Indexed OCR Text

Pages 501-520

الموطأ
التمهید
وممَّن رُوِّينا عنه أَنَّ الهِرَّ ليسَ بنجسٍ، وأنَّه لا بأسَ بفَضلِ سُؤْرِه للوضوءِ
والشُّربِ؛ العَّاسُ بنُ عبدِ المطّلبِ، وعلىُّ بن أبى طالبٍ، وابنُ عباسٍ، وابنُ
عمرَ، وعائشةُ، وأبو قتادةَ، والحسنُ، والحسينُ، وعَلقمةُ، وإبراهيمُ،
وعِكرمةُ، وعطاءُ بنُ يسارٍ (١) . واختُلِفَ فى ذلك عن أبى هريرةً والحسنِ
البصرىِّ؛ فرَوَى عطاءٌ، عن أبى هريرةَ، أَنَّ الهِرَّ كالكلبِ ، يُغسلُ منه الإِنَاءُ
سَبعًا (١). ورَوَى أبو صالح ذكوَانُ، عن أبى هريرةَ، قال: السِّنَّورُ مِن أهلِ
البيتٍ (١) . ورَوَى أشعتُ، عن الحسنِ، أَنَّه كان لا يَرَى بأسًا بسُؤرِ السِّنَّورِ .
ورَوَى يونُسُ، عن الحسنِ، أَنَّه قال: يُغسلُ الإِناءُ مِن وُلُوغِه مؤَّةً(٤) . وهذا
يحتمِلُ أنْ يَكُونَ رأَى فى فمِه أذًى، ليَصحَّ مَخرجُ الروايتينِ عنه، ولا نعلمُ
أحدًا مِن أصحابِ رسولِ اللهِ وَ لِّ رُوىَ عنه فى الهِرِّ أَنَّه لا يُتَوَضَّأُ بسُؤرِهِ إِلَّ أبا
هريرةَ، على اختلافٍ عنه .
وأمَّا التَّابِعُونَ، فَرُوِّينا عن عطاءِ بنِ أبى رباحٍ ، وسعيدِ بنِ المسيَّبِ ، ومحمد
القبس
أُذِی أو تمشِی علی عینك مِن النجاسةِ إلى الماءِ، فإن ذلك لا يجوزُ حتى تغيب عنك
فتعود إلى أصلها الذى حكم لها به النبئُ
(١) ينظر مصنف عبد الرزاق (٣٤٦، ٣٤٧، ٣٥٥، ٣٥٦، ٣٥٩، ٣٦٠)، والطهور لأبى عبيد
(٢١١، ٢١٢)، ومصنف ابن أبى شيبة ٣١/١، ٣٢، وسنن الدار قطنى ٧٠/١، وسنن البيهقى ٢٤٧/١،
والمطالب العالية (٢٢، ٢٣).
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٢/١ - ومن طريقه ابن المنذر فى الأوسط (٢١٨).
(٣) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ١/ ٢٠، وفى شرح المشكل ٧/ ٧٥، ٧٦، والدارقطنى ٦٨/١.
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٢/١.
٥٠١

الموطأ
ابنِ سيرِينَ، أنَّهم أَمرُوا بإراقةٍ ما (١) وَلَغ فيه الهِرُ، وغَسلِ الإناءِ منه (١). وسائرُ
التمهيد
التَّابعِينَ بالحِجَازِ والعراقِ يقولونَ فى الهِرِّ: إِنَّه طاهِرٌ، لا بأسَ بالوضُوءِ بشُؤرِه .
ورَوَى الوليدُ بنُ مُسلم قال : أخبرنى سعيدٌ ، عن قتادةَ، عن ابنِ المسئَّبِ
والحسن، آنَّهما گرِها الوضوءَ بفضلِ الھر () . قال الوليدُ: فذگرتُ ذلك لأبى
عمرٍو الأوزاعىّ ومالكِ بنِ أنسٍ ، فقالا: تَوَضَّأُ به ، فلا بأسَ به وإنْ وجَدتَ غيرَه.
قال أبو عمرَ: الحُبَّةُ عندَ التََّازُعِ والاختلافِ سُنَّةُ رسولِ اللهِ وَلّته، وقد
صعّ عنه مِن حديثِ أبى قتَادَةً فى هذا البابِ ما ذكرنا . وعليه اعتمادُ الفقهاءِ فى
كُلِّ مصرٍ ، إِلَّ أبا حنيفَةَ ومَن قال بقَولِه. قال أبو عبدِ اللهِ محمدُ بنُّ نصرٍ
المَروَزىُّ: الذى صارَ إليه مجلُّ أهلِ الفتوَى مِن عُلماءِ الأمصارِ مِن أهلِ الأَثَرِ
والرَّأْيِ جميعًا ، أنَّه لا بأسَ بشُؤْرِ السُّنَّورِ اتِباعًا للحديثِ الذى رُوِّينا . يعنى: عن
أبى قتادةَ، عن النبيِّ وَ لَه. قال: ومِمَّن ذهَب إلى ذلك؛ مالكُ بنُّ أنسٍ وأهلُ
المَدِينَةِ ، واللَّيثُ بنُّ سعدٍ فِيمَن وافَقَه مِن أهلِ مصرَ والمغرِبِ، والأُوزَاعُّ فى
أهل الشام ، وسُفيانُ الثَّورىُّ فِيمَن وافقَه مِن أهلِ العِراقِ . قال: وكذلك قولُ
الشافعىِّ وأصحابِهِ، وأحمدَ بنِ حَنبَلٍ، وإسحاقَ، وأبى ثَورٍ، وأبى عُبيدٍ(٤)،
القبس
(١) فى م: ((ماء)).
(٢) أخرجه أبو عبيد فى الطهور (٢١٨)، وابن أبى شيبة ٣٢/١.
(٣) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ١/ ٢٠، وفى شرح المشكل ٧٧/٧ من طريق قتادة به .
وينظر مصنف عبد الرزاق (٣٤٥)، والطهور لأبى عبيد (٢١٩،٢١٨)، ومصنف ابن أبى شيبة ٣٢/١،
٣٣، وسنن الدارقطنى ٦٧/١.
(٤) فى م: ((عبيدة)).
٥٠٢

الموطأ
وجماعةِ أصحابِ الحديثِ. قال: وكان التعمانُ يكرهُ سُؤرَه، وقال: إن
كان(١) توَضَّأَ به أجزاَه. وخالَفه أصحابُه فقالُوا : لا بأسَ به.
التمهيد
قال أبو عمر : ما حكاه المروزىُّ عن أصحابِ أُبی حنيفةً فلیسَ کما حكاه
عندَنا ، وإنَّما خالَفَه مِن أصحابِه أبو يوسفَ وحدَه، وأمَّا محمدٌ وزُفَرُ والحسنُ بنُ
زيادٍ فيقولونَ بقوله، وأكثرُهم تَرؤُونَ عنه أنَّه لا يُجزئُ الوضوءُ بِفَضلِ الهِرٌّ،
ويَحتُّونَ لذلك، ويرؤُونَ عن أبى هريرةَ وابنٍ عمرَ أَنَّهما كَرِها الوضُوءَ بِسُؤْرٍ
الهِرّ(٢) . وهو قولُ ابنِ أبى ليلَى. وأمَّ الثَّورِىُّ، فقد اختُلِفَ عنه فى سُؤرِ الهِرِّ ،
فِذَكَر فى ((جامِعِه)) أَنَّه (٢) يَكرَهُ سُؤْرَ ما لا يُؤْكَلُ لحمُه، وما يُؤْكلُ لحمُه فلا بأسَ
بشؤرِه . وهو ممن يَكرهُ أكلَ الهِرٌّ . وذكّر المَروَزِىُّ قال: حدَّثنا عمرُو بنُ زُرارَةَ ،
قال: حدَّثنا أبو النَّضرِ، قال: حدَّثنى الأشجَعىُّ، عن سُفيانَ ، قال: لا بأسَ
بفضلِ السَّّورِ .
قال أبو عمرَ: لا أعلَمُ لمن كَرِهَ سُؤرَ الهِرِّ حُجّةٌ أحسَنَ مِن أَنَّه لم يَبلُغْه
حديثُ أبي قتادةَ ، وبلَغَه حَدِيثُ أبى هريرةَ فى الكلبِ ، فقاسَ الهِرَّ على الكَلبِ،
وقد فَّقتِ السّنَّةُ بِينَ الهِرِّ والكَلبِ فى بابِ التَّعْبُدِ ، وجمَعَتْ بينَهما على حسَبٍ
ما قدَّمنَا ذِكْرَه مِن بابِ الاعتِبارِ والنَّظرِ، ومَن حَجَّتْهُ السُّنَّةُ خَصَمَتْه، وما خالَفها
القبس
(١) زيادة من: م.
(٢) ينظر مصنف عبد الرزاق (٣٤٠، ٣٤١، ٣٤٤)، والطهور لأبى عبيد (٢١٦، ٢١٧)،
والأوسط لابن المنذر (٢١٥، ٢١٧، ٢١٨)، وشرح المعانى ٢٠/١، وسنن الدارقطنى ٦٧/١.
وينظر ص ٥٠١ .
(٣) بعده فى ق: ((كان)).
٥٠٣

الموطأ
مَطروح. وبالله التوفيقُ .
التمهید
ومِن ◌ُّتِهم أيضًا ما رَوَاه قُوّةُ بنُ خالدٍ ، عن محمد بنِ سیرینَ ، عن أبى
هُرِيرَةً، عنِ النبيِّ وَلِّ أَنَّه قال: ((طُهُورُ الإِناءِ إذا وَلَغَ فِيهِ الهِرُّ أنْ يُغْسَلَ مرَّةً - أو
مرَّتَيْنِ))(١). شكَّ قُوَّةُ. وهذا الحديثُ لم يَرفَعْه إلَّا قُوَّةُ بنُ خالدٍ ، وقُوَّةُ بنُّ خالدٍ
ثقةٌ ثَبَتْ ، وأمَّا غيرُه فيَروِيه عن ابنٍ سيرِينَ، عن أبى هريرةَ قولَه(٢).
وفى هذا الحَدِيثِ، مِن رَأيِ أبى قَتَادَةَ ، دَليلٌ على أنَّ الماءَ اليَسيرَ تَلحَقُه
النَّجاسَةُ، ألَا تَرَى إلى قَولِه: أَتَعجَبِينَ يا ابنَةً أَخِى؟ سمِعتُ رسولَ اللهِ وَهـ
يقولُ: ((ليسَتْ بِنَجَسٍ)). فدَلَّ هذا أنَّ الهِرَّ لو كان عندَه مِن بابِ النَّجاسَاتِ
لأُفسَدَ الماءَ، وإنَّما حمَلَه على أنْ يُصغِىَ لها الإناءَ طَهَارَتُها، ولو كانَتْ منَّا
تُنَجِسُ لم يَفعَلْ، فدلَّ هذا على أنَّ الماءَ عندَه تُفسِدُه النَّجاسَةُ وإن لم تَظهَرْ فيه ؛
لأَنَّ شُربَ الهِرِّ وغيرِهِ مِن الحَيَوانِ فى الإناءِ، إذا لم يكنْ فى فَمِه أذْى مِن غيرِهِ،
ليسَ تُرَى معه نَجاسةٌ فى الإناءِ .
وهذا المعنى اختلَفَ فيه أصحابُنا وسائرُ العُلماءِ؛ فذَهَب المصريون() مِن
أصحاب مالكِ إلى أنَّ قليلَ الماءِ يُفسِدُه قليلُ النَّجاسةِ، وأنَّ الكثيرَ لا يُفسِدُه إلَّا
ما غَيْرَ لونَه أو طَعمَه أو ريحَه مِن المحرَّماتِ ، وما غَلَب عليه مِن الأشياءِ الطَّاهِرَةِ
القبس
(١) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ١٩/١، وفى شرح المشكل (٢٦٤٩)، والدار قطنى ٦٧/١،
٦٨ من طريق قرة به. وأخرجه البيهقى ٢٤٧/١ من طرق عن قرة به موقوفا .
(٢) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ١/ ٢٠، وفى شرح المشكل ٧٠/٧ من طريق هشام بن
حسان، عن ابن سيرين، عن أبى هريرة قوله .
(٣) فى ق: ((البصريون)).
٥٠٤

الموطأ
التمهید
أُخرَجَه مِن بابِ التَّطهِيرِ وأبقَاهُ على طهارَتِه . ولم يَحُدُّوا بينَ القَليلِ مِن الماءِ
الذى يُفسِدُه قليلُ النَّجاسَةِ ، وبينَ الكَثيرِ الذى لا يُفسِدُه إِلَّ ما غلب عليه - حدًّا
يُوقَفُ عنده ، إلّا أنَّ ابن القاسِم روى عن مالك فى الجنُبِ يغتسلُ فى خوضِ
مِن الحياضِ التى تُسقَى فيها الدَّوابُ ، ولم يكنْ غَسَلَ ما به مِن الأَذَى ، أنَّه قد
أَفسَدَ الماءَ . وروى عن مالكٍ فى الجُنُبِ يَغْتَسِلُ) فى الماءِ الدَّائم الكثيرِ، مثلَ(1)
الحِيَاضِ التى تكونُ بينَ مكّةً والمدِينَةِ ، ولم يكنْ غسَلَ ما به مِن الأَذَى، أنَّ
ذلك لا يُفسدُ الماءَ. وهذا مَذهَبُ ابنِ القاسمِ، وأَشھَبَ ، وابنِ عبدِ الحَكَمِ،
ومَن أَتَّبَعَهم مِن أصحابِهِم المِصرِيِّينَ، إلَّا ابنَ وَهبٍ فإنَّه قال فى الماءِ بقَولِ
المدنيِّينَ مِن أصحابٍ مالكِ، وقَولُهم ما حكاه أبو المُصعَبِ عنهم وعن أهلِ
المَدِينَةِ أنَّ الماءَ لا تُفسِدُه التَّجاسَةُ الحالَّةُ فيه، قليلًا كان أو كثيرًا، إِلَّا أنْ تَظْهَرَ
فيه النَّجاسَةُ وتُغيِّرَ منه طَعمًا أو رِيحًا أو لَونًا. وكذلك ذكَرَ أحمدُ بنُ المعذَّلِ(٣)
أنَّ هذا قولُ مالكِ بنِ أنسٍ فى الماءِ .
وذكَرَ ابنُ وَهبٍ ، عن ابنٍ لَهيعةً، عن خالدِ بنِ أبى عِمرانَ، أَنَّه سألَ القاسمَ
ابنَ محمدٍ وسالِمَ بنَ عبدِ اللهِ عن الماءِ الرَّاکدِ الذى لا يَجرى تموتُ فيه الدَّائَةُ ،
أَيشرَبُ منه(٢) ويَغْتسِلُ) ويَغْسِلُ منه الثِّيابَ؟ فقالا: انظُرْ بَعَينِكَ فإن رأيتَ ماءً لا
القبس
(١ - ١) سقط من: ق .
(٢) فى ق: ((من)).
(٣) أحمد بن المعذل بن غيلان بن حكم، أبو العباس العبدى البصرى شيخ المالكية وشيخ إسماعيل
القاضى، تفقه بعبد الملك بن الماجشون ومحمد بن مسلمة، وكان من بحور الفقه، صاحب
تصانيف وبيان . سير أعلام النبلاء ١١/ ٥١٩.
(٤ - ٤) سقط من: م.
٥٠٥

الموطأ
◌ُدنِّسُه ما وقَعَ فیه ، فترجو ألّا یگون به(١) بأس.
التمهید
قال: وأخبرنى يونسُ، عن ابنِ شِهابٍ قال: كُلَّ ماءٍ فيه فَضلٌ عمَّا يُصيئُه
مِن الأَذَى، حتى لا يُغيِّرُ ذلك طعمَه ولا لونَه ولا رِيحَه، فهو طاهرٌ يُتَوَضَّأُ به (٢).
قال : وأخبرنى عبدُ الجبّارِ بنُ عمرَ، عن ربيعَةً، قال : إذا وقَعتِ المَيتَةُ فى البئرِ
فلم يَتَغْيَّرْ طَعمُها ولا لَونُها ولا ريحُها، فلا بَأْسَ أنْ يتَوضَّأَ منها وإن رأى
فيها(٢) الميتةَ(٤). قال: فإِنْ تغيّرت نزَعَ منها قَدْرَ ما يُذهِبُ الرائحةَ عنها .
وهو قولُ ابنِ وَهبٍ. وإلى هذا ذهَب إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، ومحمدُ بنُ
بُكيرٍ، وأبو الفَرَج، والأبهَرِىُّ، وسائرُ المُنتَحِلينَ لمذهَبِ مالكٍ مِن
البغدادِیین . وژوی هذا المعنی عن عبد الله بن عباس ، وابن مسعودٍ ، وسعیدِ بنِ
المُسيَّبِ، على اختلافٍ عنه، وسعيدِ بنِ مُجبيرٍ (١) . وهو قولُ الأوزاعِيّ، والليثِ
ابنِ سعدٍ ، والحسنِ بنِ صالحٍ، وداودَ بنِ علىٍّ. وهو مذهَبُ أهلِ البصرَةِ أيضًا ،
القبس
(١) سقط من: م.
(٢) موطأ ابن وهب - كما فى التغليق ١٤١/٢، وأخرجه ابن جرير فى تهذيب الآثار (١١١٦ -
مسند ابن عباس ) من طريق ابن وهب به .
(٣) فى: الأصل، م: ((فيه)).
(٤) أخرجه ابن جرير فى تهذيب الآثار (١١١٧ - مسند ابن عباس ) من طريق ابن وهب به .
(٥) محمد بن بکیر بن واصل أبو الحسين البغدادی نزیل أصبهان ، روی عن عبد الله بن وهب،
وثقه يعقوب بن شيبة وابن حبان، وقال أبو حاتم: صدوق يغلط أحيانا. توفى بعد سنة عشرين
ومائتين. تاريخ بغداد ٩٥/٢، وتهذيب الكمال ٥٤٣/٢٤.
(٦) ينظر مصنف عبد الرزاق (٢٧٥)، والطهور لأبى عبيد (١٥٧، ١٧٧، ١٧٩)، والدارقطنى
٢٩/١.
٥٠٦

الموطأ
التمهيد
وهو الصَّحيحُ فى النَّظَرِ وجِيِّدِ الأَثَرِ .
وأمَّا الكُوفُونَ ، فالنَّجاسَةُ عندَهم تُفسِدُ قليلَ الماءِ وكَثِيرَه إذا حلَّتْ فيه ، إلَّا
الماءَ المستَبْحِرُ الكثيرَ الذى لا يَقدِرُ آدَمِىٌّ علی تَحریكِ جَمِيعِه ؛ قياسًا على
البحرِ الذى قال فيه رسولُ اللهِ وَلَهِ: ((هو الطَّهُورُ ماؤه، الحِلُّ مَينَتُه))(٢) .
وأمّا الشَّافعىُ، فمَذهَبُه فى الماءِ نحوُ مَذهَبِ المِصريِّين مِن أصحاب
مالكٍ، ورِوَايَتُهم فى ذلك عن مالكٍ أنَّ قليلَ الماءِ يُفسِدُه قليلُ النَّجاسَةِ، ولا
يفسِدُ كثيرَه إِلَّ ما غلَبَ عليه فغيَّرَ طعمَه أو رائحته أو لَونَه. إلَّا أَنَّ مالِكًا فى هذه
الرّوايَةِ عنه لا يَحُدُّ حدًّا بينَ قليلِ الماءِ الذى تَلحَقُّه النَّجاسةُ وبينَ كثيرٍه الذی لا
تَلحقُه التَّجاسَةُ إِلَّ بالغَلَبةِ عليه، إلَّا ما غَلَبَ على النُّفُوسِ أنَّه قليلٌ، وما الأغلبُ
عندَ الناسِ أَنَّه كثيرٌ. وهذا لا يُضبَطُ؛ لاختلافِ آراءِ الناسِ وما يقعُ فى نُفُوسِهم .
وأمَّا الشَّافعىُ، فحدَّ فى ذلك حدًّا بينَ القَليلِ والكثيرِ؛ لحديثِ ابنِ عمرَ، عن
النبيِّ وَِّ: ((إذا كان الماءُ قُلَتينٍ لم تَلحقْه نجاسةٌ)). أو: ((لم يَحمِلْ خبثًا)).
وهو حديثٌ تَروِيه محمدُ بنُ إسحاقَ والوَليدُ بنُ كثيرٍ جميعًا ، عن محمدِ بنِ
جعفر بنِ الزُّبیرِ. وبعضُ زُواةِ الوليد بنٍ کثیرٍ يقول فيه: عنه، عن محمدِ بنِ
عبَّادِ بنِ جَعفَرٍ ) . ولم يُختلَفْ عن الوليدِ بنِ كثيرٍ أنَّه قال فيه : عن عبدِ اللهِ بنِ
القبس
(١) فى ق: ((المستنجز))، وفى م: ((المستجد)).
(٢) تقدم فى الموطأ (٤٠) .
(٣) أخرجه أبو داود (٦٣)، والنسائى (٥٢)، وابن الجارود (٤٤)، والطحاوى فى شرح المشكل
(٢٦٤٥)، وابن حبان (١٢٥٣) من طريق الوليد به .
٥٠٧

الموطأ
التمهید
عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، عن أبيه يَرفَعُه (١) . ومحمدُ بنُ إسحاقَ يقول فيه: عن محمدِ بنِ
جعفرِ بنِ الزبيرِ، عن عُبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، عن أبيه مرفوعًا(٢) أيضًا .
فالوَليدُ يجعَلُه عن عبدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ، ومحمدُ بنُّ إسحاقَ يجعلُه عن عُبَيدِ اللهِ
ابنِ عبدِ اللهِ . وَرَوَاه عاصِمُ بنُ المُنذِرِ(١) ، فاختُلِفَ فيه عليه أيضًا؛ فقالَ فيه(٤)
حمَّادُ بنُ سلَمَةً: عن عاصم بن المُنذِرِ ، عن ◌ُبیدِ اللهِ بنِ عبدِ الله بن عمر ، عن
أبيه(٥) . وقال فيه حمَّدُ بنُّ زيدٍ : عن عاصمِ بنِ المُنذِرِ ، عن أبى بكرِ بنِ عُبيدِ اللهِ ،
عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ). وقال حمَّادُ بنُ سلمَةَ فيه: «إذا كان الماءُ قُلََّينِ أو ثلاثًا
لم يُنجِّسْه شىءٌ)). وبعضُهم يقولُ فيه: ((إذا كان الماءُ قُلَتِينٍ لم يَحمِلِ"
(٧)
الخبَثَ)). وهذا اللَّفظُ مُحتمِلٌ للتَّأويلِ، ومثلُ هذا الاضطرابِ فى الإسنادٍ
القبس
(١) بل أخرجه الدارمى (٧٥٩)، وابن خزيمة (٩٢)، والطحاوى فى شرح المعانى ١٥/١، وفى
شرح المشكل (٢٦٤٤)، والدارقطنى ١٨/١، ١٩ من طريق الوليد، عن محمد بن جعفر، عن
عبيد الله بن عبد الله، عن عبد الله به .
(٢) أخرجه أحمد ٨/ ٢١١، ٤٢٢ (٤٦٠٥، ٤٨٠٣)، وأبو داود (٦٤)، والترمذى (٦٧) ، وابن
ماجه (٥١٧) من طريق محمد بن إسحاق به.
(٣) بعده فى م: (( عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه)).
(٤) ليس فى: الأصل، م.
(٥) أخرجه الطيالسى (٢٠٦٦)، وأحمد ٣٧٤/٨ (٤٧٥٣)، وعبد بن حميد (٨١٦ - منتخب)،
وأبو داود (٦٥)، وابن ماجه (٥١٨) من طريق حماد بن سلمة به.
(٦) ذكره الدارقطنى ١/ ٢١، ٢٢. وقال أبو داود عقب الحديث (٦٥): حماد بن زيد وقفه عن
عاصم .
(٧) فى م: ((يحصل)).
٥٠٨

الموطأ
التمهيد
يُوجِبُ التوقُّفَ عن القولِ(١) بهذا الحدِيثِ، إِلّا(٢) أنَّ القُلَتَينِ غيرُ مَعروفتينٍ،
ومحالٌ أنْ يَتَعبَّدَ اللهُ عِبادَه بما لا يَعرِفُونَه. ( والقُلَّتان عندَ الشافعىّ وأصحابه نحو
خمسِمائةٍ رَطْلٍ ، على ما قدَّرَهما بعضُ رواةِ الحديثِ ، واعتمد فيه على قولِ ابنِ
جريج وهو أحدُ أئمةِ الحديثِ والفقهِ والتفسيرِ، قال فيه: قلّتانِ مِن قلالٍ هَجَرَ".
وأمّا حَدِيثُ ؤُلُوغ الگلبِ فى الإِناءِ(٤) ، وحديثُ النهي عن إدخالِ اليدِ فى
الإناءِ قبلَ غسلِها لمَنِ انتَه مِن نَومِه ١ ، وحديثُ النهي عن البولِ فى الماءِ الدَّائِمِ
الرَّاكدِ)، فقد عارضَها ما هو أقوى منها. والأُصلُ فى الماءِ الطَّهارةُ ، فالواجبُ
أُلَّا یُقضَی بنجاستِه إلَّا بدلیل لا تنازُعَ فیه ولا مدفعله ، ونحنُ نذگُ ما نختارُهمِن
المذاهبٍ(١) فى الماءِ هلهنا، ونذكُرُ معنَى حديثٍ وُلُوغ الكَلبِ ، وغَسلِ اليدِ فى
باپ أبی الزنادٍ إن شاءَ اللهُ .
قال أبو عمرَ: الدَّليلُ على أنَّ الماءَ لا يَفسُدُ إلَّا بما ظهَر فيه مِنِ النَّجاسَةِ،
أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ سمَّاه طَهُورًا، فقال: ﴿ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ طَهُورًا﴾
[الفرقان: ٤٨] . وفى طَهُورٍ مَعنَيَانٍ ؛ أحدُهما : أنْ يكونَ طهُورٌ بمعنَى طاهرٍ ، مثلَ
صَبُورٍ وصابرٍ، وشَكُورٍ وشاكرٍ، وما كان مثلَه. والآخرُ: أنْ يكونَ بمَعنَى
القبس
(١) فى ق: ((العمل)).
(٢) فى م: ((إلى)).
(٣ - ٣) ليس فى: الأصل، م.
(٤) سيأتى فى الموطأ (٦٤).
(٥) تقدم فى الموطأ (٣٦).
(٦) تقدم تخريجه ص ٤٣٦.
(٧) فى ق: ((المذهب)).
٥٠٩

الموطأ
التمهيد
فَعُولٍ ، مثلَ قتُولٍ وضَرُوبٍ ، فيكونَ فيه مَعنَى التَّعدِّى والتَّكثِيرِ؛ يدُلَّ على ذلك
قولُه عزَّ وجلَّ ﴿ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١].
وقد أجمعتِ الأُمّةُ أنَّ الماءَ مُطهّرٌ للنَّجاساتِ، وأَنَّه ليسَ فى ذلك كسائرٍ
المائِعاتِ الطَّاهِراتِ، فثبَتَ بذلك هذا التأويلُ، وما كانَ طاهِرًا مُطهِّرًا ، استَحالَ
أنْ تَلحَقَهِ النَّجاسَةُ؛ لأَنَّه لولَحِقَتِهِ النَّجاسَةُ لم يكنْ مُطهِّرًا أبدًا؛ لأَنَّه لا يُطَهِّرُها إِلَّ
بِمُمازَجَتِهِ إِيَّاهَا، واختلاطِه بها، فلو أفسَدَتْه النَّجاسَةُ مِن غيرِ أَنْ تغلِبَ عليه،
وكان حُكمُه حُكمَ سائرِ المائِعاتِ التى تنجُسُ بمُماسَّةِ النَّجاسَةِ لها ، لم تَحصُلْ
لأحدٍ طهارةٌ ، ولا استنجَى أَبَدًا . والسُّنَنُ شاهدةٌ لما قُلنا بمثلِ ما شَهِدَ بِهِ النَّظرُ
مِنِ كتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ، فَمِن ذلك أمرُ رسولِ اللهِ وَّهِ أَنْ يُصَبَّ على بَولِ
الأعرابی دلوٌ مِن ماءٍ، أو ذُنُوبٌ مِن ماءٍ، وهو أصُ حديث يُروَی فی الماءِ عن
النبىِّ وَلَهِ، ومعلومٌ أنَّ البَولَ إذا صُبَّ عليه الماءُ مازَجَه، ولكنَّه إذا غَلَبَ الماءُ
عليه طهّرَه ولم يَضُرَّهِ مُمازجةُ البَولِ له .
أخبرنا عبدُ الوارِثِ بنُ سُفيانَ ، قال: أخبَرَنا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدّثنا
محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثْنا نُعيمُ بنُ حمَّادٍ، قال: حدَّثنا ابنُّ المباركِ ،
قال: أخبرنا يونُسُ بنُ يزيدَ، عن الزُّهرىِّ، قال: حدَّثنى عُبيدُ اللهِ بنُ عبدِ اللهِ ، أَنَّ
أبا هريرةَ أخبَرَه، أنَّ أعرَابًّا بال فى المسجدِ، فثارَ الناسُ إليه ليَمنَعوه، فقال
رسولُ اللهِ وَّهِ: ((دعُوهُ، وأَهْرِيقوا على بَولِهِ ذَنوبًا مِن ماءٍ - أو قال: سَجْلًا مِن
ماءٍ - فإنَّمَا بُعثتُم مُيسّرين، ولم تُبعَثُوا مُعسّرين))(١).
القبس
(١) أخرجه ابن خزيمة (٢٩٧) من طريق ابن المبارك به، وأخرجه أحمد ٢١٠/١٣ (٧٨٠٠)، =
٥١٠

الموطأ
التمهيد
وهكذا رواه شُعيبُ بنُ أبی حَمزَةً ومحمدُ بنُ الوَلیدِ الزُّبیدُّ، عن
الزُّهرِىِّ (١)، كما روَاه يُونُسُ بنُ يزيدَ بإسنادِه. وكذلك رواه النُّعمانُ بنُ راشدٍ
بهذا الإسنادٍ ، ورواه ابنُ عُيينةَ ، عن الزُّهرىِّ، عن سعيدِ بنِ المُسيَّبِ ، عن أبى
هريرةَ، عن النبيِّيوَل١ِّ، وتابَعَه سُفيانُ بنُ حسينٍ عَلَى هذا الإسنادِ، "عن
الزُّهرىِّ، عن سعيدٍ، عن أبى هريرةً ) . وروَاه محمدُ بنُ أبى حفصةً ،عن
الزُّهرىِّ، عن سعيدٍ وأبى سَلَمَةً، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّوَِّ. وكلُّ ذلك
صحیح؛ لأنَّه مُمکن أن یکون الحدیثُ عندَ ابن شهاب ، عن ◌ُبيدِ اللهِ وسعيد
وأبى سَلمةً، فحدَّث به مرَّةً عن هذا، ومرَّةً عن هذا، وربَّما جمَعَهم، وهذا
موجودٌ لابنِ شِهابٍ، معروفٌ له، كثيرٌ جدًّا، وقد رَوَى أنسُ بنُ مالكِ قصّةً
الأعرابيّ هذا ، وسنذ كُرُ طُُقَ حديثِه فى ذلك ، فى بابٍ مُرسَلٍ يحيى بن سعيد
مِن كتابنا هذا(٥) إن شاءَ اللهُ .
القبس
= وابن حبان (١٤٠٠) من طریق یونس بن یزید به .
(١) أخرجه البخارى (٢٢٠، ٦١٢٨)، والبيهقى ٤٢٨/٢ من طريق شعيب به، وأخرجه النسائى
(٥٦، ٣٢٩)، وابن حبان (١٣٩٩) من طريق محمد بن الوليد به.
(٢) أخرجه الدارقطنى فى العلل ٢٩٥/٧ من طريق النعمان به .
(٣) أخرجه الحميدى (٩٣٨)، وأحمد ١٩٨/١٢ (٧٢٥٥)، وأبو داود (٣٨٠)، والترمذى
(١٤٧)، والنسائى (١٢١٦)، وابن خزيمة (٢٩٨) من طريق ابن عيينة به.
(٤ - ٤) سقط من: م.
وأخرجه ابن خزيمة (٢٩٨) من طريق سفيان به مختصرا. وتحرف فى المطبوع منه ((حسين))
إلى: (حصين)).
(٥) سيأتى فى شرح الحديث (١٤٠) من الموطأ .
٥١١

الموطأ
التمهيد
ومِن ذلك أيضًا قولُهُ مَ له إذا سُئِلَ عن بثرِ بُضَاعةً فقِيلَ له: إِنَّه يُطرَحُ فيها
لُحُومُ الكِلابِ والعَذِرةُ وأَوساخُ الناسِ، فقالَ: ((الماءُ لا يُنجِّشُهُ شىءٌ)) . یعنی:
ما لم يُغيِّرْه أو يَظهَرْ فيه، واللهُ أعلمُ؛ لأَنَّه قد رُوِى عنه نَّهِ: ((الماءُ طَهُورٌ لا
يُنجِسُه شىءٌ، إِلَّا مَا غَلَب عليهِ فغيَّ طَعمَه أو لَونَه أو رِيحَه)) (١). وهذا إجماعٌ فى
الماءِ المُتغيّرِ بالنَّجاسةِ، وإذا كان هذا هكذا، فقد زالَ عنه اسمُ الماءِ مُطلقًا .
وحدِیثُ بثرٍ بُضاعةً ذكره أبو داود(٧) مِن حَديثِ أبى سعيد الخُدرئِّ، عن
النبيِّ وَلِهِ .
وذكَرَه أحمدُ بنُ حنبل(١) ، قال: حدَّثنا حُسينُ بنُ محمدٍ ، قال: حدّثنا
القبس
تفسیر: إذا ثبت أن الماءَ طھورٌ لا ینجَسُ إلا بما غيّرَ صفاته، لكنه يُستحبُّ
صيانةُ قليلِه عن النجاساتِ؛ لأنه أكمَلُ فى الطهارةِ وأقوَى للنظافة وأطيبُ على
النفس ، فأما المياهُ الكثيرةُ؛ كالآبارِ العِظامِ والأنهارِ الكبارِ فإنه يجوزُ رمىُ النجاساتِ
والأقذارِ فيها قصدًا، وعلى ذلك هى(٤) الأمةُ كلُّها فى البلادِ التى تكونُ على الأنهارِ .
وقد سُئلَ النبيُِّ نَّهِعن بثرِ بُضاعَةً وقيل له: إنه يُطْرَحُ فيها الجِيَفُ والتَّيْنُ وما يُنْجِى
الناسُ. فقال: ((الماءُ طَهورٌ لا يُنجِّسُه شىءٌ) .
(١) أخرجه ابن ماجه (٥٢١)، والبيهقى ٢٥٩/١ من حديث أبى أمامة. وينظر علل ابن أبى حاتم
١/ ٤٤، والتلخيص الحبير ١٥/١.
(٢) أبو داود (٦٦، ٦٧).
(٣) أحمد ٥٠٥/٣٧ (٢٢٨٦٠).
(٤) فى م: ((هذه)).
(٥) فى د: ((بنحى))، وفى م: ((ينحى))، وما ينجى الناس ، أى: ما يلقونه من العذرة ، يقال:
أنْجَى يُنجِى، إذا ألقى نجوه . وقيل: إزالته عن بدنه بالغسل والمسح. ينظر النهاية ٢٦/٥.
٥١٢
أ

الموطأ
التمهید
الفُضيلُ، يعنى ابنَ سُليمانَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أبي يحيى، عن أُمَّه قالت :
سمِعتُ سهلَ بنَ سعدِ السَّاعدىَّ يقولُ : سَقَیتُ رسولَ اللهِ آلټ بیدِی مِن بثٍ
بُضاعةً .
وذكَّرَه إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو ثابتٍ محمدُ بنُ
عُبيدِ اللهِ، قال: حدَّثنى حاتمُ بنُ إسماعيلَ، عن محمدٍ بنٍ أبى يحتِى،
عن أُمّه قالت: دَخَلْنا على سهلٍ بنِ سعدٍ فى نِسوةٍ ، فقال: لو أنِّى
سَقَيتُكُم مِن بئرِ بُضَاعَةً لكَرِهتُم ذلك، وقد واللهِ سقَيتُ رسولَ اللهِ وَه
بيدِی منها (١) .
ومِن ذلك أيضًا قولُه ◌َلّهِ إِذ سُئلَ عن ماءٍ اغتَسلَتْ منه امرأةٌ مِن نسائِه وهی
جُنُبٌ ، فقال: ((الماءُ لا يُنجِّسُهُ شىءٌ)) . روَاه جماعةٌ عن سِماكٍ، عن عكرِمةً،
عن ابنِ عباسٍ؛ منهم شُعبةُ والثَّورِىُّ، إلَّا أنَّ مجلَّ أصحابٍ شُعبةَ يَرؤُونَه
عنه، عن سماكٍ، عن عِكرمَةَ مُرسلًاً(٢)، ووصلَه عنه محمدُ بنُ بكرٍ ()،
وقد وصلَه جماعةٌ عن سماكٍ؛ منهم الثورىُّ، وحسبُكَ بالثورىِّ حِفظًا
وإتقانًا .
القبس
(١) أخرجه الرويانى (١١٢١)، والطحاوى فى شرح المعانى ١٢/١ من طريق حاتم بن إسماعيل به.
(٢) أخرجه ابن جرير فى تهذيب الآثار (١٠٣٧ - مسند ابن عباس) من طريق محمد بن جعفر،
عن شعبة، عن سماك، عن عكرمة .
(٣) أخرجه البزار (٢٥٠ - كشف)، وابن خزيمة (٩١)، والحاكم ١٥٩/١ من طريق محمد بن
بکر به .
٥١٣
( موسوعة شروح الموطأ ٣٣/٢)

الموطأ
التمهید
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ
ابنُ وضَّاحِ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةَ، قال: حدَّثنا وكيع، قال :
حدَّثنا سُفيانُ، عن سماكٍ، عن عِكرمَةَ، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ امرأةً مِن أزوَاجٍ
النبيِِّ وَِّ﴿ِ اغْتَسلَتْ مِن جَنابةٍ، فَاغتسَل النبيُِّ وَلَه وتوضَّأْ مِن فضلِها،
وقال: ((الماءُ طَهُورٌ لا يُنجِّسُه شىءٌ))(١). وهكذا رواه أبو الأحوصِ
وشريكٌ، عن سماكٍ، عن عكرِمةً، عن ابنِ عباسٍ مرفُوعًا(٢) . وكلُّ مَن
أرسَل هذا الحديثَ فالثورىُّ أحفظُ منه، والقولُ فيه قولُ الثَّورِىِّ و(١)مَن تابَعه
علی إسناده .
وذكَرَ إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضِى، عن الحِمَّانِىٌّ، عن شَرِيكِ، عن المِقدامِ
ابنِ شُريح، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: قال رسولُ اللهِ وَةِ((الماءُ لا يُنجِّسُهُ
(٤)
شىءٌ ))).
قال : وحدَّثنا علىُ بنُ المَدینیّ ، حدَّثنا محمدُ بنُ جعفر، حدثنا شُعبةُ ، عن
القبس
(١) أخرجه أحمد ١٣/٤، ٢٢/٥ (٢١٠١، ٢٨٠٦)، وابن ماجه (٣٧١)، وابن خزيمة (١٠٩)
من طريق وكيع به. وأخرجه أحمد ١٤/٤، ٣٤٣، ٢١/٥ (٢١٠٢، ٢٥٦٦، ٢٨٠٥)،
والدارمى (٧٦٢)، والنسائى (٣٥٤)، وابن خزيمة (١٠٩) من طريق الثورى به.
(٢) أخرجه أبو داود (٦٨)، وابن ماجه (٣٧٠)، والترمذى (٦٥) من طريق أبى الأحوص به ، وأخرجه
أحمد ٢٢٨/٥ (٣١٢٠) من طريق شريك به .
(٣) بعده فى ق: ((قول)).
(٤) أخرجه أبو يعلى (٤٧٦٥) عن الحمانى به، وأخرجه البزار (٢٤٩ - كشف)، وابن جرير فى
تهذيب الآثار (١٠٦٠ - مسند ابن عباس)، والطبرانى فى الأوسط (٢٠٩٣) من طريق شريك به .
٥١٤

الموطأ
التمهید
توبَةَ العَنْبَرِىِّ، أَنَّه سَمِعَ (١ سُلْمَى بنَ عتَّابٍ ) يُحدِّثُ عن جدِّه، قال : سألتُ أبا
هريرةَ قلتُ: إِنَّا نَرى(١) الخَوضَ يكونُ فيه الشُّؤْرُ مِن الماءِ، فيلَغُ فيه الكلبُ ،
ويشربُ منه الحمارُ، فقال: الماءُ لا يُحرِّمُه شیء ١ .
قال أبو عمر : حسبُكَ بجواب أبى هريرةً فی هذا الباب ، وهو الذی روی
حدیثَ وُلُوغ الگلبِ فى الإناءِ، وحدیثَ غسل اليدِ قبلَ إدخالها فيه، وژُوِى
عن ابن عباسٍ مِن وجوهٍ، أَنَّ الماءَ لا يُنجِسُه شىءٌ (٤) . وقال ابنُ عباسٍ: الماءُ
يُظهِّرُ ولا يُطَهَّرُ . وقال سعيدُ بنُ المُسيَّبِ: الماءُ طهُورٌ لكُلِّ ما أصابَ .
وعن عبد الرحمنِ بنِ أبى ليلى وجماعةٍ مِن التَّابعينَ: الماءُ لا يُنجِّسُه
شىءٌ(١). وروَى شُعبةُ، عن يَزِيدَ الرِّشكِ، عن مُعاذةً (١، عن عائشةَ: الماءُ لا
يُنجِّسُه شىءٌ. وعن عبدِ اللهِ بنِ مسعُودٍ، مثلَهُ(٨). وروَى حمَّادُ بنُ سلَمَةَ،
القبس
(١ - ١) فى الأصل، م: ((سلم بن غياث))، وفى ق: ((سلمان بن غياث))، وفى تهذيب الآثار
لابن جرير: ((سلمان بن عتاب». والمثبت من التاريخ الكبير ١٩٧/٤، والجرح والتعديل ٣١٢/٤.
(٢) فى: الأصل، م: ((نرد )).
(٣) أخرجه البخارى فى التاريخ الكبير عن على بن المدينى به، وأخرجه ابن جرير فى تهذيب الآثار
(١٠٨٢ - مسند ابن عباس) من طريق محمد بن جعفر به.
(٤) ينظر مصنف عبد الرزاق (٣٩٧، ١١٤٤)، ومصنف ابن أبى شيبة ١٤٣/١، وتهذيب الآثار
(١٠٤٠، ١٠٤١ - ١٠٤٤ - مسند ابن عباس).
(٥) مصنف عبد الرزاق (٢٥٦، ١١٤٢).
(٦) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ١٤٣/١.
(٧) فى م: ((معاذ)). وينظر تهذيب الكمال ٣٠٨/٣٥.
(٨) ينظر مصنف عبد الرزاق (٢٦٢).
٥١٥

الموطأ
التمهيد
عن حمادٍ، عن سعيدِ بنِ مجبيرٍ، فى ماءِ الحمَّامِ يَغْتسِلُ فيه الجُنُبُ وغيرُ
الطاهِرِ، قال: الماءُ لا يُنجِسُه شىءٌ (١). وحمادُ بنُ سلَمَةً، عن داودَ بنِ أبی
هندٍ، عن سعيدِ بنِ المُسيَّبِ " فى قوله: ﴿ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ طَهُورًا
[ الفرقان: ٤٨] قالَ: لا يُنَجِّسُه شىءٌ. قال داودُ: وسألتُ سعيدَ بنَ
المسيّبِ" عن الغُدُرِ (٤) التى فى الطرقِ تَلَغُ فيها الكلابُ، وتبُولُ فيها
الدَّوابُ، أيُوضَّأَ منها؟ فقال: الماءُ طهُورٌ لا يُنجِّسُه شىءٍ (٥) .
قال أبو عمرَ : هذا يدلُّ على أنَّ ما رُوِى عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ فى سُؤرِ الهِرِّ
أنَّه كَرِهَه، لم يكنْ إِلَّ لشىءٍ ظهَرَ فى المَاءِ، واللهُ أعلمُ . ومعنَی قولِه: فيما بالَتْ
فيه الدَّوابُّ مِن الماءِ ، أَنَّه طهُورٌ. محمُولٌ على أنَّ البولَ لم يَظهَرْ فى الماءِ منه
طعم ولا لونٌ ولا ریخ .
أُخبرنا يُوسفُ بنُ محمدٍ ومحمدُ بنُ إبراهيمَ ، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ
مُعاويةً ، قال : حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدِ الفِریابِيُ، قال: حدَّثنا دحيمٌ، قال: حدَّثنا
القبس
(١) ينظر الطهور لأبى عبيد (٢٥٢)، ومصنف ابن أبى شيبة ١٢٩/١، ١٤٣، وتهذيب الآثار
(١٠٧٠، ١٠٧١ - مسند ابن عباس).
(٢ - ٢) سقط من: م.
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ١٤٣/١، والدارقطنى ٢٩/١، والبيهقى ٢٥٩/١ من طريق داود به.
(٤) الغُدُرُ جمع غدير، وهو القطعة من الماء يغادرها السيل، أى يتركها. اللسان (غ در).
(٥) أخرجه أبو عبيد فى الطهور (١٥٧)، وابن أبى شيبة ١٤٣/١، وابن جرير فى تهذيب الآثار
(١٠٦٤ - ١٠٦٨ - مسند ابن عباس)، والدارقطنى ٢٩/١، والبيهقى ٢٥٩/١ من طريق داود بن
أبی هند به .
٥١٦

الموطأ
التمهيد
الوليدُ، عن الأوزاعيِّ، عن الزُّهرىِّ، فى الغدِيرِ تقَعُ فيه الدَّابَّةُ فتموتُ ، قال :
الماءُ طَهُورٌ ما لم تُنجِّسِ المَيتَةُ طَعمَه أو رِيحَه(١) .
وأمَّا ما ذهب إليه الشَّافعىُّ مِن حديثِ القُلَّينِ، فمَذهَبٌ ضعيفٌ مِن جِهَةِ
النَّظَرِ، غيرُ ثابتٍ فى الأَثْرِ ؛ لأَنَّه حديثٌ قد تكلَّمَ فيه جماعةٌ مِن أهلِ العلمِ
بالنقل ، ولأُنُّ القُلتينِ لم ◌ُوقَفْ على حقيقةِ مَبلَغهما فى أثر ثابتٍ ولا إجماع ، ولو
كان ذلك حدًّا لازمًا لوَجَب على العلماءِ البَحثُ عنه ليقِفُوا على حدٍّ ما حرَّمَه
رسولُ اللهِ وَّهِ وما أحَلَّه مِن الماءِ؛ لأنّه مِن أصلِ دِینھم وفَرضِهم، ولو كان
ذلك كذلك ما ضَئِّعُوه، فلقد بحَثُوا عمَّا هو أدقُّ مِن ذلك وألطَفُ، ومحالٌ
فى العُقولِ أنْ يكونَ مَاءَانِ أحدُهما يزيدُ على الآخرِ بقَدَحِ أو رَطلٍ، والنَّجاسَةُ
غيرُ قائمةٍ ولا مَوجودَةٍ فى واحدٍ منهما؛ أحدُهما نَجِسٌ، والآخرُ طاهرٌ.
وكذلك كلُّ مَن قال بأنَّ قليلَ الماءِ يُفسِدُه قليلُ النَّجاسَةِ دونَ كثيرِه وإنْ لم
تَظهَرْ فيه ولم تُغيِّرْ منه شيئًا وحَدَّ(١) فى ذلك الماءَ المسْتَبِرَ() بغيرِ أَثرٍ يشهَدُ
له، فقولُه مدفُوعٌ بما ذكرنا مِن الآثارِ المرفوعَةِ فى هذا البابِ ، وأقاويلٍ علماءِ
أهلِ الحجازِ فيه .
القبس
(١) أخرجه البيهقى ٢٥٩/١ من طريق الوليد به .
(٢) فى م: ((وجد)).
(٣) فى م: ((المستجد)).
٥١٧

الموطأ
التمهيد
وأمَّا ما ذهَبَ إليه المِصرِيُّونَ مِن أصحابٍ مالكٍ فى أنَّ قليلَ الماءِ يفسُدُ
بقليلِ النجاسةِ ، مِن غيرِ حدٍّ حدُّوه فى ذلك، وما قالُوه مِن أجوبَةِ مَسائِلِهم فى
البئرِ تقعُ فيها المَيتَةُ ، مِن استِحبابِ نَزْحِ بعضِها وتطهِيرٍ ما مسَّه ماؤُها ، وفى إناءٍ
الوضوءِ يسقُطُ فيه مثلُ رءوسِ الإِبَرِ مِن البولِ ، وفى سُؤْرِ النَّصرانِيِّ والمَخمُورِ ،
وسُؤرِ الدجاجةِ المُخَلَّةِ، وغيرِ ذلك مِن مسائلِهم، فى هذا البابِ ، فذلكَ كلُّه
على التَّنُزُّهِ والاستِحبابِ ، هكذا ذكَرَه إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، وهو الصَّوابُ
عندَنا، وبالله التوفيقُ .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُّ سفيانَ، حدَّثنا قاسمُ بنُ أَصبغَ، حدَّثنا أحمدُ(١) بنُ
القبس
فأما أشْارُ السِّباعِ إذا وَرَدَت مياهَ الفَلاةِ فإنها ساقطةُ الاعتبارِ أيضًا بعلَّةِ أنه لا يمكنُ
الاحترازُ منها، وقد ثبت أن النبيَّ وَلَّ سُئِلَ عن المياهِ تَرِدُها السبامُ فقال: ((لها ما
حمَلتْ فى بُطونِها، ولنا ما بقِى شَرابًا وطَهُورًا))(١). ويُخالِفُ هذا الدواجنُ التى تكونُ
فى البيوتِ، فإنه يُمكِنُ الاحترازُ منها ولا تدعو الحاجةُ إليها ، ويخالِفُ سُؤرُ النصرانيّ
وشارب الخمرِ ؛ لأن ذلك معصيةٌ لا رخصةَ فيها ولا اعتبارَ بها. ويترَّكَّبُ على (٢هذه
المسألةِ" مسألةُ ( أَشَارِ النساء)؛ قال جماعةٌ منهم أحمدُ بنُ حنبلٍ: لا يُوضَّأُ بسُؤْرٍ
المرأةِ. لحديثٍ رواه ولم يصِحّ، وقد ثَبَت فى ((الصحيحِ)) مخالطةُ الرجالِ والنساءِ
والوضوءُ معهن وبما يفضُلُ عنهن .
(١) فى ق: ((محمد)).
(٢) ابن ماجه (٥١٩) .
(٣ - ٣) فى النسخ: ((هذا)). والمثبت من حاشية د.
(٤ - ٤) فى د: (( أشار إليها)).
٥١٨

الموطأ
التمهید
زُهيرٍ، حدَّثنا الحوطِئُ، قال: حدَّثْنَا بَقِيَّةُ، قال: قلتُ للأَوزاعِىِّ: جُبٌّ كانَ
يُعصرُ فيه العَصيرُ، فلمَّا فَرَغُوا بَقِيتْ فى أسفَلِهِ بَقِيَّةٌ فصارَتْ خَمرًا، ثم جاءَتِ
الأمطارُ فمَلأَتِ الُجُبَّ، ما تقولُ فى الوُضوءِ منه؟ قال: تجدُ له طَعْمًا أو ريحًا؟
قلتُ : لا . قال : لا بأسَ بالوضوءِ منه .
(١ حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا
محمدُ بنُ وَضَّاح، قال حدَّثنا أبو علىٍّ عبدُ الصمدِ بنُ أبى سِكْينةَ الحلبىُّ
بحلبَ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُّ أبى حازمٍ، عن أبيه، عن سهلِ بنِ سعدٍ
الساعدىِّ، قال: قالوا: يا رسولَ اللهِ ، إِنَّا نتوضأً مِن بثرٍ بُضاعةً، وفيها ما يُنجِی
الناسُ والمحائضُ والجنبُ(٢). فقال رسولُ اللهِ وَهِ: ((الماءُ لا ينجِّسُه
شىءٌ))) . وهذا اللفظُ غریبٌ فی حدیث سهل بن سعدٍ، ومحفوظٌ من حديثٍ
أبى سعيد الخدرىِّ، لم يأتِ به فى حديثٍ سهلِ بنِ سعدٍ غيرُ ابنٍ أبى حازمٍ ،
واللهُ أعلمُ. قال قاسمٌ : هو مِن أحسنِ شىءٍ فى بثرِ بُضاعةً ) .
ولمَّا ثبَتَتِ السُّنَّةُ فى الهِرِّ، وهو سبُعٌ يَفتَرسُ ويَأْكُلُ المَيتَةَ، أَنَّه ليسَ
بنَجَسٍ ، دلَّ ذلك على أنَّ كُلَّ حىٍّ لا نَجاسَةَ فيه ، فكانَ الكلبُ والحِمارُ والبغلُ
القبس
(١ - ١) ليس فى: الأصل، م.
(٢) كذا فى ق، وفى المحلى: ((الجيف))، وفى التلخيص الحبير: ((الخبث)).
(٣) أخرجه قاسم بن أصبغ فى مصنفه - كما فى التلخيص الحبير ١٣/١ - وأخرجه عبد الملك بن
أيمن فى مستخرجه على سنن أبى داود - كما فى التلخيص الحبير ١٣/١ - ومن طريقه ابن
حزم ٢٠٣/١ - عن محمد بن وضاح به.
٥١٩٠

الموطأ
التمهيد
وسائرُ الحيوانِ كلِّه لا نَجاسَةَ فيه ما دامَ حيًّا ، ولا بأسَ بسُؤْرِهِ لوُضوءِ والشُّربِ،
حاشَا الخِنزِيرَ المُحرَّمَ العينِ، فإِنَّه قد اختُلِفَ فيه، فقِيلَ: إِنَّه إذا ماسَّ الماءَ وهو
حىّ أفسَدَه. وقد قِيلَ: إِنَّ ذلك لا يُفسِدُه على ظاهِرٍ حديثٍ عمرَ فى السِّبَاعُ ،
وظاهِرٍ قولِهِ وَّهِ: ((الماءُ لا يُنَجِّسُه شىءٌ)). وهذا هو المَذهَبُ الذى إلیه یذهَبُ
أكثرُ أصحابِنا ، وبه نقولُ .
وكذلك الطيرُ كلُّه، لا بأسَ بسُؤْرِهِ، إِلَّا أنْ يكونَ فى فَمِهِ أَذِّى يُغيِّرُ الماءَ؛
اعْتِبارًا بسُنَّةِ رسولِ اللهِ وَ لِّفى الهِرِّ وفى الماءِ أَنَّه لا يُنجِّشُه إلَّا ما ظهَر فيه مِن
النَّجاسةِ . وقد روى ابنُ عمرَ أنَّ الكِلابَ كانتْ تُقَبِلُ وتُدِرُ (" وتبول٣ُ) فى مَسجِدٍ
رسولِ اللهِ وَِّ فلا يُغْسَلُ شىءٌ مِن أَثَرِها ولا يُرشُّ(٣). وهذا يدلُّ على أنّه
ليس فى حىٍّ نجاسةٌ، واللهُ أعلمُ. وإنَّما النَّجاسةُ فى المَيتةِ وفيما ثبَتَت مَعرِفْتُه
عندَ الناسِ مِن النَّجاساتِ المُجتمَعِ عليها، والتى قامتِ الدَّلائلُ بنجاستها؛
كالبول والغائطِ والمَذي والخمرِ. وقد يكونُ مِن المَيَّةِ ما ليسَ بنَجَسٍ،
وهو كلِّ شيءٍ ليسَ له دمٌ سائلٌ؛ مثلَ بناتٍ وَردانَ(٤)، والزُّبُورِ(٥)،
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (٤٢).
(٢ - ٢) ليس فى: الأصل، م.
(٣) أخرجه أحمد ٢٨٧/٩ (٥٣٨٩)، والبخارى (١٧٤) معلقًا بصيغة الجزم، وأبو داود (٣٨٢).
وعند أحمد دون قوله : وتبول .
(٤) بنات وردان: دونيّة نحو الخنفساء حمراء اللون، وأكثر ما تكون فى الحمامات والكُثُف.
الوسيط (و ر د).
(٥) الزنبور والزنبار: حشرة أليمة اللسع من الفصيلة الزنبورية، واحدتها زنبارة. الوسيط (زنبر).
٥٢٠