرضٍ،
كما لا يُجْزِئُ ذلك فى شىءٍ مِن الصلاةِ وسائرِ الأعمالِ التى فيها الفَرْضُ والنَّفْلُ.
وهذا القولُ أصَحُ(٢) فى النظرِ، وهو قولُ مالكِ، والشافعىِّ، وداودَ بنِ
القبس
(١) أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم بن كنانة، أبو عمر اللخمى القرطبى، يعرف بابن العَنَّان،
كان محدثا متقنا، ثقة ضابطا، جيد التقييد، توفى سنة ثلاثمائة وثلاث وثمانين. تاريخ علماء
الأندلس ٥٦/١، وسير أعلام النبلاء ٤٢٥/١٦.
(٢) فى م: ((صح).
٢٩٤

٩٨ - وحدَّثنى عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروةَ بنِ الزبيرِ، الموطأ
عن عائشةً أمِّ المؤمنين، أن رسولَ اللهِ وَلِّ كان يغتسِلُ من إِناءٍ، هو
الفَرَقُ ، من الجنابةِ .
علىٍّ، وأحمدَ بنِ حنبلٍ، وإليه ذهَب ابنُ القاسمِ صاحبُ مالكِ، وابنُ عبدِ التمهيد
الحکم، ورویاہ عن مالك .
وأما حديثُ مالكِ، عن هشامٍ بنِ عروةً، عن أبيه، عن عائشةً: كنتُ
أغتسلُ أنا ورسولُ اللهِ نَّهِ مِن إناءٍ واحدٍ (١). فليس عندَ يحيى فى ((الموطأً))؛
ولذلك لم يَذْكُرْه ههنا ، وعنده فى ذلك حدیثُ ابن شهاب ، عن عروةَ ، عن
عائشةً. وقد تقدَّم ذکرُه وما فيه مِن الأحكامِ فی بابِ ابنٍ شهابٍ مِن هذا
الكتاب(٢) ، وقد جمعهما عنه (٢) ابنُ بُكَيرٍ وغيرُه؛ حديثُ هشامٍ وحديثُ ابنٍ
شهابٍ ، ورَواه القَعْنَبِىُّ عن مالكِ، عن هشامٍ أو ابنِ شهابٍ - على الشكِّ - ولم
يقلْ لفظَهما(٤).
مالكٌ، عن ابن شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، أن رسولَ اللهِ وَێ کان
يغتسِلُ من إناءٍ، هو الفَرَقُ، من الجنابةِ (*) .
القبس
(١) أخرجه النسائى (٢٣٢، ٤٠٩) من طريق مالك به .
(٢) سيأتى فى الموطأ (٩٨)، وهو الحديث التالى.
(٣) سقط من: م.
(٤) أخرجه ابن حبان (١١٩٤) من طريق القعنبى، عن مالك، عن هشام به .
(٥) الموطأ برواية أبى مصعب الزهرى (١٢١)، وأخرجه مسلم (٤٠/٣١٩)، وأبو داود (٢٣٨)،
وابن حبان (١٢٠١) من طريق مالك به .
٢٩٥

الموطأ
هكذا قال مالكٌ فى هذا الحديثِ ، وتابَعه ابنُ عُيينةَ واللیثُ بنُ سعدٍ على
التمهيد
إسنادِهِ ومتنِه، إلا أنهما زادا فيه: وكنتُ أغتسِلُ أنا ورسولُ اللهِ وَلَّ من إناءٍ
واحدٍ . وهذا اللفظُ عندَ مالكِ عن هشام بن عروةَ ، عن أبيه ، عن عائشةً . وروَی
هذا الحديثَ عن ابنٍ شهابٍ ؛ معمرٌ وابنُ جريجٍ، بمثلٍ إِسنادٍ مالكٍ ، إلا أنهما قالا :
كنتُ أغتسِلُ أَنا ورسولُ اللهِ وَهِ مِن إناءٍ واحدٍ ، هو الفَرَقُ. فَأَتَيَا بلفظِ حديثٍ مالكٍ
عن هشام بن عروةً، فذكرا فيه الفَرَقَ، وليس فى حديثٍ هشامٍ ذِكرُ الفَرَقِ .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا
محمدُ بنُّ إِسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحميدىُّ ، قال: حدَّثنا سفيانُ ، قال: حدَّثنا
الزهرىُّ، قال : أخبرنى عروةُ بنُّ الزبيرِ، قال: سمِعتُ عائشةَ تقولُ : كان رسولُ
اللهِ وَلِّ يغتسلُ فى القَدحِ، وهو الفَرَقُ، وكنتُ أغتسلُ أنا وهو من إناءٍ واحدٍ (١).
فأَتَى بحديثَى مالكٍ جميعًا عن ابنِ شهابٍ وهشامٍ، فى هذا الإسنادِ ،
وكذلك رواه الليثُ .
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُّ محمدٍ قال : حدَّثنا أحمدُ
ابنُ شُعیبٍ قال : أخبرنا قُتیبةُ بنُ سعیدٍ قال : حدثنا الليثُ ، عن ابن شهاب ، عن
عروةَ، عن عائشةً، أنها قالتْ: كان رسولُ اللهِ وَلِّ يغتسلُ فى القدحِ، وهو
الفَرَقُ، وكنتُ أغتسلُ أنا وهو من إناءٍ واحدٍ .
القبس
(١) الحميدى (١٥٩)، وأخرجه الشافعى ٨/١، وأحمد ١٠٧/٤٠ (٢٤٠٨٩)، ومسلم (٤١/٣١٩)،
وابن ماجه (٣٧٦) من طريق ابن عيينة به .
(٢) النسائى (٧٢، ٢٢٨، ٣٤٣)، وأخرجه مسلم (٤١/٣١٩)، وابن حبان (١١٠٨) من طريق =
٢٩٦

الموطأ
حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا (١ محمدُ بن١ُ) معاويةَ، قال: حدَّثنا التمهيد
أحمدُ بنُ شُعيبٍ ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ ، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ،
قال: حدَّثنا معمرٌ وابنُ مجريج، عن الزهرىِّ، عن عروةَ، عن عائشةً،
قالت: كنتُ أغتسلُ أنا ورسولُ اللهِ وَ من إناءٍ واحدٍ، وهو قدرُ
(٢)
الفَرَقِ(٢).
ورواه إبراهیمُ بنُ سعد ، عن ابن شهاب ، فخالف جمیعَهم فی إسنادِهُ ؛
وجعَله عن القاسم، ولم يجعلْه عن عروةَ، حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال:
حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمد الصائغُ، قال: حدّثنا
سلیمانُ بنُ داودَ ، قال : حدثنا إبراهیمُ بنُ سعدٍ ، قال : حدثنا ابنُ شهاب ، عن
القاسم بن محمدٍ، عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ اللهِ وَ لِّ يغتسِلُ من إناءٍ، هو
الفَرَقُ . قالت عائشةُ: وكنتُ أغتسلُ معه فى الإناءِ الواحدِ (٤) . قال ابنُ شهابٍ :
وأظنُّ الفَرَقَ يومئذٍ خمسةً أقساطٍ .
قال أبو عمرَ: لا أدرى ما أراد ابنُ شهابٍ بالقسطِ ، ولا ما كان مقداره
القبس
= قتيبة به. وأخرجه مسلم (٤١/٣١٩)، وأبو عوانة (٨٤٦) من طريق الليث به .
(١ - ١) ليس فى: الأصل، م. وينظر سير أعلام النبلاء ٦٨/١٦.
(٢) النسائى (٢٣١)، وفى الكبرى (٢٣٥)، وإسحاق بن راهويه (٦٣٤)، وعبد الرزاق
(١٠٢٧)، وأخرجه أحمد ٤٢٥/٤٢ (٢٥٦٣٤)، وابن المنذر فى الأوسط (٢٠٩)، والبيهقى
١٩٤/١ من طريق عبد الرزاق به .
(٣) بعده فى م: ((و)).
(٤) أخرجه أبو يعلى (٤٤١٢)، والبيهقى ١٩٤/١ من طريق إبراهيم بن سعد به.
٢٩٧

الموطأ
التمهيد عندَهم ، وأما العربُ فالقِسطُ عندَها الحصةُ والمقدارُ، كذلك قال الخليلُ(١)،
وقال الخليلُ : الفرَّقُ مكيالٌ . وقال ابنُ وهبٍ : الفرَقُ مكيالٌ من خشبٍ، كان
ابنُ شهابٍ يقولُ : إنه يسعُ خمسةَ أقساطٍ بأقساطِ بنى أميةً . وفسَّر محمدُ بنُّ
عيسى الأعشى(١) عن ابنٍ كِنانةَ الفَرَقَ أنه ثلاثةُ أَضْوع، قال الأعشَى: والثلاثةُ
الأصوع(٢) خمسةُ أقساطٍ. قال: وفى الخمسةِ أقساطِ اثنا عشرَ مُدَّا بمُدِّ النبيِّ
وَله . وقال ابنُ مَزيَنٍ: قال لى عيسى بنُ دينارٍ: قال لى ابنُ القاسمِ، وسفيانُ بنُ
عُيينةَ فى الفَرَقِ ، أنه كان يحملُ ثلاثةَ أَضْوع. وقال أبو داودَ : سمِعتُ أحمدَ بنَ
حنبلٍ يقولُ : الفَرَّقُ ستةَ عشرَ رَطْلًا.
وقال موسى الجُهَنىُّ، عن مجاهدٍ، أنه أُتِى بقدح حزَرتُه ثمانيةً أرطالٍ ،
فقال: حدَّثْنى عائشةُ، أن رسولَ اللهِ وَلِّ كان يغتسلُ بمثلٍ هذا(٤). وقال
الأثرمُ: سمِعتُ أبا عبدِ اللهِ يُسألُ عن الفَرَقِ كم هو؟ قال : ثلاثةُ أَضْوعٍ.
القبس
(١) الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم أبو عبد الرحمن الفراهيدى، كان ذكيًّا فطنًا شاعرًا، استنبط
من العروض ومن علل النحو ما لم يستنبط أحد، وما لم يسبق إليه سابق، توفى سنة سبعين ومائة ،
وقيل : سنة خمس وسبعين. طبقات النحويين واللغويين ص ٤٧.
(٢) محمد بن عيسى بن عبد الواحد بن نجيح المعافرى أبو عبد الله المعروف بالأعشى القرطبى،
رحل سنة مائة وتسع وسبعين إلى المشرق، وكان الغالب عليه الحديث ورواية الآثار، وكان
صالحا عاقلا، يذهب مذهب أهل العراق . توفى سنة مائتين وواحد وعشرين. نفح الطيب للمقرى
٦٢/٢.
(٣) فى م: ((أصوع)).
(٤) أخرجه أحمد ٢٩٢/٤٠ (٢٤٢٤٨)، والنسائى (٢٢٦) من طريق موسى به .
٢٩٨

الموطأ
قال أبو عمرَ: قولُ ابنٍ شهابٍ، وابنٍ عُبينةَ، وابن القاسم، والأعشَى، التمهيد
قريبٌ من قريبٍ، فى مقدارِ الفَرَقِ ، وكذلك قولُ أحمدَ بنِ حنبلٍ ، وأما قولُ
مجاهدٍ فبعيدٌ ، وقولُ أولئك أَوْلِى ، واللهُ أعلمُ .
ورُوِى فى ((الموطآتِ)) (١): الفَرْقُ والفَرَقُ، بتسكينِ الراءِ وتخفيفِها
وحركتِها، وروايةُ يحيى بالإسكانِ، وتابعه قومٌ. وأما قولُ عائشةَ: كنتُ
أغتسِلُ أنا ورسولُ اللهِ وَ له من إناءٍ واحدٍ. فروَاه عبدُ الرحمنِ بنُ القاسمِ عن
أبيه، عن عائشةَ، من حديثٍ شعبةً وغيرِه، عن عبد الرحمنِ() .
ورواه إبراهيمُ عن الأسودِ ، عن عائشةً(١) ، ورواه هشام، عن أبيه، عن
عائشةً وقد ذكرنا الاختلاف فیه علی ابنِ شهابٍ .
وفيه من الفقهِ تركُ التحديدِ فيما يكفى من الماءِ، وأن فضلَ المرأةِ لا
بأس بالوضوء منه. وسنذكرُ الاختلاف فى ذلك ووجه الصوابِ فیه إن شاء
اللهُ عند ذكرٍ حديثِ نافعٍ، عن ابنِ عمرَ: إن كان الرجالُ والنساءُ
ليتَوضَّئون جميعًا فى زمنِ رسولِ اللهِ وَّه"؛ لأن حديثَ هشامٍ بنِ عروةً
القبس
(١) فى م: ((الموطأ)).
(٢) أخرجه الطيالسى (١٥١٩)، وأحمد ٢٤٣/٤٢، ٢٤٤ (٢٥٣٩٤)، والبخارى (٢٦٣) من
طريق شعبة به .
(٣) أخرجه أحمد ٣٦٣/٤٢ (٢٥٥٦٣)، والبخارى (٢٩٩)، وأبو داود (٧٧)، والنسائى (٢٣٥)
من طريق إبراهيم به .
(٤) فى م: ((زمان)).
(٥) تقدم فى ٥٢٥/٢ - ٥٢٨ .
٢٩٩

الموطأ
التمهيد هذا ليس من رواية مالكِ فى ((الموط))، وإذا توضَّأ الاثنان وأكثرُ من إناءٍ
واحدٍ ، ففى ذلك دليلٌ على أنه لا تحديدَ ولا توقيفَ فيما يكفِى المغتسلَ
والمتوضئَ من الماءِ، وحسبُه الإتيانُ بالماءِ على ما يُغسلُ من الأعضاءِ غَسلًا،
وعلى ما يُمسخ مسحًا .
وأما حديثُ ابنٍ شهاب المذكورُ فى هذا البابِ، ففيه من الفقهِ
الاقتصارُ على أقلِّ ما يكفِى من الماءِ، وأن الإسرافَ فيه مذمومٌ. وفى ذلك
ردّ على الإباضيّةِ() ومَن ذهَب مذهبهم فى الإكثارِ من الماءِ؛ ولهذا(٢) ما
سيقَ هذا الحديثُ(١)، واللهُ أعلمُ، إنكارًا على أولئك(٤)؛ لأنه مذهبٌ ظهَر
فى زمانِ التابعين، وسُئِل عنه الصحابةُ، ونُقل فى ذلك من الحديثِ ما
ترى .
وروَی عبدُ اللهِ بنُّ المباركِ ، عن شعبةً ، عن عبدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ جَبٍ ،
عن أنسٍ بنِ مالكٍ، قال: كان النبيُّ وَ ل﴿ يَتوضأَ بمكوكٍ(٥) ، ويغتسِلُ بخمسٍ
القبس
(١) الإباضية : إحدى فرق الخوارج ، وتنسب إلى مؤسسها عبد الله بن إباض التميمى ، وهم يقولون
بتعطيل الصفات الإلهية ، وخلق القرآن ، وجواز الخروج على أئمة الجور . الموسوعة الميسرة فى الأديان
والمذاهب والأحزاب المعاصرة ٦٢/١ .
(٢) فى م: ((هذا)).
(٣) بعده فى م: ((له)).
(٤) بعده فى م: ((الطائفة)).
(٥) المكوك: مكيال قديم يختلف مقداره باختلاف اصطلاح الناس عليه فى البلاد. ينظر
الوسيط ( م ك ك ).
٣٠٠