Indexed OCR Text

Pages 461-480

الموطأ
التمهيد
يدَيه قبلَ أن يُدخِلَهما الوضوءَ .
ورَواه عيسى بنُ يونسَ ، عن ابن جريجٍ، عن نافعٍ، عن ابنٍ ١ عمرَ، أَنَّه كانَ
لا يُدخِلُ يدَه الإناءَ حتى يغسِلَها .
وذگر الحارثُ بنُ مسکینٍ ، عن ابن وهب ، قال : سمعتُ مالِگًا وسئل عن
الرجلِ يخرُجُ منه الحَدَثُ وهو طاهرٌ، أيغسِلُ يدَه إذا أرادَ الوُضوءَ؟ فقال: نعم .
وقد كان قال لى قبلَ ذلك: إن كانت يدُه طاهرَةً ، فلا بأسَ أن يُدخِلَها الوضوءَ قبلَ
أن يغسِلَها. قال: وسئِل عن المهراسِ الذى كان الناسُ يتوضَّئون فيه . فقال : لم
يكنْ يومَئذٍ مِهراسٌ؟ قال: وقال مالكٌ فى الذى قال لأبى هريرةً: كيفَ
بالمِهراسِ؟ فقال مالكٌ: أكرَهُ أن يُعارضَ مثلُ هذا مِن قولِ رسولِ اللهِ وَّه .
وقال الحارثُ ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن مالك، أنَّه قيل له : يا أبا
عبدِ اللهِ ، فالمِهراسُ؟ قال: أُّ مِهراسٍ؟ قيل: إنَّ قومًا يتحدَّثون أنَّهم أدرَ كوه ،
ويذكُرونَ أَنَّه كان مِهِراسٌ يَتَوضَّأُ فِيهِ الرِّجالُ والنساءُ. فأنكَر أن يكونَ ثمّ
مِهراس، ورأيتُه يستحِبُّ أن يُفرِغوا على أيدِيهم قبلَ أنْ يُدخِلُوا أيديَهم فى الماءِ .
وقال : ما أرَى الناسَ إلَّ وقد كان لهم القَدَحُ وغيرُ ذلك.
وذكَر المَروزِىُّ، قال: حدَّثنا أبو زُرعةَ، قال: حدَّثنا الفضلُ بنُّ
دُكينٍ، قال: رأيتُ سفيانَ يتوضَّأَ مِن مِطهرَةِ المسجدِ ونحن فى جنازةٍ .
الصورةُ العاشرةُ: إذا اشتَبه عليه إناءُ ماءٍ وإناءُ بولٍ، وتُتصوَّرُ هذه المسألةُ فى القبس
إناءٍ فيه ماءٌ تغيّر بطولِ المُكثِ حتى أَجِنَ(٢) ، ثم اشتبه بعدَ ذلك بإناءٍ بولٍ، فقال
الشافعى وأبو حنيفةً: لا یتحرّی فیھما ویتز کهما . وقال أبو زيد المُلْقِی ) ، مِن أصحاب
(١) سقط من: م.
(٢) أجن الماء: تغير طعمه ولونه ورائحته. ينظر اللسان ( أج ن).
(٣) المُلْقِى: لقب يُطلق على من كان يتولى الإلقاء والإعادة عن الأستاذ فى مجلسه .
٤٦١

٣٧ - وحدّثنى عن مالكِ ، عن زيد بن أسلم ، أنَّ عمر بن الخطابِ
الموطأ
قال : إذا نَامَ أحدُكُمْ مُضْطَجِعًا فَلْيَتَوَضَّأْ.
وذكَر مالكٌ عن زيدِ بنِ أسلمَ ، أن عمرَ بنَ الخطابِ قال: إذا نام أحدُكم
الاستذ کار
مُضْطَجِعًا فَلْيتوضَّأُ(١).
القبس الشافعيّ: يتحرَّى فيهما . وهو الذى تقتضِيه أصولُنا وبه أقولُ .
تتمِيمٌ: ذكّر مالكٌ وُضوءَ النائم؛ لأن النومَ يُوجبُ الوُضوءَ، واخْتُلِف هل هو
حدثٌ أو سببٌ للحدَثِ؟ فعندَ المُزَنى وأبى الفرَج: إنه حدثٌ فى نفسِه . وهى قولَةٌ
ضعيفةٌ، لما روَى مُسلمٌ عن أنسٍ، قال: كان أصحابُ رسولِ اللهِ وَلَه ينامُونَ ثم
يُصلُّونَ ولا يتوضَّقُونَ(٢) . والأحاديثُ فى ذلك مشهورةٌ .
وإذا ثبت هذا فللنائم ثِنتا عشرةً حالةً ؛ قائمٌ، وماشٍ، وراكبٌ، ومُستيدٌ(٢)،
وراكعٌ، وساجدٌ ، وجالسٌ، ومُخْتبٍ ، ومضطجعٌ، ومستنِدٌ قائمٌ، ومستندٌ جالسٌ،
فهذه إحدَى عشرةَ حالةٌ، والضابطُ للمذهبِ فيها؛ أنَّ مَن استثقلَ نومًا فعليه
الوضوءُ، وإذا كانت السّنةُ والخَفَقةٌ؛ فلا وُضوءَ عليه، ويُراعَى أيضًا إذا كان المنفذُ
مُنفِجًا أو مُنضَغِطًا، وقال أبو حنيفةَ: مَن نامَ قائمًا أو راكعًا أو ساجدًا أو جالسًا فلا
◌ُضوء علیه . ونحۇُه لابن حبيب ١ ، إلا فى السُّجودِ ، واحتجّ بما ژُوی عن النبىُّ.
أنه قال: ((ليس الوضوءُ على من نام قائمًا أو راكعًا أو ساجدًا أو جالسًا، وإنما الوضوءُ
(١) أخرجه عبد الرزاق (٤٨٢)، وابن أبى شيبة ١/ ١٣٢، ١٣٤، والبيهقى ١١٩/١ من طريق مالك به.
(٢) مسلم (١٢٥/٣٧٦) .
(٣) فى حاشية د: ((لعل المراد به متكئ)).
(٤) خفق فلان: إذا حرك رأسه إذا نعس، وقيل: هو إذا نعس نعسة ثم تنبه. التاج (خ ف ق).
(٥) عبد الملك بن حبيب بن سليمان بن هارون ، أبو مروان الأندلسى المالكى، كان موصوفا بالحذق فى
الفقه، كبير الشأن بعيد الصيت، كثير التصانيف، منها؛ كتاب ((الواضحة))، وكتاب ((الجامع)). توفى
سنة ثمان وثلاثين ومائتين. سير أعلام النبلاء ١٢/ ١٠٢، والديباج المذهب ٨/٢.
٤٦٢

الموطأ
٣٨ - وحدّثنى عن مالك، عن زيد بن أسلمَ، أَنَّ تَفْسِيرَ هذه الآيةِ:
يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ
وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَأَمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِّ
[المائدة : ٦]. أنَّ ذِلِكَ إِذا قُمْتُمْ مِنَ الْمَضَاجِعِ ، يَغْنِى النَّوْمَ.
الاستذكار
وعن زيد بن أسلمَ، أن تفسيرَ هذه الآية: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَاغْسِلُوا
وُجُوهَكُمْ﴾ الآية . يعنى: إذا قُمتُم من المضاجعِ، يعنى النومَ (١).
واختَلَف العلماءُ فيما يُوجِبُ الوُضوءَ من النومِ؛ فقال مالكٌ: مَن نام
مُضْطَجِعًا أو ساجدًا فلْيتوضَّأُ، ومَن نام جالِسًا فلا وُضوءَ عليه إلا أن يطولَ نومُه .
وهو قولُ الزهرىِّ، وربيعةً، والأوزاعىّ فى رواية الوليد بن مسلم عنه، قال : مَن
نام قليلاً لم يَنْتَقِضْ وضوؤُه، فإِنْ تطاولَ ذلك توضّأ . وبهِ قال أحمدُ بنُ حنبلٍ .
ورَوى الوليدُ بنُ مسلمٍ، عن الأوزاعىِّ ، أنَّه سأل ابنَ شهاب الزهريَّ عن
القبس
على مَن نامَ مضطجعًا فإنه إذا نام مُضطچِعًا استرخَت مَفاصِلُه)) . وهذا حديث منکو
تَروِيه أبو خالدِ الدَّالانيُّ (١) عن قتادةَ عن أبى العاليةِ ، فهو باطلٌ ومنقطِعٌ. وأبو حنيفةً : لا
يتحرَّى فيهما ويتركهما . وقال أبو زيدِ المُلْقِى، مِن أصحابِ الشافعىِّ: يتحرَّى فيهما . وهو
الذى تقتضِيه أصولُنا وبه أقولُ. وتعلَّقوا أيضًا بما رُوِى أن النبيَّ وَ لّ قال: «إذا نامَ العبدُ فى
سجوده باھی اللهُ به ملائكته یقولُ : یا ملائکتی، انظُروا إلی عبدی ژُوُه عِندی وبدنُه
فى طاعَتى)) (١) . وهذا أيضًا ضعيفٌ لا أصلَ له، على أنه يحتمِلُ أن يكونَ اللهُ سبحانَه
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (٥١). وأخرجه ابن جرير فى تفسيره ١٥٦/٨، والبيهقى ١١٧/١ من
طريق مالك به .
(٢) سقط من : م .
(٣) أخرجه ابن المبارك فى الزهد (١٢١٣)، ومحمد بن نصر فى تعظيم قدر الصلاة (٢٩٨) .=
٤٦٣

الموطأ
الاستذ کار
الرجلِ ينالمُ جالسًا حتى يستثقِلَ، قال: إذا اسْتَثْقَلَ نومًا فإنَّا(١) نرى أن يتوضَّأ،
وأمّا إن كان نومُه غِرارًا؛ ينامُ ويستيقظُ ولا يغلبُه النومُ ، فإِنَّ المسلمين قد كان
ينالُهم ذلك ، ثم لا يقطّعون صلاتَهم، ولا يتوضَّئون منه .
قال الوليدُ : سمِعتُ أبا عمرٍو الأوزاعىَّ يقولُ: إذا اسْتَثْقَلَ نومًا توضّأ .
وروَى محمدُ بنُ خالدٍ ، عن الأوزاعيِّ ، قال: لا وضوءَ من النومِ ، وإن توضَّأ
ففضلٌ أَحْدَثَه، وإن ترَك فلا خَرَجَ . ولم يُذكَّر عنه الفصلُ بينَ أحوالِ النائم .
وسُئِل الشعبىُّ عن النومِ فقال: إن كان غِرارًا لم يَنْقُضِ الطهارةَ .
قال أبو عمرَ : الغِرارُ: القليلُ مِن النومٍ. قال جريٌ() :
مَا بالُ نَوْمِك بالفِراشِ غِرارًا لو كان قلبُك يستطيعُ لَطارًا
وقال أبو حنيفةً وأصحابُه: لا وضوءَ إلا على مَن نامَ مُضطَجِعًا أو مُتَورِّكًا .
القبس
أبقَى عليه الأجرَ بعدَ النوم ؛ لأن رُوحَه قُبضَت على طَهارَةٍ وفى طاعةٍ . وأما الحالةُ الثانيةَ
عشرةَ : وهى إذا استثْفَر(٢) وارتبط ثم نامَ، فكان شيخُنا أبو بكرِ الفِهِرُّ يقولُ : الذى
يجىءُ على المذهبِ أنه لا وضوءَ عليه. وكذلك قال الجُوينىُُّ مِن أصحابٍ
الشافعىِّ .
= كلاهما من قول الحسن .
(١) فى ص: ((فإنى)).
(٢) تقدم تخريجه ص٤٤٤ .
(٣) فى د: (استزفر))، وفى م: ((استلقى)). واستثفر الشخص بثوبه: اتزر به ثم رد طرف إزاره من بين
رجليه فغرزه فى حجزته من ورائه. المصباح المنير (ث ف ر).
(٤) عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن عبد الله أبو المعالى الجوينى ، شيخ الشافعية ، إمام الحرمين .
له كتاب ((غياث الأمم)) فى الإمامة، و((نهاية المطلب فى المذهب))، وغيرهما. توفى سنة ثمان
وسبعين وأربعمائة. سير أعلام النبلاء ٤٦٨/١٨، وطبقات الشافعية ١٦٥/٥.
٤٦٤

قال يحيى : قال مالكٌ: الأَمْرُ عِندنَا أَنْهُ لا يَتَوَضَّأُ مِنْ رٌعَافٍ ، ولا مِنْ
دَمٍ ، ولا مِنْ قَيِحِ يَسِيلُ مِن الجسدِ، ولا يَتَوَضَّأُ إلا مِنْ حَدَثٍ يَخْرُجُ مِنْ
ذَكَرٍ ، أو دُبْرٍ ، أو نومٍ .
الموطأ
الاستذكار
وقال أبو يوسفَ: إن تعمَّدَ النومَ فى السجودِ فعلَيه الوضوءُ.
وقال الثورىُّ والحسنُ بنُ حىٍّ: لا وضوءَ إلا على من اضْطَجَعَ. وهو قولُ
حمادٍ بنٍ أبى سليمانَ ، والحكم بنِ عُتَيْبَةَ ، وإبراهيمَ النَّخَعيِّ، وهو ظاهرُ قولٍ
عمرَ؛ لأَنَّه خصَّ المضطَجِعَ، فوجب أن يكونَ ما عَدَاه بخلافِه .
وروَى أبو خالدِ الدَّالانُ، واسمُه يزيدُ ، عن قتادة ، عن أبى العالية ، عن ابنٍ
عباس أن رسولَ اللهِ وَلَه قال: ((أًَّا الوضوءُ على مَن نام مُضطَجِعًا)) (١). وهو
إكمالٌ: قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى
الضََّلَوَةِ﴾. إلى قوله: ﴿أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنَكُمْ مِنَ الْغَابِطِ ﴾ . فجمَع اللهُ سبحانَه فى
هذه الآيةِ أسبابَ الوضوءِ كُلُّها، وقد بيّنا ذلك فى كتابٍ ((أحكام القرآنِ))(١)
مستوفّى ، فما خرَج عنها فليس مِن أسبابِ الوضوءِ؛ ولأجلِ هذا لما ذكر مالكٌ الآيةَ
فى هذا البابِ أعقَبها بقولِه: لا يَتوضأُ مِن رُعافٍ ولا مِن دَمٍ ولا مِن قَيِحٍ . إلى قوله: أو
نوم .
القبس
واختلف العلماءُ فى ذلك على ثلاثةِ أقوالٍ ؛ فمنهم مَن راعَى الخارجَ النَّجسَّ مِن
أىِّ مَخرجٍ كان، وبه قال أبو حنيفةً. وراعَى الشافعىُّ الخارجَ المعتادَ مِن أَىِّ مَخرجٍ
كان، ووَفَّقَ اللهُ مالكًا فراعَى الخارجَ المعتادَ مِن المخرج المعتادِ، وعنه روايةٌ أنه
(١) تقدم تخريجه ص ٤٤٥ .
(٢) أحكام القرآن ٥٦٢/٢، ٥٦٣.
٤٦٥
( موسوعة شروح الموطأ ٣٠/٢)

الموطأ
الاستذكار
عندَ أهلِ الحديثِ مُنكَرٌ لم يَرْوِهِ مَرفوعًا عن النبيِّ عليه السلامُ غيرُ أبى خالدٍ
الدَّالانیّ عن قتادةً پاسنادِه .
وقال الليثُ بنُ سعدٍ : إذا اتَّضَعَ للَّومِ جالِسًا فعليه الوضوءُ، ولا وضوءَ على
القائمِ والجالِسِ، وإذا غلبه النومُ توضَّأ .
وقال الشافعىُّ: على كلٍ نائم الوضوءُ إلا الجالسَ وحدَه ، فكلُّ من زال عن
حدِّ الاستواءِ ونام فعلَيه الوضوءُ، وسواء نام قاعدًا أو ساجدًا أو قائمًا أو راكِعًا أو
مضطَجِعًا. وهو قولُ الطبرىِّ وداودَ بنٍ علىٍّ .
ورُوِى عن علىٍّ وابنٍ مسعودٍ وابنِ عمرَ أنَّهم قالوا : من نام جالِسًا فلا
وضوءً عليه. ورُوِى عن ابنِ عباسٍ (١)، أنَّه قال": وجَب الوضوءُ على كلِّ
نائم "إلا من" خَفَقَ برأسِه خَفَقاتٍ. ورُوِى عنه: خَفْقَةٌ أو خَفْقَتَين. والخبرُ عنه
پاسناده فی ((التمهيدِ))().
القبس
ينتَقِضُ الوضوءُ بالخارج النادرِ مِن المخرج المعتادِ . والصحيحُ اعتبارُ الخارجِ والمخرجِ
المعتادَينِ، وعلى ذلك تدُلُّ الآيةُ؛ لأنها (٧) خارجةٌ عن العادةِ فتُحمِلُ عليها .
(١ - ١) فى ص: ((أنه قال)).
(٢ - ٢) سقط من: ص.
(٣) فى م: ((عمر)). والمثبت مما تقدم ص ٤٤٦.
(٤ - ٤) سقط من النسخ. والمثبت مما تقدم ص ٤٤٦.
(٥) تقدم تخريجه ص ٤٤٦
(٦) فى ج، م: ((الخارج)).
(٧) فى م: ((لا أنها)).
٤٦٦

الموطأ
وقال الحسنُ وسعيدُ بنُ المسيَّبِ: إذا خالَط النومُ قْبَ أحدكم واستغرق (١) الاستذكار
نومًا فَلْيتوضَّأْ. ورُوِى ذلك أيضًا عن ابنِ عباسٍ وأبى هريرةَ وأنسٍ بنِ مالك . وبه
قال إسحاقُ وأبو عبيدٍ ، وهو معنَى قولِ مالكٍ.
ورُوِّينا عن أبى عبيدٍ أنَّه قال : كنتُ أُقْتِى أن مَن نام جالِسًا لا وضوءً عليه حتى
خَرَج إلى جَنْبِى يومَ الجُمُعةِ رجلٌ فنام ، فخرَجَتْ منه ريح ، فقلتُ له : قمْ فتوضَّأْ .
فقال: لَمْ أَمْ . فقلتُ: بلى، وقد خَرَجَت مِنك ريحٌ تنقضُ الوضوءَ، فجعَل
يحلفُ أنَّه ما كان ذلك منه، وقال لى: بلْ مِنك خرَجَت . فترَكْتُ(٢) ما كنتُ
أعتقِدُ فى نومِ الجالِسِ ، وراعيتُ غَلَبَةَ النومِ ومخالطَتَه للقلبِ .
وكان عبدُ اللهِ بنُ المباركِ يقولُ : إن نام جالِسًا أو ساجدًا فى صلاتِه فلا
وضوءَ عليه، وإن نام ساجِدًا فى غيرِ الصلاةِ فعليه الوضوءُ، و كذلك إن تعمَّدَ
النومَ جالِسًا وهو فى صلاةٍ فعليه الوضوءُ .
ورُوِى عن أبي موسى الأشعرىِّ ما يدلُّ على أن النومَ لیس عندَه بحَدَث علی
أىِّ حالٍ كان ، حتى يُحْدِثَ النائمُ حَدَثًا غيرَ النومِ؛ لأَنَّه كان ينامُ ويُؤَكِّلُ مَن
يَخْرُسُه .
ورُوِى عن عَبيدةً نحوُ ذلك ، وهو يُشْبِهِ ما نَزَع إليه أصحابُ مالكٍ ، إلا أنَّهم
يُوجِبون الوضوءَ مع الاسْتِثْقَالِ ؛ من أجلِ ما يُدَاخِلُه مِن الشكٌّ .
ورُوِى عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ أنَّه كان ينامُ مِرارًا مضطَجِعًا ينتظرُ الصلاةَ ، ثم
القبس
(١) فى ص: (( استحق)).
(٢) فى ص: ((وتركت)).
٤٦٧

الموطأ
الاستذكار يصلِّى.
وقال المُزنِئُ صاحبُ الشافعىِّ: النومُ حَدَثٌ كسائرِ الأَحْداثِ، قليلُه
وكثيرُه يُوجِبُ الوضوءَ. وحُجَّتُه حديثُ صفوانَ بنِ عَسَّالِ المرادىِّ، قال: كنّا
مع رسولِ الله وَّ﴿ فِى سَفَرٍ، فأمَرنا ألا نَنْزِعَ خِفافَنا من غائطٍ أو بولٍ أو نومٍ،
ولا ننزِعَها إلّا من جنابَةٍ. وقد ذكرناه بإسنادِه فى ((التمهيدِ)) (١). قال : ففى هذا
الحديثِ التسويةُ بِينَ الغائطِ والبولِ والنومٍ ، مع القياسٍ على ما أجمَعوا عليه فى
أن غلبةَ النوم وتمكّنَه حَدَثٌ يوجبُ الوضوءَ، فوجب أن يكونَ قليلُه حَدِّثًا كما
أن كثيرَه عندَ الجمهورِ حَدثٌ .
وليس فيما ذكرنا عن الأشعرىِّ وعَبِيدةَ ما يَخرِقُ الإجماعَ . وقد بيَّنا ذلك
فى ((التمهيدِ))، وكذلك بيّنا الحجةَ على المُرنىّ هُنالك أيضًا .
واحتَجَّ مَن ذهَب إلى فِعْلِ الأشعرىِّ وقولِ عَبِيدةَ بحديثٍ يُروَى عن النبىِّ
عليه السلامُ من حديثٍ علىٍّ وحديثٍ معاويةً أنَّه قال: ((العينان وِكاءُ السَّهِ، فإذا
نامتِ العينان اسْتَطَلَقَ الوكاءُ)). وقد احتَجَّ بهذا الحديثِ أصحابُنا لمالكِ أيضًا ،
وهما حديثان ضعيفان لا يُحَجَّةً فيهما من جهةِ النَّقْلِ، وقد ذكَرْتُهما فى
(٢)
((التمهیدٍ))(٢).
وأصحُ ما في هذا البابِ من جهةِ الإسنادِ حديثُ ابنِ عمرَ قال: شُغِل
رسولُ اللهِ وَّهِ عن العِشاءِ ليلةٌ، فَأَخَّرَها حتى رقَدْنا فى المسجدِ ، ثم استيقَظْنا،
ثم رقَدْنا، ثم استيقَظْنا، ثم خرج علينا فقال: ((ليس أحدٌ ينتظرُ الصلاةَ
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٤٤٨، ٤٤٩.
(٢) تقدم تخريجهما ص ٤٥٠.
٤٦٨

٣٩ - وحدّثنى عن مالك، عن نافع، أن ابنَ عمرَ كان ينامُ جالسًا، الموطأ
ثم يُصلِّى ولا يتوضَّأُ .
الاستذكار
(١)
غيركم))(١).
ومثلُه حديثُ أنسٍ ، قال: كان أصحابُ رسولِ اللهِ ينتَظِرون العِشاءَ الآخِرةَ
حتى تخفُقَ رءُوسُهم ، ثم يُصلُّون ولا يتوضَّئون .
وقد ذكّرنا هذين الحديثين مع سائرِ الأحاديثِ الواردة فى النومٍ ، عن النبيِّ
عليه السلام فى ((التمهيدِ))(١)، وكذلك عن الصحابة والتابعين، وكلُّها تدلُّ
على أن من نام جالِسًا لا شىءَ عليه .
ومثلُه حديثُ مالكِ ، عن نافعٍ ، عن ابنِ عمرَ ، أَنَّه كان ينامُ جالِسًا، ثم
يصلِّى ولا يتوضَُّ(٣) .
قال أبو عمرَ: فى قولِه عليه السلامُ: ((فإنَّ أحدَكم لا يَدْرى أينَ باتَت
يدُه )). ما يدلَّ على نومِ الليلِ وشِئْهِه .
ومعلومٌ منه فى الأغْلبِ الاضْطجامع والاسْتثقَالُ. فعلى هذا خرَج الحديثُ،
واللهُ أعلمُ .
وأما قولُه فى الحديث : ((فلیغسِلْ يدَه قبلَ أن يُدْخِلَها فی وضوئه)) . فإن أكثرَ
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٤٥١ .
(٢) تقدم ص٤٤٣ - ٤٥٤.
(٣) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٨٠)، وبرواية أبى مصعب (٥٨). وأخرجه الشافعى فى الأم
١٢/١، ٢٤٩/٧، والبيهقى ١٢٠/١ من طريق مالك به.
٤٦٩

الموطأ
الاستذكار أهلِ العلم ذهبوا إلى أن ذلك نَذْبٌ لا إيجابٌ ، وسنةٌ لا فرضٌ، وكان مالكٌ
يشْتَحبُّ لكلِّ مَن كان على غيرِ وضوءٍ - سواءٌ قام من نومٍ أو غيرِه - أن يغسلَ يدَه
قبلَ أن يُدخِلَها فى وَضوئِه، وروَى أشْهبُ عنه (١) فى ذلك تأكيدًا واستحبابًا .
وروَى ابنُ وهبٍ وابنُ نافعٍ عن مالكِ فى المتوضِّئَّ يخرُجُ منه ريح لحِدْثانٍ (٢)
وُضوئِه ويدُه طاهرةٌ ، قال: يغسلُ يدَه قبلَ أن يُدخِلَها فى الإناءِ أحبُّ إلىّ.
قال ابنُ وهبٍ : وقد كان قبلَ ذلك يقولُ : إن كانت يدُه طاهرةً فلا بأسَ أن
يُدخِلَها فى الوَضوءِ قبلَ أن يَغْسِلَها . ثم قال: أحبُّ إلىَّ أن يغسلَ يدَه ، إذا
أَحْدَث ، قبل أن يُدخِلَها فى وَضوئِه، وإن كانت طاهرةً .
وذكر ابنُ عبد الحكم عنه، قال: مَن استيقظ من نومِه ، أو مش فرجه ، أو
كان جُنُبًا ، أو امرأةً حائضًا ، فأدخَلَ أحدُهم يدَه في وَضوئِه ، فليس ذلك يضُرُه ،
كان الماءُ قليلًاً أو كثيرًا، إلا أن تكونَ فى يدِه نجاسةٌ . قال: ولا يُدخلُ أحدُهم يدَه
فى وَضوءٍ قبلَ أن يغسِلَها .
قال أبو عمرَ : الفقهاءُ على هذا، كلُّهم يسْتَحِبُّون ذلك ویأمُرون بهِ ، فإن
أدخلَ أحدٌ يدَه بعدَ قيامِه من نومِه فى وَضوئِه قبلَ أن يغسِلَها ويدُه نظيفةٌ لا نجاسةً
فيها فلا شىءً علیه، ولا يضۇ ذلك وضوءه . وقد ذگونا فى (( التمهيد))(٢) عن
جماعةٍ من الصحابة والتابعين أنَّهم كانوا يتوضَّئون من المَطاهِرِ () . وفي ذلك ما
القبس
(١) سقط من: ص.
(٢) حدثان الشىء: أوله. اللسان (ح د ث ).
(٣) تقدم تخريجه ص ٤٥٩.
(٤) المطهرة: الإناء الذى يتوضأ به ويتطهر به. اللسان (ط هـ ر).
٤٧٠

الموطأ
يدلُّك على أن إدخالَ اليدِ السَّالمةِ من الأذى فى إناءِ الوَضوءِ لا يضرُه ذلك. الاستذكار
وقد كان الحسن البصرىُّ فيما روَى عنه أشعتُ الْحُمْرانىُ يقولُ : إذا استيقَظَ
أحدُكم من النومِ فَغَمَس يدَه فى الإناءِ قبلَ أن يغسِلَها هَرَاق ذلك الماء، وإلى هذا
ذهَب أهلُ الظَّاهرِ، فلم يُجِيزوا الوضوءَ بهِ ؛ لأَنَّ عندَهم ماءٌ مَنْهِىٌّ عن اسْتِعْمالِه؛
لأن عندَهم (١) المَنَّهِىَّ عنه(٢) لا معنَى له إلَّ هذا، كأنَّه قال: فلا يُدْخلْ يدَه ، فإن
فعَل لم يتوضَّأْ بذلِك الماءِ . وإلى هذا المعنَى ذهَب بعضُ أصحابِ داودَ. ومحصّلُ
مذهبٍ داودَ عندَ أكثرٍ أصحابِهِ أن فاعَل ذلك عاصٍ إذا كان بالنَّهْى عالماً. والماءُ
طاهرٌ، والوضوءُ به جائزٌ ما لم تظَهْر فيه نجاسةٌ .
وروَى هشام، عن الحسنِ قال: من استَيقَظ من نومِه فغَمَس يده فى وَضوئِه
فلا يُهَرِقْهُ(١) . وعلى هذا جماعةُ الفقهاءِ.
واختُلِف أيضًا عن الحسنِ البصرىِّ فى الفرْقِ بينَ نومِ الليلِ والنهارِ فى ذلك :
فرُوِى عنه أنَّه كان يُسوِّى بينَ نومِ الليلِ والنهارِ فى غَسْلِ اليدِ ، ورُوِى عنه أنه كان
لا يَجعَلُ نومَ النهارِ مثلَ نومِ الليلِ، ويقولُ: لا بأسَ إذا استيقظ من نوم النهارِ أن (١)
یغْمِسَ یده فی وَضوئِه .
وإلى هذا ذهَب (١) أحمدُ بنُ حنبل. وقد ذكرنا الإسنادين والرّوايتَين عن
القبس
(١) سقط من: ص.
(٢) بعده فى الأصل: ((هم)).
(٣) تخريجه ص ٤٥٦.
٤٧١

الموطأ
الاستذكار الحسنٍ فى ((التمهيدٍ))(١).
وذكر أبو بكرِ الأثرمُ قال: سمِعتُ أحمدَ بن حنبلٍ يُسْألُ عن الرجلِ يستيقِظُ
من نومِه فيَغْمِسُ يدَه فى الإِناءِ قبلَ أن يغْسِلَها ، فقال : أما بالنهارِ فليس به عندى
بأسّ، وأما إذا قام من النوم بالليلٍ فلا يُدْخِلُ يدَه فى الإناءِ حتى يَغْسِلَها . قيل
لأحمدَ : فما يصنَعُ بذلك؟ قال: إن صبَّ الماءَ وأبدَله فهو أحسنُ وأسهلُ .
قال أبو عمرَ : إِنما خَرَج ذكْرُ المَبِيتِ على الأغلبِ ، ونومُ النهارِ فى معنَى نومٍ
الليلِ فى القياسِ؛ لأَنَّه نومٌ كلُّه. وفى قولِهم: بِتُّ أَراعى النجومَ . دليلٌ على أن
المبيتَ غيرُ النومِ ، وأنه يكونُ بنومٍ وبغيرِ نومٍ .
واحتَجَّ بعضُ أصحابِ الشافعىِّ لمذهبِهِ فى الفرْقِ بينَ وُرودِ الماءِ على النجاسةِ
وبينَ ورودِها عليه بحديثٍ أبى هريرةَ هذا، قال: ألا ترَى أن رسولَ اللهِ وَ لِّ
خاف على النائم المُستَقِظِ من نومِه أن تكونَ فى يدِه نجاسةٌ أَمَره بطَرْحِ الماءِ من
(٢)
الإناءِ على يدِه لِيَغْسِلَها، ولم يأمرْه ◌ُ(١) بإدخالٍ يدِه فى الاناءِ ليغسِلَها فيه ، بل نهاه
عن ذلك؟ فدَلَّنا ذلك - (°مع نَهْبِهُ" عن البولِ فى الماءِ الدائمِ، وحديثِ وُلوغِ
الكلبِ فى الإناء، وأمرِه بالصَّبِ على بؤلِ الأعرابىِّ - على أنَّ النجاسةَ إذا وردت
على الماءِ أفسَدْه، وإذا ورَد الماءُ عليها طهَّرَها ، إلاَّ أن تغلِبَ عليه؛ لأنها لو أفسَدَتْه
مع ؤُرودِه عليها لم تصِحَّ طهارةٌ أبدًا فى شىءٍ من الأشياءِ. وشرّطوا أن يكونَ
القبس
(١) تقدم ص ٤٥٦.
(٢) فى ص: ((عن)).
(٣) فى م: ((يأمر)).
(٤ - ٤) فى ص: ((من نهيه عن النهى)).
٤٧٢

الموطأ
الاستذكار
ورودُ الماءِ على النجاسةِ(١) صبَّا مُهَراقًا .
قال أبو عمرَ : هذا خلافُ أصلِهم : أن الشكَّ لا يُوجِبُ شيئًا، وأن كلَّ
شىءٍ على أصلِ حالِه حتى يتَبيَّنَ خلافُه . وينبَغِى أن تكونَ اليدُ على طهارتِها
حتى تتبينَ فيها النجاسةُ ، وهذا عينُ الفقهِ، وعليه الفقهاءُ، لأن غَسْلَ الیدِ ههُنا
هو عندَهم ندبٌ واستحسانٌ واحتياطٌ ، لا لِعِلَّةٍ(١) كما زعَم مَن قال : إن ذلك
كان منه عليه السلامُ لأنهم كانوا يَسْتَنُون بالأحجارٍ ، فيَبقَى للأذى هناك آثارٌ ،
فرَّما جالتِ اليدُ فأصابَت ذلك الأذى، فتُدِبوا إلى غَسْلِ اليدِ قبلَ إدْخالِها فى
الإناءِ لذلك .
وقد يجوزُ أن يكونَ الأصلُ فى مَخْرَج النهي ما ذُكِر، ثم ثبَت الندبُ فى
ذلك لمن استنجَى بالماءِ قياسًا على المحدِثِ النائمِ .
ويَنتقِضُ على الشافعىِّ أَصلُه فى ورودِ الماءِ على النجاسةِ وورودِها عليه
باعتبارِ القُلََّينِ(١)؛ لأن النجاسةَ عندَه لو ورَد الماءُ عليها فيما(*) دونَ القُلَّتين أَفسَدتْه
إلا أن تكونَ غسلًا وصبًّا مُهَرافًا، وسيأتى القولُ فى حكم الماءِ فى موضعِه مِن هذا
الکتاب إن شاءَ اللهُ .
وأما معنى قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوةِ
: [المائدة: ٦]. فقال
القبس
(١) بعده فى ص: ((أن يكون)).
(٢) فى م: ((علة)).
(٣) القُلَّةُ: الحُبُّ (الجرة) العظيم وهى معروفة بالحجاز. ينظر النهاية ١٠٤/٤، والقاموس المحيط
(ق ل ل ).
(٤) فى ص: ((مما).
.
٤٧٣

الموطأ
الاستذكار زيدُ بنُّ أسلمَ، وإسماعيلُ بنُ عبدِ الرحمنِ السدىُّ : إن ذلك القيامُ مِن النومِ .
ورُوى عن عمرَ وعلىٍّ ما يدُلُّ على أن الآيةَ مُنِى بها تجديدُ الوضوءِ لكلِّ
صلاةٍ(١) ، فيكونُ على هذا الوضوءُ لمن قامَ إلى الصلاةِ وهو مُحدِثٌ واجبًا ، وعلى
غيرِ مُحدِثٍ نَدبًا وفضلًا .
وكان رسولُ اللهِ ،وَ لَه يتوضَّأُ لكلِّ صلاةٍ ، إلا يومًا واحدًا عامَ الفتحِ، وكان
جماعةٌ من الصحابةِ يفعلون ذلك، وقد ذكرنا الآثارَ بذلك كلِّه فى ((التمهيدِ))(٢).
وژُوی عن ابن عباسٍ ، وسعد بن أبى وقاصٍ ، وأبى موسى الأشعرىِّ ، وجابرِ
ابنِ عبدِ اللهِ، وعَبِيدَةَ السَّلْمانىّ، وأبى العاليةِ الرّياحىِّ، وسعيدِ بنِ المسئَّبِ،
والأسودِ بنِ يزيدَ ١، والحسنِ البصرىِّ، وإبراهيمَ النَّخَعيِّ ، والشّدِّىِّ أيضًا ، أن
الآيةَ عُنى بها حالُ القيامِ إلى الصلاةِ على غيرِ الظُّهرِ (١) . وهذا أمرٌ مجتمَعْ عليه،
لا خلافَ بينَ الفقهاءِ فيه، والحمدُ للهِ .
ورَوی سفيانُ الثوریُّ، عن علقمةَ بنِ مَوْثَدٍ ، عن سلیمانَ بنِ بُرَیدةَ ، عن
أبيه ، أن النبيَّ عليه السلامُ كان يتوضَّأَ لكلِّ صلاةٍ، فلمَّا كان يومُ الفتحِ صلَّى
خمسَ صلواتٍ بوضوءٍ واحدٍ ، فقال له عمرُ : يا رسولَ اللهِ ، فَعَلْتَ شيئًا لم تكنْ
تَفْعَلُه! فقال: ((عَمْدًا فعَلتُه يا عمرُ))(٤). أى: ليعلم الناسُ ذلك .
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٤٣٩.
(٢) تقدم ص ٤٤١، ٤٤٢.
(٣) فی م: ((زید)).
(٤) تقدم تخريجه ص ٤٤١، ٤٤٢.
٤٧٤

الموطأ
" ومن الدليل أن الأمرَ بالوضوءِ على مَن وجَب عليه القيامُ إلى الصلاةِ فى الاستذكار
قوله عزَّ وجلَّ: ﴿ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الضَّلَوَةِ﴾ الآية. ليس بواجبٍ إلّا إن كان
مُحدِثًا على غيرِ وضوءٍ - ما ثبت عن النبيَّ وَ ل ◌َ أنه كان يجمعُ بينَ الصلاتين
فى أسفارِهِ ولا يتوضَّأُ إلا للأُولى مِنْهما، وكذلك فعل بعرفةَ والمزدلِفَةً فى
جَمْعِه بينَ الصلاتين بهما .
ومن الدَّليلِ على ذلك أيضًا ما رُوِى فى الآثارِ الصِّحاح أَنَّ بَلَّ أَكَل
كَيِفًا مَسَّتها النارُ، وطعامًا مسّته النارُ، وقام إلى الصلاةِ ولم يتوضَّأْ . وإنما ذكَونا
هذا ؛ لأنا قد أوضحنا اختلاف العلماءِ فی الوضوء مما غيّرتِ النارُ فی موضِعِه من
هذا الكتابِ، وأَتَينا بالآثارِ المرويَّةِ فى إيجابِ الوضوءِ على مَن أكل ما غيّرتْه النارُ
مِن الطَّعامِ(١) ، وباللهِ التوفيقُ(١)
وكان ابنُ عمرَ يتوضَّأُ لكلِّ صلاةٍ ، فقِيلَ له فى ذلك: فقال(١) : سمِعتُ
رسولَ اللهِ وَ لَه يقولُ: ((مَن توضَّأَ على طُهْرٍ كُتِيت له عشْرُ حسَناتٍ))(٤). وهذا
كلُّه يدُلَّكَ على معنَى الفرضِ وموضع الفَضْلِ. وهذا أمرٌ مُجمَعٌ عليه، فسقَط
القولُ فيه . وفى هذا الحديثِ من الفقهِ أيضًا الفرقُ بينَ ورودِ النجاسةِ على الماءِ
وبينَ ورودِ الماءِ عَلَيها؛ لأَنّ النبيَّ عليه السلامُ نهَى القائمَ إلى وضوئِه من نومِه أن
القبس
(١ - ١) سقط من: ص.
(٢) سيأتى فى الموطأ (٤٧ - ٥٥).
(٣) سقط من: ص.
(٤) تقدم تخريجه ص ٤٤٢.
٢٠
٤٧٥

الموطأ
الاستذكار يغمسَ يدَه فى الإِناءِ؛ لئلا يكونَ فيها من النجاسةِ ما يُفسِدُ الماءَ عليه، وأمَره
بصبِّ الماءِ على يدِه وغَسْلِها ببعضِ ماءِ الإِناءِ الذى نهاه أن يغمِسَ يدَه فيه . فدَلَّ
على أن الماءَ يُطِّرُ النجاسةَ بأن يُصَبَّ عليها حتى تزولَ، بقليلِ الماءِ زالَت أو كثيرِهِ
على حسبِ المعهودِ عندَ الناسِ من تطهيرِ الأنجاسِ . ولم تُعتَبَرْ فى ذلك قِلةٌ ولا
كثرةٌ ولا مقدارٌ كما قال عليه السلامُ فى الماءِ الذى ترِدُ عليه النجاسةُ ، وهذا بيِّنٌ
لمن وُفِّق . وباللهِ التوفيقُ.
قال مالكٌ: الأمرُ عِندَنا أنه لا يتوضَّأُ مِن رُعافٍ ولا من دَمٍ ولا من قَبِحِ يسيلُ
من الجسدِ ، ولا يتوضَّأُ إلا من حدَثٍ يخْرُجُ من ذكَرٍ أو من دُبُرٍ أو نومٍ .
أما قولُه: الأمرُ عندَنا. إلى آخِرِ كلامِه، فإنَّه لم يُرِدِ الأَمرَ المُجْتَمَعَ عليه؛ لأن
الخلافَ موجودٌ بالمدينةِ فى الرُّعافِ . وكلامُه هذا ليس على ظاهرِه عندَ جمیعِ
أصحابِه؛ لأنهم لا يختَلِفون فى المُلامَسَةِ مع اللذةِ ، والقُبلةِ مع اللذةِ ، أن ذلك
یوجب الوضوء، و کذلك مش الذَّكَرٍ . وسیأتی ذِ کژ ذلك کلِّه فى موضِعِه من
هذا الكتابِ إن شاءَ اللهُ .
وأما الدُ السائلُ والفَصدُ والحجامةُ فجمهورُ أهلِ المدينةِ على أن لا وضوءَ فى
شىءٍ مِن ذلك . وبه قال الشافعىُّ، وهو الحقُّ ؛ لأن الوضوءَ المَجْتَمَعَ علَيه لا يجبُ
أن ينتقِضَ إلا بسنَّةٍ أو إجماعٍ.
وإنما أوجَب العراقيون الوضوءَ فى ذلك قياسًا على المستحاضةِ ؛ لقول النبيِّ
عليه السلامُ: ((إنما ذلك عِرْقٌ وليس بالخَيْضَةِ)) (١). ثم أمَرها بالوضوءِ لكلِّ
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (١٣٣).
٠
٤٧٦

الموطأ
الاستذكار
صلاةٍ. والكلامُ عليهم يأتى عندَ ذكْرِنا حديثَ المستحاضَةِ إن شاءَ اللهُ .
وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه والثورىُّ والحسنُ بنُ حىٍّ: الفَصْدُ والحجامةُ
والعافُ وكلَّ نجِسٍ يخرُجُ من الجسدِ مِن أَىِّ مَوضِعِ يوجِبُ الوضوءَ.
وقال الأوزاعىُ: إذا كان دَمًّا عَبِيطًا فعليه الوضوءُ، وإن كان مثلَ دمِ اللحمِ
فلا وضوءً فيه .
وأما قولُه : ولا یتوضّأُ إلا مِن حَدَث یخرُجُ مِن قُلِ أُو دُبُر أو نوم . فإنه أراد ما
كان من الأحداثِ معتادًا ، وهو البولُ والرَّجيعُ، ففيهما ورَدتِ الكنايةُ ؛ لقولِه
تعالى: ﴿أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنَكُمْ مِّنَ اُلْغَايِطِ ﴾ [المائدة: ٦]، ولا وضوءَ عندَه فى الدمِ
الخارجِ من الدُّبْرِ ولا فى الدُّودِ ، إلا أن يخرجَ معهما شىءٌ مِن الأذى ؛ لأن ذلك
ليس من معنَى ما قُصِد بذِكرِ المجىءِ من الغائطِ .
وذكر ابنُ عبدِ الحكم عن مالكِ قال: مَن خرَج من دُبُرِه دُودٌ أو دَمٌ فلا وضوءَ
عليه .
وقال سحنونٌ: مَن خرَج من دُبُرِه دودٌ فعلَيه الوضوءُ؛ لأنها لا تسلمُ من بَلَّةٍ .
وقال الشافعىُّ: كلُّ ما خرَج من السبيلين - الذَّكَرُ والدُّبُرُ - من دودٍ أو
حصاةٍ أو دَمٍ أو غيرِ ذلك ففيهِ الوضوءُ؛ لإجماعِهم على أن (١) المذْىَ والوَدْىَ
فيهما الوضوءُ، وليسا من المعتاداتِ التى يُقصَدُ الغائطُ لهما ، وكذلك ما يُخرِجُه
الدواءُ ليس معتادًا ، وفيه الوضوءُ بإجماع، وقد أجمعوا على أن الريح الخارجةً من
القبس
(١) سقط من: ص .
٤٧٧

الموطأ
الاستذكار الدُّبُرِ حَدَثٌ يوجبُ الوضوءَ، واجتمعوا على أن الجُشاءَ ليس فيه وضوءٌ بإجماعٍ.
وقد أجمعوا على أن الريحَ الخارجةَ مِنَ الدُّبُرِ حَدَثٌ، فدَلَّ ذلك على مراعاةٍ
المَخرجَين فقطْ . وبقولِ الشافعيّ فى ذلك كلِّه يقولُ ابنُ عبدِ الحكمِ .
قال الشافعىُّ: والدودُ والدمُ إذا خرَجا مِن غيرِ المَخْرَجِ فلا وضوءَ فى شىءٍ
منهما، ووافقَه أبو حنيفةً وأصحابُه فى الدُّودِ، وخالَفوه فى الدَّمِ على ما قدَّمْنا
عنهم .
وعن الأوزاعيّ فى الدودِ روايتان؛ إحداهما كقولٍ الشافعيّ، والأخرى
كقول مالكِ .
والقيح والدمُ عندَ مالكِ سواءٌ، وقد رَخَّص فى القيحِ بعضُ العلماءِ.
وأما النومُ فقد مضَى مُحُكْمُه فيما تقدَّم، ويأتى ذكْرُ القَلْسِ والرُّعافِ فى
موضِعِه(١) إن شاءَ اللهُ .
القبس
(١) سيأتى فى شرح الأحاديث (٧٦ - ٧٨) من الموطأ .
٤٧٨

بابُ الطَّهورِ للوُضُوءِ
الموطأ
٤٠ - حدّثنی یحیی [٨ر] ، عن مالك ، عن صفوان بنِ سُلَئْم ، عن
مالك ، عن صفوان بن سلیم ، عن سعید بن سلمةً ، من آل بنی الأزرقِ ، عن
التمهيد
الطهورُ للوضوءِ
القبس
هذه الترجمةُ تحتملُ أربعة أوجهٍ :
أحدُها : أن تكونَ الطاءُ مِن الطُّهورِ والواؤُ مِن الوضوءِ مرفوعتيْن .
والثانى : أن تكونا منصوبتيْن.
والثالثُ : أن تكونَ الطاءُ مرفوعةٌ ، والواوُ منصوبةٌ
والرابعُ: بعكسِه، وهو حرفٌ لم تَضبِطْه الرواةُ ، إما عن جهالةٍ وإما عن غَفلةٍ
لمَن کان یتیقُّنُ .
وقد اختلَف أربابُ اللغةِ فى معناهما على هذا الضبطِ اختلافًا كثيرًا،
والأشهَرُ، والذى استقامَ على الأمثلةِ واستمَرَّ، أن يكونَ الفُعولُ، بضمّ الفاءِ للفعلِ
وبفتحِها للمفعول به، وهى الآلةُ، فالطَّهورُ والوَضوءُ بفتح الطاءِ والواوِ للماءِ
وبضمّهما للفعلِ، فعلى هذا يكونُ مساقُ الترجمةِ الطَّهورَ بفتح الطاءِ والوضوءَ
بضمُ الواوٍ .
حديثُ «أبى هريرةً): جاءَ رجلٌ إلى رسولِ اللهِ وَلِهِ، فقال: يا رسولَ اللهِ، إِنَّا
(١ - ١) فى ج، م: ((قال أبو هريرة رضى الله عنه)).
جام
٤٧٩
:
i

الموطأ سعید بن سلمةً من آلٍ بنی الأزرق ، عن المغيرة بن أبی بُوْدَةً وهو من بنى
عبدِ الدارِ، أنَّه سمع أبا هريرةَ يقولُ: جاء رجلٌ إلى رسولِ اللهِ وَّل
فقال: يا رسولَ اللهِ ، إِنَّ نَركَبُ البحرَ ونَحْمِلُ معنا القليل من الماءِ، فإنْ
تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا، أَفَتَوَضَّأُ به؟ فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((هو الطُّهورُ
ماؤه ، الحِلَّ مَيْتُهُ)).
التمهيد المغيرةِ بنِ أبى بُردةَ، وهو من بنى عبدِ الدارِ، أنه أخبره أنه سمع أبا هريرةَ
يقولُ: جاء رجلٌ إلى رسولِ اللهِ وَّهِ فقال: يا رسولَ اللهِ، إِنَّا نركَبُ
البحرَ، ونحمِلُ معنا القليلَ من الماءِ، فإن توضَّأنا به عطِشنا، أفنتوضَّأُ من
ماءِ البحرِ؟ فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((هو الطَّهورُ مَاؤُه، الحِلُّ مَيْتَتُه))(١).
قال أبو عمرَ: قد مضَى ذكرُ صفوانَ بنِ سُليمٍ وحالِه فى أوَّلِ بَابِهٍ(١) . وأمّا
سعيدُ بنُ سلمةً، فلم تَروِ عنه فيما علمتُ إلَّا صفوانُ بنُ سُليم. واللهُ أعلمُ .
يقالُ : إنه مخزومىٌّ، من آلِ ابنِ الأزرقٍ ، أو بنى الأزرقِ . ومن كانت هذه حاله،
٠٠
القبس نركبُ البحرَ ... الحديثَ إلى آخرِهِ. وهو حديثٌ لم يَروِه أحدٌ عن رسولِ اللهِ وَ ل ◌ِ إلا
أربعةٌ؛ أبو هريرةَ، وجابرٌ، والفراسئُ، والعَرَكِىُّ. وأمثلُها حديثُ أبى هريرةً بهذا
في المشهورِ .
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٤٦)، وبرواية أبى مصعب (٥٣). وأخرجه أحمد ١٢/ ١٧١،
٣٤٩/١٤، ٥٠/١٥ (٧٢٣٣، ٨٧٣٥، ٩١٠٠)، والدارمى (٧٥٦، ٢٠٥٤)، والبخارى فى
تاريخه ٤٧٨/٣، وأبو داود (٨٣)، وابن ماجه (٣٨٦، ٣٢٤٦)، والترمذى (٦٩)، والنسائى
(٥٩، ٣٣١، ٤٣٦١) من طريق مالك به .
(٢) سيأتى فى شرح الحديث (٢٢٧) من الموطأ .
(٣) بعده فى حاشية د، وفى م: ((وابن عمر وأبو بكر وعلى وعبد الله بن عمرو)).
(٤ - ٤) فى ج، م: ((هذا)).
٤٨٠