Indexed OCR Text

Pages 521-540

الموطأ
التمهید
والعَقرَبِ، والجِعلانِ(١)، والصّرارِ، والخُنفُساءِ(١)، وما أشبه ذلك، والأصلُ
فى ذلك حديثُ رسولِ اللهِ وَّهِ فِى الذُّبابِ .
حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةً ، قال: حدَّثنا
أحمدُ بنُ شُعيبٍ ، قال : حدَّثنا عمرُو بنُ علىّ ، قال: حدّثنا یحتِی بنُ سعیدٍ ،
قال : حدَّثنا ابنُ أبى ذِئبٍ ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ خالدٍ، عن أبى سَلمَةً ، عن أبى
سعيد الخُدرىِّ، عن النبيِّ وَالتي قال: ((إذا وقَعَ الذَّبابُ فى إناءِ أحدِ كُم
(٣)
فَلَمْقُلْه))(٣).
وأخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا ابنُ السَّكنِ، قال: حدَّثنا محمدُ
ابنُّ يوسفَ ، قال: حدَّثنا البخارىُّ، قال: حدَّثنا قُتِيبةٌ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ
ابنُ جعفر ، عن ◌ُتبةً( بن مسلم ، عن ◌ُبیدِ بن ◌ُنینٍ مولَی بنی زُریقٍ ، عن أبى
هريرةَ، أنَّ رسولَ اللهِ نَِّ قال: ((إذا وَقعَ الذُّبابُ فى إناءِ أحدِ كُم فلْيَغْمِسْهُ كُلَّه،
القبس
(١) الجُعَل: حيوان كالخنفساء يكثر فى المواضع الندية، والجمع جعلان. الوسيط (ج ع ل).
(٢) الخنفساء: حشرة سوداء، مغمدة الأجنحة ، أصغر من الجعل ، منتنة الريح. الوسيط (خنفس).
(٣) فليمقله، أى: يغمسه، يقال: مَقَلت الشىء أمقُله مقلًا. إذا غمسته فى الماء ونحوه. النهاية
٣٤٧/٤.
والحديث عند النسائى (٤٢٧٣) وفى الكبرى (٤٥٨٨). وأخرجه أحمد ٢٨٤/١٧
(١١١٨٩)، وأبو يعلى (٩٨٦)، وابن حبان (١٢٤٧) من طريق يحيى بن سعيد به. وأخرجه
الطيالسى (٢٣٠٢)، وأحمد ١٨٦/١٨ (١١٦٤٣)، وابن ماجه (٣٥٠٤) من طريق ابن أبى ذئب
به .
(٤) فى ق: ((قتيبة)، وفى م: ((عقبة)). وينظر تهذيب الكمال ٣٢٣/١٩.
٥٢١

الموطأ
التمهيد ثم لْيطرَحْه، فإِنَّ فى أحدٍ جَناحَيهِ شِفاءً، وفى الآخَرِ داءً))(١)
ورُوِىَ هذا الحديثُ مِن وُجُوهٍ كثيرةٍ عن أبى سعيدٍ وأبى هريرةَ ، كلُّها ثابتةٌ ،
ومعلوم أنَّ الذُّبابَ إِذا غُمِس فى الطَّعام الحارّ أو الباردِ أنَّ الأغلبَ عليه مع
ضَعفٍ خَلقِه الموتُ، فلو كان موتُه فى الماءِ أو الطّعامِ يُفسِدُه، لم يأْمُرْ
رسولُ اللهِ وَ لَّهِ بِغَمِه فيه، وإذا لم يَنُسِ الطّعامُ بمَوتِه، فليسَ بنَجسٍ على
حالٍ ألبَنَّةَ .
وحكم كلِّ(٢) ما لا دمَ له حكمُه؛ مِن أنه لا يُفسِدُ ما مات فيه مِن الطعامِ،
وقد رخّصَ قومٌ فى أكلِ دودٍ التينٍ، وما فى الفول وسائرِ الطّعامِ مِن السُّوسِ؛
واستَجازُوا ذلك لعدمِ النَّجاسَةِ فيه. وكَرِهَ أكلَ ذلك جماعةٌ مِن أهلِ العِلم،
وقالوا: لا يُؤْكلُ شىءٌ مِن ذلك؛ لأَنَّه ليسَ له حَلقٌ ولا(١) لَّةٌ فيُذكَّى، ولا
هو مِن صَيدِ الماءِ فيَحِلَّ بغيرِ الذَّكاةِ. واحتجُوا بقولِ رسولِ اللهِ بَّه فى
الذُّبابِ: ((فَلَغْمِشْه، ثم لْيطرَحْه)). قالوا: ولو كان أكلُه مُباحًا لم يأمُرْ
بطرحه .
وأمَّا القَملَةُ والبرغُوثُ، فأكثَرُ أصحابِنا يقولون: لا يُؤْكلُ طَعامٌ ماتَتْ فيه
قملَةٌ أو بُرغوثٌ؛ لأنَّهما نجِسانٍ ، وهما مِن الحيوانِ الذى عَيشُه مِن دمِ
الحيوانِ ، لا عيشَ لهما غيرُ الدَّمِ ، فهما نَجِسانِ، ولهما دمٌ. وكان سُليمانُ بنُ
القبس
(١) البخارى (٥٧٨٢)، وأخرجه أحمد ٨٨/١٥ (٩١٦٨) من طريق إسماعيل به.
(٢) ليس فى: الأصل، م.
٥٢٢

الموطأ
٤٢ ۔ وحدّثنی عن مالك ، عن یحیی بنِ سعیدٍ ، عن محمدِ بنِ
إبراهيمَ بنِ الحارثِ التَّيْمِىِّ عن يحيى بنِ عبدِ [٨] الرحمنِ بنِ حاطبٍ ،
سالمِ القاضِى الكِندىُّ(١)، مِن أهلِ إِفِرِيقِيَّةً(٢) يقولُ: إن ماتَتِ القَملةُ فى الماءِ
طُرِحَ ولم يُشرَبْ ، وإنْ وقَعتْ فى الدَّقيقِ ولم تخرج فى الغِرِبَالِ لم يُؤْكَلِ الخُبزُ،
وإنْ ماتَتْ فى شىءٍ جامدٍ طُرحَتْ وما خَولَها كالفأرَةِ .
التمهيد
وقال غيرُه مِن أصحابِنا وغيرِهم : إنَّ القَملَةَ كالذُّبابِ سواءً. فأمَّا الماءُ،
فالأصلُ فيه عندَنا ما ذكرنا وأوضّحنا فى هذا البابِ ، وقد عُلِمَ أنَّ الذُّبابَ يعيشُ
مِن الدَّمِ، ويتناولُ مِن الأقذارِ ما لا تَتَناوَلُ القَملَةُ، وفيه مِن الدَّمِ مثلُ ما فى القَمَلَةِ
أو أكثَرُ، وقد حكَمَ فيه رسولُ اللهِ وَلِّ بما تقدَّمَ ذِكرُّنا له. وهذا ما لم يكنْ فيه
دمّ؛ لأنَّ الحدِيثَ إنَّما يدُلُّ على أنَّ النَّجِسَ مِن الحَيوانِ ما له دمّ سائِلٌ، وكذلكَ
قال إبراهيمُ: ما ليسَ له نَفسٌ سائِلَةٌ فليسَ بنَجسٍ(٢) . يعنى بالنَّفسِ الدَّمَ.
مالكٌ ، عن یحیی بن سعید ، عن محمدِ بنِإِبراهيم بن الحارثِ التیمیّ ، عن
یحیی بن عبد الرحمنِ بنِ حاطبٍ ، أن عمر بن الخطاب خرَج فی رَ کْبٍ ، فیھم
الاستذكار
القبس
(١) سليمان بن سالم الكندى أبو ربيع القاضى، المعروف بابن الكحالة، من أصحاب سحنون ولی
القضاء بصقلية وعنه انتشر الفقه بين أهلها، له تأليف فى الفقه، يعرف بكتاب السليمانية،
مضافة إليه، توفى سنة إحدى أو اثنتين وثمانين ومائتين. طبقات الفقهاء ص ١٥٨، والديباج المذهب
١/ ٣٧٤، وينظر طبقات علماء إفريقية وتونس ص ١٠٩، ١١٠، ١١٣، ٢١٠.
(٢) فى ق: «صقلية)).
(٣) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٥٩/١، وسنن الدارقطنى ٣٣/١، وسنن البيهقى ٢٥٣/١.
٥٢٣

أنَّ عمرَ بنَ الخطّابِ خرَج فی رکبٍ فیھم عمرُو بنُ العاصِ حتی ورَدوا
الموطأ
حوضًا، فقال عمرُو بنُ العاصِ لصاحبِ الحوضِ: يا صاحبٌ
الحوضِ، هل تَرِدُ حوضَكَ السّبائعُ؟ فقال عمرُ بنُ الخطابِ : يا
صاحبَ الحوضِ، لا تُخْبِرْنا؛ فإنَّا نَرِدُ على السِّباع وتَرِدُ علينًا .
عمرُو بنُ العاصى، حتى ورَدوا حوضًا، فقال عمرُو بنُ العاصى لصاحبٍ
الحوضِ : يا صاحِبَ الحوضِ، هل تَرِدُ حوضَك السبائُ؟ فقال عمرُ بنُ
الخطابٍ : يا صاحِبَ الحوضِ، لا تُخِرنا؛ فإنا نَرِدُ على السباعِ وتَرِدُ عَينا (١) .
الاستذكار
وهذا يدُلُّ على أن الماءَ إذا لم تظهَرْ فيه نجاسةٌ فهو طاهِرٌ ، ويدُلُّ على أن
الحیوان لا نجاسةً فیه، ویدُلُّ علی أن السؤالَ فیما لا يُحتاج إلیه یچِبُ إِنکارُه
والاحتجائ علیه .
وقال "غيرُه: إنما رَدَّ عمرُ على عمرٍو قولَه أنه فى سَعَةٍ مِن تركِ
السؤالِ) .
وقالوا : إنما نهَى عمرُ صاحِبَ الحوضِ عن الخبرِ ؛ لأنه لو أخبره بورودِها
وولوغِها ضاق عليه. وذكروا ما رواه ابنُ عُلَيَّةً وغيرُه عن ابنِ عونٍ ، قال : قلتُ
للقاسم بنِ محمدٍ : أرأيتَ الغديرَ يَلَغُ فيه الكلبُ ويشرَبُ منه الحمارُ؟ قال:
ينتظرُ أحدُنا إذا انتھی إلى الغدیرِ حتی یَسألَ : أُّ کلپٍ ولَغ فيه، وأُّ حمار
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٤٥)، وبرواية أبى مصعب (٥٥). وأخرجه عبد الرزاق
(٣٨٨)، والبيهقى ١/ ٢٥٠، وفى المعرفة (٣٨٨)، من طريق مالك به.
(٢ - ٢) فى الأصل: (( .... أنه لا يلزمه السؤال عن ما سأل عنه إذ لم ير شيئا ينكره وأنه ... )).
٥٢٤

٤٣ - وحدَّثنى عن مالكِ، عن نافع، أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان الموطأ
يَقولُ: إنْ كان الرجالُ والنساءُ فى زمانِ رسولِ اللهِ وَلَه لِيَتَوضَّئُون
جميعًا .
الاستذكار
شرب منه؟! أى : ليس علينا أن نسألَ عن ذلك(١).
قال أبو عمرَ : المعروفُ مِن عمرَ فى احتياطِه للدينِ أنه لو كان ولوعُ السباع
والحُمُرِ والكلابِ يُفسِدُ ماءَ الغديرِ لسأل عنه، ولكنه رأى ذلك لا يضُرُ الماءَ(١).
واللهُ أعلمُ .
التمهيد
مالكٌ، عن نافعٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أنه كان يقولُ : إن كان الرجالُ
والنساءُ ليتوضَّئون جميعًا فى زمنٍ رسولِ اللهِ وَلِ﴾(١).
رواه هشامُ بنُ عمارٍ ، عن مالكِ ، فقال فيه : من إناءٍ واحدٍ .
حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، حدَّثنا علىُ بنُ الحسنِ بنِ علىِّ الحرانىُ ، حدَّثنا
محمدُ بنُ المعافَى ومحمدُ بنُ محمدٍ ، وحدَّثنا خلفٌ ، حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ عمرَ
ابن إسحاق ، حدّثنا أحمدُ بنُ محمد بن الحجاج بن رشدینٍ، قالوا: حدّثنا
هشامُ بنُّ عمارٍ، حدَّثنا مالك، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: كان الرجالُ
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ١٤٣/١، عن ابن علية به.
(٢) سقط من: ص، م.
(٣) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٣٥)، وبرواية أبى مصعب (٥٦). وأخرجه أحمد ١٥٥/١٠
(٥٩٢٨)، والبخارى (١٩٣)، وأبو داود (٧٩)، والنسائى (٧١، ٣٤١)، وابن خزيمة (٢٠٥) من
طريق مالك به .
٥٢٥

الموطأ
التمهيد
والنّساءُ يتوضئونَ على عهدِ رسولِ اللهِ وَلَهُ مِن إناءٍ واحدٍ). ليس فى
((الموطأ)): مِن إناءٍ واحدٍ. والمعنى فى ذلك سواءٌ.
حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ الحسينِ العَسكَرِىُّ،
حدَّثنا الرَّبِيعُ بنُ سليمانَ ، حدَّثنا الشافعىُّ ، أخبرنا مالكٌ، عن نافع، عن عبدِ اللهِ
ابنِ عمرَ، أنه كان يقولُ: إن الرجالَ والنساءَ كانوا يتوَضَّئُونَ فى زمنٍ
رسولِ اللهِ وَله جميعًا(٢).
فى هذا الحديثِ دليلٌ واضحٌ على إبطالٍ قولٍ مَن قال: لا يُتَوَضَّأُ بفضل
المرأةٍ ؛ لأنَّ المرأةَ والرجلَ إذا اغترَفا جميعًا مِن إناءٍ واحدٍ فى الوضوءِ، فمعلومٌ أَنَّ
كلّ واحدٍ منهما مُتَوضِّئٍّ بفضلٍ صاحبِهِ . وقد ورَدَت آثارٌ فى هذا البابِ مرفوعةٌ
بالنهي عن أن يتوضأ الرجلُ بفضلِ المرأةِ، وزاد بعضُهم فى بعضِها: ولكنْ
لِيَغْتَرفَا جميعًا؛ فقالت طائفةٌ: لا يجوزُ أنْ يَغتَرِفَ الرجلُ مع المرأةِ فى إناءٍ
واحدٍ ؛ لأن كلَّ واحدٍ منهما مُتوضِّئُ حينئذٍ بفضل صاحبه . وقال آخرون : إنما
كُرِهِ مِن ذلك أن تَنفَرِدَ المرأةُ بالإِناءِ ، ثم يتوضَّأَ الرجلُ بعدَها بفَضِها .
و کلُّ واحدٍ منهم رَوَی لما (٢) ذهب إِلیه أثرا، ولم أرَ لذِ كْرٍ تلك الآثارِ وجهًا
فى كتابى هذا؛ لأَنَّ الصَّحيحَ عندِى ما رُوىَ ممَّا يضَادُّها ويُخَالِفُها، مثلُ
حديثٍ هذا البابٍ، وحديثِ عائِشَةً فى أَنَّها كانَت تَغْتَسِلُ هى ورسولُ اللهِ وَلِّ مِن
القبس
(١) أخرجه ابن ماجه (٣٨١) عن هشام به.
(٢) سقط من: ى، م.
والحديث أخرجه البيهقى فى المعرفة (٢٨٧) من طريق الربيع به ، وهو فى الأم للشافعى ٨/١.
(٣) فى ی، م: ((بما)).
٥٢٦

الموطأ
التمهيد
إناءٍ واحدٍ هو الفَرَقُ ١. والذى ذهبَ إليه جُمهورُ العلماءِ، وجماعةُ فُقهاءِ الأَمصارِ،
أَنَّه لا بأسَ أنْ يتَوضَّأَ الرجلُ بفَضلِ المرأةِ ، وتتوضَّأَ المَرأةُ بفَضلِه ، انفَرَدَتْ بالإِناءِ
أو لم تنفَرِدْ، وفى مثلِ هذا آثارٌ كثيرةٌ عن النبيِِّ نَّهِ صِحاح، والذى يُذهبُ إليه
أنَّ الماءَ لا يُنجِّسُه شىءٌ ، إلّا ما ظهَرَ فيه مِن النَّجاساتِ، أو غَلَب عليه(٢) منها،
فلا وجهَ للاشتغالِ بما لا يصحُ مِن الآثارِ والأقوالِ . واللهُ المُستعانُ .
قرأتُ على عبدِ الوارِثِ بنِ سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال :
حدَّثنا بکرُ بنُ حمادٍ ، قال: حدثنا مُسدّدٌ ، قال: حدثنا حمادُ بنُ زیدٍ ، عن
أيوبَ ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمر، قال: كان الرجالُ والنساءُ يَتَوَضَّئُون على عهدِ
رسولِ اللهِ وَّه مِن الإناءِ الواحدِ(١).
وهذا على عُمُومِه يجمعُ الانْفِرادَ وغيرَ الانْفِرادِ . واللهُ أعلمُ .
وروَی سفيانُ وشَریكٌ ، عن سماك بن حربٍ ، عن عكرمةً ، عن ابنِ عباسٍ،
عن ميمونَةً، قالت: اغتسلتُ مِن الجنابَةِ، فجاءَ النبيُّ وَلَه لِيَغْتَسِلَ، فقلتُ :
إِنِّى اغتَسلتُ منه. فقال: ((ليس على الماءِ جنابَةٌ، الماءُ لا يُنجِّسُه شىءٌ) (٤).
القبس
(١) الفَرَق: مكيال يسع ستة عشر رطلًا، وهى اثنا عشر مدَّا، أو ثلاثة أصُع عند أهل الحجاز .
النهاية ٤٣٧/٣. وسيأتى الحديث فى الموطأ (٩٨).
(٢) فى ى، م: ((عليها)).
(٣) أخرجه أبو داود (٧٩) عن مسدد به، وأخرجه البغوى فى الجعديات (٣٠٥٠) من طريق حماد
به. وأخرجه البغوى فى الجعديات (٣٠٥١)، وأحمد ٦٠/٨ (٤٤٨١)، وابن خزيمة (٢٠٥) من
طریق أيوب به .
(٤) أخرجه أحمد ٣٨٦/٤٤ (٢٦٨٠١)، وابن ماجه (٣٧٢) من طريق شريك به ، وأخرجه ابن جرير فى
تهذيب الآثار (١٠٣٦ - مسند ابن عباس) من طريق سفيان به، وفيه: ((عن بعض أزواج النبى اَلر)).
٥٢٧

الموطأ
ما لا يَجِبُ منه الوضوءُ
٤٤ - حدَّثنِى يحتَّى عن مالك ، عن محمدِ بنِ عمارةَ ، عن محمدٍ
ابنِ إبراهيمَ ، عن أمِّ ولدٍ لإبراهيمَ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ ، أنَّها سألتْ
أمَّ سلمةَ زوجَ النبيِّ مَ، فقالت: إِنِّى امرأةٌ أَطِيلُ ذَئِلِى وأمشِى فى
التمهيد
وهذا صحيحٌ فى الأصُولِ؛ لأن المؤمنَ ليس بنَجَسِ، وإنما هو مُتعبَّدٌ
بالوُضوءِ والاغتسالِ فى حالٍ دُونَ حالٍ ، وقد دلَّلْنا على طهارةِ سؤرِ الحائضِ
والمجُنُبِ فيما سلَف مِن هذا الكتابِ، وإذا جاز وُضُوءُ الجماعةِ معًا ، رجالًا
ونساءً، ففى ذلك دليلٌ على أنَّه لا تحديدَ ولا تَوقِيفَ فيما يَقْتَصِرُ عليه المُغْتسِلُ
مِن الماءِ، إلّ الإتيانَ منه بما أمَر اللهُ مِن غَسل ومسحٍ، ورُبَّ ذِی رِفْتِي يَكفِيه
الیسیر، وذی خرقٍ(١) لا یکفیه الکثیرُ، وقد مضی معنی هذا الباب فی بابِ ابنِ
شهاب أيضًا(١)، والحمدُ للهِ .
مالكٌ، عن محمدِ بنِ عُمارةً(١) ، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ، عن أمّ ولدٍ
لإبراهيم بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ، أنها سألت أمَّ سلمةَ، زوجَ النبيِّ وَّهه
فقالت : إنى امرأةٌ أَطِيلُ ذَئِلِى، وأَمْشِى فى المكانِ القذِرِ، فقالت أمُّ سَلَمَةً: قال
رسولُ اللهِ وَهِ: ((يُطَهِّرُهُ ما بعدَه))(٤).
القبس
(١) فى م: ((فرق)). والخرق: نقيض الرفق. اللسان (خ رق).
(٢) سيأتى فى شرح الحديث (٩٨) من الموطأ .
(٣) قال أبو عمر: وهو محمدُ بنُ عُمارةَ بنِ عمرو بنِ حَزْمِ الأنصارىُّ . وينظر تهذيب الكمال
١٦٧/٢٦ .
(٤) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٢٩٩)، وبرواية أبى مصعب (٥٧). وأخرجه الدارمى =
٥٢٨

المكانِ القَذِرِ؟ قالتْ أمُّ سلمةَ: قال رسولُ اللهِ وَلَهُ: «يُطَهِّرُهُ ما بَعدَه)). الموطأ
قال أبو عمرَ: هكذا هذا الحديثُ فى ((الموطأُ)) عندَ جماعةٍ زُواتِه، فيما التمهيد
علِمت، وقد رواه الحسينُ بنُ الوليدِ ، عن مالكِ ، فأخطأ فيه .
حدَّثَنَاه خَلَفُ بنُ القاسِم ، حدَّثَنَا الحسنُ بنُّ رشيقٍ ، حدَّثَنا أحمدُ بنُ شُعَيْبٍ،
أَخْبَرَنا أحمدُ بنُ نَصْرٍ، حدَّثَنَا الحسينُ بنُ الوليدِ ، حدَّثَنا مالكٌ، عن محمدِ بنِ
عُمارةَ، عن محمدِ بنِ إبراهِيمَ بنِ الحارِثِ، عن حُمَيْدَةَ، أَنَّها سألت عائشةَ ،
فقالت: إنى امرأةٌ أَطِيلُ ذَئِى، وَأَمُهُ بالمكانِ القَذِرِ. فقالت: سُئِل رسولُ اللهِ وَ
عن ذلك فقال: ((يُطَهِّرُهُ مَا بَعْدَهُ)). هذا خطأ، وإنَّما هو لأمّ سَلَمَةَ لا لعائشةَ.
وكذلك رواه الحفّاظُ فى ((الموطأً)) وغيرِ ((الموطأً)) عن مالكٍ.
ورواه إسحاقُ بنُ سليمانَ الرازىُّ، عن مالكِ، عن محمدِ بنِ عُمارةَ، عن
محمدِ بنِ إبراهيمَ، عن أمّ ولدٍ لهُودٍ بنِ إبراهيمَ بنِ عبدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ . وهذا
خَطَأْ ، والصوابُ ما فى ((الموطأ))، واللهُ أعلمُ.
حدَّثَنا أحمدُ بنُ قاسم بنٍ عيسى المُقْرِئُ، قال: حدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بنُ
محمدِ بنِ إسحاقَ بنِ حَبَابَةً ببغدادَ ، قال: حدَّثَنَا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ العزيزِ
البغوىُّ، قال: حدَّثَنَا خَلَفُ بنُ هشامِ البزارُ سنةً ستٍّ وعشرين ومائتين ، قال:
قِيلَ لمالكِ بنِ أنسٍ، وأنا أسْمَعُ: أحَدَّثَكَ محمدُ بنُ عُمارةَ، عن محمدِ بنِ
إِنْرَاهِيمَ، عن أَمّ وَلَدِ لإِبْرَاهِيمَ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ ، أنها سألَت أمَّ سَلَمَةً
القبس
= (٧٦٩)، وأبو داود (٣٨٣)، وابن ماجه (٥٣١)، والترمذى (١٤٣) وغيرهم، من طريق مالك
به
٥٢٩
( موسوعة شروح الموطأ ٣٤/٢)

الموطأ
التمهید
زوجَ النبىِِّ وَله، فقالت: إنى امرأةٌ أَطِيلُ ذَيْلِى، وأَمْشِى فى القَذَرِ. فقالت: قال
رسولُ اللهِ وَةِ: ((يُطَهِّرُهُ مَا بَعْدَهُ)). قالَ خَلَفٌ: قالَ مالِكٌ: نَعَمْ، فى هذا
الحديثِ أنَّ مِن سُنَّةِ المَرَةِ فى لِيْسَتِها (١) أنْ تُطِيلَ ذَيْلَها، فلا تَنْكَشِفَ قَدَماها؛
لأَنَّهن كُنَّ لا يَلْبَسْنَ الخُفَّين، واللهُ أعلمُ ؛ لأنَّ المرأةَ أخبَرَتْ بأنَّها تُطِيلُ ذَيْلَها ،
فلم يُنْكَوْ ذلك(٢) عليها . وفى حديثِ مالِكٍ، عن أبى بَكْرِ بنِ نافعٍ ، عن أبيه، عن
صفيةَ، عن أمّ سَلَمَةَ، أنَّ المقدارَ الذى لا تَزِيدُ عليه فى ذلك ذرائعٌ().
وقد مضَى القولُ فى قَدَمِ المرأةِ ؛ هل هى عَوْرَةٌ أم لا؟ فى بابِ ابنِ
شِهابٍ (٤) . وجَوْ المرأةِ الحُرَّةِ(٥) ذَيْلَها معروفٌ مشهورٌ. قال عبدُ الرحمنِ بنُ
حسان بن ثابت فی أبياتٍ له(٦) :
كُتِبَ القَتْلُ والقتالُ علينا وعلى المحصناتِ(٧) جَرُ الذُّيُولِ
اختلف الفقهاءُ فى طهارةٍ الذيلِ على المعنى المذكور فى هذا الحديثِ ؛
فقال مالكٌ: معناه فى القَشْبِ اليابِسِ، والقَذَرِ الجافُ الذى لا يتَعَلَّقُ منه بالثوب
القبس
(١) فى ی: ((لبسها)).
(٢) سقط من: ى.
(٣) سيأتى فى الموطأ (١٧٦٦).
(٤) سيأتى فى شرح الحديث (٣١٨) من الموطأ .
(٥) سقط من: م.
(٦) البيت فى بهجة المجالس ٥٤/٢، ٥٥ منسوبًا لعبد الرحمن بن حسان بن ثابت، وهو أيضا فى
ملحقات ديوان عمر بن أبى ربيعة ص ٤٩٨، وفى الكامل ٢٤٦/٣، والعقد الفريد ٤٠٧/٤، ١١٨/٦
منسوبًا لعمر بن أبى ربيعة.
(٧) فى الأصل، م، والعقد الفريد: ((الغانيات)).
٥٣٠
:
.

الموطأ
التمهيد
شىءٌ، فإذا كان هكذا، كان ما بعدَه مِن المواضع الطاهرة حينئذٍ تطهیرًا له،
وهذا عندَه على أنه) ليس تطهيرًا مِن نجاسةٍ؛ لأنَّ النجاسةَ عندَه لا يُطَهِّرُها إلا
الماءُ، وإنَّما هو تنظيفٌ؛ لأنَّ القَشْبَ اليابِسَ ليس يُنَجِسُ ما مَسَه، أَلَا تَرَى أنَّ
المسلمينَ مُجْمِعون على أنَّ ما سَفَتِ الرِّيحُ مِن يابِسِ القَشْبِ والعَذِرَاتِ التى قد
صارَت غُبارًا، على ثيابِ الناسِ ووجوهِهِم، لا يُرَاعُون ذلك، ولا يَأْمُرون
بغَسْلِه، ولا يَغْسِلُونَه لأَنَّه يابسٌ، وإنَّما النجاسةُ الواجبُ غَسْلُها ما لَصِق
منها وتعَلَّقَ بالثوبِ أو (١) بالبدنِ، فعلى هذا المحمَلِ حمَل مالكٌ وأصحابُه
حديثَ طهارةٍ ذَتْلِ المرأةِ .
وأَضْلُهم أَنَّ النَّجاسَةَ لا يُزِيلُها إِلَّ الماءُ، وهو قولُ زُفَرَ بِنِ الْهُذَيْلِ ، والشافِعِىِّ
وأصحابِهِ ، وأحمدَ وغيرِهِ ، أنَّ النَّجاسَةَ لا يُطَهِّرُها إِلَّ الماءُ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى سَمَّاهُ
طَهُورًا، ولم يَقُلْ ذلك فى غيرِه.
قال أبو بكر الأثرمُ : سمعتُ أبا عبدِ اللهِ - يَغْنِى أحمدَ بنَ حنبلٍ - سُئِلَ عن
حديثٍ أمِّ سَلَمَةَ: ((يُطَهِّرُه ما بعدَه)). قال: ليس هذا عندِى على أنه أصابه بولٌ ،
فمَرَّ بعدَه على الأَرْضِ ، أنها تُطَهِّرُه؛ ولكنه يَمُوُ بالمكانِ يتَقَذَّرُهُ() فيَمُوُ بمكانٍ
أَطْيَبَ منه، فيُطَهِّرُ(٤) هذا ذلك(٥) ، ليس على أنَّه يُصِيبُه شىءٌ .
القبس
(١ - ١) سقط من: م.
(٢) فی م: ((و).
(٣) فى ى: ((يقذره)).
(٤) فى ى، م: ((فيطهره)).
(٥) فی ی: ((دلیل).
٥٣١

الموطأ
التمھید
وقال أبو حنيفةَ : يجوزُ غسلُ النجاسَةِ بغيرِ الماءِ ، وكلُّ ما زال به عَيْنُها فقد
طَهَّرَها . وهو قولُ داودَ . وبه قال جماعةٌ مِن التابعين . ومِن ◌ُحُبَّتِهم الحديثُ
المذكورُ فى هذا البابِ ، فِى ذَيْلِ المَرْأَةِ .
ومِن حُجَّتِهم أيضًا ما حدَّثَناه عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثَنا محمدُ بنُ
بكرٍ ، قال: حدَّثَنَا أبو داودَ ، قال: حدَّثَنَا (١عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ) النَّفَتْلِىُ وأحمدُ
ابنُ يونسَ ، قالا : حدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قال: حدَّثَنَا عبدُ اللهِ بنُ عيسى ، عن موسى بنِ
عبدِ اللهِ بنِ يَزِيدَ، عن امرأةٍ مِن بنى عبدِ الأشهلِ ، قالت : قلتُ : يا رسولَ اللهِ ،
إِنَّ لنا طريقًا إلى المسجدِ مُئِنَةً، فكيف نَفْعَلُ إِذا مُطِوْنَا؟(٢) .
قال: ((أليس بعدَها طريقٌ أطيبُ منها؟)) قالت: قلت: بلى. قال: ((فهذه
(٣)
بهذه)»(٣).
وحدَّثَنا سعيدُ بنُ نَصَرٍ، قال: حدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثَنا محمدُ
ابنُ وضَّاحِ، قال: حدَّثَنا أبو بكرٍ بِنُ أَبِى شَيْبَةَ، قال: حدَّثَنَا شَرِيكُ، عن عبدِ اللهِ
ابنِ عيسى، عن موسى بنِ عبدِ اللهِ بنِ يَزِيدَ، عن امرأةٍ مِن بنى عبدِ الأُشْهَلِ ، أنَّها
سألت النبيَّ وَّله: إِنَّ بينى وبينَ المسجدِ طريقًا قَذِرًا؟ قال: ((فبعدَها طريقٌ
القبس
(١ - ١) فى م: (محمد بن عبد الله)). وينظر تهذيب الكمال ٨٨/١٦، وسنن أبى داود (٣٨٤).
(٢) بعده فى النسخ: ((أو تطهرنا)). والمثبت من مصادر التخريج.
(٣) أبو داود (٣٨٤). وأخرجه أحمد ٤٤٣/٤٥ (٢٧٤٥٢)، وابن الجارود (١٤٣)، والبيهقى
٤٣٤/٢ من طريق زهير به .
٥٣٢

الموطأ
التمهيد
أَنْظَفُ منها؟)) قالت: نعم! قال: ((فهذه بهذه)) (١).
ومِن حُبّتِهم أيضًا قولُ رسولِ اللهِ وَلَّهِ: ((إِذا وَطِئ أحدُكم بخُفَّيْهِ - أو
قال: بنعليهِ - فى الأذَى، فطَهُورُهما التُّرَابُ)). أو قال: ((الترابُ لهما طَهُورٌ)).
وهو حديثٌ مُضْطَرِبُ الإسنادِ ، لا يَثْبُتُ ، اخْتُلِفَ فى إِسنادِه على الأوزاعىِّ
وعلی سعید بن أبى سعيدِ اخْتِلافًا يُسقِطُ الاحتجاج به (١ .
ومِن حُجَّتِهم أيضًا قولُ عبدِ اللهِ بن مسعودٍ: كنا مع رسولِ اللهِ أَالتي لا
نتوضَّأُ من مَوْطِئٍ (٢) . وهذا أيضًا مُحْتَمِلٌ للتَّأْوِيلِ ليس فيه حُجّةٌ، ويَلْزَمُ داودَ على
أصْلِهِ أَنَّ النَّجاسَةَ المُجْتَمَعَ عليها لا يُحْكُمُ بزوالِها ولا بطهارةِ موضعِها إلا
بإجماع، ولا إجماعَ فى هذه المسألةِ إلا بما قاله مالكٌ والشافعىُّ، مِن الماءِ
الذى جعله اللهُ طَهُورًا، وخَصَّه بذلك، فهذا وَجْهُ النَّظَرِ عندِى فى هذه المسألةِ .
وبالله التوفيقُ والعصمةُ .
ومِن هذا البابِ أيضًا الأرضُ تُصِيبُها النجاسةُ ؛ هل يُتَمَّمُ عليها أو يُصَلَّى إِذا
ذهَب أثرُ النجاسةِ مِن غيرِ أن تُطَهَّرَ بالماءِ؟
فإِنَّ الْعُلَماءَ اخْتَلَفُوا فى ذلك؛ فقالَ مالكٌ والشافعىُّ وأصحابُهما ، وهو قولُ
القبس
(١) ابن أبى شيبة ٥٦/١، ومن طريقه ابن ماجه (٥٣٣). وأخرجه ابن الجارود (١٤٣) من طريق
شريك به .
(٢) ينظر علل الدار قطنى ١٥٩/٨، ١٦٠ (١٤٧٩)، والخلافيات للبيهقى ١٣٧/١ - ١٤٣ (٨ - ١١).
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٠١)، وابن أبى شيبة ٥٦/١، وأبو داود (٢٠٤)، وابن ماجه (١٠٤١)،
وابن المنذر فى الأوسط (٧٣٧).
٥٣٣

الموطأ
التمهيد
زُفَرَ: لا يُطَهِّرُها إلا الماءُ إذا عُلِمَ بنجاستها . وهى عندَهم محمولةٌ على الطهارةِ
حتى يُسْتَيِّقَنَ " نجاستُها، فإذا استوقِنَتِ النجاسةُ فيها لم(١) يُطَهِّرْها إلا الماءُ،
ولا تجوزُ الصلاةُ عليها ولا التََُّّّمُ ، إلا أنَّ مالكًا قال: مَن تَيَمَّمَ عليها أو صلَّى ،
أعاد فى الوقتِ . وقد قال: يُعِيدُ أبدًا .
وكذلك اخْتَلفَ أصحابُه؛ فمنهم من قال: يُعِيدُ أبدًا مَن تَّيَّهَّمَ على موضعٍ
نَجِسٍ. ومنهم مَن قال: يُعِيدُ فى الوقتِ لا غيرُ(٣).
ولم يَخْتَلِفْ قولُ مالِكِ وأَصْحابِه فيمن صلَّى بثوبٍ نَجِسٍ ، أو على موضِعٍ
نَجِسٍ ساهِيًّا ، أنَّه يُعِيدُ صلاتَه ما دام فى الوقتِ . واخْتَلَفُوا فيمن صلَّى عامِدًا على
ثوبٍ نَجِسٍ ؛ فقال ابنُّ القاسم: يُعِيدُ أَبَدًا. وقال أَشْهَبُ : لا يُعِيدُ إِلَّا فى الوقتِ .
لأَنَّ وجوبَ غَسْلِ النَّجاسَةِ عندَهم بالسنةِ ؛ لحديثِ أسْمَاءَ ومثلِه فى غَسْلِ
النجاسةِ، لاُ) لقولِ اللهِ تبارك وتعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِرْ﴾ [المدثر: ٤]. لِيَسْتَدْرِكَ
فضلَ السنةِ فى الوَقْتِ .
واخْتَلَفَ قولُهم فيمن تََّمَّم على مَوْضِعِ نَجِسٍ؛ فقالَ أكْثَرُهم: يُعِيدُ
فى الوَقْتِ وبعدَه؛ لقولِ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿فَتَيَعَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾
القبس
(١) فى الأصل: ((يتبين)).
(٢) فى م: (لن)).
(٣) بعده فى ى، م: ((هذا إنما هو فى نجاسة لم تظهر فى التراب، فيما لم تغيره النجاسة، وأما مَن
تيمم على نجاسة يراها ، أو توضأ بماء تغيرت أوصافه أو بعضها بنجاسةٍ ، فإنه يعيد أبدا . وكذلك عند
جمهور أصحاب مالك من تعمد الصلاة بالثوب العجس أبدا)).
(٤) سقط من: ى، م. وحديث أسماء سيأتى فى الموطأ (١٣٢).
٠٥٣٤

الموطأ
[النساء: ٤٣، المائدة: ٦] يَعْنِى طاهِرًا. وقال بعضُهم: إِلَّ فى الوَقْتِ. وهو قولُ التمهيد
أَشْهَبَ، قياسًا على مَن صلَّى بثوبٍ نَجِسٍ لِيَسْتَدْرِكَ فَضْلَ السنةِ فى
الوقتٍ، فإِذا خرَج الوَقْتُ، لم يَسْتَدْرِكْ ذلك(١)، أَلَا تَرَى أَنَّ إعادةَ
الصَّلاةِ فى جماعَةٍ سُنَّةٌ لِمَنْ صَلَّى وحدَه؟ فلو أنَّ رَجُلًا صَلَّى وحدَه فى
الوقتِ، ثم وجَد جماعةً يُصَلُّون تلك الصلاةَ بعدَ خُروج الوقتِ، لم
يُؤْمَرْ بالدُّخُولِ معهم. ولو كانُوا يجمعون فى وقتٍ تلك الصلاةِ،
وأُقِيمَت عليه، لأَمِرَ بالدُّخُولِ معهم؛ ليَسْتَدْرِكَ فضلَ السُّنَّةِ فى الوقتِ ،
ولا يُؤْمَرُ بذلك بعدَ خُروجِ الوقتِ .
وقال الشافعىُّ، وزُفَرُ، ( والطبرىُّ) ، وأحمدُ بنُ حَنْتَلِ: يُعِيدُ فى الوقتِ
وبعدَه مَن تيمَّم على موضِعِ نجِسٍ أو صلَّى عليه ، أو بثوپٍ نَجِسٍ . وأكثرُ علماءٍ
التابعين بالمدينةِ وغيرِها لا يَرَوْنَ إِعادةً علی مَن صلَّی بثوپٍ نَجِسٍ فى وقتٍ ولا
غيرِهِ. وقد ذكرناهم فى بابِ هشامِ بنِ عروةً " .
وقولُ رَبِيعَةً فى ذلك كقولٍ مالكٍ ؛ يُعِيدُ فى الوقتِ . وقال أبو حنيفةً ، وأبو
يوسفَ، ومحمدٌ: إِذا يَبِسَت الأرضُ، وذهَب منها أثرُ النجاسةِ، جازَت
الصلاةُ عليها ، وأما التيممُ ، فلا يُتَيَمَّمُ عليها ألْبتَةً .
وقال الثورىُّ: إِذا جَفَّ ، فلا بأسَ بالصلاةِ عليه . وقال الحسنُ بنُ حَيٍّ : لا
القبس
(١) فى م: ((بذلك)).
(٢ - ٢) سقط من: ى.
(٣ - ٣) ليس فى: الأصل، ى. وسيأتى فى شرح الحديث (١٣٢) من الموطأ .
٥٣٥

الموطأ
التمهید
يُصَلِّى عليه حتى يَغْسِلَه، وإن صلَّى قبلَ ذلك، لم يُجْزِه. وقال الشافعىُّ: إذا بال
الرجلُ فى موضعٍ مِن الأرضِ، صُبَّ عليه ذَنُوبٌ مِن الماءِ، وإن بال اثنان لم
يُطَهِّرْه إِلا ذَنُوبانَ. قال: ولو أَشْكَلَ عليه الموضعُ النَّجِسُ مِنِ الأرضِ، تَيَّمَّمَ،
وليس عليه أن يتحرّى .
قال أبو عمرَ: اختلافُهم فى قَدْرِ النجاسةِ الذى يجبُ غَسْلُه مِن
الأرضِ أو الثوبٍ، وفى الخُفِّ يُصِيبُه الرّؤْثُ أو البولُ، وفى إعادةِ الصلاةِ
لمن صلَّى بثوبٍ نَجِسٍ، أو على موضعٍ نَجِسٍ، وفى الثوبِ تُصِيبُه
النجاسةُ يَخْفَى مكانُها - يطُولُ ذِكْرُه، وَستَذْكُرُ ذلك فى مواضعَ مِن
كتابنا هذا إن شاء اللهُ.
ومِن حجةٍ مَن رأَى أن (١) الأرضَ تَظْهُرُ إِذا يَبِسَتْ، ما حدَّثَنَا عبدُ اللهِ
ابنُّ محمدٍ، قال: حدَّثَنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثَنا أبو داودَ ، قال :
حدَّثَنا أحمدُ بنُ صالح، قال: حدَّثَنَا عبدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ، قال: أخبرنى
يونسُ، عن ابنِ شهابٍ، قال: حدَّثنی حمزَةُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، قال :
قالَ ابنُ عمرَ: كُنْتُ أبِيتُ فى المسجدِ فى ٢) عهدِ رسولِ اللهِ وَلته ،
وكنتُ فَتَّى شابًّا عَزَبًّا(٢)، وكانت الكلابُ تَبُولُ وتُقْبِلُ وتُدْبِرُ فى المسجدِ،
القبس
(١) سقط من: م.
(٢) فى ى، م: ((على)).
(٣) سقط من: ی.
٥٣٦

الموطأ
التمهيد
فلم يَكُونُوا يَرْشُّونَ شيئًا مِن ذلك(١) ..
قال أبو عمرَ: رَوَى عُبَيْدُ اللهِ بنُّ عمرَ وغيرُه، عن نافعٍ، عن ابنٍ
عمرَ "من هذا الحديثِ) مَبِيتَه فى مَسْجِدِ رسولِ اللهِ وَّهِ " وهو شابٌ"
ولم يَذْكُرْ إقبالَ الكلابِ ولا إدبارَها وبولَها فى المسجدِ ، ولم يَذْكُرْ إِلَّ مَبِيتَه
خاصةٌ() ومِن حجةٍ مَن قال: إِنَّ الأرضَ لا يُطَهِّرُها إلا الماءُ، أَنَّ رسولَ اللهِ
وَلِّ أَمَر بصَبِّ ذَنُوبٍ مِن ماءٍ على بولِ الأعرابيّ(٤)، ولو طَهَّرها يُتْسُها
لَتَرَكَها - واللهُ أعلمُ - حتى تَيْبَسَ، ومما يَدُلُّ على أنَّ الثوبَ يَتنَّسُ إِذا
باشَر النجاسةَ الرَّطْبَةَ - أمْرُ رسولِ اللهِ بَلّهِ أَسْمَاءَ بِغَسْلِ دَمِ المَحيضِ مِن
ثَوْبِها ، وسيَأْتِى حدِيثُها فى مَوْضِعِه مِن كتابِنا هذا، وذلك فى بابِ هِشَامِ بنِ
◌ُزْوَةَ، ونَذْكُرُ هناك ما للعلماءِ فى ذلك مِن المذاهبِ والأقوالِ والآثارِ
والاعتلالِ () إِن شاء اللهُ تَعالَى .
القبس
(١) أبو داود (٣٨٢) - ومن طريقه البغوى (٢٩٢). وأخرجه ابن حبان (١٦٥٦)، والبيهقى ٤٢٩/٢
من طريق ابن وهب به. وأخرجه ابن خزيمة (٣٠٠) من طريق يونس به .
(٢ - ٢) سقط من: م.
(٣) أخرجه أحمد ٢١٦/٨، ٢١٧ (٤٦٠٧)، والبخارى (٤٤٠)، ومسلم (٢٤٧٩ - عقب
الحديث ١٤٠) من طريق عبيد الله بن عمر به .
(٤) سيأتى فى الموطأ (١٤٠).
(٥) سقط من: ى، وفى م: ((ينجس)).
(٦) سيأتى فى شرح الحديث (١٣٢) من الموطأ.
٥٣٧

الموطأ
٤٥ - وحدَّثنِى عن مالكِ، أَنَّه رأى ربيعةَ بنَ عبد الرحمنِ يَقْلِسُ
مرارًا وهو فى المسجدِ فلا ينصرِفُ ولا يَتَوَضَّأُ حتى يُصَلِّىَ. قال يحتِى:
وسُئِلَ مالكٌ عن رجل قلَس طعامًا ، هل عليه وضوءٌ؟ فقال: ليسَ عليه
وضوءٌ، ولْيَتَمَضْمَضْ مِن ذلكَ ، ولْيغسِلْ فاه .
التمهيد
مالكٌ، أنه رأى ربيعةَ بنَ أبى (١) عبد الرحمنِ يَقْلِسُ (١) مرارًا وهو فى
المسجدِ ، فلا ينصَرِفُ ولا يتوضَّأُ حتى يُصلَِّ (١).
قال يحيى : سُئِل مالِكٌ عن رجلٍ قَلَس طعامًا ، هل عليه وضوء ؟ قال : ليس
عليه وضوءٌ، ولْيتمَضْمَضْ مِن ذلك، ولْيغسِلْ فاه .
قال: وسئل مالِكٌ، هل فى القَىْءِ وُضوءٌ؟ قال: لا، ولْيَتَمضمَضْ،
ولْيغسِلْ فاه .
وقد تقدَّم مِن قولٍ مالِكٍ أنه لا وُضوءَ إلا مما يخرُجُ مِن ذَكَرٍ أو دُبُرٍ، أو
نومٍ () . يعنى ثقيلًا.
وقد تقدَّم القولُ فى هذا المعنى وما فيه لمالكِ ولسائرِ العلماءِ، إلا
القَىْءَ والقَلَسَ، فنذكُرُه ههنا بما فيه مِن التنازع؛ أما مالكٌ والشافعىُّ
وأصحابُهما فلا وضوءَ فى القَىْءِ والقَلَسِ عندَ واحدٍ منهم. وقال
القبس
(١) سقط من: م.
(٢) قلَس: خرج من بطنه طعام أو شراب إلى الفم، وسواء ألقاه أو أعاده إلى بطنه إذا كان ملء الفم
أو دونه، فإذا غلب فهو قىء. المصباح المنير (ق ل س ).
(٣) الموطأ برواية أبى مصعب (٦٠) .
(٤) تقدم فى الموطأ عقب الحديث (٣٨) .
٥٣٨

الموطأ
التمهيد
أبو حنيفةً ومحمدٌ: فى القَىْءِ والقَلَسِ كلِّه الوضوءُ إذا ملأ الفمَ إلا
البلغمَ. وقال أبو يوسفَ: وفى البلغم أيضًا إذا ملأَ الفمَ. وقال الثورىُّ،
والحسنُ بنُ حىٍّ، وزُفَرُ: فى قليلِ القَلَسِ والقَىْءِ وكثيرِهِ الوضوءُ إذا ظهَر
على اللسان . وقال الأوزاعىُ: لا وضوءَ فيما يخرُجُ مِن الجوفِ إلى الفم
مِن الماءِ والمِرَّةِ، إلا الطعامَ؛ فإن فى قليله الوضوءَ. وهو قولُ ابنٍ
شهابٍ : فى القَىْءِ الوضوءُ.
وحُجَّةُ مَن أَوجَب الوضوءَ فى القَىْءِ حديثُ ثوبانَ أن رسولَ اللهِ وَلِّ قاء
فتوضَّأ، قال: وأنا صبَبتُ له وَضوءَه (١) .
وهذا حدیث لا يثُتُ عند أهلِ العلم بالحديثِ ، ولا فی معناه ما یوچِبُ
مُكِمًا؛ لأنه يَحتمِلُ أن يكونَ وُضوؤُه هلهنا غَسْلَ فيِه ومضمضتَه، وهو أصلُ
لفظِ الوُضوءِ فى اللغةِ، وهو مأخوذٌ مِن الوَضاءةِ . والنظرُ يوجِبُ أن الوضوءَ
المجتمَعَ عليه لا يَنتقِضُ إلا بسُنَّةٍ ثابتةٍ لا مَدْفَعَ فيها، أو إجماع ممن تچِبُ
الحُبَّةُ بهم. ولم يأمُّرِ اللهُ تعالى بإيجابِ الوُضوءِ مِن القَىْءٍ، ولا ثبت به سنةٌ عن
رسولِهِ وَلِّ، ولا اتَّفَق الجمیعُ عليه .
القبس
(١ - ١) سقط من: ص، م. والمرة هى المادة التى فى المرارة وهى الصفراء، وهى تساعد على هضم
المواد الدهنية. ينظر اللسان والوسيط (م ر ر ).
(٢) أخرجه أحمد ٣١/٣٦ (٢١٧٠١)، وأبو داود (٢٣٨١)، والترمذى (٨٧)، والنسائى فى
الكبرى (٣١٢٠).
٥٣٩

٤٦ - وحدَّثنِى عن مالكٍ، عن نافع، أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ حنَّط ابنًا
الموطأ
لسعيدِ بنِ زيدٍ وحمَله، ثم دخَل المسجدَ فصلَّى ولم [١٩] يَتَوَضَّأْ ، قال
يحبّى: وسُئِلَ مالكٌ: هل فى القَيْءِ وضوءٌ؟ قال: لا، ولكِنْ
لِيَتَمَضْمَضْ من ذلكَ ولْيغسِلْ فاه ، وليس عليه وضوءٌ.
الاستذكار
مالكٌ، عن نافع، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ حنَّط ابنًا لسعيدِ بنِ زیدٍ وحملَه ، ثم
دخَل المسجدَ، فصلَّى ولم يتوضَّأُ(١).
وإنما أدخَل مالكٌ هذا الحديثَ إنكارًا لما رُوِى عن النبيِّ وَل أنه
قال: ((مَن غسَّل ميتًا فليغتسِلْ، ومَن حمَله فليتوضَّأُ)). وهو حديثٌ يرويه
ابنُ أبي ذئبٍ، عن صالح مولى التوقَمةِ، عن أبى هريرةً، عن النبيِّ
(وَّه(١)، " وتَزْوِيه ابنُّ عبينةً ("عن سهيلٍ بنِ أبى صالح)، عن أبيه، عن
أبى هريرةَ، عن النبيِّ بَّه. وقد جاء مِن غيرِ هذا الوجهِ أيضًا(٥)،
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٣١٥)، وبرواية أبى مصعب (٥٩)، وذكره الحافظ ابن حجر
فى تغليق التعليق ٤٦٠/٢ .
(٢) أخرجه الطيالسى (٢٤٣٣)، وابن أبى شيبة ٢٦٩/٣، ٣٦٩، وأحمد ٣٦٨/١٥، ٥٣٤)
١١٥/١٦ (٩٦٠١، ٩٨٦٢، ١٠١٠٨)، من طريق ابن أبى ذئب به.
(٣ - ٣) سقط من: ص، م.
والحديث أخرجه أبو نعيم فى الحلية ١٥٨/٩ من طريق ابن عيينة به، وينظر علل الدارقطنى
١٦٢/١٠.
(٤ - ٤) تآكل فى الأصل، والمثبت من مصادر التخريج.
(٥) ينظر علل الدارقطنى ٢٩٣/٩، ١٦٢/١٠، والتلخيص الحبير ١٣٦/١ - ١٣٨.
٥٤٠