Indexed OCR Text
Pages 321-340
الموطأ
التمهيد
مالی يدخلُنى الجبارون والمتكبّرون ! فقال اللهُ للجنة : أنتِ رحمتی ، أُصيبُ بكٍ
مَن أَشاءُ. وقال للنارٍ: أنتِ عذابى أُصيبُ بكِ مَن أشاءُ)). وقد رُوِى هذا المعنى
من حديثٍ مالك، عن أبى الزنادٍ، عن الأعرج، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ وَّه .
حدَّث به عن مالكِ ، إسحاقُ بنُ محمد الفروىُّ .
وممّا يدُلُّ على أنَّ النارَ مخلوقةٌ دائمةٌ ، قولُ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿ وَحَاقَ بِثَالِ
فِرْعَوْنَ سُوَءُ الْعَذَابِ (٥ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٥، ٤٦].
وقولُ رسولِ اللهِ وَ له: ((إذا مات أحدُكم عُرِض عليه مَقعدُه بالغداةِ
والعشىِّ ؛ إن كان من أهلِ الجنةِ فمِن أهلِ الجنةِ، وإن كان من أهلِ النارِ فمن
أهلِ النارِ، يقالُ له: هذا مَقعدُك حتى يبعثَك اللَّهُ إليه يومَ القيامةِ)) ". وهو
الذى عليه جماعةُ أهلِ السنةِ والأثرِ، أنَّ الجنةَ والنارَ مخلوقتان لا تِيدانٍ .
وباللَّهِ التوفيقُ .
وأما قوله فى هذا الحديث : (اشتگتِ النارُ إلى ربِّها، فقالت : يا ربِ ، أُكَل
بعضى بعضًا)) الحديث. فإِنَّ قومًا حملوه على الحقيقةِ، وأنها أنطَقها الذى أَنطَق
كلَّ شيءٍ. واحتجُوا بقولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَيْدِهِمْ
وَأَرْجُلُهُمْ﴾ [النور: ٢٤]. وبقولِه: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بِهِ﴾ [ الإسراء: ٤٤].
وبقولِه: ﴿يَجِبَالُ أَوِّبِى مَعَهُمْ﴾ [سبأ: ١٠]. أى: سبّحى معه. وقال: ﴿ يُسَبِّحْنَ
بِالْعَشِِ وَالْإِشْرَاقِ﴾ [ص: ١٨]. وبقولِه: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ أَمْتَلَأْتِ وَتَّقُولُ هَلْ
مِن مَّزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠]. وما كان من مثلِ هذا، وهو فى القرآن كثيرٌ. حمَلوا ذلك
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (٥٦٨).
٣٢١
( موسوعة شروح الموطأ ٢١/٢ )
الموطأ
التمهيد
كلَّه على الحقيقة لا على المجازِ، وكذلك قالوا فى قولِه عزَّ وجلّ: ﴿ إِذَا رَأَتْهُم
مِّن مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَا تَغَيُّظًا وَزَفِيْرًا﴾ [الفرقان: ١٢]. و﴿تَكَادُ تَمَيِّزُ مِنَ
اَلْفَيْظِ﴾ [ الملك: ٨]. وما كان مثلَ هذا كلِّه.
وقال آخرون فى قوله عزَّ وجلَّ: ﴿سَمِعُواْ لَمَا تَغَيُّظًا وَزَفِيْرًا﴾ [الفرقان: ١٢].
﴿ تَكَادُ تَمَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾. هذا تعظيمٌ لشأنِها، ومثلُ ذلك قولُه عزَّ وجلّ:
جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧]. فأضاف إليه الإرادةَ مجازًا. وجعَلوا
ذلك من بابٍ المجازِ والتَّمثيلِ فى كلِّ ما تقدَّمَ ذكرُه، على معنى أنَّ هذه الأشياءً لو
كانت مما تنطِقُ أو تفعَلُ(١) ، لكان هذا نُطقَها وفعلَها. وذكروا قولَ حسانَ بنِ
(٢)
ثابتٍ(٢) :
قبيح الوجهِ أعورَ من ثقيفٍ
لو انَّ اللُّؤْمَ يُسَبُ كان عبدًا
وسُئلَ المبرّدُ(١) عن قولِ المَلَكِ: ﴿إِنَّ هَذَآ أَخِى لَهُمْ تِسْعُ وَنِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِىَ نَعْجَةٌ
وَحِدَةٌ﴾ [ص: ٢٣]. وهم الملائكةُ لا أزواجَ لهم؟ فقال: نحن طولَ النهارِ نفعَلُ
مثلَ هذا، نقولُ: ضرَب زيدٌ عمرًا. وأَّما هو (٤) تقديرٌ، كأنَّ المعنى إذا وقَع
هذا(٥) ، فكيف الحُكمُ فيه؟ وذكروا قولَ عدىٍّ بنِ زيدٍ للنعمانِ: أتدرى ما تقولُ
القبس
(١) فى م: ((تعقل)).
(٢) ديوانه ص ١٧١.
(٣) محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الأزدى أبو العباس البصرى، إمام النحو، صاحب ((الكامل))،
توفى سنة ست وثمانين ومائتين. تاريخ العلماء النحويين ص ٥٣، وسير أعلام النبلاء ٥٧٦/٢٣.
(٤) فى ص ٤: (( كان هذا)).
(٥) فى م: ((هكذا)).
٣٢٢
الموطأ
التمهید
هذه الشجرةُ أَيُّها الملكُ ؟ قال: وما تقولُ ؟ قال : تقولُ(١):
يشربون الخمرَ بالماءِ الزُّلالِ
رُبّ ر کبٍ قد أناخوا حولنا
وكذاك الدَّهرُ حالاً بعد حالٍ
ثم أضحوا لعبَ الدَّهرُ بهم
وقولَ عنترةَ(٢):
* وشكًا إلىّ بعبرةٍ وتحمحمٍ *
وقولَ الآخرِ(٢):
شكًا إلىّ جملى طولَ الشّرى
صبرًا جميلًا فكلانا مُبتلى
ومثلُ هذا قولُ الحارثيّ(٤) :
يريدُ الُّمحُ صدرَ أبى براءٍ ويرغَبُ عن دماءٍ بنى عَقيلٍ
(٥)
وقال غيره :
فى سرورٍ ونعيمٍ وغدقْ
رُبَّ قومٍ غَبَروا من عيشِهم
ثم أبكاهُم دمًا حينَ نطقْ
سكَت الدَّهرُ زمانًا عنهمُ
(٦)
وقال آخر(١):
القبس
(١) البيتان فى عيون الأخبار ٢/ ٣٠٤، والأغانى ٢ / ٩٦.
(٢) دیوانه ص ١٢٨.
(٣) تقدم تخريجهما ص٣١١.
(٤) البيت فى مجاز القرآن ٤١٠/١.
(٥) البيتان فى عيون الأخبار ٣٠٣/٢، وبهجة المجالس ٣٢٣/٢.
(٦) الأبيات فى ديوان أبى نواس ص ١٩٩، ووردت فى ديوان أبى العتاهية ص ٧٨، ٧٩ باختلاف
فى الألفاظ. وينظر بهجة المجالس ٣٣٩/٢.
٣٢٣
الموطأ
ونعَتكَ أزمنةٌ حُفُتْ
وعَظَتك أجداثٌ صُمُتْ
التمهید
تبلَى وعن صورٍ شُتُتْ(١)
وتكلَّمت عن أوجهٍ
وأرتكَ قبرَكَ فى القبـ
ـورٍ وأنت حىٍّ لم تَمُتْ
وقال آخر:
تلك الدِّيارُ تكلِّمُ الزُّؤَّارا
فتكلّمت تلك الدِّیار ولم تكُنْ
وبقيتُ تكسُونى الرّياحُ غُبارا
قالت برَغمى بان أهلى كلُّهم
والدهرُ لا يُبقِى لنا عُمَّارا
ولو استطعتُ لما نُچِعتُ بساكنی
والشعرُ فى هذا المعنى كثيرٌ جدًّا ، ومعناه أنَّ الديارَ لو كانت ممَّن يصحُ لها
نُطقٌ وقالت ، لكانَ هذا قولَها وكلامَها، وكذلك القُبورُ، لو كان لها قولٌ فى
الحقيقةِ، لكان هكذا. ومثلُ هذا مما أنشَدوا فى هذا قولُ القائل(١):
قد قالتِ الأنسائعُ للبطنِ الحَقِّ(٣)
وقولُ الآخرِ(٤):
امتلأ الحوضُ وقال قَطْنِى
وهو كثيرٌ، ومعناه كلُّه ما ذكرناه . فمَن حمَل قولَ النارِ وشكواها على هذا،
القبس
(١) فى م وديوان أبى نواس: ((سبت)).
(٢) هو أبو النجم، والرجز فى اللسان (ح ن ق).
(٣) الأنساع، جمع نسع، وهو سير مضفور تشد به الرحال، ولحق البطن لحوقا: ضمر. اللسان
(ن س ع، ل ح ق).
(٤) أمالى ابن الشجرى ٣١٣/١، ومجالس ثعلب ص ١٨٩، واللسان (ق ط ط، ق ول).
٣٢٤
الموطأ
التمهید
احتجَّ بما وصَفنا، ومن حمَل ذلك على الحقيقةِ ، قال: جائزٌ أن يُنطِقها اللَّهُ كما
تنطِق الأيدى والجلودُ والأرجلُ يومَ القيامةِ. وهو الظاهرُ من قولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ:
يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ أَمْتَلَأْتِ وَتَّقُولُ هَلْ مِن ◌َّزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠]. ومن قوله:
﴿ وَإِنِ مِّنْ شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]. و﴿قَالَتْ ثَمْلَةٌ يَأَيُّهَا النَّمْلُ
ادْخُلُواْ مَسَكِنَكُمْ﴾ [النمل: ١٨]. وقال فى قولِه عزَّ وجلّ: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ
اَلْفَيْظِ﴾ [الملك: ٨]. أى: تتقطّعُ عليهم غيظًا(١)، كما تقولُ: فلانٌ يَتَّقَدُ عليكَ
غيظًا. وقال عزَّ وجلّ: ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَمَا تَغَيُّظًا
وَزَفِيْرًا﴾ [الفرقان: ١٢]. فأضاف إليها الرؤيةَ والتَّغْيُظَ إضافةً حقيقيةً. وكذلك
كلُّ ما فى القرآنِ مثلُ ذلك. واحتجوا بقولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿يَقُصُ
عط
اُلْحَقَّ﴾ [الأنعام: ٥٧].
ومن هذا البابِ عندَهم قولُه: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾
[الدخان: ٢٩]. و﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَنَفَطَرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَخِرُ الْجِبَالُ
هَذًّا﴾ [ مريم: ٩٠]. و﴿قَالَتَآَ أَنَّيْنَا طَيِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]. ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا
يَهِْطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤]. قالوا: وجائزٌ أن تكون للجلودِ إرادةٌ لا
تُشبِهُ إرادتَنا، كما للجماداتِ تسبيحٌ وليس كتسبيحِنا، وللجبالِ والشجرِ
سجودٌ وليس كسجودِنا . والاحتجاج لكلا القولين يطول، وليس هذا موضعَ
ذكرِهِ، وحملُ كلام اللَّهِ تعالى وكلام نبيّه وَ لِّ على الحقيقةِ أولى بذوى الدينِ
والحقّ، لأنه يقُصُّ الحقَّ، وقولُه الحقُّ(١)، تبارك وتعالى عُلوًّا كبيرًا .
القبس
(١) فى ص ٤: ((تغيظا)).
(٢) سقط من: ص ٤.
٣٢٥
الموطأ
٢٧- وحدَّثنى عن مالك، عن عبدِ اللَّهِ بنِ يزيدَ مولَى الأسودِ بنِ سفيانَ،
عن أبى سلمةً بنِ عبد الرحمنِ وعن محمد بن عبد الرحمنِ بنِ ثوبان ، عن
أبى هريرةَ، أَنَّ رسولَ اللّهِ وَّهِقال: ((إذا اشْتَدَّ الحرّ فأبْرِدُوا عن الصلاةِ،
فإنَّ شِدَّةَ الحرِّ مِن فَيْح جهنَّمَ )). وذكَرٍ أَنَّ النَّارَ اشْتَكَتْ إلى ربِّهَا ، فأذِنَ لها
التمهید
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال : أخبرنا محمدُ بنُ
وضاحٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبى شيبةَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ إدریسَ ، عن
الأعمشِ، عن أبى صالح، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَله :
(( اشتكَتِ النارُ إلى ربِّها، فقالت: ربِّ، أكَل بعضى بعضًا. فجعل لها نفَسينِ؛
نفَسًا فى الشتاءِ ، ونفَسًا فى الصيفِ ، فشدَّةُ ما تجدونَ من البردِ من زمهريرِها ،
وشدَّةُ ما تجدونَ فى الصيفِ من الحرِّ من سَمُومها))(١).
وأمَّا قولُه: ((فيح جهنّمَ )). فالفيحُ سطوعُ الحرّ. هكذا قال صاحبُ العينِ .
فكأنَّ المعنى واللَّهُ أعلمُ: شدَّةُ الحرّ المُؤْذِى من حرِّ جهنَّم ولهييِها، أجارنا اللَّهُ
برحمته وعفوه منها .
مالكٌ، عن عبدِ اللهِ بنِ يزيدَ مولَى الأسودِ بنِ سفيانَ(١) ، عن أبى سلمةَ بنِ
عبدِ الرحمنِ وعن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ ثَوْبانَ، عن أبى هريرةَ ، أن رسولَ
اللَّهِ مَ ◌ّه قال: ((إذا كان الحَّ فأبرِدوا عن الصلاةِ، فإِنَّ شِدَّةَ الحَرَّ مِن فَيْحِ
القبس
(١) ابن أبى شيبة ١٥٨/١٣- ومن طريقه ابن ماجه (٤٣١٩). وأخرجه الترمذى (٢٥٩٢) من
طريق الأعمش به. وينظر ص ٣١٠، ٣١١.
(٢) قال أبو عمر: «هكذا قال مالك : مولی الأسود بن سفیان . وروى عنه أبو أُویس، فقال : عبد الله بن يزيد
مولی الأسود بن عبد الأسود الخزومی . وروى عنه عبد الرحمن بنإسحاق ، قال : عن عبد الله بن يزيد =
٣٢٦
فى كلِّ عامٍ بِنَفَسَيْنٍ ؛ نَفَسٍ فى الشِّتَاءِ، ونَفَسٍ فى الصَّيْفِ .
الموطأ
التمهيد
جَهَنَّمَ)). وذكر أنَّ النارَ اشتكَتْ إِلى ربِّها ، فأذِن لها بنَفَسين؛ نَفَسٍ فى الشِّتَاءِ،
ونَفَسٍ فى الصيفِ(١) .
وقد مضى القولُ فی معنی هذا الحدیثِ فی بابٍ زيد بن أسلم ، مِن کتابنا
هذا(٢) ، والذى عليه الجماعةُ أهلُ السُنَّةِ أنَّ الجنَّةَ والنَّارَ مخلوقتان بعدُ ، إحداهما
رحمةُ اللَّهِ لمن شاء مِن خَلقِه ، والأخرى عذابُه ونِقمتُه لمن شاء أنْ يُعذِّبَه مِن خلقِه .
أخبرنا أحمدُ بنُّ سعيدٍ بنِ بشرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ أبی
◌ُلَهِم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضَّاح، قال: سألتُ يَحْتِى بنَ مَعينٍ عن الجنَّةِ
القبس
= مولى آل سفيان بن عبد الأسد، فالصواب ما قاله مالك؛ وهو مولى الأسود بن سفيان بن عبد
الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وكان لعبد الأسد ثلاثة بنين: عبد الله - وهو أبو
سلمة زوج أم سلمة - رضى الله عنها، وقد ذكرناه فى كتابنا فى ((الصحابة)) بما فيه كفاية . والأسود
ابن عبد الأسد، قتل يوم بدر كافرًا، قتله حمزة. وسفيان بن عبد الأسد. قال العدوى: وكان له
قدر. ولسفیان هذا ابن یسمی الأسود بن سفيان، و کان له بنون لهم قدر، وهم موالى عبد الله بن
يزيد هذا شيخ مالك؛ والذى قاله مالك وعبد الرحمن بن إسحاق فيه هو الصواب عند أهل العلم
بالنسب والله أعلم. وما قاله أبو أویس فلیس بمنکر، لأنه نسب الأسود إلی جده، وعبد الله بن یزید
هذا ثقة حجة فيما نقل. ذكر العقيلى: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: سألت أبى عن
عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان، فقال: ثقة. وسألت عنه يحيى بن معين، فقال: ثقة،
حدث عنه مالك، والليث ابن سعد. قال أبو عمر: لمالك عنه من مرفوعات ((الموطأ)) خمسة
أحاديث شركه فى أحدها أبو النضر والله الموفق للصواب)). تهذيب الكمال ٣١٨/١٦.
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (١٨٣)، وبرواية أبى مصعب (٣٩). وأخرجه أحمد ٣٧/١٦،
٣٨ (٩٩٥٥)، ومسلم (١٨٦/٦١٧) من طريق مالك به .
(٢) تقدم ص ٣١١ - ٣٢٦ . .
٣٢٧
الموطأ
والنَّارِ ، فقال : مخلوقتانِ لا تَبِيدان .
التمهيد
قال أبو عمَرَ: الدلائلُ مِن الآثارِ كثيرةٌ على أنَّ الجنةَ مخلوقٌ بعدُ، والنارَ
مخلوقةٌ بعدُ، فمِن ذلك قولُهُ وَِّ: ((إذا مات أحدُكم عُرِض عليه مَقعدُه بالغداةِ
والعشىِّ، إن كان من أهلِ الجنةِ فمِن أهلِ الجنةِ ، وإِن كان من أهلِ النارِ فمِن أهلٍ
النارِ، يقالُ له : هذا مَقعدُك حتى يَبعثَك اللَّهُ إليه يومَ القيامةِ))(١). وقال اللَّهُ عزّ
وجلَّ فى آلٍ فرعونَ: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ الآية [غافر: ٤٦].
وقال رسولُ اللّهِ وَهِ: ((اطَّلَعْتُ فى النارِ، فرأَيْتُ أكثرَ أهلِها النساءَ، وَاطّلَعْتُ
فى الجنةِ، فَرَأيت أَكْثَرَ أهلِها المساكينَ))(٢). وقال رسولُ اللَّهِ وَِّ: ((إِذَا دَخَلَ
رمضانُ، قُتِحَتْ أبوابُ الجنةِ))(١).
وقولُه: ((اشتكَتِ النارُ إلى ربِّها)). هذا الحديثُ أَبْيَنُ شيءٍ فى أنها قد
خُلقتْ، وأنها باقيةٌ شتاءً وصيفًا .
أخبرنا خلفُ بنُ القاسِم، قال: أخبرنا أبو قُتيبةً، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ
هاشم، قال حدَّثنا أبو نصرِ الثَّمارُ، قال : حدثنا حمادُ بنُ سلمةً ، عن محمدِ بنِ
عمرو بن علقمةً، عن أبى سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبى هريرةَ ، قال : قال
رسولُ اللَّهِ بِهِ: ((لَّ خَلَق اللَّهُ الجنةَ قال: يا جبريلُ، اذهَبْ فانظُرْ إِليها. قال:
فذهَب فنظَر إليها، فقال: يا ربِّ، وعزَّتِك لا يَسمَعُ بهذه أحدٌ إلا دخَلها . ثُمّ
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (٥٦٨).
(٢) أخرجه أحمد ٥٠٦/٣ (٢٠٨٦)، ومسلم (٢٧٣٧)، والترمذى (٢٦٠٢) من حديث ابن
عباس .
(٣) سيأتى فى شرح الحديث (٦٩٨) من الموطأ .
٣٢٨
الموطأ
التمهید
حَفَّها بالمَكارهِ، ثم قال له: اذهَبْ فانظُرْ إِليها. فذهَب فنظر إليها، فقال:
ياربّ، وعزتك لقد خشِيتُ ألا يَدخُلَها أحدٌ . فلما خلق النارَ ، قال : يا جبريلُ،
اذهبْ فانظُرْ إليها. فنظَر إِليها، فقال: يَا رَبِّ، وعزتِّك لَا يَسمَعُ بها أحدٌ
فيدَخُلُها. فحَفَّها بِالشهواتِ ، وقال: اذهَبْ فانظُرْ إِليها. فنظَر إليها، فقال:
ياربِّ، لقد خشِيتُ أَلَّ يَبقَى أحدٌ إلَّا يَدخُلُها))(١).
وقرأتُ على خلفٍ بنِ القاسم، أن الحسينَ بنَ جعفرٍ حدَّثهم، قال: حدَّثنا
يوسفُ بنُ يزيدَ، قال: حدَّثنا الحجاجُ بنُ إبراهيمَ الأزرقُ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ
ابنُ جعفرٍ، عن محمدِ بنِ عمرو، عن أبى سلمةَ، عن أبى هريرةَ، أن رسولَ
اللَّهِ وَِّ قال: ((إِنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ دعا جبريلَ، فأرسَله إلى الجنةِ، فقال: انظُرْ
إِليها ، وانظُرْ إلى ما أعدَدْتُ لأُهلِها. فرجَع، فقال: وعزّك لا يَسمَعُ بها أحدٌ إلَّا
دخلها . فحُفَّت بالمكارهِ، فقال: ارجع فانظُرْ إِليها. فرجَع، فقال: وعزتك لقد
خشِيتُ ألا يَدخُلَها أحدٌ . ثم أرسله إلى النارِ ، فقال: اذهَبْ إلى النارِ فانظُرْ ما
أَعدَدْتُ لأَهلِها فيها. فرجَع، فقال: وعزَّك لا يَدخُلُها أحدٌ يَسمَعُ بها . فحُفَّتْ
بالشهواتِ، ثم قال: عُدْ إليها فانظُرْ. فرجع، فقال: وعزّك لقد خشِيتُ ألّا
يَبْقَى أحدٌ إِلَّ دخَلها))(٢).
وأخبرنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أبو قُتيبةً سَلْمُ (١) بنُ الفضلِ، حدَّثنا
القبس
.
(١) أخرجه ابن حبان (٧٣٩٤)، والبيهقى فى البعث (١٨٥) من طريق أبى نصر التمار به، وأخرجه
أبو داود (٤٧٤٤)، والحاكم ٢٦/١، ٢٧، والبيهقى فى البعث (١٨٥) من طريق حماد به.
(٢) تقدم تخريجه ص ٣٢٠.
(٣) فى ص ١٦: ((مسلم)). وينظر تاريخ بغداد ١٤٨/٩.
٣٢٩
الموطأ
التمهید
عبدُ اللَّهِ بنُ محمدِ بنِ ناجيةً، قال: حدثنا محمودُ بنُ غَيْلانَ، قال: حدَّثْنا مُؤمَّلُ
ابنُّ إسماعیلَ ، قال: حدثنا حمادُ بنُ سلمةً ، عن ثابت البناني ، عن أبی رافعٍ،
عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ بِّهِ: ((إن للَّهِ ملائكةً فُضْلًا سَيَّارَةً،
يلتمِسُون مجالسَ الذِّکرِ ، فإذا مُوا بقوم يذكرون الله، يَحُقُّونهم بأجنحتهم،
فإِذا انصَرفُوا ، عرَجتِ الملائكةُ إلى السماءِ، فيقولُ لهم ربنا تبارك وتعالى ، وهو
أعلمُ : مِن أين جئتم؟ فيقولون: مِن عندٍ عبادِك؛ يُسبِّحُونك، ويَحمَدونكَ ،
ويهلِلُونكَ، ويسألونكَ، ويَسْتَجِيرُونكَ. فيقولُ وهو أعلمُ: وما يسألون؟
فيقولون: يَسألونك الجنةَ. فيقولُ: وهل رأَوها؟ فيقولون: لا . فيقولُ: كيف لو
رأَوها! ويقولُ: ومِمَّ يَستجيرون؟ وهو أعلمُ ، فيقولون: مِن النارِ . فيقولُ: وهل
رأَوها؟ فيقولون: لا. فيقولُ: كيف لو رأَوها؟ ثم يقولُ: فإِنِى أُشهِدُكم أنى قد
أَعطَيتُهم ما سأَلُوا، وأجرتُهم مما استجاروا . فيقولون : أى ربِّ، فيهم عبدُك
الخَطّاءُ ليس منهم، إَما مرَّ بهم فجلس إليهم. فيقولُ: وفلانٌ قد غفرتُ له، هم
القومُ لا يَشقَى بهم جليسُهم))(١).
وروَى سهيلُ بنُ أبى صالح، عن أبيه، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ وَلِّ مثلَه
(٢)
سواءٌ ) .
وروَى الأعمشُ، عن أبى صالح، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ وَلَّهِ مِثْلَه، إلَّ
القبس
(١) أخرجه أحمد ٢١٧/١٤ (٨٥٣٨)، والنسائى فى الكبرى - كما فى تحفة الأشراف ٣٨٧/١٠
(١٤٦٥٨) - من طريق حماد بن سلمة به .
(٢) أخرجه الطيالسى (٢٥٥٦)، وأحمد ٣٩٢/١٢ (٧٤٢٦)، ومسلم (٢٦٨٩) من طريق سهيل
به .
٣٣٠
الموطأ
التمهيد
أنه قالَ فى آخِرِهِ: ((هم الجُلَسَاءُ لَا يَشْقَى(١) جَليشُهم))(٢).
والآثارُ فى خَلقِ الجنة والنارِ كثيرةٌ جدًّا صِحاحٌ ثابتةٌ يجِبُ الإيمانُ بها
والتسليمُ لِما جاءَ منها . وباللهِ التوفيقُ .
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ المَلِكِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُّ محمدِ بنِ زيادٍ ، قال :
حدَّثنَا الزَّعْفَرَانِىُ، قال: حدَّثْنَا شَبَابَةُ ، قال: حدَّثنا وَرقاءُ، عن أبى الزِّنَادِ ، عن
الأَعْرَج، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ ◌َّهِقال: ((حُفَّتِ النارُ بالشهواتِ، وحُفَّتِ
الجنة بالمكارهِ))(٣).
وحدَّثناه عبدُ اللَّهِ بنُ محمدِ بنِ يوسفَ، قال: حدَّثنا ابنُّ أبى غالبٍ
عُبِيدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ محمد الباهلىُّ، قال: حدَّثنا
رزقُ اللَّهِ بنُ موسى، قال: حدثنا ورقاءُ، عن أبى الزِّنادِ، عن الأعرج ، عن أبى
هريرةَ، عن النبيِّ وَ لِّ مثلَه .
ورَواه الأعمشُ، عن أبى صالح، عن أبى هريرةَ ، قال : قال رسولُ اللَّهِ
وَلَّهِ: ((إنَّ الجنَّةَ حُفَّتْ بالمكارِهِ، وَإِنَّ النَّارَ حُفَّت بالشهواتِ))(٤).
وأمَّا قولُه: ((اشتكَتِ النارُ إلى ربِّها )). فحمَله قومٌ على المجازِ، كقولٍ
القبس
(١) بعده فى ص ١٧، م: ((بهم)).
(٢) أخرجه البخارى (٦٤٠٨)، وابن حبان (٨٥٧)، والطبرانى فى الدعاء (١٨٩٥) من طريق
الأعمش به .
(٣) أخرجه مسلم (٢٨٢٣)، وابن حبان (٧١٩) من طريق شبابة به، وأخرجه أحمد ٤٩٧/١٢
(٧٥٣٠)، من طريق ورقاء به .
(٤) أخرجه البزار (٣٢٠٣)، وابن عدى ١٧٩٦/٥ من طريق الأعمش به.
٣٣١
الموطأ
التمهید
الشاعر (١):
(١)
شكًا إِلىَّ جَمَلِى طُولَ الشُّرَى *
#
وكقولٍ عنترَةَ(١) :
وشكًا إلىّ بعَبْرَةٍ وتَحَمْتُمِ *
#
وكقول القائل (١) :
امتَلأُ الحوضُ وقال قَطْنِى
مهلًا رُوَيْدًا قد ملأُتَ بَطْنِى
وكقولِ العربِ: قالت السَّماءُ فهَطَلَتْ، ("وقال الحائطُ فمَال٣)، وقالت
رِجْلِى فخَدِرَتْ. ونحوِ هذا، وكقولٍ عروةَ بنِ حِزامٍ حينَ جعَل القولَ لمن لا
يوجدُ منه قولٌ (٤):
أبِالصَّوْمٍ مِن عَفْراءَ تَنْتَحِبانٍ
ألا يا غُرابَىْ دِمنةِ الدَّارِ بَيِّنا
بلَحْمِی إلی وکْرِيكُما فِكُلَانِى
فإن كان حقًّا ما تَقُولان فانْهَضا
وكقولٍ ذِى الرُمَّةِ (٥) :
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٣٢٣ .
(٢) تقدم تخريجه ص ٣٢٤.
(٣ - ٣) سقط من: م.
(٤) البيتان فى الشعر والشعراء ٢/ ٦٢٤، ونوادر القالى ص ١٦٠.
(٥) تفسير القرطبى ٣٥٦/٢، والنهاية ٤/ ١٢٤، واللسان (ق ول)، وينظر ديوان ذى الرمة ٢/ ١١٦٨.
٣٣٢
الموطأ
وحدَّرَتًا مثلَ الجُمانِ المُظِّم
فقالت لىَ العينان سَمْعًا وطاعَةً
ومثلُ هذا قولُ القائل(١) :
التمهید
كم ◌ُناسٍ فى نَعِيمٍ عُمِّرُوا(٢). فى ذُرَى مُلكِ تعالَى فِبَسَقْ
ثم أَبْكاهُمْ دمًا حينَ نَطَقْ
سكَتَ الدَّهْرُ زَمانًا عنهمُ
وهذا ومثلُه کثیر فی أشعار العرب ولغاتها ، وقد زِدْنَا هذا المعنی بیانًا فى بابٍ
زيد بن أسلمَ() .
وقال جماعةٌ من أهلِ العلم : إِنَّ ذلك على الحقيقةِ، وإنها تَنطِقُ، يُنطِقُها اللَّهُ
الذى يُنطِقُ الجلودَ وكلَّ شىءٍ ، ولها لسانٌ كما شاءَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ. فاستشهَدُوا
بقوله عزَّ وجلَّ : (يومَ يقولُ (٤) لجَهَنَّمَ هل امْتَلَأْتِ وتقولُ هل مِن مَزِيدٍ). وبقولِه :
﴿سَمِعُواْ لَا تَغَيُّظًا وَزَفِيْرًا﴾ [الفرقان: ١٢]. وبما جاءَ مِن نحوِ هذا فى الآثارِ
الثَّابِتَةِ، نحو قوله: ((فتقولُ: قَطْ، قَطْ)) (٥). وتقولُ: ((ؤكِّلْتُ بكلِّ جَبَّارٍ
عنيدٍ))(١) . وهذا ونحوُه فى القرآنِ والأحاديثِ كثيرٌ جِدًّا، وحمَلوا ما فى القرآنِ
القبس
(١) عيون الأخبار ٣٠٣/٢، وبهجة المجالس ٣٢٣/٢ غير منسوب فيهما، ورواية البيت الأول فيهما:
فى نعيم وسرور وغدق
رب قوم غبروا من عيشهم
(٢) فى ص ١٦: ((غبروا)).
(٣) ينظر ما تقدم ص ٣١١ - ٣٢٦ .
(٤) هى قراءة نافع وأبى بكر، وقرأ الباقون بالنون. النشر ٢٨١/٢.
(٥) أخرجه أحمد ١٥٠/١٣ (٧٧١٨)، والبخارى (٤٨٤٩، ٧٤٤٩)، ومسلم (٢٨٤٦) من
حديث أبى هريرة .
(٦) أخرجه أحمد ١٥٢/١٤ (٨٤٣٠)، والترمذى (٢٥٧٤) من حديث أبى هريرة .
٣٣٣
٢٨- وحدّثنى يحيى، عن مالكِ، عن أبى الزِّنَادِ، عن الأعْرَج،
الموطأ
عن أبى هريرةَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ فَهِ قال: ((إذا اشْتَدَّ الحرُّ فَأبْرِدُوا عن
الصلاةِ ، فإنَّ شِدَّة الحرّ مِن فَيِحِ جَهَنَّمَ )).
التمهید
والآثارِ من مثل هذا على الحقيقَةِ . واخْتَجوا بقولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿يَقُصُّ
اُلْحَقَّ﴾ [الأنعام: ٥٧]. وقوله: ﴿ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ [ص: ٨٤]. ونحوِ هذا. ولكلا
القولين وجة يطولُ الاعتلالُ له. واللَّهُ الموفقُ للصّوابِ .
مالكٌ، عن أبى الزّنَادِ، عن الأَعْرَجِ، عن أبى هريرةَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ وَهِ
قال: ((إذا اشْتَدَّ الحرّ فأبْرِدُوا عن الصلاةِ، فإنَّ شِدَّةَ الحرّ من فَيْحِ جَهَنَّمَ))(١).
لم يُخْتَلَفْ عن مالكٍ فى إسنادٍ هذا الحديثِ ولَفْظِهِ، كلُّهم يقولُ فيه: ((إذا
اشْتَدَّ الحرّ فَأَبْرِدُوا عن الصَّلاةِ » . هكذا .
وقد حدَّثْنَا خَلَفُ بنُ قاسِم، حدَّثنا أبو الحسنِ علىّ بنُّ العَبَّاسِ بنِ عبدِ الغَقَّارِ البَزَّارُ،
قال: حدَّثْنا مِقْدَامُ بنُ داودَ وبكرُ بنُ سَهْلِ الدِّمْيَاطِئُ، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ مَخْلَدٍ
الرُّعَشِىُّ، حدَّثْنا مالكٌ، عن أَبِى الزّنادِ، عن الأَعْرَجِ، عن أبى هريرةَ، قال : قال رسولُ
اللّهِ وَّهِ: ((أبْرِدُوا بصلاةِ الظُّهْرِ فى اليومِ الحارِّ، فإنَّ شِدَّةَ الحَرْ من فَيْحِ جَهَنَّمَ)).
قد مضی القولُ فی معنی هذا الحدیثِ ، وما للعلماءِ فیه ، فی بابِ زیدِ بنِ
أُسْلَمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ ، مِن كتابِنا هذا ، فلا وَجْهَ لإِعادَةِ ذلك هَهُنا .
القبس
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (٤٠). وأخرجه أحمد ٣٨/١٦ (٩٩٥٦) وابن ماجه (٦٧٧) من
حديث مالك به .
(٢) تقدم ص ٣١١ - ٣٢٦.
٣٣٤
النهىُ عن دُخولِ المسجدِ بريحِ القُومِ وتَغْطيةِ الفمٍ فى الصلاةِ
٢٩ - حدّثنی یحیی ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بنِ
المسيبِ، أنَّ رسولَ اللهِ وَ لِ قال: «مَن أكَل مِن هذه الشَّجَرَةِ ، فلا
يَقْرَبْ مساجِدَنَا، يُؤْذِينَا بريحِ الثُّومِ » .
الموطأ
مالكٌ، عن ابنِ شِهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، أن رسولَ اللَّهِ وَ لِ قال: التمهيد
((مَن أُكَل من هذه الشجرةِ، فلا يَقْرَبْ مساجدَنا، يؤذِينا بريح الثُّومِ)) (١) .
هكذا هو فى ((الموطأُ)) عندَ جميعِهم، مُرسَلٌ. إلا ما رواه محمدُ بنُ مَعمٍ،
عن رَوحِ بنِ عُبادةَ، عن صالحِ بنِ أبى الأخضرِ ومالكِ بنِ أنسٍٍ ، عن الزُّهرِىِّ،
عن سعيدٍ ، عن أبى هريرةً ، مرةً موصولاً . وقد وصلَه مَعمرٌ، ویونس ، وإبراهيمُ
ابنُ سعدٍ، عن ابنِ شِهابٍ. فأما روايةُ مَعمرٍ، فذكرها عبدُ الرزاقِ(١) ، عن مَعمٍ ،
عن الزهرىِّ، عن ابنِ المسيَّبِ، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَله: (( من
أگل من هذه الشجرة - یعنی الثُّومَ - فلا يؤذِینا فى مسجدنا))(١) . وذكره ابنُ
القبس
بابُ الثَّهي عن دُخولِ المَسْجِدِ بريح الثُّومِ
ثبت عن النبيِّ وَِّ أنه قال: ((مَن أُكَل ثُومًا أو بَصَلَّا أو كُوَّاثًا فلا يَقْرَبْ
(٣)
مساجدنا)) .
وورد الحدیثُ فی الصحیحِ مِن طریقِ ابنِ عمر ، وجابرٍ ، وأنسٍٍ ، وأبی سعیدٍ ،
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٩٢٠)، وبرواية أبى مصعب الزهرى (٤١). وأخرجه البيهقى
فى المعرفة (١٤٥٤) من طريق مالك به .
(٢) عبد الرزاق (١٧٣٨).
(٣) سيأتى تخريجه ص ٣٤٥ .
٣٣٥
الموطأ
التمهيد وهب، عن يونسَ، عن ابنِ شِهابٍ كذلك سَواءً مسنَدًا .
وحدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ محمدٍ ، قال: حدَّثنا مَسْلمةُ بنُّ القاسم،
قال: حدَّثنا أبو عبدِ اللَّهِ الحسينُ بنُ إسماعيلَ المَحَامِلِىُّ ببغدادَ، قال: حدَّثنا فضلٌ
الأعرج، قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ بنِ سعدٍ ، قال: حدَّثنى أبى، عن ابنٍ
شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسئَّبِ، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ وَالإ قال: ((من أكل
مِن هذه الشجرةِ فلا يؤذينَا فى مسجِدِنا)) . يعنى الثُّومَ . قال يعقوبُ: وذكر أبى،
عن أبيه ، أنه ذكَّر معه الكُوَّاثَ والبصلَ(١) .
قال أبو عمر: روَى النَّهْىَ عن أُكْلِ الثُّومِ بألفاظٍ متقاربةِ المعانِى، عن
النبيِّ وَلَّهِ جماعةٌ؛ منهم عمرُ بنُ الخطابِ، وعلىُّ بنُ أبى طالِبٍ، وحذيفةُ،
القبس
ووقَع طَرَفٌ منه فى حديثِ سلَمةَ بنِ الأكوع، وهو قولُه: أصابتنا مَخْمَصةٌ (١)
بخيبرَ). لأن النبيِّ وَلِّ كان قد نهى عن أكْلِ الثُّومِ والبصَلِ، فأصابتهم مجاعةٌ
بخيبرَ، فوقَعوا فى زراعةٍ بصلٍ فأكَلوها مِن الجُوعِ، فقال النبىُّ نَّهِ: ((مَن أَكَل مِن
هذه الشَّجرةِ فلا يَقْرَبْ مساجدَنا)). فقال الناسُ: حُرِّمَتْ حُرِّمَتْ. فَبلَغ ذلك
النبىَِّ نَّه، فقامٍ وَ لَهِّ فخطَب الناسَ، فقال: ((أَيُّها النَّاسُ، ليس لى تحريمُ ما أحلَّ
اللهُ، ولكنّها شجرةٌ أكْرَهُ رِيحَها » .
وذكّر النبيُِّ نَّهِ فِى ذلك ثلاثَ عِلَلٍ؛ قولُه: ((يُؤْذِينا بريح الثُّومِ)). وقولُه:
«فإنَّ الملائكة تتأَذَّی بما يتأذى منه بنو آدم)). وذلك يَدُلُّ على أنهم مُتَكْبون مِن ریشٍ
(١) أخرجه أحمد ٢٧/١٣ (٧٥٨٣) من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد به، وأخرجه أحمد ٢٧/١٣
(٧٥٨٣)، وأبو عوانة (١٢٢٦)، والدارقطنى فى العلل ١٩٤/٩ من طريق إبراهيم بن سعد به.
(٢) المخمصة: الجوع. صحيح مسلم بشرح النووى ١٦٧/١٢.
(٣) البخارى (٤١٩٦)، ومسلم (١٨٠٢).
٣٣٦
الموطأ
التمهید
وابنُّ عمرَ، وجابرٌ، وأنسٌ، وأبو سعيدٍ ، والمغيرةُ بنُ شعبةَ، ومَعْقِلُ بنُ يَسَارِ (١)،
وأمّ أيوبَ . فأما حديثُ ابنِ عمرَ، فرواه عُبَيدُ اللَّهِ بنُ عمرَ، عن نافعٍ، عن ابنٍ
عمرَ، أَنَّ النبيَّ وَلِّ قال فى غزوة خيبرَ: ((مَن أكَل مِن هذه الشجرةِ - يعنى
الثُّومَ - فلا يَقْرَبَنَّ مسجِدَنا)) .
ذكَرِه البخارىُّ(١) ، عن مسدَّدٍ، عن يحيى، عن عُبَيدِ اللَّهِ .
قال البخارىُّ(٢) : وحدَّثنا أبو مَعمرٍ: حدّثنا عبدُ الوارث، عن عبدِ العزيزِ ،
قال: سأل رجلٌ أنسَ بنَ مالكِ: ما سمِعتَ(٤) نبيَّ اللَّهِ وَلَ يَقولُ(٥) فى الثُّومِ؟
القبس
وچشم، لا کما تقولُ الفلاسِفَةُ: إنهم بسائِطُ()، إنهم تفورونَ و یکثرون حتی
يَمْلأَ أحدُهم الأُفُقَ، ويَصْغُرونَ حتى يصيرَ أحدُهم كالوَضْعِ(١) . ولذلك قال النبىُّ
وَلَّ لصاحبه: ((كُلْ مِن القِدْرِ الذى فيه الخُضْرَاواتِ فإنّى أَناجى مَن لا تُناجى)).
إشارةً إلى أن الملَكَ يأتيه مِن غيرٍ وَعْدٍ ، فؤُّما وجَده على تلك الحالِ . وفى الآثارِ
المؤسّلةِ: ((أنَّ الرجلَ تَكْذِبُ الگذْبةَ فيتباعدُ عنه الملَكُمِن نَتْنِرِیچه)» . وذلك كثيرٌ
فى الشريعةِ. والعلةُ الثالثةُ: قولُه: ((فلا تَقْرَبْ مساجدنا))، و ((مسجدنا)). فذكر
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٢/ ٥١٠، ١١٣/٨، وأحمد ٤١٨/٣٣ (٢٠٣٠٢)، والطحاوى فى شرح المعانى
٢٣٨/٤، والفسوى فى المعرفة ١/ ٣١٠، والخطيب فى الموضح ٢٠٥/١ - ٢٠٧، والطبرانى ٢٢٣/٢٠ (٢٥٠).
(٢) البخارى (٨٥٣).
(٣) البخارى (٨٥٦).
(٤) بعده فى م: ((من)).
(٥) سقط من: م.
(٦) بعده فى ج، م: ((وتقول)).
(٧ - ٧) سقط من: ج، م.
(٨) فى ج: ((الرضيع))، وفى م: ((الريضيع)). والوَصْغُ، بالسكون ويحرك: طائر أصغر من
العصفور، وقيل: هو الصغير من العصافير. التاج (وص ع).
(٩) الترمذى (١٩٧٢) بنحوه .
٣٣٧
( موسوعة شروح الموطأ ٢٢/٢)
الموطأ
التمهید
فقال: قال النبيُّ وَّهِ: ((مَن أُكَل مِن هذه الشجرةِ، فلا يَقْرَبْنا، وَ(١) لَا يُصلِّينَّ
معنا)).
وحدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ ،
قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبلٍ، قال: حدَّثنا يحيى، عن عبيدِ اللَّهِ، عن نافعٍ، عن ابنِ
عمرَ، أن النبىَّ وَ لِّ قال: ((مَن أَكَل مِن هذه الشجرةِ فلا يَقرَبَنَّ المساجدَ))(١).
قال أبو عمرَ: اختلف العلماءُ فى معنى هذا الحديثِ؛ فقال بعضُهم: إِّما
خرَج النهىُ عن مسجدِ النبيِّ نَّهِ مِن أجلِ جبريل عليه السلامُ ونُزولِه فيه على
النبيّ عليه السلامُ. وقال آخرونَ، وهم الأكثرون: مسجدُ النبيِِّ وَلَه وسائرُ
المساجدِ غيرُهُ(٢) فى ذلك سواءٌ، وملائكةُ الوحي فى ذلك " وغيرها) سواءٌ؛
لأَنَّه قد أخبَرَ أَنَّه يتأَذَّى منه (٥) بنوآدمَ، وقال: ((إن الملائكةَ تأَذَّى بما يتأذَّى منه بنو
آدمَ))). وقال: ((يؤذينا بريح الثُّومِ)). ولا يَحِلُّ أَذَى الجَلَيسِ المسلِمِ حيثُ كان.
الصفةَ فى الحكْم وهى المسجِديَّةُ ، وذكْرُ الصفةِ فى الحُكْم تَغليلٌ ؛ لأن الأسماء التى
القبس
◌ُلِّقَت عليها الأحكام على قِشمين؛ أحدُهما: مُشتَقٌّ. والآخَرُ: جامِدٌ . فإذا علَّقَ
الحِكْمَ على اسمٍ مشتَقٌّ أفادَ الحكمَ والعِلَّةَ؛ كقوله : أكْرِمِ العالِمَ. ومعناه لعِلْمِه . وإذا
كان الاسمُ جامدًا لم يُفِدْ إِلَّا ما تفيدُه(٧) الإشارةُ وهو بيانُ المحَلِّ، كقوله: أكرِمْ زَيْدًا .
(١) فى مصدر التخريج: ((أو)).
(٢) أخرجه البيهقى ٧٥/٣ من طريق محمد بن بکر به، وهو عند أبى داود (٣٨٢٥)، وأحمد ٢٣٦/٨
(٤٦١٩)، وأخرجه مسلم (٦٨/٥٦١) من طریق یحیی به .
(٣) زيادة من: م.
(٤ - ٤) زيادة من : م .
(٥) سقط من: م.
(٦) سيأتى تخريجه ص ٣٤٥ من حديث جابر.
(٧) فى د: ((يفيده))، وفى م: ((قيدته)). والمثبت من ج موافق لنسخة فى حاشية د.
٣٣٨
الموطأ
التمهيد
قال أبو عمرَ: فى هذا الحديثِ مِن الفقهِ معرفةُ كَونِ البقُولِ والخُضَرِ
بالمدينةِ، فَلَمَّا لم يَنْقُلْ أَحَدٌ عن النبيِّ وَ لِّ أنه أخذ منها الزكاةَ، وَلَّ على أنَّ الزكاةَ
ساقطةٌ عن الخُضَرِ، وعمَّا أخرجتِ الأرضُ غيرَ القُوتِ المُدَّخَرِ. وقد أوضحنا هذه
المسألة ، وذكرنا وُجوهها واختلافَ العلماءِ فيها فى أولِ بلاغاتِ مالك ، وذلك
قولُه؛ إنه بلَغه عن سليمانَ بنِ يَسَارٍ وبُشْرِ بنِ سعيدٍ، أن رسولَ اللَّهِ وَلِ قال:
((فيما سقَت السماءُ العُشرُ)) الحديث(١) .
وفى هذا الحديثِ أيضًا مِن الفقهِ أن أكلَ الثُّومِ ليس بمحرَّم ؛ لأن الحرام لا
يقالُ فيه: مَن فعَله فلا يَفعلْ كذا. لشيءٍ غيرِه؛ لأن هذا لفظً إباحةٍ لا لفظُ
مَنْعٍ، وليس هذا مِن بابٍ ما رُوِى عنه بَّهِ: ((مَن شَرِب الخمرَ فَلْيُشَقِّصِ(٢)
القبس
وعلى القِسمِ الأولِ جاء قولُه: سهَى فسجَّد ، وزَنا فرُجِمَ وقتَل فَقُتِلَ. وهذا يدُلُّ على
مسألةٍ حسنَةٍ مِن أصولِ الفقْهِ، وهى تَعلُّقُ الحُكْمِ الشرعىّ بعلَلٍ كثيرةٍ؛ كالامتناعِ مِن
وطِ الحائضِ المُخْرِمَةِ الصائمةِ ، بخلافٍ العلَلِ العقليةِ ، فإن الحِكْمَ لا يتعلَّقُ منها إلا
بواحدة .
ترجمةٌ : فائدةُ إدخالِ مالكِ هذا البابَ فى هذا الموضع؛ أنه لما بينَّ أوقاتَ
الصلواتِ للواحدِ والجماعاتِ، وذكّر التحضيضَ(١) عليها وعلِم أنها تتعلَّقُ بِمَحِلَّين؛
زمانٍ، وهو الذى بينَّ، ومكانٍ، وهو المسجدُ - أرادَ أن يُفيدَك أن صلاةُ الجماعةِ
ليسَتْ بِفَرْضٍ ، إذ لو كانت فرضًا لما جازَ أن يتخَلَّفَ عنها بأكْلِ الثُّومِ .
(١) سيأتى فى الموطأ (٦١٢).
(٢) فليشقص معناه: فليستحل أكلها، والتشقيص يكون من وجهين؛ أحدهما، أن يذبحها
بالمشقص، وهو نصل عريض. والآخر، أن يجعلها أشقاصًا وأعضاءً بعد ذبحها. ومعنى الكلام إنما
هو توكيد التحريم والتغليظ فيه. معالم السنن للخطابى ٣/ ١٣٤.
(٣) فى ج، م: ((التخصيص)).
٣٣٩
الموطأ
التمهید
الخنازيرَ)) (١). فى شىءٍ؛ لأنَّ شُربَ الخمرِ وتَشقِيصَ الخنازيرِ كلاهما محرَّمٌ .
وقد اختلفَ العلماءُ فى أكلِ الثُّومِ؛ فذهبت طائفةٌ مِن أهلِ الظَّاهرِ القائلين
بوجوب الصلاةِ فى الجماعةِ فرضًا إلى تحرِيمٍ أكلِ الثُّومِ فى وقتٍ يُوجَدُ رِيحُه منه
فى المسجدِ، وقالوا: نهىُ رسولِ اللَّهِ وَّل عن أكلِ النُّومِ نهى تحريم، فلا يجوزُ
لأحدٍ أكلُه؛ لأنه لا يجوزُ لأحدٍ التأَخُرُ عن صلاةِ الجماعةِ إذا كانَ قادِرًا على
شُهُودِها، ولا يَحِلُّ له التَّخلَّفُ عنها إذا سمِع النداءَ بها مع الاسْتِطاعَةِ على
المشي إليها . قالوا: وكُلَّ ما(١) منَع مِن إتيانِ الفرضِ والقيام به، فحرامٌ عملُه
والتشَاغُلُ به، كما أنه حرامٌ على الإنسانِ فِعلُ كلِّ ما يمنعُه مِن مُشاهدةِ الجمُعةِ .
واحتجُوا بأن رسولَ اللَّهِ وَلِهِ قد سمّاها خبيثةً، واللَّهُ عزّ وجَل قد وصَف نبيّه
عليه الصلاةُ والسلامُ بأنه يحرّمُ الخبائثَ . وذكروا حدیث یحیی بن سعيد ، عن
القبس
فإن قيل: لا يمتَنِعُ أن يُسقِطَ المباعُ الفَرْضَ، كالسَّفَرِ يُشْقِطُ الصومَ وشطْرَ
الصلاةِ . قلنا : السفَرُ لم يُسقِطِ الصومَ ولا الصلاةَ ، وإنما نقلها إلى بدلٍ ، بخلافٍ أْلِ
الثُّومِ فإنه يُسقِطُ الجماعةَ رأسًا ، فدَلَّ على أنها ليسَتْ بِفَرْضٍ.
إلحاقٌ(٣): قولُه: ((يُؤْذِينا بريحِ الثُّومِ)). المساجِدُ على ضَريَيْن؛ مُخْتَطَّةٌ
كمُصَلَّى العيدَيْنِ ومُصَلَّى المسافرينَ إذا نزَلوا، ومَبْنَّةٌ كسائرِ المساجدِ، فإن كانت
المساجدُ مُخْتَطَّةٌ تعلَّقَ الحُكْمُ بِعِلَّتَيْن؛ إذايةُ الملائكةِ، وإذايةُ الإنْسِ ؛ لأن المسجدَ
المُحْتَطَّ لا محزْمَةً له، إنما الحزمةُ للمُختَطِّ المبنىّ؛ ولذلك قُلنا: إنه لا يَدْخُلُ آكِلُ
الثُّومِ مَجالِسَ العِلْمِ ولا مَشاهِدَ الرأي والمَشُورةِ فى الحربِ، نعَم، ولا الأسواقَ
(١) أخرجه الطيالسى (٧٣٥)، وأحمد ١٥٤/٣٠ (١٨٢١٤)، وأبو داود (٣٤٨٩) من حديث
المغيرة بن شعبة .
(٢) سقط من: م.
(٣) فى م: ((لحق)).
٣٤٠